Qur'an&Sunnah

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

Section V02/P359–V02/P360

وروينا عنه صلى الله عليه وسلم : المؤمن مألوف ولا خير فيمن يألف ولا يؤلف ، وقد قيل : أول ما يرفع من هذه الأمة ، الخشوع ثم الورع ثم الأمانة ثم الألفة ، وفي الخبر : من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا ، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ، وروينا في خبر مثل الأخوين : إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ، وما التقى مؤمنان إلا أفاد الله عز وجل أحدهما من صاحبه خيرا ، وروينا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من آخى أخا في الله عز وجل ، رفعه الله عز وجل درجة في الجنة لا ينالها بشيء من عمله ، ويقال إن الأخوين في الله عز وجل إذا كان أحدهما أعلى مقاما من الآخر ، رفع الآخر معه إلى مقامه ، وأنه يلحق به كما تلحق الذرية بالأبوين ، والأهل بعضهم ببعض ، لأن الأخوة عمل كالولادة ، وقد قال الله سبحانه بعد قوله : ( ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ) الطور : 21 ، أي وما نقصناهم ، وقال تعالى مخبرا عمن لا صديق له حميم تنفعه شفاعته : ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ) الشعراء : 100 - 101 ومعنى حميم أي هميم ، أبدلت الحاء هاء لتقاربهما ، مأخوذ من الاهتمام أي مهتم بأمره ، ففيه دليل أن الصديق لك هو المهتم بك ، وإن الاهتمام حقيقة الصداقة ، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : المؤمن كثير بأخيه ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أعطى عبد بعد الإسلام خيرا من أخ صالح ، وقال أيضا : إذا رأى أحدكم ودا من أخيه فليتمسك به ، فقلما تصيب ذلك ، وقد قال بعض الحكماء في معناه كلاما منظوما شعرا : ما نالت النفس على بغية . . . ألذ من ود صديق أمين من فاته ود أخ صالح . . . فذلك المقطوع منه الوتين وقد يروي هذا المصراع الثاني فذلك المغبون حقا يقين ، وروينا في الأخبار السابقة إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى عليه السلام : يا ابن عمران كن يقظان وارتد لنفسك إخوانا ، وكل خدن وصاحب لا يوازرك على مسرتي فهو لك عدو ، وفي خبر غيره عن داود عليه السلام أن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه : يا داود ما لي أراك منتبذا وحدانا ، قال : إلهي قليت الخلق من أجلك ، فأوحى الله عز وجل إليه : يا داود كن يقظان مرتادا لنفسك إخوانا ، فكل خذن لا يوافقك على مسرتي فلا تصحبه ، فإنه لك عدو ويقسي قلبك ويباعدك مني ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كونوا مؤلفين ولا تكونوا منفرين ، وفي الحديث : إن أحبكم إلى الله عز وجل الذين يألفون ويؤلفون ، وإن أبغضكم إلى الله عز وجل المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين الإخوان ، وفي أخبار داود صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا رب كيف لي أن يحبني الناس كلهم وأسلم فيما بيني وبينك ، قال : خالق الناس بأخلاقهم وأحسن فيما بيني وبينك ، وفي بعضها : خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا ، وخالق أهل الآخرة بأخلاق الآخرة ، قال الشعبي عن صعصعة بن صوجان أنه قال لابن أخيه زيد : أنا كنت أحب إلى أبيك منك ، وأنت أحب إلي من ابني ، خصلتان أوصيك بهما فاحفظهما : خالص المؤمن مخالصة وخالق الفاجر مخالقة ، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن وأنه لحق عليك أن تخالص المؤمن ، وقد قال أبو الدرداء قبله : إنا لنشكر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم ، فمعنى هذا على الثقة والمداراة ليدفع بذلك شره وأذاه ، كما جاء في تفسير قوله تعالى : ( إدفع بالتي هي أحسن ) فصلت : 34 ، قيل السلام : ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) فصلت : 34 وكان ابن عباس يقول في معنى قوله عز وجل : ( ويدرؤون بالحسنة السيئة ) الرعد : 22 ، قال : يدفعون الفحش والأذى وهو السيئة بالسلام ، والمداراة وهو الحسنة ، وقد كان أفضل الحسنات إكرام الجلساء ، ومنه قوله عز وجل : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) البقرة : 251 ، قيل بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة ، وكذلك معنى قولهم : خالص المؤمن وخالق الفاجر فالمخالصة بالقلوب من المودة واعتقاد المؤاخاة في الله عز وجل ، والمخالفة المخالطة في المعاملة والمبايعة ، وعند اللقاء ، وكذلك جاء مفسرا : خالطوا الناس بأعمالهم وزايلوهم في القلوب ، وقد قال محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم : ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا ، حتى يجعل الله عز وجل له منه فرجا ، فمعاملة غير تقي ومكالمته من أحوال الإضطرار ، ومعاشرة التقي ومصافاته من حسن الاختيار .

Section V02/P360–V02/P361

وفي أخبار موسى عليه السلام فيما أوحى الله عز وجل إليه ، إن أطعتني فما أكثر إخوانك من المؤمنين ، المعنى : إن واسيت الناس وأشفقت عليهم وسلم قلبك لهم ولم تحسدهم ، كثر إخوانك ، ويقال إن أحد الأخوين في الله عز وجل إذا مات قبل صاحبه . وقيل له : ادخل الجنة سأل عن منزل أخيه ، فإن كان دونه لم يدخل الجنة حتى يعطي أخوه مثل منازله ، قال : ولا يزال يسأل له من كذا وكذا ، فيقال إنه لم يكن يعمل مثل عملك فيقول : إني كنت أعمل لي وله ، قال : فيعطي جميع ما سأل له ويرفع أخوه إلى درجته معه ، فقد كانوا يتواخون ويتعارفون المنافع الآخرة الباقية ، لا لمرافقة الدنيا الفانية وأفضل الأخوة ، كما قال بعض العلماء : المحبة الدائمة والألفة اللازمة من قبل ، أن الأخوة والمحبة عمل ، وكل عمل يحتاج إلى حسن خاتمة به ليتم العمل ، فيكمل أجره ، فإن لم يختم له بالآخرة ولم يحسن عاقبة الصحبة والمحبة ، فقد أدركه سوء الخاتمة ، بطل عنه ما كان قبل ذلك ، فقد يصطحب الاثنان ويتواخى الرجلان عشرين سنة ، ثم لا يختم لهما بحسن الأخوة فيحبط بذلك ما سلف من الصحبة ، فلذلك شرط العالم المحبة الدائمة والألفة اللازمة إلى الوفاة ليختم له به ، ويقال : ما حسد العدو ومتعاونين على بر حسده ، متواخيين في الله عز وجل ومتحابين فيه ، فإنه يجهد نفسه ويحث قبيله على إفساد ما بينهما ، وقد قال الصادق عز وجل : ( وقل لعبادي يقولوا : التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم ) الإسراء : 53 يعني يقولون الكلمة الحسنة بعد نزغ الشيطان ، وقال عز وجل مخبرا عن يوسف عليه السلام من : ( بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ) يوسف : 100 وقد يقال : ما تواخى اثنان في الله عز وجل ففرق بينهما ، إلا بذنب يرتكبه أحدهما ، فقال بشر : إذا قصر العبد في طاعة الله تبارك وتعالى ، سلبه الله عز وجل من يؤنسه ، ويقال للعدو شيطان ، قد وكله بالتفريق بين المتواخيين ، ليس له عمل إلا ذلك ، قد تفرغ له ، ومن علامة التقى حسن المقال عند التفرق ، وجميل البشر عند التقاطع ، أنشدنا بعض العلماء الحكماء في معناه : إن الكريم إذا تقضى وده . . . يخفي القبيح ويظهر الإحسانا وترى اللئيم إذا تصرم حبله . . .

Section V02/P361–V02/P362

يخفي الجميل ويظهر البهتانا فوصف الكريم في هذا المعنى التخلق بخلق الربوبية ، ألم تسمع إلى الدعاء المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوله : يا من أظهر الجميل وستر القبيح ، ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر ، فكذلك صفات المؤمنين على معاني أخلاق المؤمن الأعلى ، وقد كان أبو الدرداء يقول : معاتبة الصديق خير من فقده ، ومن لك بأخيك كله هن لأخيك ، ولن له ولا تطع الشيطان في أمره ، غدا يوافيه الموت فيكفيك فقده ، كيف تبكيه بعد الموت وفي الحياة تركت وصله ، وقد روينا عن علي عليه السلام : أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما ، وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه معناه : لا يكن حبك كلفا وبغضك تلفا ، قال : اسلم ، قلت : وكيف ذاك ، قال : إذا أحببت فلا تكلف كما يكلف الصبي بالشيء يحبه ، وإذا أبغضت فلا تبغض بغضا تحب أن يتلف صاحبك ويهلك ، وفي وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي رويناها عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب ، قال : قال عمر رضي الله عنه : عليك بإخوان الصدق تعش في أكمافهم ، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء ، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يحبك ما يغلبك منه ، واعتزل عدوك واحذر صديقك من القوم إلا الأمين ، ولا أمين إلا من خشي الله عز وجل ، ولا تصحب الفاجر فتعلم فجوره ، ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله تبارك وتعالى ، وحدثونا عن إبراهيم بن سعيد قال : حدثنا يحيى بن أكثم قال : حدثت المأمون أمير المؤمنين فقلت له : حدثني سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن أبجر قال : لما حضرت علقمة العطاردي الوفاة دعا بابنه فقال : يا بني ، إن عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك ، وإن قعدت بك مؤونة مانك ، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها ، وإن رأى منك حسنة عدها ، وإن رأى منك سيئة سدها ، اصحب من إذا سألته أعطاك ، وإن سكت ابتداك ، وإن نزلت بك نازلة واساك ، اصحب من إذا قلت صدق قولك ، وإذا حاولت أمرا أمرك ، وإن تنازعتما آثرك ، قال ابن أكثم : فقال المأمون : وأين هذا ؟ ، وقيل للأحنف بن قيس : أي إخوانك أحب إليك فقال : من يسد خللي ، ويستر زللي ، ويقبل عللي ، وحدثونا عن الأصمعي قال : حدثنا العلاء بن جرير عن أبيه قال : قال الأحنف : من حق الصديق أن يحتمل له ثلاث : أن يجاوز عن ظلم الغضب وظلم الهفوة وظلم الدالة ، وقال : الإخاء جوهرة رقيقة ، فهي ما لم توق عليها وتحرسها كانت معرضة للآفات ، فارض الإخاء بالذلة حتى تصل إلى فوقه ، وبالكظم حتى تعتذر إلى من ظلمك ، وبالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل ولا من أخيك التقصير ، ويقال : من لم يظلم نفسه للناس ويتظالم لهم ويتغافل عنهم ، لم يسلم منهم ، وكان أسماء بن خارجة الفزاري يقول : ما سئمت أحدا قط لأنه إنما يسأمني أحد رجلين : كريم كانت منه زلة وهفوة ، فأنا أحق من غفرها وآخذ عليها بالفضل فيها ، أو لئيم فلم أكن أجعل عرضي له غرضا ثم تمثل شعرا : واغفر عوراء الكريم اصطناعه . . . وأعرض عن ذات اللئيم تكرما وأنشدونا لمحمد بن عامر في الإخوان شعرا : فلا تعجل على أحد بظلم . . . فإن الظلم مرتعه وخيم ولا تفحش وإن ملئت غيظا . . . على أحد فإن الفحش لوم ولا تقطع أخا لك عند ذنب . . .

