Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
نوع آخر من التفضيل في الآخذ للفقير : إن من الناس من يستوي عنده إظهاره للعطاء وإخفاؤه لصحة يقينه بذلك وإخلاص نيته فيه ونفاد مشاهدته بدوام نظره إلى المنعم الأول ، فهذا إن قبلت منه علانيته صلح وإن أثنيت عليه بذلك جاز لقوة معرفته وكمال عقله وسبق نظره إلى مولاه فيما وفقه به وتولاه ، فيشكر له ذلك ويراه نعمة منه ، ولمثل هذا جاء الخبر المشهور : إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه ، ، وقال بعض العارفين : يمدح الرجل علي قدر عقله ، وقال الثوري : من عرف نفسه لم يضره مدح الناس له . النوع الرابع من التفضيل
من الناس من إذا أظهر معروفه فسد قصده بذلك واعتورته الآفات من التزين والتصنع ، فمثل هذا لايصلح أن يقبل منه ما أعلن به لأنه يكون معينا له على معصيته ، وهذا أيضا لا يصلح أن يثني عليه ، فإن ذكر بمعروفه أو مدح به ، كان ذلك مفسدة له واغترارا منه لقوة نظره إلى نفسه ونقصان معرفته بربه ، فمن مدح هذا فقد قبله ومن ذكره بمعروفه فقد أعانه على شركه ، ومدح رجل رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ضربت عنقه ، لو سمعها ما أفلح وقد كان هو صلى الله عليه وسلم يثني على قوم في وجوههم ومن حيث يسمعون لثقته بيقينهم وعلمه أن ذلك مزيدا لهم ، وقال لرجل أقبل إليه : هذا سيد أهل الوبر ، وقال لآخر من حيث يسمع : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ، وتكلم رجل بكلام فصل فأعجبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن من البيان سحرا ، وقد كان يخفي الثناء على آخرين إذا علم أن ذلك خير لهم ، وقال الثوري ليوسف بن أسباط : إذا أوليتك معروفا فكنت أنا أسر به منك ورأيت ذلك نعمة من الله تعالى علي وكنت أشد حياء منك فاشكر ، وإلا فلا ، فجملة ذلك أن المعطي حاله الإخفاء وأن الآخذ حلاه الإظهار ، فمن خالف ذلك فارق حاله ، وإن فرض المعطي أن يكره المدح ولا يحب الثناء والذكر ، فمن علمت منه ذلك فعليك أن تثني وتشكر وتنشر ، ومن علمت منه بحب الإظهار ويقتضي منك الاشتهار فحالك أن تعاونه على ظلمه لنفسه ، فترك الثناء لمثل هذا أفضل له وأسلم لك فهذا تفصيل ما أجمله الصادقون ثم اختلفوا في الأخذ من الواجب أفضل أم التطوع ؟ فرأى بعضهم أن يأخذ من الواجب ولا يقبل من التطوع ، أي لأن الواجب يؤخذ بإذن الله تعالى عن قسمه ، وإن الله تعالى أوجب عليه أن يأخذه من حيث أوجب الزكاة ، لأن الفقراء والمساكين لو تواطؤوا على أن لايقبلوا الزكوات أثموا أجمعون ولعصوا كلهم بذلك لإسقاطهم فرض الله عز وجل من الأموال بالزكوات ، قالوا : ولأن هذا أدخل له في جملة الضعفاء والمساكين وأقرب إلى التواضع والذلة ، قالوا : ولا منة لأحد علينا فيه ولا حق يلزمنا عليه إذ كنا نستحق ذلك منه ، قالوا : ولأنه أسلم لديننا لئلايدخل علينا الأكل بالدين لأنا إنما نستوجبه بالحاجة وحرمة الإسلام فقط ، ونخاف أن يكون أخذنا التطوع أكلا بديننا أو أنا أعطينا لصلاحنا واعتقاد فضلنا فلا نحب أن نخص بشيء دون الفقراء ، وهذا مذهب القراء من العابدين ، ومن ينظر إلى صلاحه ونفسه في الدين هو مقتضى حالهم وموجب شهادتهم ، واختارت طائفة أن يأخذوا من النوافل دون الفرائض أجروه مجرى الهدية وقالوا : قد أمر بقبولها وندب إلى التهادي للتآلف والتحبب ، قالوا : ولانزاحم المساكين في حقوقهم ولعلنا لانكمل أوصافهم ، ونخاف أن لايوجد فينا ما شرط الله عز وجل لواجبه ، ولانضعه في حقيقة موضعه ، أو لا نحتاط لمن يسقط عنه الواجب به ، فالتطوع أوسع علينا ، ومع هذا فإنهم يشهدون النعمة من الله تعالى وأن الدين إنما هو لله عز وجل ، كا قال : ( ألا لله الدين الخالص ) الزمن : 3 ، وأنهم مستعملون بأنفسهم من حيث كانوا منعما عليهم لا منعمين على أنفسهم ، وهذه طريقة بعض أهل المعرفة ، وممن ذهب إلى هذا إبراهيم الخواص وأبو القاسم الجنيد ومن وافقهما ، والأمر في ذلك عندي أن من لم يأخذ من كلا إنسان ولا في كل أوان ، ولم يقبل إلا عند الحاجة ، وما لابد له منه ، ثم قام بحكم الله تعالى في الواجب وحكمه في التطوع أن الحالين يتقاربان ، لأن الواجب أمر الله تبارك وتعالى فيه حكم ، والتطوع ندب ، وله عز وجل فيه حكم ، فعلى العبد أن ينظر لدينه ويحتاط لأخيه فيعمل بما يوجب الوقت من الحكم من أيهما كان فسواء ذلك ، ولا ينظر بظلمة في هوى الحظ ففي ذلك سلامته .
