Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
وأهل المشاهدة في السجود على ثلاث مقامات ؛ منهم من إذا سجد كوشف بالجبروت الأعلى فيعلو إلى القريب ويدنو من القريب ، وهذا مقام المقربين من المحبوبين ، ومنهم من إذا سجد كوشف بملكوت العزة ، فيسجد على الثرى الأسفل عند وصف من أوصاف القادر الأجل ، فيكسر قلبه ويخبت تواضعا وذلا للعزيز الأعلى ، وهذا مقام الخائفين من العابدين ، ومنهم من إذا سجد جال قلبه في ملكوت السموات والأرض فآب بظرائف الفوائد وشهد غرائب الزوائد ، وهذا مقام الصادقين من الطالبين ، وهناك قسم رابع لا يذكر بشيء ليس له وصف فيستحق المدح ، وهم الذين يجول همهم في أعطية الملك وأنصبة المماليك ، فهم محجوبون بالهمم الدنية عن الشهادة العلية مأسورون بالهوى عن السياحة إلى الإعلام ، فإن دعا هذا المصلي نظر إلى المدعو فكان هو المرجو فأخذ في التمجيد والثناء والحمد والآلاء ، ونسي حاجته من الدنيا واشتغل عن نفسه بالمولى وعن مسألته بحسن الثناء ، وإن استغفر هذا الداعي تفكر في أوصاف التوبة وأحكام التائب وتفكر في ما سلف من الذنوب فعمل في تصفية الاستغفار وإخلاص الإنابة والاعتذار ، وجدد عقد الاستقامة ، فيكون له بهذا الاستغفار من الله عز وجل تحية وكرامة ، ففي مثل صلاة هذا العبد وردت الأخبار أن العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الحجاب بينه وبينه وواجهه بوجهه ، وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء فيصلون بصلاته ويؤمنون على دعائه ، وأن المصلي لينثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه ويناديه مناد لو علم المناجي من يناجي ما انفتل ، وأن أبواب السماء ، للمصلين ، وأن الله تعالى يباهي ملائكته بصفوف المصلين ، وفي التوراة مكتوب : يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي مصليا باكيا فأنا الله تعالى الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري ، قال : وكنا نرى أن تلك الرقة والبكاء وتلك الفتوح التي يجدها المصلي في قلبه من دنو الرب تبارك وتعالى من القلب ، وقال رجل للنبيصلى الله عليه وسلم : ادع الله تعالى أن يرزقني مرافقتك في الجنة ، فقال : أعني بكثرة السجود . وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد أحب إليه من الصلاة ، ولو كان شيء أحب إليه من الصلاة لتعبد به ملائكته ؛ منهم راكع ، وساجد ، وقائم ، وقاعد ، أو كما قال بعض العلماء : الصلاة خدمة الله عز وجل في أرضه ، وقال آخر : المصلون خدام الله عز وجل على بساطه ، إن المصلين من الملائكة يسمون في السموات خدام الرحمن ويفخرون بذلك على سائر المرسلين من الملائكة ، ويقال : إن المؤمن إذا صلى ركعتين عجب منه عشر صفوف من الملائكة ؛ كل صف منهم عشرة آلاف ، وباهى الله تعالى به مائة ألف ملك ؛ وذلك أن العبد قد جمع فيه أركان الصلاة الأربعة ؛ من القيام والقعود والركوع والسجود ، وفرق ذلك على أربعين ألف ملك ، والقائمون لا يركعون إلى يوم القيامة ، والساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة ، وكذلك الراكعون والساجدون ، ثم قد جمع الله له أركان الصلاة الستة ؛ من التلاوة والحمد والاستغفار والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفرق ذلك على ستين ألف ملك لأن كل صف من الملائكة عبادته ذكر من الأذكار الستة ، فإذا رأت الأملاك ما جمع فيه من الأركان الستة والأذكار في ركعتين عجبت منه وباهاهم الله تعالى به ، لأنه قد فرق تلك الأعمال والأركان على مائة ألف ملك ؛ وبذلك فضل المؤمن على الملائكة ، وكذلك فضل الموقن أيضا في مقامات اليقين من أعمال القلوب على الأملاك بالتنقيل في المقامات بأن جمعت فيه ورفع منها ، والملائكة لا ينقلون بل كل ملك موقوف في مقام معلوم لا ينقل عنه إلى غيره مثل : الشكر والخوف والرجاء والشوق والأنين والخشية والمحبة ، بل كل ملك له مزيد وعلو من المقام الواحد على قدر قواه ، وجمع ذلك كله في قلب الموقن .
قال الله تعالى ، وهو أصدق القائلين في صفات أوليائه المؤمنين : ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون و الذين هم عن اللغو معرضون ) المؤمنون : 1 - 2 - 3 ، فمدحهم بالصلاة كما ذكرهم بالإيمان ، ثم مدح صلاتهم بالخشوع كما افتتح بالصلاة أوصافهم ، ثم قال في آخرها : ( والذين هم على صلواتهم يحافظون ) المؤمنون : 9 ، فختم بها نعوتهم وقال في نعت عباده : المصلين الذين استثناهم من الجزوعين من المصائب والفقر ، المانعين للمال والخير ، إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ، ثم نسق النعوت وقال في آخرها : والذين هم على صلاتهم يحافظون ، فلولا أنها أحب الأعمال إليه ما جعلها مفتاح صفات أحبائه وختامها ، ولما وصفهم بالدوام والمحافظة عليها ، ومدحهم بالخشوع فيها ؛ والخشوع هو انكسار القلب وإخباته وتواضعه وذلته ثم لين الجانب وكف الجوارح وحسن سمت وإقبال ، والمداومة والمواظبة عليها وسكون القلب والجوارح فيها ؛ والمحافظة هي حضور القلب وإصغاؤه وصفاء الفهم وإفراده من مراعاة الأوقات وإكمال طهارة الأدوات ، ثم قال تعالى في عاقبة المصلين : ( أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) المؤمنون : 1 ، - 11 ، فجعل أول عطائهم الفلاح وهو الظفر والبقاء ، وآخره الفردوس وهو خير المستقر والمأوى ، وقال في أضدادهم : من أهل النار ما سلككم في سقر ، قالوا : لم نك من المصلين ، وقال موبخا لآخر منهم فلا صدق ولا صلى ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طاعة من نهاه عن الصلاة ، ثم أمره بها وأخبره أن فيها القرب والزلفى في قوله تعالى : ( أرأيت الذين ينهى عبدا إذا صلى ) العلق : 9 - 1 ، ، ثم قال : ( كلا لا تطعه واسجد واقترب ) العلق : 19 ، فالمصلون بقية من خلقه وورثة جنته من عباده وأهل النجاة من دار غضبه إبعاده جعلنا الله منهم بعطفه ورحمته . ذكر الحث على المحافظة على الصلاة وطريقة المصلين من الموقنين قال الله سبحانه وتعالى : ( محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا ) الفتح : 29 الآية ، فاختار لنفسه أصحابه صلوات الله عليه ثم اختار لأصحابه الصلاة فجعلها وصفهم في الإنجيل والتوراة ، فهذا يدل أن الصلاة أفضل الأعمال لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل العمال ، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أفضل ؟ قال : الصلاة لمواقيتها ، وعن عمر رضي الله تعالى عنه : إذا رأيت الرجل حافظا لصلاته فظن به خيرا وإذا رأيته مضيعا لصلاته فهو لا سواها أضيع ، وكان الحسن يقول : ابن آدم ماذا يعز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك ؟