Section V02/P362–V02/P363

فإن الذنب يغفره الكريم ولكن داو عورته برقع . . . كما قد يرقع الخلق القديم ولا تجزع لريب الدهر واصبر . . . فإن الصبر في العقبى سليم وأنشدونا في معناه عن أحمد بن يحيى بن ثعلب ، قال : أنشدني عبد الله بن شبيب : إخاء الناس ممتزج . . . وأكثر فعلهم سمج فإن بدهتك مقطعة . . . فليس وراءهم فرج فقومهم بوصلهم . . . فإن لم يوصلوا اعتوجوا صروف الدهر دائبة . . . تقطع دونها المهج وروينا عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ، ولكن ليسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق ، وعن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز وجل : خذ العفو وأمر بالعرف ، قال : خذ من أخلاق الناس ومن أعمالهم ما ظهر من غير تحسس ، وقد أنشدنا بعض الحكماء في ذلك : خذ من خليلك ما صفا . . . وذر الذي فيه الكدر فالعمر أقصر من معا . . . تبة الخليل على الغير ومن عرف فضل الإخوة في الله عز وجل ، وعلم درجة المحبة لله تعالى ، صبر لأخيه وشكر له وحلم عنه وإحتمل له ، لينال ما أمله من مؤمله فيه ويبلغ ما طلبه من طالبه به ، فإن الصبر يحتاج إليه ليتم العمل والشكر ، لا بد له منه لدوام النعمة ، ومن طلب نفيسا خاطر بنفيس ومن رغب في رغبة بذل لها مرغوبا ، والله عز وجل الموفق من يحب لما يحب ، وروينا في حديث ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المتحابون في الله عز وجل على عمود من ياقوتة حمراء ، في رأس العمود سبعون ألف غرفة ، مشرفون على أهل الجنة ، يضيء حسنهم لأهل الجنة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا ، عليهم ثياب سندس خضر ، مكتوب على جباههم : هؤلاء المتحابون في الله عز وجل ، وروينا في حديث معاذ ، وقد قال له أبو إدريس الخولاني : إني لأحبك في الله عز وجل ، فقال له : أبشر ثم أبشر ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة ، ووجوههم كالقمر ليلة البدر ، يفزع الناس وهم لا يفزعون ، ويخاف الناس ولا يخافون ، وهم أولياء الله عز وجل الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فقيل : من هؤلاء يا رسول الله ، قال : هم المتحابون في الله عز وجل ، ورواه أبو هريرة فقال فيه : إن حول العرش منابر من نور ، عليها قوم لباسهم نور ووجوههم نور ، ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء ، فقالوا : يا رسول الله حلهم لنا ، فقال : هم المتحابون في الله عز وجل ، والمتجالسون في الله تعالى ، والمتزاورون في الله تعالى .

Section V02/P363–V02/P364

وروينا في حديث عبادة بن الصامت ، يقول الله عز وجل : حقت محبتي للمتحابين في ، والمتزاورين في والمتباذلين والمتصادقين في ، وكان ابن مسعود يقول في قوله عز وجل : ( لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) الأنفال : 63 ، قال : نزلت هذه الآية في المتحابين في الله عز وجل ، وأبو بشر عن مجاهد قال : المتحابون في الله عز وجل إذا التقوا فكشر بعضهم إلى بعض ، تتحات عنهم الخطايا كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبعة يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه ، يوم لا ظل إلا ظله ، منهم كذا ، واثنان تواخيا في الله عز وجل ، اجتمعا على ذلك وتفرقا ، وكان الفضيل بن عياض وغيره يقول : نظر الأخ إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة ، فلا تصح المحبة في الله عز وجل إلا بما شرط فيها من الرحمة في الاجتماع ، والخلطة عند الافتراق بظهور النصيحة ، واجتناب الغيبة ، وتمام الوفاء ، ووجود الأنس ، وفقد الجفاء ، وإرتفاع الوحشة ، ووجد الانبساط ، وزوال الاحتشام ، وكان الفضيل يقول : إذا وقعت الغيبة ، ارتفعت الأخوة وقال الجنيد : ما تواخى اثنان في الله عز وجل فاستوحش أحدهما من صاحبه واحتشم منه إلا لعلة في أحدهما ، ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما تحاب اثنان في الله عز وجل إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أشدهما حبا لصاحبه ، وفي خبر : كان أفضلهما وفي الخبر الآخر أحب الإخوان إلى الله عز وجله أرفقهما بصاحبه . وفي الخبر المشهور : لا يذوق العبد طعم الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وقال ابن عباس في وصيته لمجاهد : ولا تذكر أخاك إذا تغيب عنك إلا بمثل ما تحب أن تذكر به إذا غبت ، وأعفه بما تحب أن تعفى به ، وكان بعضهم يقول : ما ذكر أخي عندي في غيب إلا تمثلته جالسا ، فقلت فيه ما يحب أن يسمع في حضوره ، وقال آخر : ما ذكر أخ لي في غيبة إلا تصورت نفسي في صورته ، فقلت فيه ما أحب أن يقال في ، فهذا حقيقة في صدق الإسلام ، لا يكون مسلما حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه ، وقال بعض الأدباء : من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضون منه ظلمهم ، ومن اقتضى منهم ما يقتضون منه فقد أتعبهم ، ومن لم يقتضهم فقد تفضل عليهم ، وبمعناه روينا عن بعض الحكماء : من جعل نفسه فوق قدره عند الإخوان أثم وأثموا ، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم ، ومن جعلها دون قدره سلم وسلموا ، فلذلك عزز الناس الأخوة في الله عز وجل قديما ، لأن هذا حقيقتها ، فروى في الأخبار ، إثنان عزيزان ولا يزدادان ، إلا عزة درهم من حلال وأخ تسكن إليه ، وقيل تأنس به ، وقال يحيى بن معاذ رحمه الله : ثلاثة عزيزة في وقتنا هذا ، ذكر منها حسن الإخاء مع الوفاء ، يعني بالوفاء أن يكون له في غيبته ، ومن حيث لا يعلم ولا يبلغه ، مثل ما كان له في شهوده ومعاشرته ، ويكون له بعد موته ولأهله من بعده كما كان له في حياته ، فهذا هو الوفاء ، وهو الذي شرطه النبي صلى الله عليه وسلم للمؤاخاة في قوله : اجتمعا على ذلك أو تفرقا ، وجعل جزاءه أظلال العرش يوم القيامة .

Section V02/P364–V02/P366

وكذلك قال بعض الأدباء : قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره في حال الحياة ، وكذلك كان السلف فيما ذكره الحسن وغيره ، قالوا : كان أحدهم يخلف أخاه في عياله بعد موته أربعين سنة ، لا يفقدون إلا وجهه ، ويقال إن مسروقا أدان دينا ثقيلا ، وكان على أخيه خيثمة دين ، قال : فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهولا يعلم ، وذهب خيثمة فقضي دين مسروق سرا وهو لا يعلم ، فمن حقيقة المؤاخاة في الله عز وجل إخلاص المودة له بالغيب ، والشهادة واستواء القلب مع اللسان ، واعتدال السر مع العلانية في الجماعة والخلوة ، فإذا لم يختلف ذلك فهو إخلاص الأخوة ، وإن اختلف ذلك ففيه مداهنة في الأخوة ، وممازقة في المودة ، وذلك دخل في الدين ، ووليجة في طريق المؤمنين ، ولا يكون ذلك مع حقيقة الإيمان ، وقد سأل أبو رزين العقيلي النبي صلى الله عليه وسلم ، فشرط له أشياء منها : أن يحب غير ذي نسب لا يحبه إلا لله عز وجل ، ومن شرط المحبة في الله تعالى أن لا يكون لرحم يصلها أو لنعمة يربها ، كما جاء في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن رجلا زار أخا في الله تعالى في قرية أخرى ، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا ، فقال : أين تريد ، قال : أردت أخا لي في هذه القرية ، قال : هل بينك وبينه رحم تصلها أو له عليك نعمة تربها ، قال : لا ، إلا أني أحببته في الله تعالى ، قال : فإني رسول الله إليك ، إن الله تبارك وتعالى قد أحبك كما أحببته فيه . وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعن ابنه عبد الله رضي الله عنهما : لو أن رجلا صام النهار لا يفطر ، وقام الليل وجاهد ، ولم يحب في الله عز وجل ويبغض في الله ما نفعه ذلك شيئا ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلمأنه قال لأصحابه : أي عرى الإيمان أوثق ؟ قال : الصلاة ، قال : حسنة وليس به ، قالوا : الحج والجهاد ، قال حسنة وليس به ، قالوا : فأخبرنا يا رسول الله ، قال : أوثق عرى الإيمان الحب في الله تعالى ، والبغض فيه ، وقد اختلف مذهب الصحابة في الأخ بحب أخاه في الله عز وجل ، ثم ينقلب الآخر عما كان عليه ويتغير ، هل يبغضه بعد ذلك أم لا ؟ فكان أبو ذر يقول : إذا انقلب عما كان عليه وتغير ، فأبغضه من حيث أحببته ، وروينا عن أبي الدرداء أن شابا غلب على مجلسه حتى أحبه أبو الدرداء ، فكان يقدمه على الأشياخ ويقربه فحسدوه ، وأن الشاب وقع في كبيرة من الكبائر ، فجاؤوا إلى أبي الدرداء فحدثوه ، وقالوا له : لو أبعدته ، قال : سبحان الله لا نترك صاحبنا لشيء من الأشياء ، وروينا عن بعض التابعين وعن الصحابة في مثل ذلك ، وقد قيل له فيه ، فقال : إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي ، وكذلك قال الله عز وجل لنبيه في عشيرته : فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ، ولم يقل : قل إني بريء منكم للحمة النسب ، وقد قيل للصداقة لحمة كلحمة النسب ، وقيل لحكيم بن مرة : أيما أحب إليك : أخوك أو صديقك ؟