الفصل الثاني والأربعون في كتاب حكم المسافر والمقاصد في الأسفار
فإن سنح لهذا المريد سفر ففي الحديث : البلاد بلاد الله عز وجل والخلق عباده ، فحيث ما وجدت رزقا فأقم واحمد الله عز وجل ، والخبر المشهور : سافروا تغنموا ، فغنيمة أبناء الآخرة ريح تجارة الآخرة ، وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين : ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) النساء : 97 ، وقال عز وجل : ( قل سيروا في الأرض فانظروا ) العنكبوت : 20 وقال تعالى : ( وفي الأرض آيات للموقنين ) الذاريات : 20 وقال جل وعلا : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) الذاريات : 21 ، فمن جعلت آياته في نفسه تبصر ففطن ، ومن جعلت له الآيات في الآفاق سرب وسري ، وكذلك قال الله عز وجل : ( وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ) الصافات : 137 - 138 ومثله : ( وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) يوسف : 105 فمن سار فكانت له بصيرة اعتبر وعقل ، ومن مر على الآيات فنظر إليها منها تذكر وأقبل ، ومن أمر الله عز وجل بالمشي في مناكب بساطه والأكل من رزقه بعد إظهار نعمته بتذليل مهاده فقال سبحانه وتعالى : ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) الملك : 15 ، قيل : في أسواقها ، وقيل : قراها ، وقيل : جبالها ، وهو أحب إلى أحداب الأرض قراها ومناكبها جبالها لأنها أعاليها ، وكان بشر الحافي يقول : يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا كثر مقامه في موضع تغير ، وقيل : إنما سمي سفرا لأنه يسفر عن أخلاق النفس ، وأيضا يسفر عن آيات الله سبحانه وقدره وحكمه في أرضه ، فإذا عزم على السفر فليصل ركعتي الاستخارة وليعقد التوكل على الله عز وجل ، فكفى ناظرا وساكنا إليه تبارك وتعالى واثقا به ومعتمدا عليه مستورا حاله راضيا عنه عز وجل في تقلبه ومثواه ، ولينو في سفره الاعتبار بالآثار والنظر إلى الآيات بالاستبصار والابتغاء من فضل الله سبحانه فيما ندبه إليه من الأسباب ، ويقال : إن الله تبارك وتعالى وكل بالمسافرين ملائكة ينظرون إلى مقاصدهم فيعطي كل واحد على نحو نيته ، فمن كانت نيته طلب الدنيا أعطي منها ونقص من آخرته أضعافه وفرق عليه همه وكثر بالحرص والرغبة شغله ، ومن كانت نيته طلب الآخرة وأهلها أعطي من البصيرة والفطنة ، وفتح له من التذكرة والعبرة بقدر نيته ، وجمع له همه وملك من الدنيا بالقناعة والزهد شغله ، ودعت له الملائكة واستغفرت له ، فلتكن نية هذا المسافر استصلاح قلبه ورياضة نفسه واستكشاف حاله وامتحان أوصافه ، لأن النفس إنما أظهرت الإذعان والانقياد في الحضر ، وربما استكانت وأجابت في السفر ، فإذا وقعت علها أثقال الأسفار ولزمتها حقائق الاستخبار خرجت عن معتاد ذلك المعيار فأسفرت حقيقتها وانكشفت دواعيها ، فيكون المسافر في علوم وبصائر يعرف بها خفايا نفسه ومكامنها ، ويكون هذا من خبء الأرض الذي يخرجه الله عز وجل لمحبيه متى شاء ، كما قال جل وعلا : ( يخرج الخبء في السموات والأرض ) النمل : 25 ، فإن خرج سائحا في طلب العلم فقد جاء ذلك في تفسير قوله عز وجل السائحون قيل : في طلب العلم ، وقيل : هم طلبة العلم ، وقد كان سعيد بن المسيب يسافر الأيام في طلب الحديث الواحد ، وقال الشعبي : لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدل على هدى ، ما رأيت أن سفره كان ضائعا ، ورحل جابر بن عبد الله من المدينة وغيره من الصحابة إلى مصر فساروا شهرا في حديث بلغه عن عبد الله بن أنيس الأنصاري يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعوه ، ومن سافر في طلب العلم من عهد الصحابة إلى يومنا هذا أكثر من أن يحصى ، وفي الخبر : من خرج من بيته في طلب العلم ، فهو في سبيل الله عز وجل حتى يرجع .
وفي خبر آخر : من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله عز وجل له طريقا إلى الجنة ، ويقال : إن النفقة في العلم كالنفقة في سبيل الله ، الدرهم بسبعمائة ، وإن سافر في لقاء الصالحين فقد جاء في الأثر : كانوا يحجون للقاء ، والحج من أفضل الأسفار فجعلوه سببا للقاء الأخيار ، فإن نوى القرب من الأمصار طمعا في سلامة دينه وبعدا من تعلق النفس بما في الحضر من حظ دنياه فحسن ، وربما خرج طلبا للخمول والذلة ، خشية الفتنة بالشهرة ، ورجاء صلاح قلبه ، واستقامة حاله في البعد من الناس ، ورياضة بالتفرق والتوحد إلى أن يقوي يقينه ويطمئن قلبه ، فيستوي عنده الحضر والسفر ، ويعتدل عنده وجود الخلق وعدمهم بإسقاط الاهتمام بهم ، وقد قال الثوري : هذا زمان سوء لايؤمن فيه على الخامل فكيف بالمشهورين ، وهذا زمان رجل ينتقل من بلد إلى بلد كلما عرف في موضع تحول إلى غيره ، وقال أبو نعيم : رأيت الثوي وقد علق قلته بيده ، ووضع جرابه على ظهره ، فقلت له : إلى أين يا أبا عبد الله ؟ فقال : قد بلغني عن قرية فيها رخص ، فأنا أريد أن أقيم بها ، فقلت : وتفعل هذا يا أبا عبد الله ؟ قال : نعم إذا بلغك عن قرية فيها رخص فأقم بها ، فإنه أسلم لدينك ، وأقل لهمك ، وقد كان سري السقطي يقول للصوفية : إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار طاب الانتشار ، ومن أفضل الأسفار ما خرج له في سبيل الله عز وجل من الجهاد والحج والرباط وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم زيارة أصحابه ، محتسبا بذلك ما عند الله عز وجل ، والسفر في زيارة الأخ في الله عز وجل مستحب مندوب إليه ، روينا في خبر عن بعض أهل البيت عليهم السلام وقيل : مكتوب في التوراة سر ميلا عد مريضا ، سر ميلين شيع جنازة ، سر ثلاثة أميال أجب دعوة ، سر أربعة أميال زر أخا في الله تعالى ، وفي الخبر : أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله عز وجل على مدرجته ملكا ، فقال : أين تريد ؟ فقال : أخا لي في هذه القرية أزوره ، قال : أبينك وبينه رحم تصلها ؟ قال : لا ، قال : فله عليك نعمة تردها ، قال : لا إلا أني أحببته في الله عز وجل ، قال : فإني رسول الله إليك يبشرك بالجنة ويخبرك أنه قد غفر لك بزيارة أخيك ، وإن سافر إلى بعض الثغور ناويا رباط أربعين يوما أو ثلاثة أيام فحسن ، وإن قصد عبادان فرابط فيها ثلاثا فقد أسابها ثلاثمائة من العلماء والعباد للرباط فيها ما يجله وصفه .
