Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn
أما الكرام فلانتفاع العبد بكرمهما ولأن الملائكة كلهم كرام بررة وأما الكاتبون فلإثباتهما الحسنات والسيئات وإنما يكتبان في صحائف مطوية في سر القلب ومطوية عن سر القلب حتى لا يطلع عليه في هذا العالم فإنهما وكتبتهما وخطهما وصائفهما وجملة ما تعلق بهما من جملة عالم الغيب والملكوت لا من عالم الشهادة وكل شيء من عالم الملكوت لا تدركه الأبصار في هذا العالم ثم تنشر هذه الصحائف المطوية عنه مرتين مرة في القيامة الصغرى ومرة في القيامة الكبرى وأعني بالقيامة الصغرى حالة الموت إذ قال صلى الله صلى الله عليه وسلم من مات فقد قامت قيامته وفي هذه القيامة يكون العبد وحده وعندها يقال ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وفيها يقال كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا أما في القيامة الكبرى الجامعة لكافة الخلائق فلا يكون وحده بل ربما يحاسب على ملأ من الخلق وفيها يساق المتقون إلى الجنة والمجرمون إلى النار زمرا لا آحادا والهول الأول هو هول القيامة الصغرى ولجميع أهوال القيامة الكبرى نظير في القيامة الصغرى مثل زلزلة الأرض مثلا فإن أرضك الخاصة بك تزلزل في الموت فإنك تعلم أن الزلزلة إذا نزلت ببلدة صدق أن يقال قد زلزلت أرضهم وإن لم تزلزل البلاد المحيطة بها بل لو زلزل مسكن الإنسان وحده فقد حصلت الزلزلة في حقه لأنه إنما يتضرر عند زلزلة جميع الأرض بزلزلة مسكنه لا بزلزلة مسكن غيره فحصته من الزلزلة قد توفرت من غير نقصان واعلم أنك أرضى مخلوق من التراب وحظك الخاص من التراب بدنك فقط فأما بدن غيرك فليس بحظك والأرض التي أنت جالس عليها بالإضافة الى بذلك ظرف ومكان وإنما تخاف من تزلزله أن يتزلزل بدنك بسببه وإلا فالهواء أبدا متزلزل وأنت لا تخشاه إذ ليس يتزلزل به بدنك فحظك من زلزلة الأرض كلها زلزلة بدنك فقط فهي أرضك وترابك الخاص بك وعظامك جبال أرضك ورأسك سماء أرضك وقلبك شمس أرضك وسمعك وبصرك وسائر خواصك نجوم سمائك ومفيض العرق من بدنك بحر أرضك وشعورك نبات أرضك وشعورك نبات أرضك وأطرافك أشجار أرضك وهكذا إلى جميع أجزائك فإذا انهدم بالموت أركان بدنك فقد زلزلت الأرض زلزالها فإذا انفصلت العظام من اللحوم فقد حملت الأرض والجبال فدكتادكة واحدة فإذا رمت العظام فقد نسفت الجبال نسفا فإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كورت الشمس تكويرا فإذا بطل سمعك وبصرك وسائر حواسك فقد انكدرت النجوم انكدارا فإذا انشق دماغك فقد انشقت السماء انشقاقا فإذا انفجرت من هول الموت عرق جبينك فقد فجرت البحار تفجيرا فإذا التفت إحدى ساقيك بالأخرى وهما مطيتاك فقد عطلت العشار تعطيلا فإذا فارقت الروح الجسد فقد حملت الأرض فمدت حتى ألقت ما فيها وتخلت ولست أطول بجميع موازنة الأحوال والأهوال ولكني أقول بمجرد الموت تقوم عليك هذه القيامة الصغرى ولا يفوتك من القيامة الكبرى شيء مما يخصك بل ما يخص غيرك فإن بقاء الكواكب في حق غيرك ماذا ينفعك وقد انتثرت حواسك التي بها تنتفع بالنظر إلى الكواكب والأعمى يستوى عنده الليل والنهار وكسوف الشمس وانجلاؤها لأنها قد كسفت في حقه دفعة واحدة وهو حصته منها فالانجلاء بعد ذلك حصة غيره ومن انشق رأسه فقد انشقت سماؤه إذ السماء عبارة عما يلي جهة الرأس فمن لا رأس له لا سماء له فمن أين ينفعه بقاء السماء لغيره فهذه هي القيامة الصغرى والخوف بعد أسفل والهول بعد مؤخر وذلك إذا جاءت الطامة الكبرى وارتفع الخصوص وبطلت السموات والأرض ونسفت الجبال ونمت الأهوال
واعلم أن هذه الصغرى وإن طولنا في وصفها فإنا لم نذكر عشير أوصافها وهي بالنسبة إلى القيامة الكبرى كالولادة الصغرى بالنسبة إلى الولادة الكبرى فإن للإنسان ولادتين إحداهما الخروج من الصلب والترائب إلى مستودع الأرحام فهو في الرحم في قرار مكين إلى قدر معلوم وله في سلوكه إلى الكمال منازل وأطوار من نطفة وعلقة ومضغة وغيرها إلى أن يخرج من مضيق الرحم إلى فضاء العالم فنسبة عموم القيامة الكبرى إلى خصوص القيامة الصغرى كنسبة سعة فضاء العالم إلى سعة فضاء الرحم ونسبة سعة العالم الذي يقدم عليه العبد بالموت إلى سعة فضاء الدنيا كنسبة فضاء الدنيا أيضا إلى الرحم بل أوسع وأعظم فقس الآخرة بالأولى فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة وما النشأة الثانية إلا على قياس النشأة الأولى بل أعداد النشآت ليست محصورة في اثنتين وإليه الإشارة بقوله تعالى وننشئكم فيما لا تعلمون فالمقر بالقيامتين مؤمن بعالم الغيب والشهادة وموقن بالملك والملكوت والمقر بالقيامة الصغرى دون الكبرى ناظر بالعين العوراء إلى أحد العالمين وذلك هو الجهل والضلال والإقتداء بالأعور الدجال فما أعظم غفلتك يا مسكين وكلنا ذلك المسكين وبين يديك هذه الأهوال فإن كنت لا تؤمن بالقيامة الكبرى بالجهل والضلال أفلا تكفيك دلالة القيامة الصغرى أو ما سمعت قول سيد الأنبياء كفى بالموت واعظا او ما سمعت بكر به عليه السلام عند الموت حتى قال صلى الله عليه وسلم اللهم هون على محمد سكرات الموت أو ما تستحي من استبطائك هجوم الموت اقتداء برعاع الغافلين الذين لا ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون فيأتيهم المرض نذيرا من الموت فلا ينزجرون ويأتيهم الشيب رسولا منه فما يعتبرون فيا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون أفيظنون أنهم في الدنيا خالدون أو لم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون أم يحسبون أن الموتى سافروا من عندهم فهم معدمون كلا وإن كل لما جميع لدينا محضرون {ولكن} ما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين وذلك لأنا جعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ولنرجع إلى الغرض فإن هذه تلويحات تشير إلى أمور هي أعلى من علوم المعاملة فنقول ظهر أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة باعث الهوى وهذه المقاومة من خاصة الآدميين لما وكل بهم من الكرام الكاتبين ولا يكتبان شيئا عن الصبيان والمجانين إذ قد ذكرنا أن الحسنة في الإقبال على الاستفادة منهما والسيئة في الإعراض عنهما وما للصبيان والمجانين سبيل إلى الاستفادة فلا يتصور منهما إقبال وإعراض وهما لا يكتبان إلا الإقبال والإعراض من القادرين على الإقبال والإعراض ولعمري إنه قد تظهر مباديء إشراق نور الهداية عند سن التمييز وتنمو على التدريج إلى سن البلوغ كما يبدو نور الصبح إلى أن يطلع قرص الشمس ولكنها هداية قاصرة لا ترشد إلى مضار الآخرة بل إلى مضار الدنيا فلذلك يضرب على ترك الصلوات ناجزا ولا يعاقب على تركها في الآخرة ولا يكتب عليه من الصحائف ما ينشر في الآخرة بل على القيم العدل والولى البر الشفيق إن كان من الأبرار وكان على سمت الكرام الكاتبين البررة الأخيار أن يكتب على الصبي سيئته وحسنته على صحيفة قلبه فيكتبه عليه بالحفظ ثم ينشره عليه بالتعريف ثم يعذبه عليه بالضرب فكل ولي هذا سمته في حق الصبي فقد ورث أخلاق الملائكة واستعملها في حق الصبي فينال بها درجة القرب من رب العالمين كما نالته الملائكة فيكون مع النبيين والمقربين والصديقين وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار إلى إصبعيه الكريمتين صلى الله عليه وسلم بيان كون الصبر نصف الإيمان