Section V02/P366–V02/P367

فقال إنما أحب أخي إذا كان صديقا ، وكان الحسن يقول : كم من أخ لك لم تلده أمك ، ولذلك قيل : القرابة تحتاج إلى مودة ، والمودة لا تحتاج إلى قرابة ، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، لما شتم القوم الرجل الذي أتى فاحشة فقال : مه وزبرهم لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم ، وفي أثر عن بعض العلماء في مثل زلات الإخوان ، قال : ود الشيطان أن يلقي على أخيكم مثل هذا حتى تقطعوه وتهجروه ، فماذا بغيتم من محبة عدوكم ؟ وقد كان أبو الدرداء يقول : إذا تغير أخوك وحال عما كان ، فلا تدعه لأجل ذلك ، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى ، وكان يقول : داو أخاك ولا تطع فيه حاسدا ، فتكون مثله وقال الحسن : أي الرجال المهذب وقال إبراهيم النخعي : لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب ، فإنه يركبه اليوم ويتركه غدا ، وقال أيضا : لا تحدثوا الناس بزلة العالم ، فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها ، وفي الخبر : اتقوا زلة العالم ولا تقطعوه وانتظروا فيئته ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الباغون للبرآء الغيب ، وقال سعيد بن المسيب إني لأكره أن أفرق بين المتألفين وقال مرة بين المتحابين . وفي حديث عمر ، وقد سأل عن أخ كان آخاه فخرج إلى الشام فسأل عنه بعض من قدم عليه ، فقال : ذاك أخو الشيطان قال : مه قال : إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر فقال : إذا أردت الخروج فأذني قال : فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم ، حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، غافر الذنب وقابل التوب الآية ، ثم عاتبه تحت ذلك وعذله ، فلما قرأ الكتاب قال : صدق الله ونصح لي عمر قال : فتاب ورجع ، ومن أفضل فضيلة الحب في الله تعالى أنه جعل علما لوجود الإيمان ، وقرن بحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما في الخبر : لا يؤمن عبدي حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ثم جاء مثله : لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لله عز وجل ، فمن مقتضى الحب في الله تعالى ما ذكرناه آنفا من التزاور والتباذل والتصافي لله عز وجل ، وفي حديث عبادة بن الصمامت وقال موسى بن عقبة : كنت ألقى الأخ من إخواني مرة فأقيم عاقلا بلقائه أياما ، وقال جعفر بن سليمان : كمن إذا وجدت في نفسي فترة ، نظرت ، إلى محمد بن واسع ، فأعمل على ذلك جمعة ، وكان محمد بن واسع يقول : ما بقي في الدنيا شيء ألذه إلا ثلاث : الصلاة في جماعة ، والتهجد من الليل ، ولقاء الإخوان ، وكان بعضهم يقول : لقاء الإخوان مسلاة للهم ومذهبة للأحزان ، وكان الحسن وأبو قلابة يقولان : إخواننا أحب إلينا من أهلينا و أولادنا ، لأن أهلينا يذكرونا الدنيا وأخواننا يذكرونا الآخرة ، وقال أحدهما : لأن الأهل والولد من الدنيا والإخوان في الله عز وجل من آلة الآخرة ، وقيل لسفيان بن عيينة : أي الأشياء ألذ فقال : مجالسة الإخوان والانقلاب إلى كفاية ، وفي الخبر : ما زار رجل أخاه في الله عز وجل شوقا إليه ورغبة في لقائه ، إلا ناداه ملك من خلفه : طبت وطابت لك الجنة ، وقال الحسن : من شيع أخا له في الله عز وجل بعث الله ملائكة من تحت عرشه يوم القيامة يشيعونه إلى الجنة ، وعن عطاء قال : كان يقول : تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث ، فإن كانوا مرضى فعودوهم ، وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم ، وإن كانوا نسوا فذكروهم ، وكان الشعبي يقول : في الرجل يجالس الرجل فيقول : أعرف وجهه ولا أعرف اسمه ذلك معرفة التوكل .

Section V02/P367–V02/P368

وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه رأى عمر يلتفت يمينا وشمالا فسأله ، فقال : يا رسول الله أحببت رجلا فأنا أطلبه ولا أراه ، فقال : يا أبا عبد الله إذا أحببت أحدا فسله عن اسمه واسم أبيه ، وعن منزله فإن كان مريضا عدته ، وإن كان مشغولا أعنته ، وعن الضحاك عن ابن عباس قيل له : من أحب الناس إليك ، قال : جليسي ، وكان يقول : ما اختلف رجل إلى مجلسي ثلاثا من غير حاجة تكون له إلي ، فعلمت مكافأته من الدنيا . وكان سعيد بن العاص يقول : لجليسي علي ثلاث : إذا دنا رحبت به وإذا حدث أقبلت عليه وإذا جلس أوسعت له ، وقال الأحنف بن قيس : الإنصاف يثبت المودة ، ومع كرم العشرة تطول الصحبة ، وكان يقول : ثلاث خلال تجلب بهن المحبة : الإنصاف في المعاشرة ، والمواساة في الشدة والانطواء على المودة ، وقال أكثم بن صيفي لبنيه : يا بني ، تقاربوا في المودة ولا تتكلوا على القرابة ، وقد قيل لأبي حازم : ما القرابة ، قال : المودة ، فأول ما تصح له المحبة في الله عز وجل أن لا يكون لضد ذلك من صحبة لأجل معصية ، ولا على حظ من دنياه ، ولا لسبب موافقته على هواه ، ولا لأجل ارتفاقه به اليوم لمنافعه ومصالحه في أحواله ، ولا يكون ذلك مكافأة على إحسان أحسن به إليه ، ولا لنعمة ويد يجزيه عليها ، فهذه ليس فيها طريق إلى الله عز وجل ولا للآخرة ، لأنها طرقات الدينا ولأسباب الهوى ، فإذا سلم من هذه المعاني ، فهذه أول المحبة لله عز وجل ، ولا يقدح في الأخوة لله تبارك وتعالى لأن هذه شبهة ثانية فيه مثل أن يحبه لحسن خلقه ، وفضل أدبه ، وحسن حلمه ، وكمال عقله ، وكثرة احتماله وصبره ، أو لوجود الأنس به وارتفاع الوحشة منه ، أو للألفة التي جعل الله بينه وبينه ، وإنما يخرجه عن حقيقة الحب في الله عز وجل ، أن يحبه لما يكون دخلا في الدين ووليجة في طرائق المؤمنين ، ولما انفصل عنه ولم يكن متصلا به ، مثل الأنعام والأفضال ووجود الارتفاق ، فهذا الحب لا يمنع القلب وجده ، لما جبل الطبع عليه ، ولبغض من كان بضده ، ممن أساء إليه وليس يأثم ولا يعصى بوجود هذه المحبة لأجل هذه الأسباب المعروقة ، كما أنه إذا أساء إليه ووجد بغضه لا يأثم ما لم يخرجه البغض إلى مجاوزة حد بإيجاب حكم ، إلا أن هذه محبة النفس بالطبع ، وإنما يفضل المرء بمحبة القلب لأجل الله عز وجل ، والبغض فيه شيء ، وإن كان مباحا لأنها تحول وتزول ، وكل محبة تكون عن عوض ، إذا ذهب العوض زالت المحبة ، وصحة الحب في الله عز وجل والبغض فيه لا ينقلب لسبب حب جعل في الطبع لمنافع الدنيا ، ولا لأجل بغض في النفس لمضارها ، وحقيقة الحب في الله عز وجل أن لا يحسده عى دين ولا دنيا ، كما لا يحسد نفسه عليهما ، وأن يؤثره بالدين والدنيا إذا كان محتاجا إليهما كنفسه ، وهذا شرطا الحب في الله عز وجل اللذان ذكرهما الله تعالى في قوله : ( يحبون من هاجر إليهم ) الحشر : 9 ، ثم وصف محبتهم ، إذ كان يصف حقا ويمدح محقا ، فقال : ( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ) الحشر : 9 ، يعين : من دين ودنيا ، والحاجة في هذا الموضع : الحسد ، أي كما لا يجدون في صدورهم حاجة لأنفسهم حسدا ، ثم قال عز وجل في الشرط الثاني : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) الحشر : 9 ، فهذا فصل الخطاب ، وجملة نعت الأحباب ، فينبغي أن يؤثر أخاه بنفسه وماله إن إحتاج إلى ذلك ، فإن لم يكن في هذه المنزلة وهو مقام الصديقين فيساويه في حاله ، وهذا من مقام الصادقين ، وهذا أقل منازل الأخوة ، وهو من أخلاق المؤمنين ، وإنما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلمبين الغني والفقير ليساوي الغني الفقير فيعتدلان ، وينبغي أن يقدمه على أهله وولده ، وأن يحبه فوق محبتهم لأن محبة أولئك من الدنيا والنفس والهوى ، ومحبة الإخوان من الآخرة ولله تبارك وتعالى ، وفي الدين وأمور الدين والآخرة مقدم عند المتقين ، وكان عبد الله بن الحسن البصري يصرف إخوان الحسن إذا جاؤوه ، لطول لبثهم عنده ولشدة شغله بهم ، فيقول لهم : لا تملوا الشيخ ، فكان الحسن إذا علم ذلك يقول : دعهم يا لكع ، فإنهم أحب إلي منكم ، فؤلاء يحبوني لله عز وجل وأنتم تريدوني للدنيا ، وقال أبو معاوية الأسود : إخواني كلهم خير مني ، قيل : وكيف ذاك قال كلهم يرى الفضل لي عليه ، ومن فضلني على نفسه فهو خير مني ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : المرء على دين خليله ، ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه ، وكان الأعمش يقول : من أخفى عنا بدعته لم يخف عنا ألفته ، أي ينظر إلى إخوانه الذين يألفهم ، فيستدل عليه بهم ، وقد روى الأصمعي عن مجاهد عن الشعبي قال : قال علي بن أبي طالب : كرم الله وجهه لرجل وكره له صحبة رجل رهق فقال شعرا : لا تصحب أخا الجهل .