روي عن علي عليه السلام أنه سأل رجلا بالبصرة أن يرابط بعبادان ثلاثا ويشركه في صحبته ، وقال بعض العارفين : كوشفت بالأمصار فرأيت الثغور كلها تسجد لعبادان ، ومن قصد في سفره أحد المساجد الثلاث المندوب إليها لشد الرحال فهو أفضل ، أولاها المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومسجد بيت المقدس ، فيقال : من جمع الصلاة في هذه المساجد الثلاث من سنته غفرت له ذنوبه كلها ، ومن أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وخرج ابن عمر من المدينة قاصدا إلى بيت المقدس حتى صلى فيه الصلوا ت الخمس ، ثم كر راجعا من الغد إلى المدينة ، وسأل سليمان عليه السلام ربه تعالى : إن من قصد هذا المسجد لا يهمه إلا الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيما فيه حتى يخرج منه ، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله تعالى ذلك ، وأما فضائل المسجدين في الحرمين حرم الله عز وجل وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم فأكثر من أن نذكرها ، وإن سافر طلبا للحلال وهويأمن طعمة الحرام فذانك له قربتان ، وقد فعله صالحو السلف في كل زمان ، وليكن العبد في سفره مراعيا لهمه ، حافطا لقلبه من التشتت والطمع في الخلق ، والتعرض للمسألة ، فإن لم يكن ذا معلوم معهود كان معلومه العلام الودود ، وكان طريقه إليه صدق التوكل ، وزاده في طريقه حسن التقوى له بصحة الأياس من الناس ، وعليه حينئذ الصبر على بلائه ، والرضا بتصريفه في قضائه ، ولاشكر على لطائف نعمائه من منع أو عطاء أو شدة أو رخاء ، لأنه في يد الوكيل يقلبه كيف يشاء ، والتوكل عند المتوكلين هو في الصبر للصبور وتسليم الحكم للحاكم ، ومنه قوله تعالى : ( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) العنكبوت : 59 وقوله : ( إن الحكم إلا لله عليه توكلت ) يوسف : 67 . وقال رجل لبشر بن الحارث : إني أريد سفرا ولكني منعني أنه ليس عندي شيء ، فقال : لا يمنعك العدم من سفرك واخرج لقصدك ، فإن لم يعطك ما لغيرك لم يمنعك ما لك ، وكان إبراهيم الخواص يقول : كف فارغ وقلب طيب ومر حيث شئت ، ومن طرقته فاقة أو رهقته حاجة لم يخرجه من التوكل أن يسأل إذا عدم القوة والصبر ، لأنه حينئذ يسأل لربه لا لنفسه ، يحركه العلم لا الهوى لإقامة فرضه وحفظ عقله الذي هو مكان تكليفه ، وفي الأثر : من جاع فلم يسأل فمات دخل النار ، لأن ترك السؤال عند خوف رهق الموت ، ومع عدم الصبر سبب التلف ، إن كان الجوع أحد الحنوف القاتلة ، وقد تأول بعض متأخري الصوفية قول النبي صلى الله عليه وسلم : أحل ما أكل العبد من كسب يده قال : المسألة عند الفاقة وأنا بريء من عهدة هذا التأويل ، وقد كان جعفر الخلدي يحكي هذا عن شيخ من الصوفية وكان هو يستحسنه ، ولكن قد كان أبو سعيد الخراز يمد يده عند الفاقة ويقول : ثم شيء لله . وحدثونا عن أبي جعفر الحداد ، وكان شيخا للجنيد ، له علم في التوكل وحال من الزهد ، كان يقتات بخروجه بين العشاءين فيسأل من باب أو بابين ، فيكون ذلك معلومة إلى بعض حاجاته من يوم أو يومين ، ولم يعب هذا عليه أحد من الخصوص ، وقد رأى بعض الناس رجلا من الصوفية دفع إليه كيس فيه مئون دراهم في أول النهار ففرقه كله ، ثم سأل قوتا في يده بعد عشاء الآخرة فعاتبه على ذلك وقال : دفع إليك شيء أخرجته كله ، فلو تركت منه لعشائك شيئا ؟
فقال : ما ظننت أني أعيش إلى المساء ، ولو علمت ذلك فعلت ، وكان هذا زاهد قصير الأمل إلا أن السؤال للمتوكل عند الخواص يخرجه من التوكل ، وقد كان سهل يقول : المتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يحتكر ، وليس يخرجه عندي من التوكل المسألة عند الفاقة ، بل عدم الصبر والقوة ، ففقد ذينك وجود الإذن من الله له في السؤال إذا كان ناظرا إلى تصريف والوكيل في كل حال ، ولأن الولي الحميد يقلب وليه في جميع الأحوال ، ألم تر إلى إمامي أهل الظاهر والكتاب وأهل الباطن والقلوب ، استطعما أهلها ، لأن المسلم يستحق على إخوانه سد جوعته لحرمة الإسلام ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ليلة الضيف واجبة ، وقال عليه الصلاة والسلام : الضيافة حق ، وفي الخبر : ولك أن تأخذ من ماله مقدار ليلة ، وفي الحديث : أيما أهل عرضة أو قرية بات فيهم رجل من المسليمين جائعا فقد برئت منهم الذمة ، وكان الثوري يسأل في البوادي من الحجاز إلى صنعاء اليمن ، فقال : كنت أذكرهم حديث عبد الله هذا في الضيافة ، قال : فيخرجون إلي طعاما فآكل شبعي وأترك ما بقي ، والمسافر هو ابن السبيل الذي أوجب الله حقه في الأموال ، لأن السبيل هو الطريق ، وراكبها ابنها ، لأنه صاحب طريق وسالكه ، وليس عليه أيضا في الثواء عن أخيه المسلم ثلاثة أيام شيء ، لأنه مقيم على ما أبيح له . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الضيافة ثلاثة ، فما زاد فهو صدقة ، فلا يقيمن فوق ثلاث ، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : ولايقم فوق ثلاث فيحوجه أن يضيق عليه ، وتأويل قوله عندي فما زاد فهو صدقة ، أي مروه لامندوب إليه ، ولا مأمور به ، فإن اختار الصدقة ولم ينزه نفسه عنها فهو أعلم ، أي وما كان في الثلاث فهو حق له وواجب على مضيفه ، فإن سألوه الأقامة فوق ثلاث أو علم أنهم يحبون الإقامة فلا بأس بذلك ، وقد تأول بعض الصوفية قول النبي صلى الله عليه وسلم : فما زاد فوق ثلاث فهوصدقة ، إنه صدقة على أصحاب المنزل من الضيف ، تصدق عليهم لإقامته ، لأنه مثوبة لهم ، ولا يعجبني هذا التأويل ، وليحافظ على صلاته في أوقاتها بحسن طهارة وجميل أداء ، وليحفظ قلبه أن يتشتت ، فإن السفر قد يشتت هم المريد ، ويجمع هم العارفين ، ويشغل قلوب الضعفاء ، ويروح قلوب الأقوياء ، وهو محنة وكشف لأخلاق العبد ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرجل الذي زكى عنده رجلا لما سأله عنه ليقبل شهادته فقال له : هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ؟
فقال : لا ، قال : ما أراك تعرفه ، وعن بعض السلف : إذا أثنى على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكوا في صلاحه إذ ذاك ، لأن السفر يسيء الأخلاق ، ويكثر الضحر ، ويخرج مكامن النفس من الشح والشره ، وكل من صلحت صحبته في السفر صلحت صحبته في الحضر ، وليس كل من صحب في الحضر صلح أن يصحب في السفر ، وقال بعض السلف : ثلاثة لا يلامون على الضجر ، الصائم ، والمريض والمسافر ، ولا ينبغي أن يفارقه من الأسباب أربعة ، الركوة ، والحبل ، والإبرة بخيوطها والمقراض ، وكان الخواص من المتوكلين ، ولم تكن هذه الأربعة تفارقه ، وكان يقول : ليست من الدنيا ، وبعض الصوفية كان يقول : إذا لم يكن مع الفقير ركوة وحبل دل ذلك على نقصان دينه ، وكان جماعة من أرباب القلوب وأهل المعاينة بالأحوال إذا استوطنت نفوسهم مصر أو سكنت إلى موضع عملوا في الغربة لرفع العادة وإيثارا للقلة والذلة ، وقالوا : لا يخلو المؤمن من قلة أو علة أو ذلة ، وكانوا إذا خافوا الاستشراف إلى الخلق خرجوا في الأسفار لقطع ذلك وحسمه من الأذكار ، وقد كان الخواص لا يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما ويرى إن ذلك علة في توكله فيعمل في اختبار نفسه وكشف حاله . وحدثنا عن بعض الشيوخ قال : لبثت في البرية أحد عشر يوما لم أطعم شيئا ، ، وتطلعت نفسي أن تعرج على حشيش البرية ، فرأيت الخضر مقبلا نحوي فهربت منه ، فلما وليت عنه هاربا التفت إليه ، فإذا هو قد رجع عني ، فانظروا إلى ولي الله عز وجل كيف لم يفسد على توكلي ، فقيل له : لم هربت منه ؟ قال : تشوفت نفسي أن يقيتني ، وعلى المسافر من أهل القلوب أن يفرق بين سكون القلب إلى الوطن والسفر ، وبين سكون النفس إليهما ، فإن ذلك قد يلتبس فيحسب من لا بصيرة له ، ولا تفتيش لحاله ، ولا صدق في أحواله ، أن سكون النفس هو سكون القلب فينقص بذلك ولا يفطن لنقصانه ، فإن كان قلبه يسكن إلى أحدهما وفيه صلاح دينه وعمارة آخرته ومحبة ربه ، فهذا سكون القلب لأنه يسكن إلى أخلاق الإيمان وماورد العلم به وإن كانت نفسه تسكن إلى أحدهما مما فيه عاجل حظوظ وعمارة دنياه وموافقة هواه ، فهذا سكون نفس ، لأنها تسكن إلى معاني الهوى ، فليتحول من الوطن إلى الغربة ، وليرجع من الغربة إلى المصر ، ومن كان في سفر على غير هذا النعت من التفقد لحاله وحسن القيام بأحكامه فهو على هوى وفتنة ، وسفره بلاء عليه ومحنة ، وفصل الخطاب أن من لم يكن له في سفره حال يشغله ، وهم يجمعه ، ووقت يحبسه ، ومأوى يظله ، ومسكن يؤنسه ، وزاد من باطنه ، وعلم من عالمه ، فإن الحضر أرفق لحاله ، وأصلح لقلبه ، وأسكن لنفسه من السفر ، لأنه يكون في السفر مشتت السر ، مفرق الهم ، تارة بوجود معلوم يخاف عليه ، ومرة بفقد معتاد يحن إليه ، مرة باستشراف إلى خلق يطمع فيه ، فمرة يضعف قلبه مع العدم ، وتارة يقوى بالاستطلاع إلى البشر ، ومرة يفزع بفقد ما عنده قد حضر ، فمثل هذا يكون في السفر نقصان ما ادعى ، والسفر يجمع هم الأقوياء ، ويشتت قلوب الضعفاء ، ويذهب أحوال أهل الابتداء ، ثم إن لم يصلح قلبه ولم يستقم حاله في الحضر فإنه لايصلح حاله ولا يستقيم قلبه في السفر ، وأنشدوا لبعض السائحين في التغرب : ألفت التفرد والغربه . . . ففي كل يوم أطي تربه فيوم مقيم على نعمه . . . ويوم مطل على نكبه ومما يطلب نفس الغري . . .
ب حبيب تطيب به الصحبه وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر الرجل وحده فقال : الثلاثة نفر ، وقال : إذا كنتم في سفر ثلاثة فأمروا أحدكم ، قال : فكانوا يفعلون ذلك ، ويقولون ذاك أمير أمر رسو ل الله صلى الله عليه وسلم وكذلك يستحب . وقد جاء في الخبر : خير الأصحاب أربعة ، والأسفار ، والنزه لا تطيب إلا في جماعة ، وأقل الجماعة اثنان ، والثلاثة والأربعة أفضل ، والسياحة لا تحسن إلا على الانفراد والوحدة ، فإن اتفق ثلاثة في سياحة بقلب واحد ، وهم واحد ، على حال واحد ، فهم كعبد واحد ، فهو حسن وفيه معاونة على البر والتقوى ، قال الله عز وجل فيمن منعه النصرة وحرمه منه الصحبة : ( لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون ) الأنبياء : 43 ، فمن نصره الله على نفسه فقد صحبه ، ومن لم يصحبه سلط عليه نفسه وسخره لها ، وجمله الأمر أن السفر عمل من الأعمال يحتاج إلى نية وإخلاص ، فمنه فرض وهو ما هرب به من معصية ، ومنه فضل وهو ما طلب به طاعة ، ومنه مباح وهو ما ضرب به في تجارة ، ومنه معصية وهو ما سعى به في فساد .
الفصل الثالث والأربعون فيه كتاب حكم الإمام ووصف الإمام والمأموم
فإن كان هذا المريد إماما لحيه كان عليه أن يقوم بحكم الإمامة حتى يتمها ، فيستحق الإمام بأن يكون له مثل أجر من صلى خلفه بأن يكون داعيا إلى الله عز وجل ، قائما بين الله تعالى وبين عباده هو وجهتهم وطريقتهم إليه ، وفي الخبر : إنما الإمام أمير ، فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ، وفي الحديث فإن تم فله ولهم ، وإن نقص فعليه ولا عليهم ، وفي الخبر : أئمتكم وفدكم إلى الله عز وجل ، فإن أردتم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم ، وفي الخبر المشهور : الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين ، وفي الحديث : ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ، وفي لفظ آخر : لا تجاورصلاتهم رؤوسهم : العبد الآبق ، وامرأة زوجها عليهاساخط ، وإمام قوم وهم له كارهون ، فأول ما عليه من الشروط أن يكون مجتنبا للفسوق والكبائر وغير مصر على الصغائر ، قارئا لكتاب الله عز وجل ، أو لما يحسن منه بغير لحن ولا إحالة معنى ، عالما بفرائض الصلاة وسننها ، وما يفسدها وما يوجب السهو وما لا يوجبه منها ، وإن حدثت عليه حادثة في الصلاة ، أو ذكر أنه على غير وضوء ورع واتقى الله عز وجل ، وخرج من صلاته وأخذ بيد أقرب الناس منه ، فاستخلفه في مقامه ، وقد أصاب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام الأمة في الصلاة فخرج منها ، وذلك أنه ذكر أنه كان جنبا فاغتسل ، ثم رجع فدخل في الصلاة ، فإن كانت الحادثة في الصلاة فعل ذلك ، وإن كان ذكر أنه دخل في الصلاة على غير طهارة خرج ولم يستخلف وابتدأ القوم صلاتهم ، فليكن الإمام مأمونا على طهارته بإكمالها ، مأمونا في صلاته بإقامتها ، مخلصا بالإمامة ، يريد بها وجه الله تعالى وما عنده ، ولايحل له أن يأخذ على الصلاة أجرا ولا على الأذان الذي هوطريق إليها ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص الثقفي فقال : واتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا ، فهذا الداعي إلى الصلاة لا يحل له أن يأخذ على دعائه أجرا فكيف المصلي القائم بين الله وبين عباده ؟ وقد كان بعض السلف يقول : ليس بعد الأنبياء أفضل من العلماء ، ولا بعد العلماء أفضل من أئمة المصلين ، لأن هؤلاء قاموا بين الله تبارك وتعالى وبين خلقه ، هذا بالنبوة ، وهذا بالعلم ، وهذا بعماد الدين ، وهي الصلاة ، وبهذه الحجة احتج على علي رضي الله عنه في تقدمة أبي بكر رضي الله تعالى عنه للخلافة لما أهله رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا قال : فنظرنا فإذا الصلاة عماد الدين ، فاخترنا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ، وقال ورجل : يارسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ، فقال : كن مؤذنا ، قال : لا أستطيع ، قال : كن إماما ، قال : لا أستطيع ، قال : فصل بإزاء الإمام ، وقد كان بعض الورعين يتورع عن الإمامة لما فيها ولما على الإمام من ثقلها وتحملها ، وكانوا يختارون الأذان على الإمامة ويفضلونه عليها ، منهم كثير من الصحابة ، وعليه أن يراعي أوقات الصلوات ليصلي في أوائلها ، فيدرك رضوان الله عز وجل ، وبين فضل الصلاة في أول وقتها على الصلاة في آخر وقتها كفضل الآخرة على الدنيا ، كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي حديث آخر : أن العبد ليصلي الصلاة في آخر وقتها ولم يفته ولما فاته من أول وقتها خير له من الدنيا وما فيها ، وليتم الركوع والسجود والاعتدال والقعود بنيهما ، فيكون ذلك قريبا من السواء ، معتدلا كله ، حتى يدرك من وراءه من الضعفاء والمرضى ، فتلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينبغي أن يكون له ثلاث سكتات .