فهو على الله تعالى أهون ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة عماد الدين من تركها فقد كفر ، وفي حديث آخر بين الكفر والإيمان ترك الصلاة ، وفي الخبر : من حافظ على الصلوات الخمس بإكمال طهورها ومواقيتها ، كانت له نورا وبرهانا يوم القيامة ، ومن ضيعها حشره الله تعالى مع فرعون وهامان ، وفي تفسير قوله تعالى : ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) مريم : 87 ، قال الصلوات الخمس ، وعن ابن مسعود وسلمان : الصلاة مكيال ، فمن أوفى وفى له ، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في المطففين ، وفي الخبر : أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته فلا يتم ركوعها ولا سجودها ، وفي الخبر : إذا صلى العبد في الملأ فأحسن وأساء صلاته في الخلا فتلك استهانة يستهين بها ربه عز وجل ، وفي الخبر : إذا أحسن العبد صلاته في العلانية و أحسنها في السر قال الله تعالى لملائكته : هذا عبدي حقا ، وعن كعب وغيره : من قبلت صلاته قبلت أعماله كلها ، ومن ردت عليه صلاته ردت عليه أعماله كلها ، ويقال : من تقبلت منه الصلوات الخمس كملا من غير أن تلفق ، ولا يرفع بعضها من بعض ، أو غيرها من النوافل ، أطلع على علم الأبدال وكتب صديقا ، وعلامة قبول الصلوات أن تنهاه في تضاعيفها عن الفحشاء والمنكر والفحشاء والكبائر ، والمنكر ما أنكره العلماء ، فمن انتهى رفعت صلاته إلى سدرة المنتهى ، ومن تحرقته الأهواء فقد ردت صلاته لما غوى فهوى ، وقال مالك بن دينار وإبراهيم بن أدهم : إني لأرى الرجل يسيء صلاته فأرحم عياله ، وقال الفضيل بن عياض : الفرائض رؤوس الأموال والنوافل الأرباح ، ولا يصح ربح إلا بعد رأس المال ، وكان ابن عيينة يقول : إنما جرموا الوصول بتضييع الأصول ، وقال علي بن الحسين : من اهتم بالصلوات الخمس في مواقيتها وإكمال طهورها لم يكن له في الدنيا عيش وكان عليه السلام إذا توضأ للصلاة تغير لونه واصفر وأرعد ، فقيل له في ذلك فقال : تدرون بين يدي من أريد أن أقف وعلى من أدخل ولمن أخاطب ؟ وقال بعض العارفين : للصلاة أربع فرائض ؛ إجلال المقام ، وإخلاص السهام ، ويقين المقال ، وتسليم الأمر ، وقال أبو الدرداء : خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله تعالى وكان وكيع يقول : من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها لم يحافظ عليها ومن تهاون بتكبيرة الإحرام فاغسل يدك منه . وروينا في تفسير قوله تعالى : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) الحديد : 21 ، قال : تكبيرة الإحرام ، وفي حديث أبي كاهل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى أربعين يوما الصلوات في جماعة لا يفوته منها تكبيرة الإحرام كتب له براءتان ؛ براءة من النفاق ، وبراءة من النار ، وقال سعيد بن المسيب : منذ أربعين سنة ما فاتتني تكبيرة الإحرام في جماعة ، وكان يسمى حمامة المسجد ، وقال عبد الرزاق : من عشرين سنة ما سمعت الأذان إلا في المسجد ، ويقال : إنه إذا كان يوم القيامة أمر بطبقات المصلين إلى الجنة زمرا ، قال : فتأتي أول زمرة كان وجههم الكوكب الدري فتستقبلهم الملائكة فيقولون : من أنتم ؟ فيقولون : نحن المصلون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : ما كانت أعمالكم في الدنيا ؟ فيقولون : كنا إذا سمعنا الأذان قمنا إلى الطهارة لا يشغلنا غيرها ، فتقول الملائكة : يحق لكم ذلك ، ثم تأتي الزمرة الثانية فوق أولئك في الحسن والجمال كأن وجوههم الأقمار فتقول الملائكة : من أنتم ؟ فيقولون : نحن المصلون ، فيقولون : وما كانت صلاتكم ؟
فيقولون : كنا نتوضأ للصلاة قبل دخول وقتها ، فتقول الملائكة : يحق لكم ذلك ، ثم تأتي الزمرة الثالثة فوق هؤلاء في المنزلة والجمال كأن وجوههم الشمس الضاحية ، فتقول الملائكة : أنتم أحسن وجوهاوأعلى مقاما فما أنتم ؟ فيقولون : نحن المصلون ، فيقولون : وما كانت صلاتكم ؟ فيقولون : كنا نسمع الأذان في المسجد ، فتقول الملائكة : يحق لكم ذلك . وقال بعض العلماء رضي الله عنهم : سميت الصلاة صلاة لأنها صلة بين العبد وبين الله عز وجل ومواصلة من الله تعالى لعبده ، ولا تكون المواصلة والمنال إلا لتقي ، قال الله تعالى : ( لن ينال الله لحومها ولادماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) الحج : 37 ، ولا يكون التقي إلا خاشعا فعندها لا يعظم عليه طول الوقوف ولا يكثر عليه الانتهاء عن المنكر والائتمار بالمعروف ، كما قال سبحانه وتعالى : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) العنكبوت : 45 ، والخاشعون من المؤمنين هم الآمرون بالمعروف ، والناهون عن المنكر ، الحافظون لحدود الله جزاؤهم البشرى ، كما قال : ( وبشر المؤمنين ) الأحزاب : 47 والخاشعون أيضا الخائفون ، الذاكرون ، الصابرون ، والمقيمون الصلاة ، فإذا كملت هذه الأوصاف فيهم كانوا مخبتين ، وقد قال سبحانه : ( وبشر المختتين ) الحج : 34 ، وكان ابن مسعود إذا نظر إلى الربيع بن خيثم يقول : وبشر المختبين أما والله لو رآك محمد صلى الله عليه وسلم لفرح بك ، وفي لفظ آخر لأحبك ، يقال : إنه كان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة لا تحسب جارية ابن مسعود إلا إنه أعمى لشدة غض بصره وطول إطراقه إلى الأرض بنظره ، وكان إذا دق الباب عليه تخرج إليه إنه أعمى لشدة غض بصره وطول طاقه إلى الأرض بنظره ، وكان إذا دق الباب عليه تخرج إليه الجارية فإذا رأته قالت لعبد الله صديقك ذاك الأعمى قد جاءك فكان ابن مسعود يضحك ويقول : ويحك ذاك الربيع ، ومشى ذات يوم مع ابن مسعود في الحدادين فلما نظر إلى الأكوار تنفخ وإلى النيران تلتهب ، صعق وسقط مغشيا عليه ، وقعد ابن مسعود عند رأسه إلى وقت الصلاة فلم يفق فحمله ابن مسعود على ظهره إلى منزله ، فلم يزل مغشيا عليه إلى الساعة التي صعق فيها حتى فاتته خمس صلوات ، وابن مسعود عند رأسه يقول : هذا والله الخوف ، وكان هذا يقول : ما دخلت في صلاة قط فأهمني فيها إلا ما أقول وما يقال لي ، وقد كان عامر بن عبد الله من خاشعي المصلين ، كان إذا صلى ضربت ابنته بالدف ، وتحدث النساء بما يردن في البيت ، ولم يكن يعقل ذلك ولا يسمعه وقيل له ذات يوم : هل تحدث نفسك في الصلاة بشيء ؟ قال : نعم بوقوفي بين يدي الله عز وجل ومنصرفي إلى إحدى الدارين ، قيل : فهل تجد شيئا مما نجده من أمور الدنيا ؟ فقال : لأن تختلف الأسنة في أحب إلي من أن أجد شيئا في الصلاة مما تجدون ، وكان يقول : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، وقد كان مسلم بن يسار من الزاهدين العاملين ، كان إذا دخل في الصلاة يقول لأهله : تحدثوا بما تريدون وأفشوا سركم فإني لا أستمع إليكم ، وكان يقول : وما يدريكم أين قلبي ، وكان يصلي ذات يوم في مسجد البصرة ، فوقعت خلفه أسطوانة معقود بناؤها على أربع طاقات ، فتسامع بها أهل السوق فدخلوا المسجد وهو يصلي كأنه وتد ، وما انفتل من صلاته ، فلما فرغ جاءه الناس يهنونه فقال : أي شيء تهنوني ؟ قالوا : وقعت هذه الأسطوانة العظيمة وراءك فسلمت منها ، قال : متى وقعت ؟