Section V02/P368–V02/P371

. . وإياك وإياه فكم من جاهل أردى . . . حليما حين آخاه يقاس المرء بالمرء . . . إذا ما هو ما شاه وللشيء من الشيء . . . مقاييس وأشباه وللقلب على القلب . . . دليل حين يلقاه وأنشد محمد بن جامع الفقيه شعرا : تذلل لمن إن تذللت له . . . يرى ذاك للفضل لا للبله وجانب صداقة من لا يزال . . . على الأصدقاء يرى الفضل له وأنشدنا لبعض الأدباء : كم من صديق عرفته بصديق . . . صار حظي من الصديق العتيق ورفيق رأيته في طريق . . . صار عندي محض الصديق الحقيقي وروينا عن الحسن بن علي عليهما السلام في وصف الأخ كلاما رجزا جامعا مختصرا : إن أخاك الحق من كان معك . . . ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك . . . شتت شمل نفسه ليجمعك ولا تصح مؤاخاة مبتدع في الله تعالى ، ولا محبة فاسق يصحب على فسوقه ، ولا محبة فقير أحب غنيا لأجل دنياه ، ولا ما يناله من عاجل مهناه ، وقد تصح المحبة بين الغني والفقي ، وتوجد الأخوة إن لم يقم الغني بحقوق أخيه ، إذا آثره أخوه بما يحب أن يؤثره به ، فلم يفتضه ، وقد تصح الأخوة بين العالم والجاهل ، وبين الصالح والطالح لأجل التدين من أحدهما ، والتقربة إلى الله عز وجل ، ويكون من الأعلى منهما لنيات تكون له فيها لحسن خلقه ، أو لجميل معاملته ، أو لمعان محمودة تكون فيه ، لأن لكل مؤمن سديدا من عمله يرجى له به ، والمؤمن لا يهلك كله ، ولا يذهب جملة واحدة ، أو لإشفاقه عليه أو لتواضع العالم والصالح في نفسه ، فيراه في كل حال فوقه ، أو لأجل الستر عليه لئلا يلحقه النقص والشين من الغير ، فهذه طرقات الإخوان ، فيها حسن نيات ، وينبغي على ذلك أن تعلمه ما جهل مما هو به أعلم ، فيعينه بعلمه كما يعينه بماله ، فإن فقر الجهل أشد من فقر المال ، وإن الحاجة إلى العلم ليست بدون الحاجة إلى المال وكان الفضيل يقول : إنما سمي الصديق لتصدقه والرقيق لترفقه ، فإن كنت أغنى منه فأرفقه بمالك ، وإن كنت أعلم منه فأرفقه بعلمك ، وينبغي أن ينصح له فيما بينه وبينه ، ولا يوبخه بين الملأ ولايطلع على غيبه أحدا ، فقد قيل : إن نصائح المؤمنين في آذانهم ، وقال جعفر بن برقان : قال لي ميمون بن مهران : قل لي في وجهي ما أكره ، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره ، فإن كان أخوه الذي نصح له صادقا في حاله ، أحبه على نصحه ، فإن لم يحبه وكره ذلك منه دل على كذب الحال ، قال الله سبحانه وتعالى في وصف الكاذبين : ( ولكن لا تحبون الناصحين ) الأعراف : 79 وقد كان بعض الصالحين يقول : أحب الناس إلي من أهدى عيوبي ، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : ويأمر الإخوان بذلك رحم الله امرءا اهتدى إلى أخيه عيوب نفسه ، ولكن قد قيل لمسعر بن كدام : تحب من يخبرك بعيوبك ، فقال : إن نصحني فيما بيني وبينه فنعم ، وإن قرعني في الملأ فلا ، ومن أخلاق السلف قال : كان الرجل إذا كره من أخيه خلقا عاتبه فيما بينه وبينه أو كاتبه في صحيفة ، وهذا لعمري فرق بين النصيحة والفضيحة فما كان في السر فهو نصيحة ، وما كان على العلانية فهو فضيحة ، وقلما تصح فيه النية لوجه الله تعالى ، لأن فيه شناعة ، وكذلك الفرق بين العتاب والتوبيخ ، فالعتاب ما كان في خلوة ، والتوبيخ لا يكون إلا في جماعة ، ولذلك يعاتب الله عز وجل رجلا من المؤمنين يوم القيامة تحت كنفه ، ويسبل عليه ستره فيوقفه على ذنوبه سرا ، ومنهم من يدفع كتاب عمله مختوما إلى الملائكة الذين يحفرون به إلى الجنة ، فإذا قاربوا دخول الجنة ، دفعوا إليهم الكتب مختومة فيقرؤونها ، وأما أهل التوبيخ فينادون على رؤوس الأشهاد ، فلا يخفى على أهل الموقف فضيحتهم ، فيزداد ذلك في عذابهم ، وكذلك الفرق بين المداراة والمداهنة ، فالمداراة ما أردت به وجه الله تعالى وطريق الآخرة ، من دفع عن دين وقصدت به سلامة أخيك من الإثم وصلاح قلبه لله تبارك وتعالى ، والمداهنة ما اجتلبت به دنيا وأردت به حظ نفسك ، وكذلك الفرق بين الغبطة والحسد ، إن الغبطة أن تحب لنفسك ما رأيته من أخيك ، ولا تحب زواله عنه بل تبقيته له وإتمامه عليه والحسد ما أردت أن يكون ذلك منه لك ، وأحببت زواله عنه وكرهت تبقيته عليه ، فهذا مكروه ، فإن سعيت في ذلك بقول أو فعل فهو البغي زيادة على الحسد ، وهو من كبائر المعاصي ، وكذلك الفرق بين الفراسة وسوء الظن إن الفراسة ما توسمته من أخيك بدليل يظهر لك أو شاهد يبدو منه أو علامة تشهدها فيه ، فتتفرس من ذلك فيه ولا تنطق به إن كان سوءا ، ولا تظهره ولا تحكم عليه ولا تقطع به فتأثم ، وسوء الظن ما ظننته من سوء رأيك فيه أو لأجل حقد في نفسك عليه ، أو لسوء نية تكون أو خبث حال فيك ، تعرفها من نفسك فتحمل حال أخيك عليها وتقيسه بك ، فهذا هو سوء الظن والإثم ، وهو غيبة القلب وذلك محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى حرم من المؤمن دمه وماله وعرضه ، وإن تظن به ظن السوء وقوله عليه السلام : إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، فهذه خمس معان وأضدادها بينها فرق عند العلماء ، فاعرف ذلك ، وينبغي أن ينصر أخاه ويعينه بماله ولسانه وقلبه وأفعاله ، فإن النصرة في الله تعالى تكون بهذه المعاني الأربع : بالنفس إن احتاج إليك في الأفعال ، وباللسان إن ظلم في المقال ، وبالمواساة إن احتاج إلى المال ، وأقل ذلك بالقلب أن يساعده في الهم والكرب في اعتقاد السلامة فيه وجميل النية له ، وعليه أن يحفظ غيبه وأن يحسن الثناء عليه وينشر فضله ويطوي زلله ويقبل علله .