اعلم أن الإيمان تارة يختص في إطلاقه بالتصديقات بأصول الدين وتارة يختص بالأعمال الصالحة الصادرة منها وتارة يطلق عليهما جميعا وللمعارف أبواب وللأعمال أبواب ولاشتمال لفظ الإيمان على جميعها كان الإيمان نيفا وسبعين بابا واختلاف هذه الإطلاقات ذكرناه في كتاب قواعد العقائد من ربع العبادات ولكن الصبر نصف الإيمان باعتبارين وعلى مقتضى إطلاقين أحدهما أن يطلق على التصديقات والأعمال جميعا فيكون للإيمان ركنان أحدهما اليقين والآخر الصبر والمراد باليقين المعارف القطعية الحاصلة بهداية الله تعالى عبده إلى أصول الدين والمراد بالصبر العمل بمقتضى اليقين إذ اليقين يعرفه أن المعصية ضارة والطاعة نافعة ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر وهو استعمال باعث الدين في قهر باعث الهوى والكسل فيكون الصبر نصف الإيمان بهذا الاعتبار ولهذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فقال من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر الحديث إلى آخره الاعتبار الثاني أن يطلق على الأحوال المثمرة للأعمال لا على المعارف وعند ذلك ينقسم جميع ما يلاقيه العبد إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة أو يضره فيهما وله بالإضافة إلى ما يضره حال الصبر وبالإضافة إلى ما ينفعه حال الشكر فيكون الشكر أحد شطري الإيمان بهذا الاعتبار كما أن اليقين أحد الشطرين بالاعتبار الأول وبهذا النظر قال ابن مسعود رضي الله عنه الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر وقد يرفع أيضا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما كان الصبر صبرا عن باعث الهوى بثبات باعث الدين وكان باعث الهوى قسمين باعث من جهة الشهوة وباعث من جهة الغضب فالشهوة لطلب اللذيذ والغضب للهرب من المؤلم وكان الصوم صبرا عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب قال بهذا الاعتبار الصوم نصف الصبر لأن كمال الصبر بالصبر عن دواعي الشهوة ودواعي الغضب جميعا فيكون الصوم بهذا الاعتبار ربع الإيمان فهكذا ينبغي أن تفهم تقديرات الشرع بحدود الأعمال والأحوال ونسبتها إلى الإيمان والأصل فيه أن تعرف كثرة أبواب الإيمان فإن اسم الإيمان يطلق على وجوه مختلفة بيان الأسامي التي تتجدد للصبر بالإضافة إلى ما عنه الصبر اعلم أن الصبر ضربان أحدهما ضرب بدني كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليها وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة إما من العبادات أو من غيرها وإما بالاحتمال كالصبر على الضرب الشديد والمرض العظيم والجراحات الهائلة وذلك قد يكون محمودا إذا وافق الشرع
ولكن المحمود التام هو الضرب الآخر وهو الصبر النفسي عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى ثم هذا الضرب إن كان صبرا على شهوة البطن والفرج سمي عفة وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي غلب عليه الصبر فإن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصبر وتضاده حالة تسمى الجزع والهلع وهو إطلاق داعي الهوى ليسترسل في رفع الصوت وضرب الخدود وشق الجيوب وغيرهما وإن كان في احتمال الغنى سمي ضبط النفس وتضاده حالة تسمى البطر وإن كان في حرب ومقاتلة سمي شجاعة ويضاده الجبن وإن كان في كظم الغيظ والغضب سمي حلما ويضاده التذمر وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي سعة الصدر ويضاده الضجر والتبرم وضيق الصدر وإن كان في إخفاء كلام سمي كتمان السر وسمي صاحبه كتوما وإن كان عن فضول العيش سمى زهدا ويضاده الحرص وإن كان صبرا على قدر يسير من الحظوظ سمي قناعة ويضاده الشره فأكثر أخلاق الإيمان داخل في الصبر ولذلك لما سئل عليه السلام مرة عن الإيمان قال هو الصبر لأنه أكثر أعماله وأعزها كما قال الحج عرفة وقد جمع الله تعالى أقسام ذلك وسمى الكل صبرا فقال تعالى والصابرين في البأساء أي المصيبة والضراء أي الفقر وحين البأس أي المحاربة {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} فإذن هذه أقسام الصبر باختلاف متعلقاتها ومن يأخذ المعاني من الأسامي يظن أن هذه الأحوال مختلفة في ذواتها وحقائقها من حيث رأى الأسامي مختلفة والذي يسلك الطريق المستقيم وينظر بنور الله تعالى يلحظ المعاني أولا فيطلع على حقائقها ثم يلاحظ الأسامي فإنها وضعت دالة على المعاني فالمعاني هي الأصول والألفاظ هي التوابع ومن يطلب الأصول من التوابع لا بد وأن يزل وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم} فإن الكفار لم يغلطوا فيما غلطوا فيه إلا بمثل هذه الانعكاسات نسأل الله حسن التوفيق بكرمه ولطفه بيان أقسام الصبر بحسب اختلاف القوة والضعف اعلم إن باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال أحدها أن يقهر داعي الهوى فلا تبقى له قوة المنازعة ويتوصل إليه بدوام الصبر وعند هذا يقال من صبر ظفر والواصلون إلى هذه الرتبة هم الأقلون فلا جرم هم الصديقون المقربون {الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} فهؤلاء لازموا الطريق المستقيم واستووا على الصراط القويم واطمأنت نفوسهم على مقتضى باعث الدين وإياهم ينادي المنادي {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} الحالة الثانية أن تغلب دواعي الهوى وتسقط بالكلية منازعة باعث الدين فيسلم نفسه إلى جند الشياطين ولا يجاهد ليأسه من المجاهدة وهؤلاء هم الغافلون وهم الأكثرون وهم الذين استرقتهم شهواتهم وغلبت عليهم شقوتهم فحكموا أعداء الله في قلوبهم التي هي سر من أسرار الله تعالى وأمر من أمور الله وإليهم الإشارة بقوله تعالى {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فخسرت صفقتهم وقيل لمن قصد إرشادهم فأعرض عمن تولى عن ذكرنا
{ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم} وهذه الحالة علامتها اليأس والقنوط والغرور بالأماني وهو غاية الحمق كما قال صلى الله عليه وسلم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله وصاحب هذه الحالة إذا وعظ قال أنا مشتاق إلى التوبة ولكنها قد تعذرت علي فلست أطمع فيها أو لم يكن مشتاقا إلى التوبة ولكن قال إن الله غفور رحيم كريم فلا حاجة به إلى توبتي وهذا المسكين قد صار عقله رقيقا لشهوته فلا يستعمل عقله إلا في استنباط دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء شهوته فقد صار عقله في يد شهواته كمسلم أسير في أيدي الكفار فهم يستسخرونه في رعاية الخنازير وحفظ الخمور وحملها ومحله عند الله تعالى محل من يقهر مسلما ويسلمه إلى الكفار ويجعله أسيرا عندهم لأنه بفاحش جنايته يشبه أنه سخر ما كان حقه أن لا يستسخر وسلط ما حقه أن لا يتسلط عليه وإنما استحق المسلم أن يكون متسلطا لما فيه من معرفة الله وباعث الدين وإنما استحق الكافر أن يكون مسلطا عليه لما فيه من الجهل بالدين وباعث الشياطين وحق المسلم على نفسه أوجب من حق غيره عليه فمهما سخر المعنى الشريف الذي هو من حزب الله وجند الملائكة للمعنى الخسيس الذي هو من حزب الشياطين المبعدين عن الله تعالى كان كمن أرق مسلما لكافر بل هو كمن قصد الملك المنعم عليه فأخذ أعز أولاده وسلمه إلى أبغض أعدائه فانظر كيف يكون كفرانه لنعمته واستيجابه لنقمته لأن الهوى أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى والعقل أعز موجود خلق على وجه الأرض الحالة الثالثة أن يكون الحرب سجالا بين الجندين فتارة له اليد عليها وتارة لها عليه وهذا من المجاهدين يعد مثله لا من الظافرين وأهل هذه الحالة هم الذين {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم} هذا باعتبار القوة والضعف ويتطرق إليه أيضا ثلاثة أحوال باعتبار عدد ما يصبر عنه فإنه إما أن يغلب جميع الشهوات أو لا يغلب شيئا منها أو يغلب بعضها دون بعض وتنزيل قوله تعالى {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} على من عجز عن بعض الشهوات دون بعض أولى والتاركون للمجاهدة مع الشهوات مطلقا يشبهون بالأنعام بل هم أضل سبيلا إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة والقدرة التي بها تجاهد مقتضى الشهوات وهذا قد خلق ذلك له وعطله فهو الناقص حقا المدبر يقينا ولذلك قيل