قيل : وأنت تصلي ، قال : ما شعرت بها ، وقال بعض المصلين : الصلاة من الآخرة ، فإذا دخلت في الصلاة خرجت من الدنيا ، وسئل بعضهم : هل تذكر في صلاتك شيئا ؟ قال : وهل شيء أحب إلي من الصلاة فأذكره فيها ؟ وكان أبو الدرداء يقول : من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته قبل دخوله في الصلاة ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ . وفي الخبر : أن عمار بن ياسر صلى صلاة فخففها فقيل له : خففت يا أبا اليقظان ، فقال : هل رأيتموني نقصت من حدودها شيئا ؟ قالوا : لا قال : لأني بادرت سهو الشيطان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له ثلثها ولا نصفها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا عشرها ، وكان يقول : إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها ، وقد ذكر هذا عبد الواحد بن زيد أنه إجماع ، فروينا عنه أنه قال : أجمعت العلماء أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل ، وقال الحسن : كل صلاة لا يحضرها قلبك فهي إلى العقوبة أسرع منها إلى الثواب ، ويقال : إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم الزبير وطلحة ، كانوا أخف الناس صلاة ، فسئلوا عن ذلك فقالوا : نبادر بها وسوسة العدو ، وروينا أن عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر : إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله تعالى صلاة ، قيل : وكيف ذاك : لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله تعالى فيها ؟ وقال الله جل ذكره : ( ومن أصدق من الله حديثا ) النساء : 87 ، ( حتى تعلموا ما تقولون ) النساء : 43 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من تشعبت به الهموم لم يبال الله تعالى في أي أوديتها هلك ، وسئل أبو العالية عن قوله تعالى : ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) الماعون : 5 ، قال : هو الذي يسهو في صلاته فلا يدري على كم ينصرف ، على شفع أم على وتر ؟ سئل الحسن عن ذلك فقال : هو الذي يسهو عن وقت الصلاة حتى يخرج وقتها ، وكان يقول : أما والله لو تركوها لكفروا ، ولكن سهوا عن الوقت ، وقال بعض السلف فيها : هو الذي إن صلاها في أول الوقت أو في الجماعة لم يفرح وإن صلاها بعد الوقت لم يحزن ، وقيل : هو الذي لا يرى تعجيلها برا ولا تأخيرها إثما ويقال : إن الصلوات الخمس يلفق بعضها إلى بعض حتى يتم بها للعبد صلاة واحدة ، وقيل : من الناس من يصلي خمسين صلاة فيكمل له بها خمس صلوات وإن الله تعالى ليستوفي من العبد ما أمره به كما فرضه عليه وإلا تممه من سائر أعماله النوافل لأنه ما فرض على العبد إلا ما يطيقه بعونه إذ لم يكلفه ما لا طاقة له به برحمته . وروينا عن عيسى عليه السلام : يقول الله تعالى : بالفرائض نجا مني عبدي وبالنوافل تقرب إلي عبدي وقد جاء مثله عن نبينا صلى الله عليه وسلم : يقول الله : لا ينجو مني عبد إلا بأداء ما افترضته عليه ، وفي الخبر المفسر : أول ما يحاسب به العبد الصلاة ، فإن وجدت كاملة وإلا يقول الله تعالى : انظروا هل لعبدي نوافل ؟ فنتم فرائضه من نوافله ؟ ثم يعمل بسائر الفرائض ، كذلك يوفي كل فرض من جنسه من النفل ؛ فإذا كانت النوافل في السهو والتقصير كالفرائض أو لم يوجد نوافل فكيف يكون حاله في الحساب ؟
وكان ابن عباس يفسر قوله تعالى كلا لما يقض ما أمره قال : يعني به الكافر ، لأن عنده أن كل موضع في القرآن يذكر به الإنسان خاصة أنه يعني به الكافر ، وقد قال الله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) البقرة : 286 يعني طاقتها ، وقال سبحانه وتعالى مخبرا عن المؤمنين : ( ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) البقرة : 286 ، في التفسير قد فعلت ؛ وفي هذه المسألة اختلاف وشبهة ، والصواب من ذلك أن الله عز وجل لا يكلف المؤمنين خاصة ما لا طاقة لهم به ، فهم مخصوصون بذلك فضلا من الله تعالى ونعمة آثرهم بها على الكافرين ، إذ له أن يؤثر بعض عباده على بعض لأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء ، وهذا مفهوم من دليل الخطاب من قوله : لا تحملنا ما لا طاقة لنا به أن له تعالى أن يحمل الكافر ما لا طاقة له به عدلا منه وحكمة ، كما قال تعالى : ( وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ) الأنعام : 115 ، قيل : صدقا للمؤمنين وعدلا على الكافرين ، قال الله تعالى مخبرا عن إخوة يوسف : ( تالله لقد آثرك الله علينا ) يوسف : 91 فهذا نص في الإيثار لبعض خلقه على بعض ، ثم رأيت تصديق ما ذكرته عن ابن عباس رواها إسماعيل عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى : ( و الذين آمنوا وعملوا الصلحات لا نكلف نفسا إلا وسعها ) الأعراف : 42 ، يعني إلا طاقتها من العمل لأن الله تعالى افترض على المؤمنين أعمالا يطيقونها ، ولم يفترض عليهم ما لا يطيقون ، هذا نقل لفظ ابن مسعود في تخصيص المؤمنين ، كما ذكرناه آنفا ، ويقول أيضا في تفصيل هذه المسألة : للزائغين فيها تعلق ابتغاء التآويل أن الله تعالى كلف العباد ما لا يطيقونه إلا به لافتقارهم إليه وعدم استغنائهم عنه في كل حركة وسكون ، إذ لا مشيئة لهم دون مشيئته ولا استطاعة إلا بتوفيقه ولا حول ولا قوة إلا به ، ألم تسمع إلى قوله تعالى في وصف الكافرين : ( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) هود : 2 ، ، وقال تعالى في مثله : ( وكانوا لا يستطيعون سمعا ) الكهف : 1 ، 1 ، وقال فيمن استطاع به إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت .
وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى كما أمر غفر له ما تقدم من ذنبه ، وقد يروى في خبر : يقول الله تعالى : ليس كل مصل أتقبل صلاته إنما أتقبل صلاة من تواضع لعظمتي وخشع قلبه لجلالي ، وكف شهواته عن محارمي ، وقطع ليله ونهاره بذكري ، ولم يصر على معصيتي ، ولم يتكبر على خلقي ، ورحم الضعيف ، وواسى الفقير من أجلي ، على أن أجعل الجهالة له حلما ، والظلم له نورا يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، ويقسم علي فأبره ، أكلؤه بقوتي وأباهي به ملائكتي ، لو قسم نوره عندي على أهل الأرض لوسعهم ، مثله كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولم يتغير حالها ، وفي الخبر : كم من قائم حظه من قيامه السهر والتعب ، ومن صلى صلاة وراء إمام فلم يدر ماذا قرأ فهو نهاية السهو ، فإنه تارك الأمر للاستماع فيخاف عليه مجانية الرحمة لأن الله تعالى ضمن الرحمة بشرطين : الاستماع والإنصات ، وقال سبحانه في المعنيين : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) الأعراف : 204 وقال تعالى : ( فلما حضروه قالوا أنصتوا ) الأحقاف : 29 ، وروينا في خبر : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فترك في قراءته ، فلما انفتل قال : ماذا قرأت ؟ فسكت القوم ، فسأل أبي بن كعب فقال : قرأت سورة كذا وتركت آية كذا فما أدري أنسخت أم رفعت ، فقال : أنت لها يا أبي ، ثم أقبل على الآخرين فقال : ما بال أقوام يحضرون صلاتهم ويتمون صفوفهم ونبيهم بين أيديهم ، لا يدرون ما يتلو عليهم من كتاب ربهم إلا أن بني إسرائيل كذلكم فعلوا ، فأوحى الله إلى نبيهم أن قل لقومك تحضروني أبدانكم وتعطوني ألسنتكم وتغيبون عني قلوبكم باطلا ما تذهبون . وقال بعض علمائنا : إن العبد يسجد السجدة عنده أنه يتقرب بهما إلى الله عز وجل ، ولو قسمت ذنوبه في سجدته على أهل مدينته لهلكوا ، قيل : وكيف يكون ذلك يا أبا محمد ؟ قال : يكون ساجدا عند الله وقلبه مصغ إلى هوى ، ومشاهد لباطل قد استولى عليه ، وهذا كما قال لأن فيه انتهاك حرمة القرب وسقوط هيبة الرب تعالى ، واعلم أن طول الصلاة عليك غفلة وقصرها سهو لأنها إذا طالت عليك دل على عدم الحلاوة ووجود الثقل بها وكبرها على جوارحك ، وإذا قصرت عليك وخفت دل على نقصان حدودها ودخول الغفلى والسهو فيها ، فالنسيان قصرها ، والاستقامة في الصلاة أن لا تطول عليك لوجود الحلاوة ، ولذة المناجاة ، وحسن الفهم ، واجتماع الهم ، ولا تقصر عليك لتيقظك فيها ، ورعايتك حدودها ، وحسن قيامك بها ؛ وهذه مراقبة المصلين ومشاهدة الخاشعين .