Section V02/P371–V02/P372

رة في الله تعالى تكون بهذه المعاني الأربع : بالنفس إن احتاج إليك في الأفعال ، وباللسان إن ظلم في المقال ، وبالمواساة إن احتاج إلى المال ، وأقل ذلك بالقلب أن يساعده في الهم والكرب في اعتقاد السلامة فيه وجميل النية له ، وعليه أن يحفظ غيبه وأن يحسن الثناء عليه وينشر فضله ويطوي زلله ويقبل علله . ويقال : ما من الناس أحد إلا له محاسن ومساو ، فمن ظهرت محاسنه فغلبت مساوئه فهو المؤمن المقتصد ، فالأخ الشفيق الكريم يذكر أحسن ما يعلم في أخيه ، والمنافق اللئيم يذكر أسوأ ما يعلم فيه ، ومن هذا جاء في الخبر : أستعيذ بالله من جار السوء الذي إن رأى خيرا ستره ، وإن رأى شرا أظهره ، وهذا المعنى هو سبب قول النبي صلى الله عليه وسلمإن من البيان سحرا ، إذ لكل حديث يروي آخره سبب يكون أوله خرج الحديث عليه ، وهو أن رجلا أثنى على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان الغد ذمه وعابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت بالأمس تثني عليه واليوم تذمه ، فقال : والله لقد صدقت عليه بالأمس وما كذبت عليه اليوم ، إنه أرضاني بالأمس ، فقلت أحسن ما أعلم فيه وأغضبني اليوم مفقلت أسوأ ما أعلم فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمعند ذلك : إن من البيان سحرا كأنه كره ذلك إن شبهه بالسحر ، لأن السحر حرام ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الخبر الآخر البذاء والبيان شعبتان من النفاق ، وفي الحديث الآخر أن الله تعالى كره لكم البيان ، كل البيان ، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله في وصف العدالة قولا استحسنه العلماء ، وحدثنا عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : سمعت الشافعي يقول : ما أحد من المسلمين يطيع الله عز وجل حتى لايعصيه ، ولا أحد يعصي الله عز وجل حتى لا يطيعه ، فمن كانت طاعاته أكثر من معاصيه فهو العدل ، قال ابن عبد الحكم : وهذا كلام الحذاق ، وقال أيضا قولا فصلا في التوسط بين الانقباض والانبساط ، حدثنا عنه قال : الانقباض عن الناس مكسبة لعداوتهم ، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء فكن بين الانقباض والانبساط ، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بالصبر والرحمة في قوله عز وجل : ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) البلد : 17 ، ونعتهم الذلة في قوله تعالى : ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) المائدة : 54 ، وقال تعالى : ( رحماء بينهم ) الفتح : 29 ، وهذا كله داخل في الاهتمام به ، وهو حقيقة صدقه في الصداقة له كما قال ، ولا صديق حميم أي هميم من الاهتمام به ، وقد قال عيسى عليه السلام لأصحابه : كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائما فكشفت الريح عنه ثوبه ، قالوا : نستره ونغطيه فقال : بل تكشفون عورته ، قالوا : سبحان الله من يفعل هذا ، فقال : أحدكم يسمع في أخيه بالكلمة فيزيد عليه ويشيعها بأعظم منها ، وهذا مخرجه من الحسد الكائن في النفس والغل المستكن في القلب ، أن يزيد الرجل على الشيء مما يسمع أو يتبعه بمثله ، فيظهر هذا غله ، وهذا الذي استعاذ منه المؤمنون في قولهم : ( ولا تجعل في قلوبنا غلا ) الحشر : 10 الآية ، وينبغي أن لا يخالفه في شيء ولا يعترض عليه في مراد ، قال بعض العلماء : إذا قال الأخ لأخيه قم بنا ، فقال : إلى أين ، فلا تصحبه وقال الآخر : إذا قال : أعطني من مالك ، فقال : كم تريد أو ماذا تصنع به لم يقم بحق الإخاء ، قال أبو سليمان الداراني : كان لي أخ بالعراق ، فكنت أجيئه في النوائب فأقول : أعطني من مالك شيئا فكان يلقي إلي كيسه فآخذ منه ما أريد ، فجئته ذات يوم فقلت أحتاج إلى شي ، فقال : كم تريد فخرج حلاوة أخاه من قلبي ، وعن ابن عمر وأبي هريرة : لم يكن أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه .

Section V02/P372–V02/P373

وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، ولا يحرمه ، ولا يخذله بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، وفي حديث علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته ، وفي حديث أبي أسامة الباهلي : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتمارى فغضب ثم قال : ذروا المراء لقلة خبره ، ذروا المراء فإن نفعه قليل وهو يهيج العداوة بين الإخوان ، وقال بعض السلف : من لاص الإخوان وما رآهم ، قلت : وذهبت كرامته ، وقال عبد الله بن الحسن : إياك ومعاداة الرجال ، فإنك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم ، وقال بعض الحكماء : ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد ، ولا يزيدك لطف الحقد إلا وحشة منه . وقد روينا في الحقد على الإخوان لفظة شديدة ، وهو ما حدثونا عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال : كنت باليمن ، وكان لي جار يهودي يخبرني عن التوراة ، فقدم علينا يهودي من سفر فقلت : إن الله تبارك وتعالى قد بعث فينا نبيا ، فدعا إلى السلام فأسلمنا ، وقد نزل علينا مصدقا للتوراة فقال اليهودي : صدقت ، ولكنكم لا تستطيعون أن تقوموا بما جاءكم به ، إنا نجد نعته ونعت أمته أنه لا يحل لامرئ يعلم منهم أن يخرج من عتبة بابه وفي قلبه سخيمة على أخيه المسلم ، وقال بعض السلف : أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان ، وأعجز منه من ضيع من ظفر منهم ، وقال الحسن : لا تشتر عداوة رجل بمودة ألف رجل ، وقال عمر بن عبد العزيز : إياك ومن مودته على قدر حاجته إليك ، فإذا قضيت حاجته انقضت مودته ، ومن أخلاف السلف قال : لم يكن أحد منا يقول في رحله : هذا لي وهذا لك ، بل كان كل من احتاج إلى شيء استعمله عن غير مؤامرة ، وقد وصف الله عز وجل المؤمنين بهذا في قوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) الشورى : 38 ، معنى أمرهم أي أمورهم ذكر جماعها كالشيء الواحد بينهم شورى أي مشاع غير مقسوم ، ولا يستبد به واحدهم فيه سواء ، ومما رزقناهم ينفقون ، أي كانوا خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله من بعض أي شركاء ، وجاء عتبة الغلام إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال : أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف ، فقال : خذ ألفين فأعرض عنه وقال : آثرت الدنيا على الله عز وجل ، أما استحيت أن تدعي الأخوة في الله عز وجل وتقول هذا ، وجاء فتح الموصلي إلى منزل أخ له وكان غائبا ، فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه فأخذ من كيسه حاجته ، فذهبت الجارية إلى مولاها فأعلمته فقال : إن كنت صادقة فأنت حرة لوجه الله تعالى سرورا بما فعل .

Section V02/P373–V02/P374

وروي أن ابن أبي شبرمة قضى لبعض إخوانه حاجة كبيرة ، فجاءه الرجل بهدية جليلة ، فقال : ما هذا فقال : ما أسديت إلي ، فقال : خذ مالك ، عافاك الله إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة ، وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى ، وعلى ذلك قال بعضهم : إذا استقضيت أخاك الحاجة فلم يقضها لله فذكره ثانية ، فلعله يكون قد نسي ، فإن لم يقضها فعاوده ثالثة فقد يكون شغل عنها بعذر ، فإن لم يقضها فكبره عليه واقرأ عليه هذه الآية : ( والموتى يبعثهم الله ) الأنعام : 36 ، وقال ميمون بن مهران : من رضي من الإخوان بترك الأفضال فليؤاخ أهل القبور ، وجاء رجل إلى أبي هريرة فقال : إني أريد أن أؤاخيك في الله عز وجل ، فقال : أتدري ما حق الإخاء قال : عرفني ، قال : لا تكون بدرهمك ودينارك أحق مني ، قال : لم أبلغ هذه المنزلة بعد ، قال : فاذهب عني ، وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما : الرجل هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه ، فيأخد منه ما يريد من غير إذن قال : لا ، قال : فلستم بإخوان ، ودخل قوم على الحسن فقالوا له : أصليت يا أبا سعيد ، قال : نعم قالوا : فإن أهل السوق لم يصلوا بعد ، فقال : ومن يأخذ دينه عن أهل السوق ، بلغني أن أحدهم يمنع أخاه الدرهم ، وقال محمد بن نصر : جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم وهو يريد بيت المقدس فقال له : إني أريد أن أرافقك فقال له إبراهيم : على أن أكون أملك بشيئك منك قال : لا ، قال : فأعجبني صدقك ، وقال موسى بن طريف : كان إبراهيم بن أدهم إذا رافقه رجل لم يخالفه ، وكان لا يصحب إلا من يوافقه ، وبلغني أن رجلا شرا كأصحبه في سفر فأهدى إلى إبراهيم قصعة من ثريد في بعض المنازل ، فأراد أن يرد القصعة فأخذ جراب رفيقه ففتحه ، وأخذ حزمة من شرك فجعله في القصعة ، ثم دفعها إلى صاحب الهدية ، فلما جاء رفيقه قال : أين الشرك ؟ قال : تلك القصعة الثريد التي أكلتها أي شيء كانت ، قال : فكنت تعطيه شراكين ثلاثة قال : اسمح يسمح لك ، وبلغني أنه أعطى مرة حمارا كان لرفيقه بغير إذنه لرجل رآه راجلا ، فلماء جاء رفيقه سكت فلم يكره ذلك ، وقد روي عن عون بن عبد الله قال : قال ابن مسعود : لا تسأل امرءا عن وده إياك ، ولكن انظر ما في قلبك فإن في قلبه لك مثل ذلك ، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن : مروءة الحضر الإدمان إلى المساجد وكثرة الإخوان في الله عز وجل ، ومروءة السفر بذل الزاد وقلة الخلاف على إخوانك وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أهل البيت قال : ثلاثة من المروءة في الحضر : تلاوة كتاب الله عز وجل ، وعمارة مساجد ، واتخاذ الإخوان في الله تعالى ، فمن فضل المؤاخاة في الله تعالى أنه قرنها بتلاوة كتابه وعمارة بيوته ، وقد جعل الاختلاف إلى المسجد سبب اجتلاب الإخاء ، وفي حديث ابن عباس والحسن بن علي : من أدمن الاختلاف إلى المسجد ، أصاب إحدى خمس خصال أخا مستفادا في الله عز وجل . وقال أبو عيينة وقد أنشد هذا البيت : وجدت مصيبات الزمان جميعها . . .