ولم أر في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام وينقسم الصبر أيضا باعتبار اليسر والعسر إلى ما يشق على النفس فلا يمكن الدوام عليه إلا بجهد جهيد وتعب شديد ويسمى ذلك تصبرا وإلى ما يكون من غير شدة تعب بل يحصل بأدنى تحامل على النفس ويخص ذلك باسم الصبر وإذا دامت التقوى وقوي التصديق بما في العاقبة من الحسنى تيسر الصبر ولذلك قال تعالى {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} ومثال هذه القسمة قدرة المصارع على غيره فإن الرجل القوي يقدر على أن يصرع الضعيف بأدنى حملة وأيسر قوة بحيث لا يلقاه في مصارعته إعياء ولا لغوب ولا تضطرب فيه نفسه ولا ينبهر ولا يقوى على أن يصرع الشديد إلا بتعب ومزيد جهد وعرق جبين فهكذا تكون المصارعة بين باعث الدين وباعث الهوى فإنه على التحقيق صراع بين جنود الملائكة وجنود الشياطين ومهما أذعنت الشهوات وانقمعت وتسلط باعث الدين واستولى وتيسر الصبر بطول المواظبة أورث ذلك مقام الرضا كما سيأتي في كتاب الرضا فالرضا أعلى من الصبر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم اعبد الله على الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير وقال بعض العارفين أهل الصبر على ثلاثة مقامات أولها ترك الشهوة وهذه درجة التائبين وثانيها الرضا بالمقدور وهذه درجة الزاهدين وثالثها المحبة لما يصنع به مولاه وهذه درجة الصديقين
وسنبين في كتاب المحبة أن مقام المحبة أعلى من الرضا كما أن مقام الرضا أعلى من مقام الصبر وكأن هذا الانقسام يجري في صبر خاص وهو الصبر على المصائب والبلايا واعلم أن الصبر أيضا ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض ونفل ومكروه ومحرم فالصبر عن المحظورات فرض وعلى المكاره نفل والصبر على الأذى المحظور محظور كمن تقطع يده أو يد ولده وهو يصبر عليه ساكتا وكمن يقصد حريمه بشهوة محظورة فتهيج غيرته فيصبر عن اظهاره الغيرة ويسكت على ما يجري على أهله فهذا الصبر محرم والصبر المكروه هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع فليكن الشرع محك الصبر فكون الصبر نصف الإيمان لا ينبغي أن يخيل إليك أن جميعه محمود بل المراد به أنواع من الصبر مخصوصة بيان مظان الحاجة إلى الصبر وأن العبد لا يستغني عنه في حال من الأحوال اعلم أن جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين أحدهما هو الذي يوافق هواه والآخر هو الذي لا يوافقه بل يكرهه وهو محتاج إلى الصبر في كل واحد منهما وهو في جميع الأحوال لا يخلو عن أحد هذين النوعين أو عن كليهما فهو إذن لا يستغني قط عن الصبر النوع الأول ما يوافق الهوى وهو الصحة والسلامة والمال والجاه وكثرة العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار وجميع ملاذ الدنيا وما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الأمور فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال والركون إليها والانهماك في ملاذها المباحة منها أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى حتى قال بعض العارفين البلاء يصبر عليه المؤمن والعوافي لا يصبر عليها إلا صديق وقال سهل الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء ولما فتحت أبواب الدنيا على الصحابة رضي الله عنهم قالوا ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر ولذلك حذر الله عباده من فتنة المال والزوج والولد فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} وقال عز وجل {إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} وقال صلى الله عليه وسلم الولد مبخلة مجبنة محزنة ولما نظر عليه السلام إلى ولده الحسن رضي الله عنه يتعثر في قميصه نزل عن المنبر واحتضنه ثم قال {صدق الله} إنما أموالكم وأولادكم فتنة إني لما رأيت ابني يتعثر لم أملك نفسي أن أخذته ففي ذلك عبرة لأولي الأبصار فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية ومعنى الصبر عليها أن لا يركن إليها ويعلم أن كل ذلك مستودع عنده وعسى أن يسترجع على القرب وأن لا يرسل نفسه في الفرح بها ولا ينهمك في التنعم واللذة واللهو واللعب وأن يرعى حقوق الله في ماله بالإنفاق وفي بدنه ببذل المعونة للخلق وفي لسانه ببذل الصدق وكذلك في سائر ما أنعم الله به عليه وهذا الصبر متصل بالشكر فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر كما سيأتي وإنما كان الصبر على السراء أشد لأنه مقرون بالقدرة ومن العصمة أن لا تقدر والصبر على الحجامة والقصد إذا تولاه غيرك أيسر من الصبر على فصدك نفسك وحجامتك نفسك والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة الطيبة اللذيذة وقدر عليها فلهذا عظمت فتنة السراء النوع الثاني ما لا يوافق الهوى والطبع وذلك لا يخلو إما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي أو لا يرتبط باختيار كالمصائب والنوائب أولا يرتبط باختياره ولكن له اختيار في إزالته كالتشفي من المؤذي بالانتقام منه فهذه ثلاثة أقسام القسم الأول ما يرتبط باختياره وهو سائر أفعاله التي توصف بكونها طاعة أو معصية وهما ضربان
الضرب الأول الطاعة والعبد يحتاج إلى الصبر عليها فالصبر على الطاعة شديد لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي الربوبية ولذلك قال بعض العارفين ما من نفس إلا وهي مضمرة ما أظهر فرعون من قوله أنا ربكم الأعلى ولكن فرعون وجد له مجالا وقبولا فأظهره إذ استخف قومه فأطاعوه وما من أحد إلا وهو يدعي ذلك مع عبده وخادمه وأتباعه وكل من هو تحت قهره وطاعته وإن كان ممتنعا من إظهاره فإن استشاطته وغيظه عند تقصيرهم في خدمته واستعباده ذلك ليس يصدر إلا عن إضمار الكبر ومنازعة الربوية في رداء الكبرياء فإذن العبودية شاقة على النفس مطلقا ثم من العبادات ما يكره بسبب الكسل كالصلاة ومنها ما يكره بسبب البخل كالزكاة ومنها ما يكره بسببهما جميعا كالحج والجهاد فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد ويحتاج المطيع إلى الصبر على طاعته في ثلاث أحوال الأولى قبل الطاعة وذلك في تصحيح النية والإخلاص والصبر عن شوائب الرياء ودواعي الآفات وعقد العزم على الإخلاص والوفاء وذلك من الصبر الشديد عند من يعرف حقيقة النية والإخلاص وآفات الرياء ومكايد النفس وقد نبه صلى الله عليه وسلم إذ قال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى // وقال تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ولهذا قدم الله تعالى الصبر على العمل فقال تعالى إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات الحالة الثانية حالة العمل كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه ويدوم على شرط الأدب إلى آخر العمل الأخير فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ وهذا أيضا من شدائد الصبر ولعله المراد بقوله تعالى نعم أجر العاملين الذين صبروا أي صبروا إلى تمام العمل الحالة الثالثة بعد الفراغ من العمل إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به للسمعة والرياء والصبر عن النظر إليه بعين العجب وعن كل ما يبطل عمله ويحبط أثره كما قال تعالى ولا تبطلوا أعمالكم وكما قال تعالى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فمن لا يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى فقد أبطل عمله والطاعات تنقسم إلى فرض ونفل وهو محتاج إلى الصبر عليهما جميعا وقد جمعهما الله تعالى في قوله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى فالعدل هو الفرض والإحسان هو النفل وإيتاء ذي القربى هو المروءة وصلة الرحم وكل ذلك يحتاج إلى صبر الضرب الثاني المعاصي فما أحوج العبد إلى الصبر عنها وقد جمع الله تعالى أنواع المعاصي في قوله تعالى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي {وقال} صلى الله عليه وسلم المهاجر من هجر السوء والمجاهد من جاهد هواه والمعاصي مقتضى باعث الهوى