ذكر أحكام الخواطر في الصلاة
وما ذكر به العبد في الصلاة من الخير فليسارع إلى فعله فذلك من أحب الأشياء إلى الله تعالى لأنه أذكره إياها في أحب المواطن إليه ، وما ذكر به من المكروه والممقوت إليه من المعتاد والمستأنف فليجتنبه ؛ فإنه هو الذي يبعده من قرب الله سبحانه وتعالى ، وتذكيره إياه في محل القرب ، توبيخا له وتقريرا ، وقد يكون عتبا وتنبيها ، فترك ذلك مما يقرب إلى الله تعالى ، ويدل على حسن الاستجابة له ؛ وهو مسلك طريقه إلى الله تعالى وما خطر به من خاطر تمن أو هوى أو ذكر بهمة ما يأتي أو ما قد مضى ، فإن ذلك وسوسة إليه من عدوه حسدا له ليقطعه بذلك عن وقوف قلبه عند كل ركن من أركان الصلاة ويشغل قلبه عن الوقوف في المناجاة ، بما يضره عما ينفعه ليحرمه بذلك أن يشهد عند كل ذكر من أذكار الصلاة ما يوجبه الذكر من تدبير أو تعظيم أو حمد أو دعاء أو استغفار ، وإن خطر بقلبه أمر معاشه وتصريف أحواله وتدبير شأنه من المناجاة ، فذلك من قبل النفس وفكرها بما توسوس به من أمور الدنيا ، فأما إن خطرت همة محظورة أو فكرة في معصية مأزورة ؛ فهذا هو الهلاك والبعد ، يكون عن وصف النفس الأمارة باستحواذ العدو المغوي ؛ فهو علامة الإبعاد ، والحجاب دليل المقت ، والإبعاد والإعراض ، فإذا ابتلي في صلاته بهذه المعاني فقد اختبر بذلك فعليه أن يعمل في نفيه مع نفس بدوه ، ولا يمكنه من الظهور من قلبه فيملكه ، ولا يصغي إليه بعقله فيستولي عليه ، ولا يحادثه ولا يطاوله فيخرجه من حد الذكر واليقظة إلى مسامرة الجهل والغفلة ، وكل عمل محظور فالهمة به محظورة وفيه نقص ، وكل عمل مباح فالهمة به مباحة ونفيها فضيلة ، وما خظر على قلبه من الخيرات المتأخر فعلها فليعقد النية بذلك ، فإنه قد ذكر به وأريد منه ، ثم ليمض في صلاته ولا يشتغل بتدبيره ؛ كيف يكون ؟ ومتى يكون ؟ أو كيف أكون فيه ؟ وعنده إذا كان فيفوته الإقبال في الحال بتدبير شأنه في المآل ؛ وهذا هو استراق من العدو عليه وإلقاء من خدوعه إليه ، فإن جاهد هذا المصلي نفسه عن مسامرة الفكر وقابل عدوه في قطع وسوسة الصدر ، كان مجاهدا في سبيل الله تعالى ، مقاتلا لمن يليه من أعداء الله تعالى ، له أجران : أجر الصلاة للتقرب إلى الكريم ، وأجر المصارمة والمحاربة لعدوه الرجيم . وقد كان الأقوياء من المؤمنين ، أهل الغلظة على الأعداء والتمكين ، إذا ابتلوا بداخل يدخل عليهم في الصلاة من الأسباب ، يخرجهم عن المشاهدة فيها عملوا في قطع ذلك الشيء وإبعاده من أصله ، إذ كان سبب قطعهم وإبعادهم من قربهم ، فيستخرج بإدخال ذلك عليهم إخراجهم من الدنيا ؛ وهو الزهد فيها ، فيكون ذلك إحسانا من الله إليهم ومريدا منه لهم ؛ وهذا أحد ما زهد لأجله الزاهدون في الدنيا لتصفو قلوبهم من الأسباب فتخلص أعمالههم من الوسواس بالاكتساب ومن ذلك ما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نزع الجبة التي كانت عليه في الصلاة لما نظر إلى علمها وقال : ألهتني هذه في الصلاة يعني شغلتني ، ونظر إلى شراك نعله في الصلاة وكان جديدا ، فأمر أن ينزع منها ويعاد لها الشراك الخلق ، وكان قد احتذى نعلا فأعجبه حسنها فسجد وقال : تواضعت لربي كيلا يمقتني ، ثم خرج بها فدفعها إلى أول سائل لقيه ، ثم أمر عليا أن يشتري له نعلين سبتيين جرداوين فلبسهما .
وكان الضعفاء من المؤمنين يعملون في نفيه وترك مساكنته ومحادثته في الحال لقوادح اليقين في إيمانهم ولسرعة التيقظ في قلوبهم ؛ لأن الآفات تدخل من مكان الهوى وتمكن الأعداء ، ومكان الهوى وقوة العدو لطول الغفلة وعدم حلاوة الطاعة لاتساع النفس في الشهوات وقوة سلطانها على الصفات واتساع النفس وقوة صفتها لضيق القلب ، وضعف اليقين إذ لو قوي يقين العبد لانشرح صدره ولأطفأ نور يقينه ظلمة هواه ، ولاندرجت النفس في القلب اندراج الليل في النهار ، ولأسقط مكانه من الشهادة تمكن أعدائه والعادة ، ولعلم يقينا أن ما هو فيه من الذكر والصلاة أنفع له وأحمد عاقبة مما تفكر فيه من عاجل دنياه ، فيشتغل حينئذ بما هو فيه له من الذكر عما هو عليه من سوء الفكر ، وليس بعد هذين المقامين حال ينعت ولا يمدح بشيء ، وما قدح في قلبه من فهم الخطاب وتدبر معاني الكلام والإيقان على المقصد والمراد فهو تعليم من الله تعالى وتوقيف وتنبيه منه وتعريف ؛ وهذا مزيد التلاوة وعلامة الإخلاص في المعاملة وبركة التدبر ، دليل القبول والشكر لحسن الخدمة ، فليأخذ من ذلك ما عفا ويغترف منه ما صفا ، ولا ينتظره ولا يتمناه ولا يتبعه بعد انصرافه بالفكر في معناه ، فيسترق العدو عليه السمع ويلقي إليه الوسوسة ويطمع فيه بالغرة ويدخل عليه من باب الأمنية ، لأنه قد قرن الأماني بالإضلال ؛ فهي مواعيد الكذب للإبطال ، ألم تسمع إلى ربك تعالى كيف أخبرك عنه في قوله تعالى : ( ولأضلنهم ولأمنينهم ) النساء : 119 ، ثم قال في مثله : ( وعدهم وشاركهم في الأموال و الأولاد وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) الإسراء : 64 ، ثم استثنى عباده المسلطين عليه بسلطانه ، الغالبين له بآياته ، فلم يصل العدو إليهم لمواصلته لهم وتوكلهم عليه بوكالته إياهم ، تنتظم هذه المعاني في قوله تعالى : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ) الإسراء : 65 ، وقوله تعالى : ( ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) القصص : 35 ، مع قوله تعالى : ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) النحل : 99 . وللعبد في التفكر والتدبر لما يستقبل من كل كلمة شغل عما فات مما كان عمله ، وله في الشغل في الحال اقتطاع بما قد فهمه وما فهمه من غير ما يتلوه فاستدل به على ما سواه مما يعينه ويحتاج إليه ؛ فهي أبواب من الفطنة تفتح له فيكون التكلم مفتاحها ، ثم يخرج العبد إلى سواها مما هو له أصلح أو عليه أوجب ، فليعرف بذلك ما عرف وليقف من ذلك على ما عليه وقف وما تفكر فيه من غير تدبر التلاوة ، أو شغل به من غير فهم المتلو فهو حجاب له من الفهم وقطع له عن خالص العلم فليقطع ذلك ، والتمام في التلاوة أن يتدبر التالي باطن الكلام ، ويتفكر في غوامض الخطاب ، ويوقف قلبه على معاني المراد ، ويعمل فكره في تذكر الموصل والترداد ، فإن الكلام عزيز من عزيز ، ولطيف من لطيف ، وحكيم من حكيم ، وعلى من على ظاهره سهل قريب ، وباطنه بحر عميق ، يقول السامع إذا عقله قد فهمته ، لتجلي فحواه ، فإذا شهده كأنه ما سمعه لدقيق معناه يحسب العاقل أنه قد عرفه لظهور بيانه وتفصيل حكمته ، فإذا عرف المتكلم به كأنه ما عقله لعمق بحاره وسعة أقطاره قد اغتر به قوم لما سمعوا بيانه فادعوا أنهم يحسنونه ، وخدع به آخرون لما عقلوا أمثاله فطلبوا غيره وسألوا أبداله ، وأصغى آخرون إلى سمعه فادعوا فهمه فأكذبهم الصادق ، وعزلهم عن سمعه ، ثم أخبرنا بجميع ذلك عن جهلهم ، وعجبنا من جراءتهم ، فقال في وصف الأولين : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ) الأنفال : 31 ، ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) يونس : 15 .