Section V02/P374–V02/P375

سوى فرقة الإخوان هينة الخطب فقال : لقد عهدت أقواما فارقتهم منذ ثلاثين سنة ، ما تخيل لي أن حسرتهم ذهبت من قلبي ، وقال بعضهم ما هدني شيء ما هدني موت الأقران ، ويقال : إذا مات صديق الرجل فقد فقد عضوا من أعضائه وأنشدونا عن العتبي : ولقد بلوت الناس ثم خبرتهم . . . ووصلت ما قطعوا من الأسباب فإذا القرابة لا تقرب قاطعا . . . وإذا المودة أقرب الأنساب وبلغني أن أخوين ابتلى أحدهما بهوى ، فأظهر عليه أخاه وقال : إني قد اعتللت بالهوى ، فإن شئت أن لا تعتقد علي محبتي لله تعالى فافعل فقال : ما كنت لأحل عقد أخوتك لأجل خطيئتك أبدا ، قال ثم عقد أخوه بينه وبين الله عز وجل أن لا يأكل ولا يشرب حتى يعافي الله عز وجل أخاه من هواه ، قال فطوى أربعين يوما في كلها يسأله عن هواه : كيف أنت منه فكان يقول : القلب مقيم على حاله قال : وما زال أخوه الآخر ينحل ويسقم من الغم عليه ، ومن تركه الطعام والشراب قال : فأزال الله الهوى عن قلب أخيه بعد الأربعين ، فأخبره بذلك ، فأكل وشرب بعد أن كاد يتلف هزلا وضرا ، وبمعناه حدثت عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة ، فقيل لأخية التقي : ألا تقطعه وتهجره فقال : هو أحوج ما كان إلي في هذا الوقت لما وقع في عثرته ، أن آخذ بيده ، وأتلطف له في المعاتبة ، وأدعو له بالعود إلى ما كان عليه ، وفيما رويناه من الإسرائيليات أن أخوين عابدين في جبل ، نزل أحدهما ليشتري من المصر لحما بدرهم ، فبصر ببغي عند اللحام ، فهويها فواقعها ، ثم أقام عندها ثلاثا واستحى أن يرجع إلى أخيه من جنايته ، قال : فافتقده أخوه واهتم بشأنه ، فنزل إلى المدينة فلم يزل يسأل عنه حتى دل عليه ، فدخل عليه وهو جالس مع البغي ، فاعتنقه وجعل يقلبه ويلزمه ، وأنكر الآخر أنه يعرفه لفرط استحيائه منه ، فقال : قم يا أخي فقد علمت بشأنك وقصتك ، وما كنت أعز علي وأحب منك في يومك هذا وساعتك هذه ، فلما رأى ذلك لا يسقطه عنده ، قام فانصرف معه ، فهذا من أحسن النيات وهو طريق العارفين من ذوي الآداب والمروءات ، فإن أحب هذا الأخ أن يؤثر أخاه بما آثره به ، ولا يقتضيه حق إخائه ، فحسن ، قد فعل ذلك عبد الرحمن بن عوف لما آثره سعد بن الربيع بالمال والنفس ، فقال : بارك الله لك فيهما ، فآثره بما به آثره ، فكأنه أستأنف هبته له لأنه قد كان ملكه إياه لسخاوة نفسه ، وحقيقة زهده ، وصدق مودته ، فكانت المساواة لسعد ، والإيثار لعبد الرحمن ، فزاد عليه ، وهذا من فضل المهاجرين على الأنصار إذ كانت المساواة دون الإيثار ، وقد كان مضر بن عيسى وسليمان يقولان : من أحب رجلا ثم قصر في حقه فهو كاذب في حبه ، وكان أبو سليمان الداراني يقول : هو صادق في حبه مفرط في حقه ، ثم قال : لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له ، وقال : إني لألقم الأخ من إخواني اللقمة فأجد طعمها في حلقي ، وأعلم أن إطعام الطعام والإنفاق على الإخوان مضاعف على الصدقات وعلى العطاء للأجانب ، بمنزلة تضعيف الثواب في الأهل والقرابات .

Section V02/P375–V02/P376

وروي عن علي عليه السلام : لعشرون درهما أعطيها أخي في الله عز وجل أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين ، وقال أيضا : لأن أصنع من طعام وأجمع عليه إخواني في الله عز وجل أحب إلى من أن أعتق رقبة ، وأوصى بعض الحكماء ابنه فقال : يا بني ادخل بين الأعداء ولا تدخلن بين الأصدقاء ، قال : وكيف ذلك قال : الدخول بين الأعداء يكسب الصداقة والدخول بين الأصدقاء يورث العداوة ، ولا ينبغي للأخ أن يخون أخاه في غيبه بما يكره إن كان ذلك في شيء مباح إذا كرهه ، ولا ينكر عليه ما لا يقوم في علمه إذا فعله إن كان أخوه أعلم منه ، أو كان له وجه يخرج عليه ، ولا ينبغي أن يكذبه في أمره ولا يفشين له سرا ، ولا يعرضنه لغيبة ولا نميمة ، ولا يحوجه إلى مداراة ، ولا يلجأ إلى اعتذار ، ولا يتكلفن له ما يشق عليه أو ما لا يحبه هو منه ، وقال العباس لابنه عبد الله : إني أرى هذا الرجل ، يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يقدمك على الأشياخ ويقربك دونهم فاحفظ عني ثلاثا : لا تفشين له سرا ، ولا تغتابن عنده أحدا ، ولا يجربن عليك كذبة ، وفي بعض الروايات : ولا تعصين له أمرا ، ولا يطلعن منك على خيانة ، قال : فقلت للشعبي وقد رواه : كل كلمة خير من ألف قال : كل كلمة خير من عشرة آلاف ، وأفشى بعضهم إلى أخيه سرا ثم قال له : حفظت قال : بل نسيت وقيل لبعض الأدباء كيف حفظك السر قال : أنا قبره وقيل لآخر كيف تحفظ السر فقال : أجحد المخبر وأحلف للمستخبر ، ومن أحسن ما سمعت في حفظ السر ما حدثني بعض أشياخنا عن إخوان له ، دخلوا على عبد الله بن المعتز فاستنشدوه شيئا من شعره في حفظ السر ، فأنشدهم على البديهة : ومستودعي سرا تبوأت كتمه . . . فأود عته صدري فصار له قبرا قال فخرجنا من عنده ، فاستقبلنا محمد بن داود الأصبهاني فسألنا من أين جئنا فأخبرناه بما أنشدنا ابن المعتز في السر ، فاستوقفنا ثم أطرق مليا ثم قال سمعوا قولي : وما السر في صدري كثاو بقبره . . . لأني أرى المقبور ينتظر النشرا ولكنني أنساه حتى كأنني . . . بما كان منه لم أحط ساعة خبرا ولو جاز كتم السر بيني وبينه . . .

Section V02/P376–V02/P378

عن السر والأحشا لم يعلم السرا وقال علي عليه السلام : شر الأصدقاء من أحوجك إلى مداراة ، وألجأك إلى اعتذار ، وقال أيضا : شر الأصدقاء من تكلف له ، وقال الفضيل : إنما تقاطع الناس بالتكلف يزور أحدهم أخاه فيتكلف له ما لا يفعله كل واحد منهما في منزله ، فيحشمه ذلك من الرجوع إليه ، وروينا عن عائشة رضي الله عنها : المؤمن أخو المؤمن لا يغتنمه ولا يحشمه ، وروينا في الانبساط إلى الإخوان شيئا استظرفته ولولا أنه جاء عن إمام ما ذكرته ، حدثنا الحرث بن محمد عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : أهدي لهشام فرو كثير الثمن فقال : اذهب بها إلى سعيد الجوهري فقل له : هذه فرو جاء به هشيم اشترها له قال : فذهب بها إليه فاشتراها ، ثم بعت بها إلى هشيم فصارت له ودراهمها ، وقال علي بن المديني : قال أحمد بن حنبل : إني أحب أن أصحبك إلى مكة وما يمنعني من ذلك إلا أني أخاف أن أملك أو تملني ، لأنه يقال إن ملل الإخوان ليس من أخلاق الكرام وقال مكحول : قلت للحسن إني أريد الخروج إلى مكة فقال : لا تصحبن رجلا يكرم عليك فينقطع الذي بينك وبينه ، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول : يستحسن الصبر عن كل شيء إلا عن الصديق ، وقال : أستحب للمتواخين في الله عز وجل أن يلتقيا في كل يوم مرتين وقال أنس بن مالك : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون ، فإذا استقبلهم صخرة أو أكمة فرقت بينهم فالتقوا من ورائها ، سلم بعضهم على بعض ، وقال الحسن وأبو قلابة : ليس من المروءة أن يريح الرجل على صديقه ، وقال ابن سيرين لا تكرم أخاك بما يشق عليه . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة فلا يحل لأحدهما أن يفشي على أخيه ما يكره ، وخرج ابن المبارك في سفر ، فصحبه قوم فقال لهم : إن أنكر أحد منكم شيئا فليخبرني ، فلما أرادوا أن يتفرقوا قال لهم : هل أنكرتم مني شيئا فقال شاب منهم : أنا قال : وما أنكرت قال : لم أرك تستاك فقال : ويحك وهل يستاك الرجل بين يدي صديقه ، وكان بشر بن الحارث يقول : لا تخالط من الناس إلا حسن الخلق فإنه لا يأتي إلا بخير ، ولا تخالط سئ الخلق فإنه لا يأتي إلا بشر ، وقال الشافعي رحمه الله : من استغضب فلم يغضب فهو حمار ، ومن استرضى فلم يرضى فهو شيطان ، وقال عمرو بن دينار : زهدك في راغب فيك نقص حظ ، ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس ، وكان ابن سيرين يقول : يحتمل الرجل لأخيه إلى سبعين زلة ويطلب له المعاذير ، فإن أغناه ذلك وإلا قال : لعل لأخي عذرا غاب عني ، وقال الثوري : إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه ثم دس عليه من يسأله عنك ، فإن قال خيرا فاصحبه وقال غيره : لا تؤاخين أحدا حتى تبلوه وتفشي إليه سرا ، ثم إجفه واستغضبه وانظر ، فإن أفشاه عليك فأجتنبه ، وقيل لأبي يزيد : من أصحب من الناس قال : من يعلم منك ما يعلم الله عز وجل ، ويستر عليك ما يستر الله تعالى ، وكان ذو النون يقول : لا خير لك في صحبة من لا يحب أن يراك إلا معصوما ، وقيل لبعض العلماء : من يصحب من الناس قال : من يرفع عنك ثقل التكلف ، وتسقط بينك وبينه مؤونة التحفظ ، وقد كان جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام يقول : أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه ، وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي ، يريدون بهذا كله أن من لم يكن على هذه الأوصاف دخل عليه التصنع والتزين ، فأخرجاه إلى الرياء والتكلف ، فذهبت بركة الصحبة وبطلت منفعة الأخوة ، وقال بعض الصوفية : لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده ببر ولا تنقص بإثم ، ومن يتوب عنك إذا أذنبت ، ويعتذر إليك إذا أسأت ، ويحمل عنك مؤونة نفسه ويكفيك مؤونة نفسك ، وهذه من أعز الأوصاف في هذا الوقت ، كما قال رجل للجنيد : قد عز في هذا الزمان أخ في الله تعالى قال : فسكت عنه ، ثم عاد ذلك فقال له الجنيد : إذا أردت أخا في الله عز وجل يكفيك مؤونتك ويتحمل أذاك فهذا لعمري قليل ، وإن أردت أخا في الله تتحمل أنت مؤونته وتصبر على أذاه ، فعندي جماعة أدلك عليهم إن أحببت ، فهذا لعمري يكون محبا لنفسه إذا أقتضى هذا من أخيه لا محبا لأخ في الله تعالى ، وليس الإخاء كف الأذى لأن هذا واجب ، ولكن الإخاء الصبر على الأذى ، وكانت هذه الطائفة من الصوفية لا يصطحبون إلا على استواء أربع معان ، لا يترجح بعضها على بعض ، ولا يكون فيها اعتراض من بعض إن أكل أحدهم النهار كله لم يقل له صاحبه صم ، وإن صلى الليل أجمع لم يقل له أحد نم بعضه ، وتستوي حالاه عنده ، فلا مزيد لأجل صيامه وقيامه ، ولا نقصان لأجل إفطاره ونومه ، فإذا كان عنده يزيد بالعمل وينتقص بترك العمل ، فالفرقة أسلم للدين وأبعد من المراءاة من قبل إن النفس مجبولة على حب المدح وكراهة الذم ، ومبتلاة بأن ترب حالها التي عرفت به ، وأن تظهر أحسن ما يحسن عند الناس منها ، فإن صحب من يعمل معه هذا فليس ذلك بطريق الصادقين ولا بغية المخلصين ، فمجانبة هؤلاء الناس أصلح للقلب وأخلص للعمل ، وفي معاشرتهم وصحبة أمثالهم فساد القلوب ونقصان الحال ، لأن هذه أسباب الرياء ، وفي الرياء حبط الأعمال وحسن رأس المال ، والسقوط من عين ذي الجلال نعوذ به سبحانه وتعالى من ذلك ، وكان الثوري رحمه الله تعالى يقول : من عاشر الناس داراهم ، ومن داراهم راءاهم ، ومن راياهم وقع فيما وقعوا فهلك كما هلكوا ، وكان بعض الناس يقول : لا تؤاخ من الناس إلا من لا يتغير عليك في أربع : عند غضبه ورضاه وعند طمعه وهواه ، لأن هذه المعاني تتغير لها الطباع لدخول الضرر منها على النفس وفقد الانتفاع ، وقال بعض الأدباء : لا تصحب من الناس إلا من كان على هذا الوصف : يكتم سرك وينشر برك ويطوي عيبك ويكون في النوائب معك وفي الرغائب يؤثر ، فإن لم تجده فلا تصحب إلا نفسك ، وقد أنشدنا بعض العلماء لبعض الأدباء في معنى هذه الأوصاف : وندمان أخي ثقة .