وأشد أنواع الصبر الصبر عن المعاصي التي صارت مألوفة بالعادة فإن العادة طبيعة خامسة فإذا انضافت العادة إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله تعالى فلا يقوى باعث الدين على قمعها ثم إن كان ذلك الفعل مما تيسر فعله كان الصبر عنه أثقل على النفس كالصبر عن معاصي اللسان من الغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضا وتصريحا وأنواع المزح المؤذي للقلوب وضروب الكلمات التي يقصد بها الإزراء والاستحقار وذكر الموتى والقدح فيهم وفي علومهم وسيرهم ومناصبهم فإن ذلك في ظاهره غيبة وفي باطنه ثناء على النفس فللنفس فيه شهوتان إحداهما نفي الغير والأخرى إثبات نفسه وبها تتم له الربوبية التي هي في طبعه وهي ضد ما أمر به من العبودية ولاجتماع الشهوتين وتيسر تحريك اللسان ومصير ذلك معتادا في المحاورات يعسر الصبر عنها وهي أكبر الموبقات حتى بطل استنكارها واستقباحها من القلوب لكثرة تكريرها وعموم الأنس بها فترى الإنسان يلبس حريرا مثلا فيستبعد غاية الاستبعاد ويطلق لسانه طول النهار في أعراض الناس ولا يستنكر ذلك مع ما ورد في الخبر من ان الغيبة أشد من الزنا وقال تعالى {ودع أذاهم وتوكل على الله} وقال تعالى {واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا} وقال تعالى {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك} الآية وقال تعالى {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} أي تصبروا عن المكافأة ولذلك مدح الله تعالى العافين عن حقوقهم في القصاص وغيره فقال تعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو} خير الصابرين {وقال} صلى الله عليه وسلم صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك // ورأيت في الإنجيل قال عيسى بن مريم عليه السلام لقد قيل لكم من قبل إن السن بالسن والأنف بالأنف وأنا أقول لكم لا تقاوموا بالشر بل من ضرب خدك الأيمن فحول إليه الخد الأيسر ومن أخذ رداءك فأعطه إزارك ومن سخرك لتسير معه ميلا فسر معه ميلين وكل ذلك أمر بالصبر على الأذى فالصبر على أذى الناس من أعلى مراتب الصبر لأنه يتعاون فيه باعث الدين وباعث الشهوة والغضب جميعا القسم الثالث ما لا يدخل تحت حصر الاختيار أوله وآخره كالمصائب مثل موت الأعزة وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض وعمى العين وفساد الأعضاء وبالجملة سائر أنواع البلاء فالصبر على ذلك من أعلى مقامات الصبر قال ابن عباس رضي الله عنهما الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه صبر على أداء فرائض الله تعالى فله ثلثمائة درجة وصبر عن محارم الله تعالى فله ستمائة درجة وصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة وإنما فضلت هذه الرتبة مع أنها من الفضائل على ما قبلها وهي من الفرائض لأن كل مؤمن يقدر على الصبر عن المحارم
فأما الصبر على بلاء الله تعالى فلا يقدر عليه إلا الأنبياء لأنه بضاعة الصديقين فإن ذلك شديد على النفس ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أسألك من اليقين ما تهون علي به مصائب الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم انتظار الفرج بالصبر عبادة وقال أنس حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل قال يا جبريل ما جزاء من سلبت كريمتيه قال سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا قال الله تعالى جزاؤه الخلود في داري والنظر إلى وجهي // وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل إذا ابتليت عبدي ببلاء فصبر ولم يشكني إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فإذا أبرأته أبرأته ولا ذنب له وإن توفيته فإلى رحمتي وقال داود عليه السلام يا رب ما جزاء الحزين الذي يصبر على المصائب ابتغاء مرضاتك قال جزاؤه أن ألبسه لباس الإيمان فلا أنزعه عنه أبدا وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله في خطبته ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه وعوضه منها الصبر إلا كان ما عوضه منها أفضل مما انتزع منه وقرا خانما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وسئل فضيل عن الصبر فقال هو الرضا بقضاء الله قيل وكيف ذلك قال الراضي لا يتمنى فوق منزلته وقيل حبس الشبلي رحمه الله في المارستان فدخل عليه جماعة فقال من أنتم قالوا أحباؤك جاءوك زائرين فأخذ يرميهم بالحجارة فأخذوا يهربون فقال لو كنتم أحبائي لصبرتم على بلائي وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل ساعة ويطالعها وكان فيها {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} ويقال أن امرأة فتح الموصلي عثرت فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها أما تجدين الوجع فقالت إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه وقال داود لسليمان عليهما السلام يستدل على تقوى المؤمن بثلاث حسن التوكل فيما لم ينل وحسن الرضا فيما قد نال وحسن الصبر فيما قد فات وقال نبينا صلى الله عليه وسلم من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك ولا تذكر مصيبتك قال الراوي فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة كلهم قد قرءوا القرآن وروى جابر أنه عليه السلام قال رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وقد قيل الصبرالجميل هو ان لا يعرف صاحب المصيبة من غيره ولا يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب ولا فيضان العين بالدمع إذ يكون من جميع الحاضرين لأجل الموت سواء ولأن البكاء توجع القلب على الميت فإن ذلك مقتضى البشرية ولا يفارق الإنسان إلى الموت ولذلك لما مات إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم فاضت عيناه فقيل له أما نهيتنا عن هذا فقال إن هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحما بل ذلك أيضا لا يخرج عن مقام الرضا فالمقدم على الحجامة والفصد راض به وهو متألم بسببه لا محالة وقد تفيض عيناه إذا عظم ألمه وسيأتي ذلك في كتاب الرضا إن شاء الله تعالى وكتب ابن أبي نجيح يعزي بعض الخلفاء إن أحق من عرف حق الله تعالى فيما أخذ منه من عظم حق الله تعالى عنده فيما أبقاه له واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك والباقي بعدك هو المأجور فيك واعلم أن أجر الصابرين به فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه
فإذن مهما دفع الكراهة بالتفكر في نعمة الله تعالى عليه بالثواب نال درجة الصابرين نعم من كمال الصبر كتمان المرض والفقر وسائر المصائب وقد قيل من كنوز البر كتمان المصائب والأوجاع والصدقة فقد ظهر لك بهذه التقسيمات أن وجوب الصبر عام في جميع الأحوال والأفعال فإن الذي كفى الشهوات كلها واعتزل وحده لا يستغني عن الصبر على العزلة والانفراد ظاهرا وعن الصبر عن وساوس الشيطان باطنا فإن اختلاج الخواطر لا يسكن وأكثر جولان الخواطر إنما يكون في فائت لا تدارك له أو في مستقبل لا بد وأن يحصل منه ما هو مقدر فهو كيفما كان تضييع زمان وآلة العبد قلبه وبضاعته عمره فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيد به أنسا بالله تعالى أو عن فكر يستفيد به معرفة بالله تعالى ليستفيد بالمعرفة محبة الله تعالى فهو مغبون هذا إن كان فكره ووسواسه في المباحات مقصورا عليه ولا يكون ذلك غالبا بل يتفكر في وجوء الحيل لقضاء الشهوات إذ لا يزال ينازع كل من تحرك على خلاف غرضه في جميع عمره أو من يتوهم أنه ينازعه ويخالف أمره أو غرضه بظهور أمارة له منه بل يقدر المخالفة من أخلص الناس في حبه حتى في أهله وولده ويتوهم مخالفتهم له ثم يتفكر في كيفية زجرهم وكيفية قهرهم وجوابهم عما يتعللون به في مخالفته ولا يزال في شغل دائم فللشيطان جندان جند يطير وجند يسير والوسواس عبارة عن حركة جنده الطيار والشهوة عبارة عن حركة جنده السيار وهذا لأن الشيطان خلق من النار وخلق الإنسان من صلصال كالفخار والفخار قد اجتمع فيه مع النار الطين والطين طبيعته السكون والنار طبيعتها الحركة فلا يتصور نار مشتعلة لا تتحرك بل لا تزال تتحرك بطبعها وقد كلف الملعون المخلوق من النار أن يطمئن عن حركته ساجدا لما خلق الله من الطين فأبى واستكبر واستعصى وعبر عن سبب استعصائه بأن قال {خلقتني من نار وخلقته من طين} فإذن حيث لم يسجد الملعون لأبينا آدم صلوات الله عليه وسلامه فلا ينبغي أن يطمع في سجوده لأولاده ومهما كف عن القلب وسواسه وعدوانه وطيرانه وجولانه فقد أظهر انقياده وإذعانه وانقياده بالإذعان سجود منه فهو روح السجود وإنما وضع الجبهة على الأرض قالبه وعلامته الدالة عليه بالاصطلاح ولو جعل وضع الجبهة على الأرض علامة استخفاف بالاصطلاح لتصور ذلك كما أن الانبطاح بين يد المعظم المحترم يرى استخفافا بالعادة فلا ينبغي أن يدهشك صدف الجوهر عن الجوهر وقالب الروح عن الروح وقشر اللب عن اللب فتكون ممن قيده عالم الشهادة بالكلية عن عالم الغيب وتحقق أن الشيطان من المنظرين فلا يتواضع لك بالكف عن الوسواس إلى يوم الدين إلا أن تصبح وهمومك هم واحد فتشغل قلبك بالله وحده فلا يجد الملعون مجالا فيك فعند ذلك تكون من عباد الله المخلصين الداخلين في الاستثناء عن سلطنة هذا اللعين ولا تظنن أنه يخلو عنه قلب فارغ بل هو سيال يجري من ابن آدم مجرى الدم وسيلانه مثل الهواء في القدح فإنك إن أردت أن يخلو القدح عن الهواء من غير أن تشغله بالماء أو بغيره فقد طمعت في غير مطمع بل بقدر ما يخلو من الماء يدخل فيه الهواء لا محالة فكذلك القلب المشغول بفكر مهم في الدين لا يخلو عن جولان الشيطان وإلا فمن غفل عن الله تعالى ولو في لحظة فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان ولذلك قال تعالى
{ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يبغض الشاب الفارغ // وهذا لأن الشاب إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه كان ظاهره فارغا ولم يبق قلبه فارغا بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرخ ثم تزدوج أفراخه أيضا وتبيض مرة أخرى وتفرخ وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأن طبعه من النار وإذا وجد الحلفاء اليابسة كثر توالده فلا يزال تتوالد النار من النار ولا تنقطع البتة بل تسري شيئا فشيئا على الاتصال فالشهوة في نفس الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار وكما لا تبقى النار إذا لم يبق لها قوت وهو الحطب فلا يبقى للشيطان مجال إذا لم تكن شهوة فإذن إذا تأملت علمت أن أعدى عدوك شهوتك وهي صفة نفسك ولذلك قال الحسين بن منصور الحلاج حين كان يصلب وقد سئل عن التصوف ما هو فقال هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك فإذن حقيقة الصبر وكماله الصبر عن كل حركة مذمومة وحركة الباطن أولى بالصبر عن ذلك وهذا صبر دائم لا يقطعه إلا الموت نسأل الله حسن التوفيق بمنه وكرمه بيان دواء الصبر وما يستعان به عليه اعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد الشفاء فالصبر وإن كان شاقا أو ممتنعا فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل فالعلم والعمل هما الأخلاط التي منها تركب الأدوية لأمراض القلوب كلها ولكن يحتاج كل مرض إلى علم آخر وعمل آخر وكما أن أقسام الصبر مختلفة فأقسام العلل المانعة منه مختلفة وإذا اختلفت العلل اختلف العلاج إذ معنى العلاج مضادة العلة وقمعها واستيفاء ذلك مما يطول ولكنا نعرف الطريق في بعض الأمثلة فنقول إذا افتقر إلى الصبر عن شهوة الوقاع مثلا وقد غلبت عليه الشهوة بحيث ليس يملك معها فرجه أو يملك فرجه ولكن ليس يملك عينه أو يملك عينه ولكن ليس يملك قلبه ونفسه اذ تزال تحدثه بمقتضيات الشهوات ويصرفه ذلك عن المواظبة على الذكر والفكر والأعمال الصالحة فنقول قد قدمنا أن الصبر عبارة عن مصارعة باعث الدين مع باعث الهوى وكل متصارعين أردنا أن يغلب أحدهما الآخر فلا طريق لنا فيه إلا تقوية من أردنا أن تكون له اليد العليا وتضعيف الآخر فلزمنا ههنا تقوية باعث الدين وتضعيف باعث الشهوة فأما باعث الشهوة فسبيل تضعيفه ثلاثة أمور أحدها ان تنظر إلى مادة قوتها وهي الأغذية الطيبة المحركة للشهوة من حيث نوعها ومن حيث كثرتها فلا بد من قطعها بالصوم الدائم مع الاقتصاد عند الإفطار على طعام قليل في نفسه ضعيف في جنسه فيحترز عن اللحم والأطعمة المهيجة للشهوة الثاني قطع أسبابه المهيجة في الحال فإنه إنما يهيج بالنظر إلى مظان الشهوة إذ النظر يحرك القلب والقلب يحرك الشهوة وهذا يحصل بالعزلة والاحتراز عن مظان وقوع البصر على الصور المشتهاة والفرار منها بالكلية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النظرة سهم من سهام إبليس وهو سهم يسدده الملعون ولا ترس يمنع منه إلا تغميض الأجفان أو الهرب من صوب رميه فإنه إنما يرمي هذا السهم عن قوس الصور فإذا انقلبت عن صوب الصور لم يصبك سهمه الثالث تسلية النفس بالمباح من الجنس الذي تشتهيه وذلك بالنكاح فإن كل ما يشتهيه الطبع ففي المباحات من جنسه ما يغني عن المحظورات منه وهذا هو العلاج الأنفع في حق الأكثر فإن قطع الغذاء يضعف عن سائر الأعمال ثم قد لا يقمع الشهوة في حق أكثر الرجال ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء // فهذه ثلاثة أسباب فالعلاج الأول وهو قطع الطعام يضاهي قطع العلف عن البهيمة الجموح وعن الكلب الضاري ليضعف فتسقط قوته الثاني يضاهي تغيب اللحم عن الكلب وتغييب الشعير عن البهيمة حتى لا تتحرك بواطنها بسبب مشاهدتها والثالث يضاهي تسليتها بشيء قليل مما يميل إليه طبعها حتى يبقى معها من القوة ما تصبر به على التأديب
وأما تقوية باعث الدين فإنما تكون بطريقين أحدهما إطماعه في فوائد المجاهدة وثمراتها في الدين والدنيا وذلك بأن يكثر فكره في الأخبار التي أوردناها في فضل الصبر وفي حسن عواقبه في الدنيا والآخرة وفي الأثر إن ثواب الصبر على المصيبة اكثر مما فات وانه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة وحصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر ومن أسلم خسيسا في نفيس فلا ينبغي أن يحزن لفوات الخسيس في الحال وهذا من باب المعارف وهو من الإيمان فتارة يضعف وتارة يقوى فإن قوي قوى باعث الدين وهيجه تهييجا شديدا وإن ضعف ضعفه وإنما قوة الإيمان يعبر عنها باليقين وهو المحرك لعزيمة الصبر وأقل ما أوتي الناس اليقين وعزيمة الصبر والثاني أن يعود هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجا قليلا قليلا حتى يدرك لذة الظفر بها فيستجريء عليها وتقوى منته في مصارعتها فإن الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقة تؤكد القوى التي تصدر منها تلك الأعمال ولذلك تزيد قوة الحمالين والفلاحين والمقاتلين وبالجملة فقوة الممارسين للأعمال الشاقة تزيد على قوة الخياطين والعطارين والفقهاء والصالحين وذلك لأن قواهم لم تتأكد بالممارسة فالعلاج الأول يضاهي إطماع المصارع بالخلعة عند الغلبة ووعده بأنواع الكرامة كما وعد فرعون سحرته عند إغرائه إياهم بموسى حيث قال صلى الله عليه وسلم وإنكم إذا لمن المقربين والثاني يضاهي تعويد الصبي الذي يراد منه المصارعة والمقاتلة بمباشرة أسباب ذلك منذ الصبا حتى يأنس به ويستجرىء عليه وتقوى فيه منته فمن ترك بالكلية المجاهدة بالصبر ضعف فيه باعث الدين ولا يقوى على