وقال في نعت الآخرين : ( يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ) الشعراء : 223 ، ( إنهم عن السمع لمعزولون ) الشعراء : 212 ، ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ) الأنفال : 21 ، ثم وصف من أسمعه إياه وأفهمه معناه من الجن الذين هم أسد قوة من الأنس وأعظمهم وصفا فقالوا : ( إنا سمعنا قرآنا عجبا ) الجن : 1 ( يهدي إلى الرشد ) الجن : 2 ، فهؤلاء ممن عقله فمدحم بفهمه وأخبر عن صاحب التنزيل بمثله فقال : ( بل عجبت ويسخرون ) الصافات : 12 ، أي عجبت من القرآن وتفصيله وتنزيله ، ويسخر منه الجاهون ، فإن فتح للتالي بالتلاوة عين نفس المتلو باب الفكر في معاني العظمة والقدرة ، وكشف له بواسطة الكلام مشاهدة ما كان علمه من وعد الآخرة وعيدها فله أجران ، من حيث كان منه عملان : الفكرة والصلاة ، وهذا كله لعموم المؤمنين مزيد ، وهو بذلك للخصوص من المقربين دون ذلك إلا ما وجهوا به من طوالع الغيوب ، وأطلعوا عليه من مطالع سرائر المحبوب ، فكوشفوا به من بوادي اليقين من العزة والجبروت والإجلال والرهبوت ، فأهجم عليهم من غير تفكر منهم ولا تدبر مما استعملهم به ، واضطرهم إلى مشاهدته ، القدير ، فأخرس ألسنتهم عن المقال ، وعقم عقولهم عن المجال ، وأغنى قلوبهم عن الطلب ، ولم يوكل إلى فكرهم بنظر إلى سبب ، بل من غير تعمل منهم لتكييفه ولا روية ولا اختيار لماهيته ، ثم يجاوزونه إذا أخذ منهم حقه وأدركوا به نصيبهم إلى العالم الأكبر ، فيقفون بين يديه ويحطون عنده ، ولا يقفون مع المشاهدة طرفة عين ، ولا يسكنون إليها خطرة قلب لئلا يقطعهم البيان عن المبين ، ولا يشغلهم الخبر عن اليقين ، ولا يحجبهم الشهادة عن الشهيد ولا يحسبهم البادئ العائد عن المبدئ المعيد ؛ بل قد أشرف بهم على المراد فأسقط عنهم التشرف وأذهلهم عن الاعتراف والتعريف بما ناداهم به من التعرف ، واقتطعهم العيان فأغناهم عن الانقطاع ، وتقطعوا بالمفصل فأنساهم الانتفاع ، وتوصلوا بالموصل فأطلعهم عليه ، وكان لهم حاملا إليه ودليلا أمامهم منه عليه ؛ وهذه صفة الأقوياء بالقوى ، الأغنياء بالغنى ، الواجدين للموجد ، الفاقدين للموجد ، الذاكرين بذاكر ، الصابرين بصابر ولا ينبغي للمصلي أن يدخل في صلاته حتى يقضي نهمته ، ويفرغ من حاجته ، ولا يبقى عليه ما يزعج قلبه ويفرق همه ليفرغ قلبه في صلاته ، ويجتمع همه في وقوفه ، ويصحو عقله لفهمه ، ويواطئ قلبه قيله ويقبل على المقبل عليه بمعقوله ؛ وهذا يؤمر به القضاء عن مجاهدة الأعداء والمرضى عن مسابقة الأولياء . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : المؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير ، وقد قال الله تعالى : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر و المجاهدون في سبيل الله ) النساء : 95 ، إلى قوله : ( فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ) النساء : 95 ، مع قوله : ( وكلا وعد الله الحسنى ) النساء : 95 .
شرح ثالث ما بني الإسلام عليه وهو الزكاة كتاب الزكاة فأما فرائض الزكاة فأربع : الحرية ، وصحة الملك ، ووجود النصاب ؛ وهو مائتا درهم وعشرون دينارا ، واستكمال الحول وهو من شهر إلى مثله . ذكر فضائل الصدقة وآداب العطاء وما يزكو به المعروف ويفضل به المنفقون
روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ليس في المال حق سوى الزكاة ، وأن جماعة من التابعين كانوا يذهبون إلى أن في المال حقوقا غير الزكاة ، منهم : إبراهيم النخعي ، قال : كانوا يرون أن في المال حقوقا سوى الزكاة ؛ ومنهم : الشعبي سئل : أفي المال حق سوى الزكاة ؟ قال : نعم ، أما سمعت قوله تعالى : ( وآتى المال على حبه ذوي القربى ) البقرة : 177 الآية ، ومنهم : عطاء ومجاهد ، وقد كان المسلمون يرون المساواة والفرض والقيام بمؤن العجزة من أنفسهم وأهلهم من المعروف والبر والإحسان ، وأن ذلك واجب على المتقين وعلى المحسنين من أهل اليسار والمعروف ، وكذلك مذهب جماعة من أهل التفسير أن قوله عز وجل : ( ومما رزقناهم ينفقون ) البقرة : 3 ، وقوله : ( وأنفقوا مما رزقناكم ) البقرة : 254 ، مأمور به ، وأن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة ، وأنه داخل في حق المسلم على المسلمين ، وواجب بحرمة الإسلام ووجود الحاجة ، فمن فضائل الزكاة وأن يخرجها في أول ما تجب عليه ، وأن يقدمها قبل وجوبها ، إذا رأى لها موضعا يتنافس فيه ، ويغتنم خوف فوته من غاز في سبيل الله عز وجل ، أو في دين مطالب ، أو جهاد وغزو ، أو إلى رجل فقير فاضل طرأ في وقته ، أو أن سبيل غريب كان تقدمتها إلى هؤلاء وأمثالهم أفضل وأزكى ، لأنه من المسارعة إلى الخير ، ومن المعاونة على البر والتقوى ، وداخل في التطوع بالخير وفعله الذي أمر به ، ولا يأمن الحوادث إذ في التأخير آفات ، وللدنيا نوائب وعوائق ، وللنفس بدوات ، وللقلوب تقليب ، وإن جعل رأس الحول أحد الشهرين كان أفضل ، فإن في هذين خاصية من الفضائل ليست في غيرهما ، فأما شهر رمضان فإن الله تعالى خصه بتنزيل القرآن وجعل فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، وجعله مكانا لأداء فرضه الذي افترضه على عباده من الصيام وشرفه بما أظهر فيه من عمارة بيوته بالقيام . وقد كان مجاهد يقول : لا تقولوا رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : شهر رمضان ، وقد رفعه إسماعيل بن أبي زياد فجاء به مسندا وأما ذو الحجة فإنا لا نعلم شهرا جمع خمس فضائل غيره ؛ هو شهر حرام وشهر حج وفيه يوم الحج الأكبر وفيه الأيام المعلومات ؛ وهي العشرة ، والأيام المعدودات : وهي أيام الشريق التي أمر الله تعالى بذكره فيها ، وأفضل أيام في شهر رمضان العشر الأواخر ، وأفضل أيام في شهر الحجة العشر الأول ، وقد استحب بعض أهل الورع أن يقدم في كل سنة بشهر لئلا يكون مؤخرا عن رأس الحول ، لأنه إذا أخرج في شهر معلوم ثم أخرج القابل في مثله ، فإن ذلك الشهر يكون الثالث عشر ؛ وهذا تأخير ، فقالوا : إنه إذا أخرج في رجب فليخرج من القابل في جمادى الآخرة ليكون آخر سنته بلا زيادة ، وإذا أخرج في رمضان فليخرج من قابل في شعبان على هذا لئلا يزيد على السنة شيئا ؛ وهذا أحسن ، وليتق أن يكون مخرجا للفرض في كل شهر ، ثم أن يخرجها طيبة بها نفسه ، مسرورا بها قلبه ، مخلصا لربه ، مبتغيا بها وجهه لغير رياء ولا سمعة ولا تزين ولا تصنع ، لا يحب أن يطلع عليها غير الله عز وجل ، ولا يرجو في إعطائها ولا يخاف في منعها سواه ، وليكن ناظرا إلى الله تعالى ، عارفا بحسن توفيقه له ، وأن يعتقد فضل من يعطيه من الفقراء عليه ولا ينتقصه بقلبه ولا يزدريه ، وليعلم أن الفقير خير منه ، لأنه جعل طهرة وزكاة ورفعة ودرجة في دار المقام والحياة ، وأنه هو قد جعل سخرة للفقير وعمارة لدنياه ، كما حدثنا بعض العارفين قال : أريد مني ترك التكسب وكنت ذا صنعة جليلة ، فجال في نفسي من أين المعاش ؟
فهتف بي هاتف : لا أراه تنقطع إلينا وتتهمنا فيك علينا ، أن نخدمك وليا من أوليائنا ، أو نسخرلك منافقا من أعدائنا ، وأن يسر ذلك إلى الفقير سرا ولا يذكر ذلك ، فقد جاء في تفسير قوله تعالى : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) البقرة : 264 ، قال : المن أن تذكرها ، والأذى أن تظهرها ، وحدثت عن بشر بن الحارث قال : قال سفيان : من من فسدت صدقته ، قيل : كيف المن يا أبا نصر ؟ قال : أن تذكره أو تحدث به ، وبعضهم يقول : المن هو أن تستخدمه بالعطاء ، والأذى أن تعيره بالفقر وقيل : المن أن يتكبر عليه لأجل أن يعطيه ، والأذى أن تنهره أو توبخه بالمسألة ، وفي الحديث : أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر ، وقال بعض العلماء : ثلاثة من كنوز البر منها : إخفاء الصدقة ، وقد روينا مسندا من طريق ؛ وذلك أسلم لدينه وأقل لآفاته وأزكى لعمله . وقد روينا في الخبر : لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان ، فجمع بين المنة والسمعة ، كما جمع بين السمعة والرياء ورد بهن الأعمال ؛ فالمسمع الذي يتحدث بما صنعه من الأعمال ليسمعه من لم يكن رآه ، فيقوم ذلك مقام الرؤية ، فسوى بينهما في إبطال العمل لأنهما عن ضعف اليقين ، إذ لم يكتف المسمع بعلم مولاه ، كما لم يقنع المرائي بنظره فأشرك فيه سواء وألحق المنان بهما لأن في المنة معناهما من أنه ذكره فقد سمع غيره به ، أو رأى نفسه في العطاء ففخر به وأداه سرا ، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية ، فإن تحدث به محي من السر والعلانية فكتب رياء ، فلو لم يكن في إظهار الصدقة مع الإخلاص بها إلا فوت ثواب السر لكان فيه نقص عظيم ، فقد جاء في الأثر : تفضل صدقة السر على صدقة العلانية سبعين ضعفا ، وفي الحديث المشهور : سبعة في ظل عرش الله تعالى يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله : أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله ما أعطت يمينه ، وفي لفظ آخر : فأخفى عن شماله ما تصدقت به يمينه ؛ وهذا من المبالغة في الوصف وفيه مجاوزة الحد في الإخفاء ، أي يخفي من نفسه فكيف غيره ؟