كذلك روى سمرة بن جندب وعمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أولهن : إذا كبر وهي الطولى منها مقدار ما يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب لئلا يقرؤوا في قراءته ، فيكون عليه ما نقص من صلاتهم ، فإن لم يقرؤوا فاتحة الكتاب في سكوته واشتغلوا بغيرها ، فذلك حينئذ عليهم ، وقد فعل هو ما عليه ، والسكتة الثانية إذا فرغ هو من قراءة الحمد ليتمم من بقى علي شيء من فاتحة الكتاب في هذه السكتة وهي على النصف من السكتة الأولى ، والسكتة الثالثة إذا فرغ من قراءة السورة قبل أن يركع وهي أخفهن على النصف من السكتة الثانية لئلا يكون مواصلا في صلاته بأن يصل التكبيرة بالقراءة ويصل القراءة بالركوع فقد نهى عن ذلك ، وعلى المأموم أيضا أن لا يصل تكبيره الإحرام ولا تسليمه بتسليم الإمام ، وعليهما أن لا يصلا التسليمتين ليفصلا بينهما ، فقد نهى عن المواصلة في الصلاة وهي في هذه الخمس ، وعلى المأموم أن يكبر ويركع ويسجد ويرفع ويضع بعد الإمام ولا يخرون سجدا حتى تقع جبهة الإمام على الأرض وهم قيام ثم يخرون بعده ، كذلك كانت صلاة الصحابة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يكبر حتى يعتدل الصف وراءه ، وليلتفت يمينا وشمالا ، فإن كان أعوج أشار بيده ، وإن رأى خللا أمر بسده فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ، وكانوا يحذون بين المناكب ويتضامون في الكعاب ، وقد قيل : إن الناس يخرجون من الصلاة على ثلاثة أقسام ، طائفة بخمس وعشرين صلاة وهم الذي يتمون صلاتهم بعد ركوع الإمام وسجوده ، وطائفة بصلاة واحدة وهم الذين يكبرون ويركعون ويسجدون معه مواصلة له ومبادرة ، وطائفة تخرج بغير صلاة وهم الذين يرفعون ويضعون قبله فيسابقون إمامهم ، وليقرأ في صلاة الغداة بسورتين من المثاني وهي مادون المائة ، فإن الإطالة في قراءة الفجر والتغليس سنة ، ولا يضره خروجه منها مسفرا إذا كان قد دخل فيها مغلسا ، ولا أكره أن يقرأ في الركعة الثانية منها بأواخر السور من نحو الثلاثين أو العشرين إلى أن يختمها لأن في ذلك مزيد تذكرة وفضل تبصرة ، لأنه يبعد طروقه على الأسماع لكثرة الاعتياد لتلاوة السور القصار فهي أدنى إلى الانقطاع والتفكر ، وإنما كره أن يقرأ من أولها كذلك ، ثم يقطع أو يقرأ من وسطها ، ثم يركع قبل أن يختمها هذا الذي كرهه بعض العلماء .
وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بعض سوررة يونس فلما انتهى إلى ذكر موسى وفرعون قطع فركع ، وروينا حديثا أشهر منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر مائة مرة من سورة البقرة قوله تعالى : ( قولوا آمنا بالله ) البقرة : 136 الآية ، وفي الثانية : ( ربنا آمنا بما أنزلت ) آل عمران : 53 ، وفي رواية أنه قرأ فيهما : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو ) آل عمران : 18 ، وأنه سمع بلالا يقرأ من ههنا وههنا فسأله عن ذلك فقال : أخلط الطيب بالطيب ، فقال : أحسنت أو أصبت ، والخبر المشهور عن أبي بكر الصديق قال الصنابحي : صليت خلفه المغرب فأصغيت إليه في الركعة الثالثة ، فإذا هو يقرأ هذه الآية : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) آل عمران : 8 الآية ، فكذلك يستحب أن يقرأ بهذه الآية خاصة في الثالثة من صلاة المغرب ، وروينا عن ابن مسعود أنه أم الناس في صلاة العشاء الآخرة فقرأ في الركعة الثانية بالعشر الأواخر من سورة آل عمران ، وأنه قرأ أيضا في هذه الصلاة بآخر سورة الفرقان من قوله تبارك وتعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا ) الفرقان : 61 وقد قال الفقهاء في المستحب من القراءة بعد سورة الحمد من الزيادة عليها أن يقرأ ثلاث آيات من سورة ، وبعضهم يقول : آيتين من سورة ، فإن اكتفى بسور الحمد أجزأه . وقد روينا عن جابر بن زيد فقيه أهل البصرة وكان ابن عباس يستخلفه في الفتيا ويأمر أن يستفتي أنه افتتح الصلاة ثم قرأ الحمد ثم قال : ( مدهامتان ) الرحمن : 64 وركع ، وهذه أقصر آىة في كتاب الله عز وجل وبعدها ، ثم نظر وقد رأيت بعض الأئمة في جامع عظيم من جوامع المسلمين قرأ في الركعة الثانية من صلاة العشاء الاخرة بآخر سورة يونس وخلفه العلماء والأشهاد ، فما أنكر عليه أحد ، وليقرأ في صلاة الظهر بطوال المفصل إلى الثلاثين آية ، في صلاة العصر بوسط المفصل على نصف صلاة الظهر ، في المغرب بأواخر المفصل وآخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب قرأ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة والمرسلات ما صلى بعدها حتى قبض صلى الله عليه وسلم ، وقال أنس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخف الناس صلاة في تمام ثم قال أيضا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالتخفيف في الصلاة وإن كان ليؤمنا بسورة والصافات . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرخص إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة ، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء ، وقد كان معاذ بن جبل يصلي بقومه صلاة عشاء الآخرة فافتتح بسورة البقرة ، فخرج رجل من الصلاة وأتم لنفسه ، ثم انصرف فقالوا : نافق الرجل ، ثم تشاكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشكى الرجل وزر معاذ وقال : أفتان أنت ؟ اقرأ بسورة سبح والسماء والطارق والشمس وضحاها ، وليسبح في ركوعه وسجوده سبعا أو خمسا ليدرك من وراءه ثلاثا ثلاثا لأنهم يركعون ويسجدون بعده .