الشهوة وإن ضعفت ومن عود نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر ولا يمكن استيفاؤه وإنما أشدها كف الباطن عن حديث النفس وإنما يشتد ذلك على من تفرغ له بأن قمع الشهوات الظاهرة وآثر العزلة وجلس للمراقبة والذكر والفكر فإن الوسواس لا يزال يجاذبه من جانب إلى جانب وهذا لا علاج له البتة إلا قطع العلائق كلها ظاهرا وباطنا بالفرار عن الأهل والولد والمال والجاه والرفقاء والأصدقاء ثم الاعتزال إلى زاوية بعد إحراز قدر يسير من القوت وبعد القناعة به ثم كل ذلك لا يكفي ما لم تصر الهموم هما واحدا وهو الله تعالى ثم إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ذلك مالم لم يكن له مجال في الفكر وسير بالباطن في ملكوت السموات والأرض وعجائب صنع الله تعالى وسائر أبواب معرفة الله تعالى حتى إذا استولى ذلك على قلبه دفع اشتغاله بذلك مجاذبة الشيطان ووسواسه وإن لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه إلا الأوراد المتواصلة المترتبة في كل لحظة من القراءة والأذكار والصلوات ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور فإن الفكر بالباطن هو الذي يستغرق القلب دون الأوراد الظاهرة ثم إذا فعل ذلك كله لم يسلم له من الأوقات إلا بعضها إذ لا يخلو في جميع أوقاته عن حوادث تتجدد فتشغله عن الفكر والذكر من مرض وخوف وإيذاء من إنسان وطغيان من مخالط إذ لا يستغني عن مخالطة من يعينه في بعض أسباب المعيشة فهذا أحد الأنواع الشاغلة
وأما النوع الثاني فهو ضروري اشد ضرورة اشد من الأول وهو اشتغاله بالمطعم والملبس وأسباب المعاش فإن تهيئة ذلك أيضا تحوج إلى شغل إن تولاه بنفسه وإن تولاه غيره فلا يخلو عن شغل قلب بمن يتولاه ولكن بعد قطع العلائق كلها يسلم له أكثر الأوقات إن لم تهجم به ملمة أو واقعة وفي تلك الأوقات يصفو القلب ويتيسر له الفكر وينكشف فيه من أسرار الله تعالى في ملكوت السموات والأرض مالا يقدر على عشر عشيره في زمان طويل لو كان مشغول القلب بالعلائق والانتهاء إلى هذا هو أقصى المقامات التي يمكن أن تنال بالاكتساب والجهد فأما مقادير ما ينكشف مبالغ ما يرد من لطف الله تعالى في الأحوال والأعمال فذلك يجري مجرى الصيد وهو بحسب الرزق فقد يقل الجهد ويجل الصيد وقد يطول الجهد ويقل الحظ والمعول وراء هذا الاجتهاد على جذبة من جذبات الرحمن فإنها توازي أعمال الثقلين وليس ذلك باختيار العبد نعم اختيار العبد في أن يتعرض لتلك الجذبة بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا فإن المجذوب إلى أسفل سافلين لا ينجذب إلى أعلى عليين وكل مهموم بالدنيا فهو منجذب إليها فقطع العلائق الجاذبة هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها وذلك لأن تلك النفحات والجذبات لها أسباب سماوية إذ قال الله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون وهذا من أعلى أنواع الرزق والأمور السماوية غائبة عنا فلا ندري متي ييسر الله تعالى أسباب الرزق فما علينا إلا تفريغ المحل والانتظار لنزول الرحمة وبلوغ الكتاب أجله كالذي يصلح الأرض وينقيها من الحشيش ويبث البذر فيها وكل ذلك لا ينفعه إلا بمطر ولا يدري متى يقدر الله أسباب المطر إلا أنه يثق بفضل الله تعالى ورحمته أنه لا يخلي سنة عن مطر فكذلك فلما تجلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة من النفحات فينبغي أن يكون العبد قد طهر القلب عن حشيش الشهوات وبذر فيه بذر الإرادة والإخلاص وعرضه لمهاب رياح الرحمة وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع وعند ظهور الغيم فيقوى انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة وعند اجتماع الهمم وتساعد القلوب كما في يوم عرفة ويوم الجمعة وأيام رمضان فإن الهمم والأنفاس أسباب بحكم تقدير الله تعالى لاستدرار رحمته حتى تستدر بها الأمطار في أوقات الاستسقاء وهي لا ستدراك أمطار المكاشفات ولطائف المعارف من خزائن الملكوت أشد مناسبة منها لاستدرار قطرات الماء واستجرار الغيوم من أقطار الجبال والبحار بل الأحوال والمكاشفات حاضرة معك في قلبك وإنما أنت مشغول عنها بعلائقك وشهواتك فصار ذلك حجابا بينك وبينها فلا تحتاج إلا إلى أن تنكسر الشهوة ويرفع الحجاب فتشرق أنوار المعارف من باطن القلب وإظهار ماء الأرض بحفر القنى أسهل وأقرب من الاسترسال إليها من مكان بعيد منخفض عنها ولكونه حاضرا في القلب ومنسيا بالشغل عنه سمى الله تعالى جميع معارف الإيمان تذكرا فقال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقال تعالى وليتذكر أولو الألباب وقال تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس والشواغل وهو آخر درجات الصبر وإنما الصبر عن العلائق كلها مقدم على الصبر عن الخواطر قال الجنيد رحمه الله السير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن وهجران الخلق في حب الحق شديد والسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد والصبر مع الله أشد فذكر شدة الصبر عن شواغل القلب ثم شدة هجران الخلق
وأشد العلائق على النفس علاقة الخلق وحب الجاه فإن لذة الرياسة والغلبة والاستعلاء والاستتباع أغلب اللذات في الدنيا على نفوس العقلاء وكيف لا تكون أغلب اللذات ومطلوبها صفة من صفات الله تعالى وهي الربوبية والربوبية محبوبة ومطلوبة بالطبع للقلب لما فيه من المناسبة لأمور الربوبية وعنه العبارة بقوله تعالى قل الروح من أمر ربي وليس القلب مذموما على حبه ذلك وإنما هو مذموم على غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان اللعين المبعد عن عالم الأمر إذ حسده على كونه من عالم الأمر فأضله وأغواه وكيف يكون مذموما عليه وهو يطلب سعادة الآخرة فليس يطلب إلا بقاء لا فناء فيه وعزا لا ذل فيه وأمنا لا خوف فيه وغنى لا فقر فيه وكمالا لا نقصان فيه وهذه كلها من أوصاف الربوبية وليس مذموما على طلب ذلك بل حق كل عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له وطالب الملك طالب للعلو والعز والكمال لا محالة ولكن الملك ملكان ملك مشوب بأنواع الآلام وملحوق بسرعة الانصرام ولكنه عاجل وهو في الدنيا وملك مخلد دائم لا يشوبه كدر ولا ألم ولا يقطعه قاطع ولكنه آجل وقد خلق الإنسان عجولا راغبا في العاجلة فجاء الشيطان وتوسل إليه بواسطة العجلة التي في طبعه فاستغواه بالعاجلة وزين له الحاضرة وتوسل إليه بواسطة الحمق فوعده بالغرور في الآخرة ومناه مع ملك الدنيا ملك الآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني فانخدع المخذول بغروره واشتغل بطلب عز الدنيا وملكها على قدر إمكانه ولم يتدل الموفق بحبل غروره إذ علم مداخل مكره فأعرض عن العاجلة فعبر عن المخذولين بقوله تعالى كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وقال تعالى إن هؤلاء يحبون العاجله ويذرون وراءهم يوما ثقيلا وقال تعالى فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم ولما استطار مكر الشيطان في كافة الخلق أرسل الله الملائكة إلى الرسل وأوحوا إليهم ما تم على الخلق من إهلاك العدو وإغوائه فاشتغلوا بدعوة الخلق إلى الملك الحقيقي عن الملك المجازى الذي لا أصل له إن سلم ولا دوام له أصلا فنادوا فيهم يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل فالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف موسى وإبراهيم وكل كتاب منزل ما أنزل إلالدعوة الخلق إلى الملك الدائم المخلد والمراد منهم أن يكونوا ملوكا في الدنيا ملوكا في الآخرة أما ملك الدنيا فالزهد فيها والقناعة باليسير منها وأما ملك الآخرة فبالقرب من الله تعالى يدرك بقاء لا فناء فيه وعزا لا ذل فيه وقرة عين أخفيت في هذا العالم لا تعلمها نفس من النفوس والشيطان يدعوهم إلى ملك الدنيا لعلمه بأن ملك الآخرة يفوت به إذ الدنيا والآخرة ضرتان ولعلمه بأن الدنيا لا تسلم له أيضا ولو كانت تسلم له لكان يحسده أيضا ولكن ملك الدنيا لا يخلو عن المنازعات والمكدرات وطول الهموم في التدبيرات وكذا سائر أسباب الجاه ثم مهما تسلم وتتم الأسباب ينقضي العمر حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس فضرب الله تعالى لها مثلا فقال تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح والزهد في الدنيا لما أن كان ملكا حاضرا حسده الشيطان عليه فصده عنه