وقد تستعمل العرب المبالغة في الشيء على ضرب المثل والتعجب وإن كان فيه مجاوزة للحد ، من ذلك أن الله عز وجل ذم قوما ووصفهم بالبخل وبالغ في وصفهم فقال تعالى : ( أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ) النساء : 53 ، والنقير لا يريده أحد ولا يطلبه ولا يعطاه ، لأنه هو النقطة التي تكون على ظهر النواة ، منه منبت النخلة وفيه معنى أشد من هذا وأغمض أنه لما قال : فأخفى عن شماله ، كان لهذا القول حقيقة في الخفاء فهو أن لا يحدث نفسه بذلك ولا يخطر على قلبه ، وليس يكون هذا إلا أن لا يرى نفسه في العطاء أصلا ولا يجري وهم ذلك على قلبه ، كما يقول في سر الملكوت : إن الله تعالى لا يطلع عليه إلا من لا يحدث نفسه به ، بمعنى أنه لا يخطر على قلبه ، ولا يذكره ، ولا يشهد نفسه فيه شغلا عنه بما اقتطع به ، وبأنه لا يباليه ؛ فعندها صلح أن يظهر على السر ، فإن لم يمكنك على الحقيقة أن تخفي صدقتك عن نفسك فاخف نفسك فيها ، حتى لا يعلم المعطى أنك أنت المعطي ؛ وهذا مقام في الإخلاص ، فإن أظهرت يدك في الإعطاء فاخفها سرا إلى المعطي ؛ هذا حال الصادق ، فقد كان بعض المخلصين يلقي الدرهم بين يدي الفقير ، أو في طريقه ، أو موضع جلوسه ، بحيث يراه وهو لا يعلم من صاحبه ، وبعضهم كان يصر ذلك في ثوبه وهو نائم فلا يعلم من جعله ، وقد رأيت من يفعل ذلك ، فأما من كان يوصل إلى الفقير على يد غيره ويستكمه شأنه فلا يحصى ذلك من المسلمين . وفي الخبر : صدقة السر ، وقيل صدقة الليل ، تطفئ غضب الرب تعالى ، وقد أخبر الله تعالى أن الإخفاء أفضل ، ومعه يكون تكفير السيئات ، فقال سبحانه وتعالى : ( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم ) البقرة : 271 ، فإن أظهر مسكين نفسه ، وكشف نفسه للسؤال ، وآثر التبذل على الصون والتعفف ؛ فلا بأس أن تظهر معروفك إليه ، فإن أظهرت زكاتك إرادة السنة ، والافتداء بك ، والتحريض على مثل ذلك من غيرك لينافسك فيه أخوك ، فيسرع إلى مثله أمثالك منهم فحسن ؛ وذلك من التحاض على إطعام المسكين ، وقد ندب الله إليه وقد قيده في قوله تعالى : ( وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) الرعد : 22 ، قيل سرا التطوع ، وعلانية الصدقة المفروضة ، وكذلك قوله تعالى : ( وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا ) المزمل : 2 ، ، القرض الحسن هو التطوع ، وقد قيل الحلال ، كما قال : ( ورزقني منه رزقا حسنا ) هود : 88 أي حلالا ، وقد قال تعالى : ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي ) البقرة : 271 ، فمدح المبدي بنعم إلا أن ذلك لا يحسن إلا إلى من أبدى نفسه كأنه هذا السائل الذي يسأل بلسانه وكفه ، وقوله تعالى : ( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ) البقرة : 271 الآية ، كأنها للمستخفف بالمسألة وهي لخصوص الفقراء لا يظهرون نفوسهم بما يمنعهم الحياء والتعفف ، فمن أظهر نفسه فأظهر إليه ، ومن أخفاها فأخفي له ، ومن ذلك كشف عورة الفاسق : إنما حرم عليك أن تظهر عورة من يخفي عنك نفسه ويستتر ، فإذا أظهر نفسه بها وأعلن فلا بأس أن يظهر عليه كما جاء في الخبر : من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له ، وينبغي أن يجعل صدقته من أفضل ما يحبه من المال ، ومن جيد ما يدخر ويقتني وتستأثر به النفوس ، فيؤثر مولاه به كما أمره ، وضرب المثل له فقال : ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) البقرة : 267 ثم قال : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) البقرة : 276 ، وقال في ضرب المثل بالعبيد : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ، أي لا تقصدوا الرديء فتجعلوه لله تعالى ، ولو أعطى أحدكم ذلك لم يأخذه إلا على أغماض أي كراهية وحياء ، ولا يجعل ما لله تعالى دون ما يستجيد لنفسه ، أو ما يكره أن يقتنيه لعاقبته أو يأخذه من غيره ، أو مالا يستحسن أن يهديه لنبيل من العبيد ، فتكون قد آثرت نفسك أو عبدا مثلك على مولاك فإن هذا من سوء الأدب ولا يقوم سوء أدب واحد في معاملة بجميع المعاملات .
وقد روي في معنى قوله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) البقرة : 245 ، قال : طيبا ، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وفي حديث أبان عن أنس : طوبى لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية ، وفي الخبر : سبق درهم مائة ألف درهم ، وقد تهدد الله تعالى قوما جعلوا له ما يكرهون ووصفت ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم فأكذبهم في قوله تعالى : ( ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار ) النحل : 62 ، أي حقا لهم النار ، وفي الآية وقف غريب لا يعلمه إلا الحذاق من أهل العربية تقف على لا فيكون نفيا لوصفهم أن لهم الحسنى ، ثم يستأنف بجرم أن لهم النار ، أي كسب لهم جعلهم لله ما يكرهون النار ، أي بجرمهم واكتسابهم ، وإذا دعا لك مسكين عند الصدقة فأردد عليه مثل دعائه حتى يكون ذلك جزاء لقوله : وتخلص لك صدقتك وإلا كان دعاؤه مكافأة على معروفك ، فقد كان العلماء يتحفظون من ذلك وهو أقرب إلى التواضع ، ولا نرى أنك مستحق لذلك منه لما وصلته به ، لأنك عامل في واجب عليك لمعبودك أو توفي للمعطي رزقه وما قسم له من تعبدك بذلك ، وكانت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا للرسول : احفظ ما يدعو به ثم يردان عليه مثل قوله ، ويقولان : حتى تخلص لنا صدقتنا ، وفعل ذلك عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله تعالى عنهما ، ولا ينبغي أن تقتضي من الفقير الدعاء لك ، أو تطالبه بذلك ، أو تحب منه الثناء والمدح على ذلك ، فإنه ينقص من الصدقة ، وإذا كثر منك وقوي أحبطها ، وإن كان عليه أن يدعو لك ويثني به عليك فإنما يعمل فيما تعبده مولاه به ، وأمره به فلا يرى ذلك من حقك عليه ، وإذا وصلت إلى الفقير معروفا فبحسن أدب ولين جانب ولطف كلام وتذلل وتواضع . وقد كان بعض الأدباء إذا أراد أن يدفع إلى فقير شيئا بسط كفه بالعطاء لتكون يد الفقير هي العليا ، وبعضهم كان يضعها بين يديه على الأرض ، ويسأله قبولها منه ليكون هو السائل ، ولا يناوله بيده إعظاما له ؛ وهذا يدل على معرفة العبد بربه وحسن أدبه في عبادته ، ومن أحب الثناء والذكر على معروفه كان ذلك حظه منه وبطل أجره ، وربما كان عليه فضل من الوزر لمحبته الذكر والثناء فيما لله تعالى أن يفعله ، وفي رزق الله لعبده الذي أجراه على يده ، فإن تخلص سواء بسواء فما أحسن حاله واستحب للفقير أن يخص ذا المعروف إليه بدعوات شكرا لما أولاه وتأدبا وتخلقا بفعل مولاه ، لأنه قد جعله سببا للخير وواسطة للبر إذ الله سبحانه وتعالى يشهد نفسه بالعطاء ، ثم قد أثنى على عبده وشكر له في الإعطاء ، فليقل طهر الله قلبك في قلوب الأبرار ، وزكى عملك في عمل الأخيار ، وصلى على روحك في أرواح الشهداء ؛ فذلك هو شكر الناس ، والدعاء لهم ، وحسن الثناء عليهم ، ومن شكرهم أيضا أن لا يذمهم في المنع ، ولا يعيبهم عند القبض . فذلك تأويل الخبر : من لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى فإن فيه إثبات حكم الأواسط ، واستعمال حسن الأدب في إظهار النعم والتخلق بأخلاق المنعم ، لأنه أنعم عليهم ثم شكر لهم كرما منه ، وكذلك في الخبر : العبد الموقن يشهد يد مولاه في العطاء ، فحمد ثم شكر للمتقين ، إذ جعلهم مولاه سبب حمده ، وطرقا لرزقه .