Section V02/P378–V02/P379

. . كان حديثه خبره يسرك حسن ظاهره . . . وتحمد منه مختبره فساعد خله كرما . . . وفي أخلاقه أثره ويطوى سوءة أبدا . . . وحسنا إن طوى نشره ويستر عيب صاحبه . . . ويستر أنه ستره وقال بعض العلماء : لا تصحب إلا أحد رجلين : رجلا تتعلم منه شيئا من أمر دينك فينفعك ، أو رجلا تعلمه شيئا من دينه فيقبل منك ، والثالث هرب منه ، وقال ابن أبي الحواري : قال لي أستاذي أبو سليمان : يا أحمد لا تصحب إلا أحد رجلين : رجل ترتفق به في دنياك ، أو رجل تزيد معه وتنتفع به في آخرتك ، والاشتغال بغير هذين حمق كبير . وكان المأمون يقول : الإخوان ثلاثة : أحدهم مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه ، والآخر مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت ، والثالث مثله مثل الداء لا يحتاج إليه فالعبد مبتلي بهذا الثالث وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع عنده ، والأول نعمة من الله سبحانه وتعالى على العبد ، فيه ألفة وأنس ومعه غنيمة ونفع . وكان أبو ذر يقول : الوحدة خير من جليس السوء ، والجليس الصالح خير من الوحدة ، وقال بشر بن الحارث : يكون للرجل ثلاثة إخوان : أخ لآخرته ، وأخ لدنياه ، وأخ يأنس به ، فأخبر أن أخ المؤانسة قد لا يكون متقربا عابدا ، وأن الأنس مخصوص يقال : لا يوجد إلا في كريم ، وكان يوسف بن أسباط يعزز من فيه أنس من الإخوان ، فكان يقول ما في المصيصة ثلاثة يؤنس بهم ، واعلم أن الأنس لايوجد في كل عالم ، ولا في كل عاقل ، ولا في كل عابد زاهد ، ويحتاج الأنس ألى وجود معان تكون في الولي ، فإذا اجتمعت فيه كمل فيه الأنس ، وارتفعت عنه الوحشة والحشمة ، ومن لم تكن فيه لم يوجد فيه أنس ، ومن لم تكمل فيه وجد فيه بعض الأنس ، وإذا حصل الأنس ففيه الروح من الكروب والاستراحة من الغم والسكون وطمأنينة القلب ، فكذلك عز من يوجد فيه الأنس لعزة خصاله وهي سبع : علم وعقل وأدب وحسن خلق وسخاء نفس وسلامة قلب وتواضع ، فإن فقد بعضها لم يجد خلا يأنس بكماله ، من قبل أن أضدادها وحشة كلها لأن الجاهل لا أنس فيه ، والأحمق لا أنس به ، والبخيل سئ الخلق لا أنس عنده ، والخبيث والمتكبر لا أنس معه فاعرف هذا . وروينا عن الأصمعي أنه ذكر عن بعض الحكماء قال : عاملوا أحرار الناس بمحض المودة ، وعاملوا العامة بالرغبة والرهبة ، وسوسوا السفلة بالمخافة ، ومثل جملة الناس كمثل جملة الشجر ، منهم من له ظل ليس فيه ثمر وهذا الذي فيه نفع من الدنيا ولا ثمرة له في العقبى ، ويحتاج إليه في وقت ، ومنهم من فيه ثمر وليس له ظل وهذا يصلح للآخرة ولا يصلح للدنيا ، ومنهم من فيه ظل وثمر ، فهذا الذي يصلح للدين والدنيا وهو أعزها ، ومنهم من لا ظل له ولا ثمر وهذا هو الذي لا يحتاج إليه ، فمثله في الشجر مثل شجر الغضا وهو شوك البرية التي تسميه العامة أم غيلان ، تمزق الثياب لا طعام فيه ولا شراب ، فهؤلاء من الناس من يضر ولا ينفع ويكثر ولا يدفع ، مثله كما قال الله تبارك وتعالى : ( يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ) الحج : 13 ، ومثله في الدواب مثل الفأرة والعقرب ، وقد قيل في وصفهم : الناس شيء إذا ما أنت ذقتهم . . . لا يستوون كما لا يستوي الشجر ذارب ظل وهذا عنده ثمر . . . وذاك ليس له ظل ولا ثمر وقد أنشدنا في مثل وصف هذا لبعض الأدباء : إذا كنت لا ترجى لدفع مهمة . .

Section V02/P379–V02/P380

. ولم تك يوم الحشر ممن يشفع ولا أنت ذا مال يجود بماله . . . فعود خلال من إخائك أنفع قال بعض السلف : إذا ولى أخوك ولاية فثبت على نصف مودتك فكثير ، وحدثنا محمد بن القاسم القرشي عن الربيع بن سليمان ، عن الإمام الشافعي رحمه الله ، أنه آخى رجلا ببغداد ثم إن أخاه ولي السيبين فتغير للشافعي كما كان يعهده منه فكتب إليه الشافعي رضي الله عنه هذه الأبيات : اذهب فودك من ودادي طالق . . . مني وليس طلاق ذات البين فإن ارعويت فإنها تطليقة . . . ويدوم ودك لي على ثنتين وإذا امتنعت شفتها بمثالها . . . فتكون تطليقتين في حيضين فإذا الثلاث أتتك مني بتة . . . لم تغن عنك ولاية السيبين فذكر هذا الكلام لبعض الفقهاء فاستحسنه وقال : هذا الطلاق فقهي ، إلا أنه طلق قبل النكاح ، وقد كان الشافعي عليه السلام آخى محمد بن عبد الحكم المصري وكان يحبه ويقربه ، ويقول : ما يقيمني بمصر غيره ، واعتل محمد فعاده الشافعي ، فحدثني القرشي عن الربيع قال : سمعت الشافعي ينشد وقد عاد محمدا : مرض الحبيب فعدته . . . فمرضت من حذري عليه وأتى الحبيب يعودني . . . فبرأت من نظري إليه وما شك أهل مصر أن الشافعي يفوض أمر حلقته إليه ، وأنه يستخلفه بعد موته ويأمر الناس بالحضور عنده ، حتى سئل عن ذلك في علته فقيل له : يا أبا عبد الله إلى من نجلس بعدك ، ومن يكون صاحب الحلقة ، وهم يظنون أنه يشير إلى محمد فاستشرف لذلك محمد وتطاول لها ، وكان جالسا عند رأسه فقال : سبحان الله أيشك في هذا أبو يعقوب البويطي ، فانكسر لها محمد ووجد في نفسه ومال أصحابه إلى أبي يعقوب البويطي ، وقد كان محمد حمل علم الشافعي ومذهبه وفارق مذهب مالك ، إلا أن البويطي كان أزهد وأورع ، فحمل الشافعي نصحه للدين والنصيحة للمسلمين ، ولم يداهن في ذلك بأن وجه الأمر إلى أبي يعقوب ، وآثره لأنه كان أولى ، فلما قبض الشافعي رضي الله عنه إنتقل محمد ابن عبد الحكم مذهبه ، وفارق أصحابه ورجع إلى مالك ، وروى كتب أبيه عن مالك ، وتفقه فيها ، فهو اليوم من كبار أصحاب مالك رضى الله عنه ، وأخمل البويطي رحمه الله نفسه واعتزل عن الناس بالبويطة من سواد مصر ، وصنف كتاب الأم الذي ينسب الآن إلى الربيع ابن سليمان ويعرف به ، وإنما هو جمع البويطي لم يذكر نفسه فيه ، وأخرجه إلى الربيع فزاد فيه ، وأظهره وسمعه منه وقد كان البويطي حمل في المحلة ورفع من مصر إلى السلطان ، وحبس في شأن القرآن ، فحدثنا عن الربيع قال : كتب إلي البويطي من السجن يحثني على المجالس ، ويأمرني بالمواظبة على العلم والرفق بالمتعلمين والإقبال عليهم ، وأن أتواضع لهم وقال : كثيرا ما كنت أسمع الشافعي رضي الله عنه يقول : أهين لهم نفس لكي يكرمونها . . .