وروينا أن أنس بن مالك لما صلى خلف عمر بن عبد العزيزكان أميرا بالمدينة قال : ما صلت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل صلاة هذا الشاب قال : وكنا نسبح وراءه في الركوع والسجود عشرا عشرا ، وقد روينا مجهلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنا نسبح وراءه في الركوع والسجود عشرا عشرا ، فإن قرأ في الأخيرتين من الظهر والعصر وعشاء الاخرة بعد الحمد بسورة قصيرة أو آيتين من سورة فحسن ليدرك من وراءه قراءة الحمد على مهل ، وقد اختلف مذهب السلف في الإمام يكون راكعا فيسمع خفق النعال هل ينتظر في ركوعه ويتوقف حتى يدخلوا في الركعة أو لا يباليهم ؟ فقال بعضهم : ينتظر حتى يلحقوا معه وممن اختاره الشعبي ، وقال آخرون : لا ينتظرهم فإن حرمة من معه في الصلاة أعظم من حرمة من تأخر عنها ، وقال بهذا إبراهيم النخعي ، وكذلك قال فقهاء الحجاز : لا ينتظرهم فإنه زيادة في الصلاة ، ومن الإخلاص بها ترك التوقف بها لأجلهم ، وقال بعض فقهاء الكوفة إن انتظرهم فحسن ليدركوا معه الجماعة فيكون له فضل إدراكهم ، وقد قدم عثمان القنوت قبل الركوع في صلاة الغداة ليدركوا الناس الركوع ، والذي عندي في هذا التوسط وهو أنه ينتظر فإن سمع خفق نعالهم في أول ركوعه فلا بأس أن يمد حتى يلحقوا ، وإن سمعها في آخر ركوعه عند رفع رأسه لم أحب أن لا يزيد في الصلاة لأجلهم فليرفع ولا يبالي ، وأفضل التشهد عندي الذي رواه ابن مسعود وجابر ، وقد اختلفت الروايات في ألفاظ التشهد والذي اختاره ، وأقوله ما رويناه عن عبد الله بإثبات الواوات ، وبتقديم اسم الله عز وجل في أوله ، وبزيادة المباركات ، فأكون بذلك جامعا بين جميع الروايات لأن في حديث عمر ذكر المباركات وتأخير قوله لله عز وجل ، ومن رواية ابن عمر ذكر التسمية . وقد روينا ذلك في حديث الثوري عن أيمن بن وائل عن أبي الزبير عن جابر أن رسول اله صلى الله عليه وسلم كان يقول : بسم الله ، وبالله ، التحيات لله ، والصلوات والطيبات لله عز وجل ، فهذا هو الأفضل عندي لأنه هو الأحوط ولدخول روايات الجماعات فيه ، ثم اختلفوا في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم بالإشارة إليه في السلام ، أو تركها ، فالذي اختاره السلام على النبي صلى الله عليه وسلم إلى ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين لأنه قد جاء في بعض الأخبار كالتفسير لما ذكرناه ، قال : كنا نقول إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فلما قبض صلى الله عليه وسلم صرنا نقول : السلام على النبي ، وفي كل الروايات قوله : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فكذلك اختار إلا في رواية عمر ، فإنه ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدثني بعض العلماء عن بعض الصالحين قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت : يا رسول الله قد اختلف العلماء علينا في التشهد فيم نأخذ فقال : التشهد هو الذي رواه ابن أم عبد ، ولا يدع أن يستعيذ في تشهده بالكلمات الخمس فيقول : أعوذ بك من عذاب جهنم ، وعذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المحيا ، والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال ، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ، قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به ، والمسيح بنصب الميم مع التخفيف لأنه قيل سمي كذلك معدول به من ماسح ، أي يمسح الأرض مسحا ، لأنه قيل : تطوى له الأرض ، وبعض أهل اللغة يقول : عدل به عن ممسوح العين أي مطموسها ، والتكبير والتسليم جزم والأذان جزم ، قد قيل ذلك واستحب أن يكون المؤذن غير الإمام .
وقد روينا في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره أن يكون الإمام مؤذنا ، وقد كان عمر رضي الله عنه إذا ذكر فضل الأذان يقول لولا الإمامة لأذنت . وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : الأذان إلى المؤذن والإقامة إلى الإمام ؛ أي هو أملك بها ، وللمؤذن أن ينتظر الإمام ، وليس على الإمام والمأموم انتظار المؤذن إذا دخل الوقت ، ولا على المؤذن انتظار أحد إذا انتظر الإمام ودخل الوقت ، والصلاة في أول وقتها أفضل من انتظار الجماعة لها ، وأفضل من قراءة طوال السور فيها ، وقيل : قد كانوا إذا حضر اثنان في الصلاة لم ينتظروا الثالث ، وإذا حضر أربعة في الجنازة لم ينتظروا الخامس ، وقيل : انتظار المأموم مع شهود الإمام مكروه والنعي بالميت والإيذان به بدعة ، وقد تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة الفجر وكانوا في سفر ، وإنما تأخر لطهارة ، فلم ينتظر ، وقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حتى فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة فقام يقضيها ، قال : فأشفقنا من ذلك فقال : أحسنتم هكذا فافعلوا ، وقد تأخر في صلاة الظهر فقدموا أبا بكر رضي الله عنه حتى جاء وهم في الصلاة ، فقام إلى جانبه ، ليدخل في الصلاة مكبرا إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة ، ويكون الناس قد قاموا إذا قال المؤذن : حي على الصلاة ، كذلك السنة وعليه كان السلف . وروينا عن علي عليه السلام وعبد الله وكانوا إذا قال المؤذن : حي على الصلاة قام الناس للدعوة ، فإذا قال : قد قامت الصلاة كبر الإمام ، ويبقى المؤذن وحده يتم الإقامة ، ثم يدخل في الصلاة والإمام يقرأ سورة الحمد ، لأن حقيقة قوله قد قامت الصلاة أي قد قام الناس للصلاة ، وقد قام المصلون لأن الصلاة لا تقوم ، فإذا قاموا عند قوله : قد قامت الصلاة كان المؤذن صادقا في قوله ، وإن كان جائزا على المجاز لقرب الوقت وظهور سبب القيام ، ولذلك كره أن يكون الإمام مؤذنا لأنه حينئذ يحتاج أن يكبر ويدخل الناس في الصلاة عند قوله : قد قامت الصلاة ، وكذلك جاء عن السلف من السنة أن يكون الأذان في المنارة والإقامة في المسجد ليقرب على المؤذن الدخول في الصلاة ، وكذلك قال بلال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبقني بآمين ؛ أي تمهل حتى أدرك النامين معك لفضله إذ قد علم أنه يسبقه بافتتاح الحمد ، وفي هذا دليل على صحة اختيارنا فيما ذكرنا من انتظار الإمام لمن سمع خفق نعله إذا كان في أول الركوع لقول بلال : لا تسبقني بآمين ولم يقل : لا تسبقني بالحمد ولا أستحب للإمام الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، وإن كانت آية من سورة الحمد فأكثر الروايات وأثبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الجهير بها ، وأنه الآخر من فعله فقد كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من أفعاله صلى الله عليه وسلم ولأنه مذهب أكثر العلماء .