في الخبر : من أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه ، فأما شكر الله تعالى على العطاء فهو اعتقاد المعرفة أنه من الله تعالى ، لا شريك له فيها ، والعمل بطاعته بها ، ومن فضل الصدقة أن يقصد بها الفقراء الصالحين الصادقين من أهل التصوف والدين ، ممن يؤثر التستر والإخفاء ، ولا يكثر البث والشكوى ، وممن فيه وصف من أوصاف الكتاب للفقراء ، الذين أحصروا في سبيل الله ، أي حبسوا في طريق الآخرة لعيلة ، أو ضيق معيشة ، أو إصلاح قلب ، أو قصور يد ، لا يستطيعون ضربا في الأرض ، لأنهم مقصوصو الجناح ، إذ المال للغني بمنزلة الجناح للطائر بماله حيث شاء من البلاد وينبسط في شهواته كيف شاء من المراد ، والفقير محصور عن ذلك لا يستطيعه لقبض يده وقد رزقه ، ومن هذا قوله تعالى : ( قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ) الأعراف : 26 ، قيل : المال ، وقيل : المعاش ، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، فسمى الله تعالى من لا يعرفهم بالفقر ولا يشهد وصفهم بالتقلل ، لظهور تعففهم عن المسألة ، جاهلا بوصف المؤمنين ، ثم وكد وصفهم وأظهر للخلق تعريفهم بيانا منه ، وكشفا لحالهم ، إذ ستروها بالعفة ، فقال : تعرفهم بسيماهم فالسيما هي العلامة اللازمة والخليقة الثابتة دون التحلي واللبسة الظاهرة ، لا يسألون الناس إلحافا ، أي بهذه العلامة أيضا تعرفهم إن أشكلوا عليك ، فإنهم لا يسألون عفة وقناعة إلحافا ، لا يلتحفون بالأغنياء ولا يلاحفون أهل الدنيا تملقا وضراعة ؛ أي هم منفردون بأحوالهم ، أغنياء بيقينهم ، أعزة بصبرهم ، والإلحاف مشتق من اللحاف الذي يلتحف به فيلزم الجسم ، فقال : ليسوا ممن يفعل ذلك ، لا يلتحفون الأغنياء كاللحاف ولا يلتحفون المسألة إلزاما كالصنعة ، كما يلتحف بالثوب ، فاحرص أن يكون معروفك فيمن فيه هذه الأوصاف أو بعضها ، فيزكو عملك ويشكر فعلك ، والأفضل في المعروف أن يؤثر الرجل إخوانه من الفقراء على غيرهم من الأجانب . فقد روي عن علي رضي الله عنه : لأن أصل أخا من إخواني بدرهم أحب إلي من أن أتصدق بعشرين درهما ، ولأن أصله بعشرين درهما أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم ، ولأن أصله بمائة درهم أحب إلي من أن أعتق رقبة ، ولأن الله تعالى ضم الأصدقاء إلى الأقارب فكان فضل الصدقة على الأقارب دون البعيد كفضل الصدقة على القربة دون الأباعد ، لأنه ليس يعد صلة الرحم في معناها أفضل من صلة الإخوان ، وكان بعض السلف يقول : أفضل الأعمال صلة الإخوان وليقصد ببره من إذا دفع إليه العطاء حمد الله تعالى وشكره ، ورأى النعمة منه ، ولم ينظر إلى واسطة في نعمة ، فإن هذا أشكر العباد لله تعالى لأن حقيقة الشكر لله بشهود النعمة منه والإخلاص بحس المعاملة له ، وأن لا يشهد في النعمة بالعطاء والنعمة بالعمل الصالح سواه .
وفي وصية علي رضي الله تعالى عنه : لا تجعل بينك وبين الله تعالى منعما ، وأعدد نعمة غيره عليك مغرما ، فليقدم مثل هذا على من لو أعطاه ورزقه أثنى عليه ومدحه وشهده فيه فحمده ، فيكون قد حمد غير الذي أعطاه ، ونظر إلى سواه ، وذكر غير الذي ذكره بالعطاء ، لأن الذي يحمد الله ويشكره ويثني عليه برزقه ويذكره يرى أن الله سبحانه وتعالى هو المنعم المعطي ، فينظر إليه من قرب ؛ فيقين هذا بالله أنفع لصاحب المعروف عند الله من دعاء الآخر المثنى ، لأنه كان سببا لنفع موقن فيكون واضعا للشيء في حقيقة موضعه ، ومدح الآخرة ودعاؤه له لأجل أنه يراه هو المعطي فينظر إليه فيمدحه ، فضعف يقين هذا بربه أشد على المنفق من دعائه له ، إن كان ناصحا لله تعالى في خلقه ولخلق الله تعالى فيه ، إلا أن لا ينصح لمولاه لغلبة هواه على تقواه ، وجهله بعائد النفع له في عقباه ، فنقص هذا حينئذ بمقامه من التوحيد أعظم من زيادته بصدقته ، على أنه لا يؤمن الاستشراف من الآخر إليه ، والاعتياد منه ، والطمع فيه ، بكلام يحبط عمله ، وأيضا فإنه إذا رآه في العطاء فإنه يراه عند المنع فيذمه ويقع فيه ، فيكون هو سبب حمله عليه ، وهو آمن مطمئن لهذا كله مع الموقن المشاهد ، وفي الخبر أن الصدقة تقع بيد الله تعالى قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل ، فالموقن يأخذ رزقه من يد الله تعالى فهو لا يعبد إلا الله تعالى ، ولا يطلب منه إلا كما أمره في قوله تعالى : ( فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ) العنكبوت : 17 ، ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض الفقراء بمعروف ، وقال للرسول : احفظ ما يقول ، فلما أوصله إليه قال : الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا يضيع من شكره ، ثم قال : اللهم إنك لم تنسى فلانا ، يعني نفسه ، فاجعل فلانا لا ينساك ، فأخبر الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فسر به وقال قد علمت أنه يقول ذلك . وقد روي هذا عن عمر وعن أبي الدرداء مع جرير رضي الله عنهم وقال صلى الله عليه وسلم لرجل : تب ، فقال : أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عرف الحق لأهله ، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الإفك : نحمد الله ولا نحمدك ، فسره ذلك وقال لها أبو بكر لما نزل تحصينها وبراءتها : قومي فقبلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والله لا أفعل ولا أحمد إلا الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعها يا أبا بكر ، وفي لفظ آخر أنها قالت لأبي بكر : نحمد الله ولا نحمدك ، ولا نحمد صاحبك ، فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بل سره وأمر أباها بالكف عنها ، وقد جعل الله تعالى من وصف الكافرين أنهم إذا ذكر الله وحده في شيء انقبضت قلوبهم ، وإذا ذكر غيره فرحوا ، وجعل من نعتهم أنهم إذا ذكر توحيده وإفراده عند شيء عصوا ذلك وكرهوه ، وإذا أشرك غيره في ذلك صدقوا به فقال تعالى : ( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ) الزمر : 45 ، وقال أيضا : ( ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم ) غافر : 12 ، والكفر : التغطية ، ( وإن يشرك به تؤمنوا ) غافر : 12 ، والشرك : الخلط ، أن يخلط بذكره ذكر سواه ، ثم قال : ( فالحكم لله العلي الكبير ) غافر : 12 ، يعني لا يشركه في حكمه خلق ، لأنه العلي في عظمته ، الكبير في سلطانه ، لا شريك له في ملكه وعطائه ولا ظهير له من عباده ، ففي دليل هذا الكلام وفهمه من الخطاب أن المؤمنين إذا ذكر الله تعالى بالتوحيد والإفراد في الشيء انشرحت صدورهم ، واتسعت قلوبهم ، واستبشروا بذكر الله تعالى وتوحيده ، وإذا ذكرت الأواسط والأسباب التي دونه كرهوا ذلك واشمأزت قلوبهم ؛ وهذه علامة صحيحة فاعرفها من قلبك ومن قلب غيرك لنستدل بها على حقيقة التوحيد في القلب ، أو وجود خفي الشرك في النفس ، إن كنت عارفا ، وينبغي أن يجعل صدقته من أجل ما يقدر عليه وأطيبه في نفسه وجهده ، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وزكاء الصدقة ونماؤها عند الله تعالى على حسب حلها ووضعها في الأخص الأفضل من أهلها ، وينبغي أن يستصغر ما يعطي ، فإن الاستكثار من العجب ، والعجب يحبط الأعمال ، قال الله تعالى : ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) التوبة : 25 ، ويقال : إن الطاعة كلما استصغرت كبرت عند الله تعالى ، وإن المعصية كلما استعظمت صغرت عند الله تعالى .