Section V02/P380–V02/P381

ولن تكرم النفس التي لا تهينها وأوصى بعض السلف ابنه فقال : يا بني لا تصحب من الناس إلا من إن افترقت قرب منك ، وإذا استغنيت لم يطمع فيك ، وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك ، إن تذللت له صانك ، وإن احتجت له مانك ، وإن اجتمعت معه زانك ، فإن لم تجد هذا فلا تصحبن أحدا ، ومن حق الأخوة في الله عز وجل ما نقل إلينا من سيرة السلف قال : كان الرجل يجيء إلى منزل أخيه من حيث لا يعلم ، فيقول لأهله : هل عندكم دقيق ، ألكم زيت تحتاجون إلى كذا ، فإن قالوا ليس عندنا اشترى لهم مصالحهم ، قال : ولم يكن الأخ يفرق بين عياله وعيال أخيه ، يقاسمهم المؤونة قال : ويلقى أخاه فلا يعلمه بشيء من ذلك ، وأما سعيد بن أبي عروبة ، فكان يعلق كل ثوب عنده على الحبل ، ويظهر كل صنف من طعام فيصفه ، وربما اشترى المسلوخ فيعلقه ، ويفتح بابه ويدخل عليه إخوانه في الله عز وجل ، فكان من أراد طعاما أكل ، ومن اشتهى لحما قطع وشوى أو طبخ ، ومن احتاج إلى ثوب لبس من غير إذن ولا مؤامرة ، قد عرفوا ذلك من أخلاقه ، وكان مثله جماعة متخلقين بهذه الأخلاق ، وقد جعل الله تبارك وتعالى الألفة بين المؤمنين من آياته ، وتمدح بوصفها ولم يكلها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل : ( وألف بين قلوبهم ولو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) الأنفال : 63 ، أي عزيز لا يؤلف غيره ما فرق ، ولا يفرق سواه ما ألف ، حكيم تفرد بالحكم في التأليف ، كما توحد بالتوحيد بالتعريف ، ومعنى آخر : عزيز عزز الألفة وعظمها عند المؤمنين ، حكيم جعلها في الحكمة مع الحكماء من الصالحين ، ونظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في فدان ، فوقف أحدهما يحك جسده فوقف الآخر فبكى أبو الدرداء فقال له : هكذا الإخوان في الله عز وجل ، يعملان لله تبارك وتعالى ويتعاونان على أمر الله ، فإذا وقف أحدهما وقف الآخر لوقوفه ، وكان أكثر عبادة أبي الدرداء التفكر ، وكان يقول : إني لأدعو لأربعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم .

Section V02/P381–V02/P382

وقد جاء في الحديث : دعاء الأخ لأخيه بالغيب لا يرد ، ويقول الملك : ولك مثل هذا ، وفي لفظ آخر يقول الله تبارك وتعالى : بك أبدأ ، والحديث المشهور : يستجاب للمرء في أخيه ما لا يستجاب له في نفسه ، فمن واجب الأخوة تخصيصه وإفراده بالدعاء ، والاستغفار له في الغيب ، فلو لم يكن من بركة الأخوة إلا هذا كان كثير ، وكان محمد بن يوسف الأصبهاني يقول : وأين مثل الأخ الصالح ، أهلك يقتسمون ميراثك وهو منفرد بحسرتك ، مهتم بما قدمت ، يدعو لك في ظلمة الليل وأنت تحت أطباق الثرى ، فقد أشبه الأخ الصالح الملائكة : لأنه جاء في الخبر : إذا مات العبد قال الناس : ما خلف وقالت الملائكة : ما قدم ، يفرحون بما قدم من خير ويشفقون عليه ، وقال بعض العلماء : لو لم يكن في اتخاذ الإخوان إلا أن أحدهم يبلغه موت أخيه فيترحم عليه ويدعو له ، فلعله يغفر له بحسن نيته له ويقال : من بلغه موت أخيه فترحم عليه واستغفر له ، كأنه شهد جنازته وصلى عليه ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل الميت في قبره مثل الغريق يتعلق بكل شيء ، ينتظر دعوة من ولد أو والد أو أخ ، وإنه ليدخل على قبور الأموات من دعاء الأحياء ، من الأنوار أمثال الجبال ويقال : الدعاء للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء في الدنيا ، قال : فيدخل الملك على الميت معه طبق من نور ، عليه منديل من نور فيقول : هذه هدية من عند أخيك فلان ، من عند قرينك فلان قال : فيفرح بذلك ، كما يفرح الحي بالهدية ، فقد كان الإخوان يوصون إخوانهم بعدهم بدوام الدعاء لهم ، ويرغبون في ذلك لحسن يقينهم وصدق نياتهم ، وإن أعظم الحسرة من خرج من الدنيا ولم يؤاخ أخا في الله عز وجل ، فيدرك بذلك فضائل المؤاخاة وينال به منازل المحبين عند الله تعالى ، ومن أشد الناس وحشة في الدنيا من لم يكن له خليل يأنس به وصديق صدق يسكن إليه ، كما قال علي عليه السلام : وغريب من لم يكن له حبيب ولا يوحشنك من صديق سوء ظن ، وأنشد بعض الشيوخ لبعضهم : وليس غريبا من تناءت دياره . . . ولكن من يجفي فذاك غريب ومن كان ذا عهد قديم وذا وفا . . .

Section V02/P382–V02/P383

فلو جاوز السدين فهو قريب وقيل لسفيان الثوري : بمن تأنس فقال : بقيس بن الربيع ، وما رأيته منذ سنتين ، وكان بعضهم يقول : أنا بمودة من غاب عني من بعض إخواني أوثق مني بمودة من يغدو علي ويروح في كل يوم مرتين ، وقال محمد بن داود : قرب القلوب على بعد المزار خير من قرب الديار من الديار ، وليتق أن يعاشر أخاه بخمس خصال ، فليست من الأدب ولا المروءة : أولها أن لا يلزمه بما يكره مما يشق عليه ، والثانية أن لا يسمع فيه بلاغة ولا يصدق عليه مقالة ، والثالثة أن لا يكثر مسألته من أين تجيء وإلى أين تذهب ، وأن لا يتجسس عليه ولا يتحسس عنه ، والفرق بينهما أن التجسس يكون في قفو الآثار ، والتحسس يكون في تطلع الأخبار ، فقد روينا كراهة هذه الخمس في سيرة السلف ، وقال محمد بن سيرين : لا تلزم أخاك بما يشق عليه ، وقال مجاهد إذا رأيت أخاك في طريق فلا تسأله من أين جئت ولا أين تذهب فلعله أن يصدقك في ذلك أو يكذبك ، فتكون قد حملته على الكذب ، وروينا أن حكيما جاء إلى حكيم فقال : جئتك خاطبا إليك مودتك فقال : إن جعلت مهرها ثلاثا فعلت قال : وما هن قال : لا تخالفني في أمر ، ولا تقبل علي بلاغة ، ولا تعطين في رشوة فقال : قد فعلت قال : قد آخيتك ، وأما التجسس والتحسس فقد نهى الله ورسوله عنهما ، وجعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرط الأخوة مع ترك التدابر والتقاطع ، فقد روينا في الخبر السائر : لا تجسسوا ولا تحسسوا ، ولا تقاطعوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المقاطعة في الشهادة أن تقطع مواصلته ، وتنحرف عن جريان عادته ، والتدابر في الغيب مأخوذ منه إذا ولاك الدبر أي لا تدابره إلا بما يحب ، كما تكون له في المقابلة كما أخذت الغيبة من الغيب أي لا تخلفه في غيبه بما يكره ، وقد كان الإخوان يتبايتون على العلوم والأعمال ، وعلى التلاوة والأذكار وبهذه المعاني تحسن الصحبة ، وتحق المحبة ، وكانوا يجدون من المزيد من ذلك والنفع به في العاجل والآجل ، ما لا يجدونه في التخلي والانفراد من تحسين الأخلاق ، وتلقيح العقول ، ومذاكرة العلوم ، وهذا لا يصح إلا لأهله ، وهم أهل سلامة الصدور والرضا بالميسور مع وجود الرحمة ، وفقد الحسد ، ووجد التناصر ، وعدم التظاهر ، وسقوط التكلف ، ودوام التآلف ، فإذا عدمت هذه الخصال ففي وجود أضدادها تقل المباينة ، وقد قيل : من سقطت كلفته دامت صحبته وألفته ، ومن قلت مؤونته دامت مودته ، وقال علي عليه السلام : شر الأصدقاء من تكلف له ، وقال يونس النبي عليه السلام لما زاره إخوانه ، فقدم إليهم خبز شعير وجزلهم من بقل كان زرعه وقال : لولا أن الله تبارك وتعالى لعن المتكلفين لتكلفت لكم .

Questions