وروينا عن ابن مسعود أنه قال : من السنة أن لا يخفي الإمام أربعا ؛ سبحانك اللهم ، والاستعاذة ، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم ، والتأمين ، وقد روينا عن علي كرم الله وجهه : الجهر بها ، وعن ابن عباس : ليس من السنة الجهر بها ولا أكره القنوت في صلاة الغداة بالكلمات الثمانية التي رويت عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولها سرا ولا يرفع يديه ، لأنها تجري مجرى الدعاء ، وإن ترك ذلك فحسن ، قد تركه أكثر الفقهاء واستحب أن يقرأ في ليلة الجمعة وغداتها من السور ما روينا عن رسول الله في حديثين ؛ المشهور منهما : أنه كان يقر في صلاة الغداة يوم الجمعة بسورة السجدة ( هل أتى ) الدهر : 1 ، والحديث الآخر ، أنه كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة ( قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ) الكافرون : 1 ، الإخلاص : 1 ، وفي عشاء الآخرة بسورة الجمعة وسورة المنافقين ، واستحب أن يقول في تشهده من الدعاء ما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة من الجوامع والكوامل : اللهم إني سألك من الخير كله عاجله وآجله ، ما علمت منه وما لم أعلم ، أسألك مما سألك منه محمد صلى الله عليه وسلم ، وأعوذ بك ما استعاذك منه محمد صلى الله عليه وسلم ، أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ، اللهم ما قضيت لي من أمر فاجعل عاقبته رشدا ، ثم يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ويقول : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) آل عمران : 8 الآية ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، وليس بعد هذا دعاء مفضل ولا كلام مأثور سوى ما ذكرناه آنفا من الاستعاذة بالكلمات الخمس ، وإن اقتصر عليها أجزأته ويكره للإمام أن يخص نفسه بدعاء دون من خلفه فإن دعا في صلاته فليجمع بالنون فيقول نسألك ونستعيذك وهو ينوي بذلك نفسه ومن خلفه . وفي الخبر : من أم قوما فلا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن اختار المريد التأذين على الإمامة فقد قال بعض السلف من العلماء : إن الأذان أفضل من الإمامة ، وإن المؤذن أعظم أجرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : الإمام أمير ، ولقوله : الإمام ضامن ، فشبهها بالإمارة والضمان ، ثم قال : فإن نقص فعليه لا عليهم ، فالأذان أسلم ، ولعله لا يقوم بحكم الإمامة ، ولا يتم وصف الإمام فيكون عليه بعض صلاة المصلين كما يكون له أيضا في الإتمام أجورهم ، وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا للمؤذنين دعاء هو أمدح من دعائه للإمام بقوله : اللهم أرشد الأئمة ، واغفر للمؤذنين وبقوله : يغفر للمؤذن مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس ، ووصفه أيضا بوصف هو أبلغ فقال : المؤذن مؤتمن ، وفي لفظ آخر : مؤذنوكم وأئمتكم ضمناؤكم ، فالأمين أرفع حالا من الضامن لأن الضامن غارم ، وقد لا يكون أمينا ، والأمين مكينا ، ولا ضمان عليه ؛ ومن هذا كره سهل بن سعد الساعدي الإمامة ، قال أبو حازم : قلت لسهل بن سعد وكان يقدم فيتان قومه يصلون به ، فقلت : أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولك من السابقة والفضل لو تقدمت فصليت بقومك ، فقال : يا ابن أخي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الإمام ضامن فأكره أن أكون ضامنا ، وفي الخبر : من أذن في مسجد سبع سنين وجبت له الجنة ، ومن أذن أربعين عاما دخل الجنة بغير حساب ، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة يوم القيامة على كثيب من مسك يفزع الناس ولا يفزعون حتى يقضي بين الخلائق ؛ رجل قرأ القرآن فأداه إلى الله سبحانه وتعالى بما فيه ، ورجل أذن في مسجد ابتغاء وجه الله تعالىى ، ورجل ابتلى بالرق في الدنيا فأطاع الله عز وجل وأطاع مواليه .
وروينا في تفسير قوله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ) فصلت : 33 ؟ قال : نزلت في المؤذنين وعمل صالحا قال : الصلاة بين الأذان والإقامة يستجب إذا فرغ المؤذن من الأذان أن يقول : وأنا من المسلمين الحمد لله رب العالمين ، وتلا قوله وعمل صالحا ، وقال : إنني من المسلمين ، وقوله مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين ، فاستحب أن يصلي المؤذن بين الأذان والإقامة أربعا ، وأن يجهد في الدعاء ، قال : وكان السلف يكرهون أربعا ويتدافعونها عنهم : الإمامة والفتيا والوصية والوديعة ، وقال بعضهم : ما شيء أحب إلي من الصلاة في جماعة ، وأكون مأموما فأكفى سهوها ويتحمل غيري ثقلها ، ولكن إذا أقمت الصلاة فليتقدم من أمر بالتقدم ولا يتدافعونها ، فقد جاء في العلم أن قوما تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة فخسف بهم ، ولكن لا يقيم المؤذن حتى يحضر الإمام ، ولا ينتظروا الإمام قياما فإنه مكروه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوموا حتى تروني ، وكان بشر بن الحارث يقول : من أراد سلامة الدنيا وعز الآخرة فليجتنب أربعا : لا يحدث ولا يشهد ولا يؤم ولا يفتي ، وفي بعضها ولا يجيب دعوة ، وقال مرة : ولا يقبل هدية وهذا من تشديده ، والذي اختار من التأذين والإقامة مذهب أهل الحجاز بتثنية الأذان ، بالترجيع وإفراد الإقامة ، وأن يزيد في أذان الفجر الصلاة خير من النوم مرتين ، وأن يؤذن لها قبل دخول الوقت ، خاصة ليتأهب لها المصلون وإنما هي الصلاة الوسطى إلا أن يتفقوا على صحة الحديث شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، فليدع الاختيار للآثار ، وإن يمد المؤذن صوته ويرفعه جهده ويترسل أذانه ، وقيل كانوا يستحبون خفض الصوت في كل موطن إلا في موضعين : في الأذان وعند التلبية . وفي الخبر : يتمهل المؤذن بين أذانه وإقامته قدر ما يفرغ الأكل من طعامه ، والمعتصر من اعتصاره ، فهذا توقيت من مقدار المصلين بين الأذانين ، فمن كانت به حاجة إلى هذين فليقدم ذلك قبل دخوله في الصلاة لئلا يشغله شيء عن صلاته ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مدافعة الأخبثين في الصلاة ، وأمر بتبدئة العشاء في قوله : إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء ، ذلك ليكون القلب فارغا لربه خاليا من نوائبه ، فذلك من إقامة الصلاة وتمامها ، وأكره الإمامة لمن كثر سهوه في الصلاة ، أو دام اشتغال قلبه عن فهم المناجاة ، أو لمن علم أن وراءه من هو أقرأ منه أو أفقه في الدين والعلم وإن كان هو عابدا صالحا ، أو لفقيه بالعلم إذا كان وراءه أتقى منه وأصلح وأروع بعد أن يكون مؤديا لفرض التلاوة ، ولا يؤم الأمي القراء ولا الأعجمي الفصحاء ولا المتيممون المتوضئين ، وإن اتفق أميون قدم أقرؤهم وإن حضر أئمة قراء فليتقدم بالعلم ، وإن اتفق رجلان أحدهما قد جمع كل القرآن إلا أن الآخر أحسن تجويدا وتثقيفا لما يقرأ منه ، وليس يحفظ جميعه فليقدم أقومهم قراءة إذا كان عالما بالصلاة ، وفي الخبر : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله عز وجل ، فإن كانوا في القراءة سواء فأفقههم في الدين ، فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنا ، فلذلك الأمر الرجل أحق بالإمامة إذا كان في منزله إلا أن يأذن ، واستحب للإمام إذا سلم أن يسرع الانفتال بوجهه إلى الناس ، وأكره للمأموم القيام قبل انفتال إمامه ، فقد روينا في ذلك سنة حسنة عن طلحة والزبير ، أنهما صليا في البصرة خلف إمام ، فلما سلما قالا للإمام : ما أحسن صلاتك وأتمها ، كما كنا نصلي الأشياء ، واحدا أنك لما سلمت لم تنفتل بوجهك ، ثم قالوا للناس : ما أحسن ما صليتم إلا أنكم انصرفتم قبل أن ينفتل إمامكم ، ومن كرهه جيرانه أو كرهه من وراءه من المأمومين فلا يحل له أن يتقدم ، فإن اختلفوا فكرهه قوم وأحبه آخرون ، نظر إلى أهل الدين والعلم منهم فحكم بقولهم ولا يعتبر الأكثر إذا كان الأقلون هو الأخير ، ولا يصلي خلف مبتدع ، فمن صلى خلف مبتدع ولا يعلم فليعد ، ومن سمع الأذان من مسجد وهو في طريق يمشي فليدخل فليصل ، ولا يؤخر إلى مسجد آخر إلا لأحد معنيين : أن يكون على يقين من لحوق إمام آخر أفضل من هذا ، أو يكون يعرف هذا ببدعة أو فسوق ، وإلا فالصلاة مع أول من قام بها من المسلمين أفضل .