وعن بعض العلماء : لا يتم المعروف إلا بثلاث : تصغيره وتعجيله وستره ، وقد كانوا يدفعون في الزكاة المئين ، وفي التطوع الألوف ، وكانوا يصلون الفقير بما يخرجه من حد الفقر ، ومن الحاجة و الضر إلى حد الكفاية والغنية ، ويبقى لهم فضل ، وعلى هذا تأويل قوله صلى الله عليه وسلم : خير الصدقة ما أبقت غني ؛ أي تكفي الفقير لوقته ، ويبقى له غنية واستغناء لوقت ثان تستقل به عن المسألة والتشرف ، فيكون كأنه عمل عملا ثانيا للمعطي غير عمله الأول بالعطاء ؛ وهذا أحد تأويل الخبر ، وقد وصف الله تعالى أهل الحاجة بأوصاف خمسة فرقها في كتابه فقال سبحانه وتعالى : ( وفي أموالهم حق للسائل و المحروم ) الذاريات : 19 ، وقال تعالى : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) الحج : 36 ، وقال عز وجل : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) الحج : 28 ، فأما السائل فهو الذي يسأل بكفه ويظهر السؤال بلسانه ، وأما المحروم فهو المحارف الذي حارفه الرزق أي انحرف عنه ، فقد حرمه ، وقيل : هو الذي لا معلوم له ولا كسب ، قد حرم التصرف والتعيش ، وأما القانع فهو الذي يقعد في بيته ويقنع بما آتاه الله من غير طلب ولا تعرض ، وقيل : إن القنوع هو وصف من أوصاف المسألة من غير إلحاف ولا إلحاح ، وهو اسم من الأضداد يكون القنوع العفة والكف ويكون المسألة ، وأما المعتر فهو الذي يعرض بالسؤال ولا يصرح تحمله الحاجة على التعريض ، ويوقفه الحياء عن التصريح ، وأما البائس فهو الذي به بؤس وشدة من مرض أو برد أو عضب و زمانة ، ثم إن الله تعالى قد فضل بين الفقراء والمساكين فقال أهل العلم : الفقير الدي لا يسأل ، والمسكين السائل ، وقيل : الفقير المحارف وهو المحروم ، والمسكين الذي به زمانة ، واشتقاقه من السكون ، أي فقد أسكنه الفقر لما سكنه وأقل حركته ؛ وهذه أوصاف ، يقال : قد تمسكن الرجل وسكن ، كما يقال : تمدرع وتدرع إذا لبس مدرعة ، فكذلك الفقير إذا كانت المسألة لبسة له ، وأهل اللغة مختلفون فيهما ، قال بعضهم : المسكين أسوأ حالا من الفقير لأن الله تعالى قال : ( أو مسكينا ذا متربة ) البلد : 16 ، فهو الذي لا شيء له ، قد لصق بالتراب من الجهد ، وذهب إلى هذا القول يعقوب بن السكيت ومال إليه يونس بن حبيب ، وقال : قلت مرة لأعرابي : أفقير أنت ؟ فقال : لا والله بل مسكين أسوأ حالا من الفقير ، وبعضهم يؤوله على غير هذا فيقول : ذا متربة من الغنى ، يقال : أترب الرجل إذا استغنى فهو مترب من المال ؛ أي قد كان متربا غنيا من أهل النعم ، ثم افتقر فهذا أفضل من أعطى .
وقال بعض أهل اللغة في قوله تعالى : ذا متربة ، دليل أن المسكين أسوأ حالا ، قال : إن الله تعالى لما نعته بهذا خاصة علمت أنه ليس كل مسكين بهذا النعت ، ألا ترى أنك إذا قلت : اشتريت ثوبا ذا علم نعته بهذا النعت ، لأنه ليس كل ثوب له علم ، فكذلك المسكين الأغلب عليه أن يكون له شيء ، فلما كان هذا المسكين مخالفا لسائر المساكين بين الله تعالى نعته ؛ وبهذا المعنى استدل أهل العراق من الفقهاء أن اللمس هو الجماع بقوله تعالى : ( فلمسوه بأيديهم ) الأنعام : 7 ، أن اللمس يكون بغير اليد وهو الجماع ، فلما قال : بأيديهم خص به هذا المعنى فردوه على من احتج به من علماء الحجاز في قولهم : اللمس باليد ، وقال آخرون : بل الفقير أسوأ حالا من المسكين ، لأن المسكين ، يكون له الشيء والفقير لا شيء له ، قال الله تعالى في أصحاب السفينة : ( فكانت لمساكين يعملون في البحر ) الكهف : 69 ، فأخبر أن لهم سفينة وهي تساوي جملة وقالوا : سمي فقيرا لأنه نزعت فقرة من ظهره فانقطع صلبه من شدة الفقر فهو مأخوذ من فقار الظهر ، ومال إلى هذا القول الأصمعي وهو عندي كذلك من قبل أن الله تعالى قدمه على الأصناف الثمانية التي جعل لهم الصدقة فبدأ به فدل على أنه هو الأحوج فالأحوج أو الأفضل فالأفضل ، وقال قوم : الفقير هو الذي يعرف بفقره لظهور أمره ، والمسكين هو الذي لا يفطن له ولا يؤبه به لتخفيه وتستره ، وقد جاءت السنة بوصف هذا ، في الخبر المروي : ليس المسكين الذي ترده الكسرة والكسرتان والتمرة والتمرتان إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه . وقد قال بعض الحكماء في مثل هذا ، وقد سئل : أي الأشياء أشد ؟ فقال : فقير في صورة غني ، وقيل لحكيم آخر : ما أشد الأشياء ؟ قال : من ذهب ماله وبقيت عادته ، وقال الفقهاء : المسكين الذي له سبب ويحتاج إلى أكثر منه لضيق مكسب أو وجود عيلة ؛ فهذا أيضا قد وردت السنة بفقره ، وذكر فضله في الحديث الذي جاء أن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال ويبغض السائل الملحف ، وفي الخبر الآخر : أن الله تعالى يحب عبده المؤمن المحترف ؛ وكل هذه الأقوال صحيحة ، فالأفضل أن توضع الزكاة في الأحوج فالأحوج ، والأفضل فالأفضل ، من أهل العلم بالله تعالى ، وأهل المعاملة وأهل الدين لله ، المنقطعين عن أهل الدنيا ، المشغولين بتجارة الآخرة عن تجارات الدنيا ، ثم في ذي العيال بقدر عياله بمقدار غناه عن حاجاته ، فيكون له بعددهم أجور أمثاله من المنفردين إذ هم جماعة ، وقد كان عمر رضي الله عنه يعطي أهل البيت القطيع من الغنم العشرة فما فوقها ، وكذلك في السنة ، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعطي العطاء على قدر العيلة ، ويعطي المتأهل ضعف ما يعطي العزب ، ويعطي كل رجل على قدر أهل بيته ، وحدثنا عن بعض هذه الطائفة قال : صحبنا أقواما كان برهم لنا الألوف من الدراهم انقرضوا وجاء آخرون كان برهم لنا المئين ، ونحن بين قوم صلتهم لنا العشرات نخاف أن يجيء قوم شر من هؤلاء ، وقال بعض السلف : رأينا قوما ما كانوا يفعلون ، ونخاف أن يجيء قوم يقولون ولا يفعلون ، وإن اتفق ذو دين في عيلة من مساكين فذلك غنيمة المتقين ، وذخيرة المنفقين ، والمعروف في مثله واقع في حقيقته ، وسئل ابن عمر عن جهد البلاء ما هو ؟ فقال : كثرة العيال وقلة المال .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?