وفي الخبر : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ، وفي جار المسجد قولان : أحدهما من سمع الأذان وروي هذا عن علي عليه السلام ، والثاني من كان بينه وبين المسجد ثلاث دور وهو الرابع ، والتشديد في ترك الجماعة على من سمع التأذين ، ومن كان في جنبه مسجدان فأولاهما بالصلاة فيه أقربهما منه ، وهذا مذهب الحسن إلا أن يكون له نية في كثرة الخطا إلى الأبعد ، أو يكون إمام الأبعد هو الأفضل ، وقيل : أقدمهما ، وروي هذا عن أنس بن مالك وبعض الصحابة ، أنهم كانوا يجاوزون المساجد المحدثة إلى العتق ، ومن كان مأموما فلا يقرأ سورة مع الحمد فيما يجهر به الإمام أصلا ولا يقرأ الحمد أيضا إلا في سكتات الإمام وإن قطعها ، فإن لم يكن للإمام سكتات قرأ الحمد فقط فيما يجهر به الإمام ، وكان ما عليه من وزر قراءته في قراءة الإمام على إمامه ، لأنه قد نقص صلاته وترك ما عليه ، فالله عز وجل حسيبه ، فإذا أسر الإمام فليقرأ الحمد وسورة إذا أمكنه ولا بد من قراءة الحمد وحدها ، واستحب للإمام أن يتحول إذا صلى المكتوبة فلا يصلي في موضعه نافلة ، ففي الخبر : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم وثب ، وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا سلم وثب ، وكان عمر رضي الله عنه إذا سلم وثب ، وفي الخبر المشهور أنه لم يكن يقعد إلا قدر قوله : اللهم أنت السلام ومنك السلام ، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام ، ثم ينصرف ، وإن تحول المأموم فصلى النافلة في غير مكان الفريضة ولو بقدم فحسن ، ففي ذلك أثر ، فإن جلسا قليلا للتسبيح والدعاء فلا بأس ، وهذا آخر كتاب الإمامة .
الفصل الرابع والأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك وتعالى ، والصحبة والمحبة للإخوان فيه ، وأحكام المؤاخاة وأوصاف المحبين
: ذكر الله عز وجل عباده المؤمنين نعمته عليهم في الدين ، إذ ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا متفرقين ، فأصبحوا بنعمته إخوانا بالألفة متفقين ، وعلى البر والتقوى مضطجعين ، ثم ضم التذكرة بالنعمة عليهم إلى تقواه ، وأمر بالاعتصام بحبله وهداه ، ونهى عن التفرق إذ جمعتهم الدار ، وقرن ذلك بالمنة منه عليهم ، إذا أنقذهم من شفا حفرة النار ، وقد جعل ذلك كله من آياته الدالة عليه سبحانه وتعالى وسيله الواصلة بالهداية إليه ، فقال في جمل ما شرحناه : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) آل عمران : 102 ( ولا تفرقوا ) ( ولعلكم تهتدون ) آل عمران 103 وقد كانت المؤاخاة في الله تعالى والصحبة لأجله والمحبة له في الحضر والسفر طرائق للعاملين ، في كل طريق فريق ، لما في ذلك من الفضل ، ولما جاء فيه من الأمر والندب ، إذ كان الحب في الله عز وجل من أوثق عرى الإيمان ، وكانت الألفة والصحبة لأجله والمحبة والتزاور من أحسن أسباب المتقين ، وقد كثرت الأخبار في تفضيل ذلك والحث عليه ، وليس قصدنا الجمع لما روي لميلنا إلى الإيجاز في كل فن ، ولكن نذكر الأفعال المستحسنة وما تعلق بها مما لا بد منه ، على أن رأي التابعين قد اختلف في التعريف ، فمنهم من كان يقول أقلل من المعارف ، فإنه أسلم لدينك وأقل غدا لفضيحتك ، وأخف لسقوط الحقوق عنك ، لأنه يقال : كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق ، وكلما طالت الصحبة توكدت المراعاة ، وقال بعضهم : هل رأيت شرا إلا ممن تعرف ، فكلما نقص من هذا فهو خير ، وقال بعضهم : أنكر من تعرف ولا تتعرف إلى من لا تعرف ، وممن مال إلى هذا الرأي : سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم ، وداود الطائي والفضيل بن عياض ، وسليمان الخواص ويوسف بن أسباط ، وحذيفة المرعشي وبشر الحافي ، وقال أكثر التابعين باستحباب كثرة الإخوان في الله عز وجل ، بالتأليف والتحبب إلى المؤمنين ، لأن ذلك زين في الرخاء ، وعون في الشدائد ، وتعاون على البر والتقوى ، وألفة في الدين ، وقال بعضهم : استكثر من الإخوان ، فإن لكل مؤمن شفاعة ، فلعلك تدخل في شفاعة أخيك ، وكانوا يأمرون بالأخوة ويتحاضون على الألفة ، ويقال : إذا غفر للعبد شفع في إخوانه ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا غريبا في تفسير قوله تعالى : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ) الشورى : 26 ، قال : يشفعهم في إخوانهم فيدخلهم الجنة معهم ، وممن مال إلى هذا الطريق : ابن المسيب والشعبي ، وابن أبي ليلى وهشام بن عروة ، وابن شبرمة وشريح وشريك بن عبد الله ، وابن عيينة وابن المبارك ، والشافعي وأحمد بن حنبل ، ومن وافقهم ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا ، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون .
Questions
- Qu'est-ce que le tawhid, la croyance en l'unicité de Dieu en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?