ومعنى الزهد أن يملك العبد شهوته وغضبه فينقادان لباعث الدين وإشارة الإيمان وهذا ملك بالاستحقاق إذ به يصير صاحبه حرا وباستيلاء الشهوة عليه يصير عبدا لفرجه وبطنه وسائر أغراضه فيكون مسخرا مثل البهيمة مملوكا يستجره زمام الشهوة آخذا بمختنقه إلى حيث يريد ويهوى فما أعظم اغترار الإنسان إذ ظن أنه ينال الملك بأنه يصير مملوكا وينال الربوبية بأن يصير عبدا ومثل هذا هل يكون إلا معكوسا في الدنيا منكوسا في الآخرة ولهذا قال بعض الملوك لبعض الزهاد هل من حاجة قال كيف أطلب منك حاجة وملكي أعظم من ملكك فقال كيف قال من أنت عبده فهو عبد لي فقال كيف ذلك قال أنت عبد شهوتك وغضبك وفرجك وبطنك وقد ملكت هؤلاء كلهم فهم عبيد لي فهذا إذن هو الملك في الدنيا وهو الذي يسوق إلى الملك في الآخرة فالمخدوعون بغرور الشيطان خسروا الدنيا والآخرة جميعا والذين وفقوا للاشتداد على الصراط المستقيم فازوا بالدنيا والآخرة جميعا فإذا عرفت الآن معنى الملك والربوبية ومعنى التسخير والعبودية ومدخل الغلط في ذلك وكيفية تعمية الشيطان وتلبيسه يسهل عليك النزوع عن الملك والجاه والإعراض عنه والصبر عند فواته إذ تصير بتركه ملكا في الحال وترجو به ملكا في الآخرة ومن كوشف بهذه الأمور بعد أن ألف الجاه وأنس به ورسخت فيه بالعادة مباشرة أسبابه فلا يكفيه في العلاج مجرد العلم والكشف بل لا بد وأن يضيف إليه العمل وعمله في ثلاثة أمور أحدها أن يهرب عن موضع الجاه كي لا يشاهد أسبابه فيعسر عليه الصبر مع الأسباب كما يهرب من غلبته الشهوة من مشاهدة الصور المحركة ومن لم يفعل هذا فقد كفر نعمة الله في سعة الأرض إذ قال تعالى ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها الثاني أن يكلف نفسه في أعماله أفعالا تخالف ما اعتاده فيبدل التكلف بالتبذل وزي الحشمة بزي التواضع وكذلك كل هيئة وحال وفعل في مسكن وملبس ومطعم وقيام وقعود كان يعتاده وفاء بمقتضى جاهه فينبغي أن يبدلها بنقائضها حتى يرسخ باعتياد ذلك ضد ما رسخ فيه من قبل باعتياد ضده فلا معنى للمعالجة إلا المضادة الثالث أن يراعى في ذلك التلطف والتدريج فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبذل فإن الطبع نفور ولا يمكن نقله عن أخلاقه إلا بالتدريج فيترك البعض ويسلي نفسه بالبعض ثم إذا قنعت نفسه بذلك البعض ابتدأ بترك البعض من ذلك البعض إلى أن يقنع بالبقية وهكذا يفعل شيئا فشيئا إلى أن يقمع تلك الصفات التي رسخت فيه وإلى هذا التدريج الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وإليه الإشارة بقوله عليه السلام لا تشادوا هذا الدين فإن من يشاده يغلبه //
فإذن ما ذكرناه من علاج الصبر عن الوسواس وعن الشهوة وعن الجاه أضفه إلى ما ذكرناه من قوانين طرق المجاهدة في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات فاتخذه دستورك لتعرف به علاج الصبر في جميع الأقسام التي فصلناها من قبل فإن تفصيل الآحاد يطول ومن راعى التدريج ترقى به الصبر إلى حال يشق عليه الصبر دون كما كان يشق عليه معه فتنعكس أموره فيصير ما كان محبوبا عنده ممقوتا وما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا يصبر عنه وهذا لا يعرف إلا بالتجربة والذوق وله نظير في العادات فإن الصبي يحمل على التعلم في الابتداء قهرا فيشق عليه الصبر عن اللعب والصبر مع العلم حتى إذا انفتحت بصيرته وأنس بالعلم انقلب الأمر فصار يشق عليه الصبر عن العلم والصبر على اللعب وإلى هذا يشير ما حكي عن بعض العارفين أنه سأل الشبلي عن الصبر أيه أشد فقال الصبر في الله تعالى فقال لا فقال الصبر لله فقال لا فقال الصبر مع الله فقال لا فقال فأيش قال الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف وقد قيل في معنى قوله تعالى اصبروا وصابروا ورابطوا اصبروا في الله وصابروا بالله ورابطوا مع الله وقيل الصبر لله غناء والصبر بالله بقاء والصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء وقد قيل في معناه والصبر عنك فمذموم عواقبه ... والصبر في سائر الأشياء محمود وقيل ايضا الصبر يحمل في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يجمل هذا آخر ما أردنا شرحه عن علوم الصبر وأسراره الشطر الثاني من الكتاب في الشكر وله ثلاثة أركان الأول في فضيلة الشكر وحقيقته وأقسامه وأحكامه الثاني في حقيقة النعمة وأقسامها الخاصة والعامة الثالث في بيان الأفضل من الشكر والصبر الركن الأول في نفس الشكر بيان فضيلة الشكر اعلم أن الله تعالى قرن الشكر بالذكر في كتابه مع أنه قال ولذكر الله أكبر فقال تعالى فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون وقال تعالى ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وقال تعالى وسنجزي الشاكرين وقال عز وجل إخبارا عن إبليس اللعين لأقعدن لهم صراطك المستقيم قيل هو طريق الشكر ولعلو رتبة الشكر طعن اللعين في الخلق فقال ولا تجد اكثرم شاكرين وقال تعالى وقليل من عبادي الشكور وقد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر ولم يستثن فقال تعالى لئن شكرتم لأزيدنكم واستثنى في خمسة أشياء في الإغناء والإجابة والرزق والمغفرة والتوبة فقال تعالى فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء {وقال} فيكشف ما تدعون إليه إن شاء {وقال} يرزق من يشاء بغير حساب {وقال} ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء {وقال} ويتوب الله على من يشاء وهو خلق من أخلاق الربوبية إذ قال تعالى والله شكور حليم وقد جعل الله الشكر مفتاح كلام أهل الجنة فقال تعالى وقالوا الحمد لله الذي صدقناه وعده {وقال} وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
وأما الأخبار فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر حديث عطاء دخلت على عائشة فقلت لها أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت واي امره لم يكن عجبا الحديث في بكائه في صلاة الليل اخرجه ابو الشيخ ابن حبان في كتاب أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن طريقة ابن الجوزي في الوفا وفيه ابو جناب واسمه يحيى بن ابي حبة ضعفه الجمهور ورواه ابن حبان في صحيحه من رواية عبد الملك ابن ابي سليمان عن عطاء دون قولها واي امره لم يكن عجبا وهو عند مسلم من رواية عروة عن عائشة مقتصرا على آخر الحديث وهذا يدل على أن البكاء ينبغي أن لا ينقطع أبدا وإلى هذا السر يشير ما روي أنه مر بعض الأنبياء بحجر صغير يخرج منه ماء كثير فتعجب منه فأنطقه الله تعالى فقال منذ سمعت قوله تعالى وقودها الناس والحجارة فأنا أبكي من خوفه فسأله أن يجيره من النار فأجاره ثم رآه بعد مدة على مثل ذلك فقال لم تبكي الآن فقال ذاك بكاء الخوف وهذا بكاء الشكر والسرور وقلب العبد كالحجارة أو أشد قسوة ولا تزول قسوته إلا بالبكاء في حال الخوف والشكر جميعا وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ينادى يوم القيامة ليقم الحمادون فتقوم زمرة فينصب لهم لواء فيدخلون الجنة قيل ومن الحمادون قال الذين يشكرون الله تعالى على كل حال حديث الحمد رداء الرحمن لم اجد له اصلا وفي الصحيح من حديث ابي هريرة الكبر رداؤه الحديث وتقدم في العلم وأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه السلام إني رضيت بالشكر مكافأة من أوليائي في كلام طويل وأوحى الله تعالى إليه أيضا في صفة الصابرين أن دارهم دار السلام إذا دخلوها ألهمتهم الشكر وهو خير الكلام وعند الشكر أستزيدهم وبالنظر إلي أزيدهم ولما نزل في الكنوز ما نزل قال عمر رضي الله عنه أي المال نتخذ فقال عليه السلام ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا او قلبا شاكرا // حديث عمر ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا الحديث تقدم في النكاح فأمر باقتناء القلب الشاكر بدلا عن المال وقال ابن مسعود الشكر نصف الإيمان بيان حد الشكر وحقيقته اعلم أن الشكر من جملة مقامات السالكين وهو أيضا ينتظم من علم وحال وعمل فالعلم هو الأصل فيورث الحال والحال يورث العمل فأما العلم فهو معرفة النعمة من المنعم والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان ولا بد من بيان جميع ذلك ليحصل بمجموعه الإحاطة بحقيقة الشكر فإن كل ما قيل في حد الشكر قاصر عن الإحاطة بكمال معانيه فالأصل الأول العلم وهو علم بثلاثة أمور بعين النعمة ووجه كونها نعمة في حقه وبذات المنعم ووجود صفاته التي بها يتم الإنعام ويصدر الإنعام منه عليه فإنه لا بد من نعمة ومنعم ومنعم عليه تصل إليه النعمة من المنعم بقصد وإرادة فهذه الأمور لا بد من معرفتها هذا في حق غير الله تعالى فأما في حق الله تعالى فلا يتم إلا بأن يعرف أن النعم كلها من الله وهو المنعم والوسائط مسخرون من جهته
وهذه المعرفة وراء التوحيد والتقديس إذ دخل التقديس والتوحيد فيها بل الرتبة الأولى في معارف الإيمان التقديس ثم إذا عرف ذاتا مقدسة فيعرف أنه لا مقدس إلا واحد وما عداه غير مقدس وهو التوحيد ثم يعلم أن كل ما في العالم فهو موجود من ذلك الواحد فقط فالكل نعمة منه فتقع هذه المعرفة في الرتبة الثالثة إذ ينطوي فيها مع التقديس والتوحيد كمال القدرة والانفراد بالفعل وعن هذا عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال من قال سبحان الله فله عشر حسنات ومن قال لا إله إلا الله فله عشرون حسنة ومن قال الحمد لله فله ثلاثون حسنة وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله وقال ليس شيء من الأذكار يضاعف ما يضاعف الحمد لله ولاتظنن أن هذه الحسنات بإزاء تحريك اللسان بهذه الكلمات من غير حصول معانيها في القلب فسبحان الله كلمة تدل على التقديس ولا إله إلا الله كلمة تدل على التوحيد والحمد لله كلمة تدل على النعمة من الواحد الحق فالحسنات بإزاء هذه المعارف التي هي من أبواب الإيمان واليقين واعلم أن تمام هذه المعرفة بنفي الشرك في الأفعال فمن أنعم عليه ملك من الملوك بشيء فإن رأى لوزيره أو وكيله دخلا في تيسير ذلك وإيصاله إليه فهو إشراك به في النعمة فلا يرى النعمة من الملك من كل وجه بل منه بوجه ومن غيره بوجه فيتوزع فرحه عليهما فلا يكون موحدا في حق الملك نعم لا يغض من توحيده في حق الملك وكمال شكره أن يرى النعمة الواصلة إليه بتوقيعه الذي كتبه بقلمه وبالكاغد الذي كتبه عليه فإنه لا يفرح بالقلم والكاغد ولا يشكرهما لأنه لا يثبت لهما دخلا من حيث هما موجودان بأنفسهما بل من حيث هما مسخران تحت قدرة الملك وقد يعلم أن الوكيل الموصل والخازن أيضا مضطران من جهة الملك في الإيصال وأنه لو رد الأمر إليه ولم يكن من جهة الملك ارهاق وامر جزم يخاف عاقبته لما سلم إليه شيئا فإذا عرف ذلك كان نظره إلى الخازن الموصل كنظره إلى القلم والكاغد فلا يورث ذلك شركا في توحيده من اضافة النعمة اليه إلى الملك وكذلك من الكاتب وأن الحيوانات التي لها اختيار مسخرات في نفس اختيارها فإن الله تعالى هو المسلط للدواعي عليها لتفعل شاءت أم أبت كالخازن المضطر الذي لا يجد سبيلا إلى مخالفة الملك ولو خلي ونفسه لما اعطاك ذروة مما في يده فكل من وصل إليك نعمة من الله تعالى على يده فهو مضطر إذ سلط الله عليه الإرادة وهيج عليه الدواعي وألقى في نفسه أن خيره في الدنيا والآخرة أن يعطيك ما أعطاك وأن غرضه المقصود عنده في الحال والمآل لا يحصل إلا به وبعد أن خلق الله له هذا الاعتقاد لا يجد سبيل إلى تركه فهو إذن إنما يعطيك لغرض نفسه لا لغرضك ولو لم يكن غرضه في العطاء لما أعطاك ولو لم يعلم أن منفعته في منفعتك لما نفعك فهو إذن إنما يطلب نفع نفسه بنفعك فليس منعما عليك بل اتخذك وسبيله إلى نعمة أخرى وهو يرجوها وإنما الذي أنعم عليك هو الذي سخره لك وألقى في قلبه من الاعتقادات والإرادات ما صار به مضطرا إلى الإيصال إليك فإن عرفت الأمور كذلك فقد عرفت الله تعالى وعرفت فعله وكنت موحدا وقدرت على شكره بل كنت بهذه المعرفة بمجردها شاكرا ولذلك قال موسى عليه السلام في مناجاته إلهي خلقت آدم بيدك وفعلت وفعلت فكيف شكرك فقال الله عز وجل علم أن كل ذلك مني فكانت معرفته شكرا فإذن لا تشكر إلا بأن تعرف أن الكل منه فإن خالجك ريب في هذا لم تكن عارفا لا بالنعمة ولا بالمنعم فلا تفرح بالمنعم وحده بل وبغيره فبنقصان معرفتك ينقص حالك في الفرح وبنقصان فرحك ينقص عملك فهذا بيان هذا الأصل
الأصل الثاني الحال المستمدة من أصل المعرفة وهو الفرح بالمنعم مع هيئة الخضوع والتواضعوهو أيضا في نفسه شكر على تجرده كما أن المعرفة شكر ولكن إنما يكون شكرا إذا كان حاويا شرطه وشرطه أن يكون فرحك بالمنعم لا بالنعمة ولا بالإنعام ولعل هذا يتعذر عليك فهمه فنضرب لك مثلا فنقول الملك الذي يريد الخروج الى سفره فأنعم بفرس على انسانيتصور أن يفرح المنعم عليه بالفرس من ثلاثة أوجه أحدها أن يفرح بالفرس من حيث أنه فرس وإنه مال ينتفع به ومركوب يوافق غرضه وإنه جواد نفيس وهذ فرح من لاحظ له في الملك بل غرضه الفرس فقط ولو وجده في صحراء فأخذه لكان فرحه مثل ذلك الفرح الوجه الثاني أن يفرح به لا من حيث إنه فرس بل من حيث تستدل به على عناية الملك به وشفقته عليه واهتمامه بجانبه لو وجد هذا الفرس في صحراء أو أعطاه غير الملك لكان لا يفرح به أصلا لاستغنائه عن الفرس أصلا أو استحقاره له بالاضافة الى مطلوبه من نيل المحل في قلب الملك الوجه الثالث أن يفرح به ليركبه ليخرج في خدمة الملك ويتحمل مشقة السفر لينال بخدمته القرب منه وربما يرتقي إلى درجة الوزارة من حيث إنه ليس يقنع بأن يكون محله في قلب الملك أن يعطيه فرسا ويعتني به هذا القدر من العناية بل هو طالب لأن لا ينعم الملك بشيء من ماله على أحد إلا بواسطته ثم إنه ليس يريد من الوزارة الوزارة بل يريد مشاهدة الملك والقرب منه حتى لو خير بين القرب منه دون الوزارة وبين الوزارة دون القرب لاختار القرب فهذه ثلاث درجات فالأولى لا يدخل فيها معنى الشكر أصلا لأن نظر صاحبها مقصور على الفرس ففرحه بالفرس لا بالمعطى وهذا حال كل من فرح بنعمة من حيث إنها لذيذة وموافقة لغرضه فهو بعيد عن معنى الشكر والثانية داخلة في معنى الشكر من حيث إنه فرح بالمنعم ولكن لا من حيث ذاته بل من حيث معرفة عنايته التي تستحثه على الإنعام في المستقبل وهذا حال الصالحين الذين يعبدون الله ويشكرونه خوفا من عقابه ورجاء لثوابه وإنما الشكر التام في الفرح الثالث وهو أن يكون فرح العبد بنعمة الله تعالى من حيث إنه يقدر بها على التوصل إلى القرب منه تعالى والنزول في جواره والنظر إلى وجهه على الدوام فهذا هو الرتبة العليا وأمارته ان لايفرح من الدنيا إلا بما هو مزرعة للآخرة ويعينه عليها ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر الله تعالى وتصده عن سبيله لأنه ليس يريد النعمة لأنها لذيذة كما يريد صاحب الفرس لانه جواد ومهملج بل من حيث إنه يحمله في صحبة الملك حتى تدوم مشاهدته له وقربه منه ولذلك قال الشبلي رحمه الله الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة وقال الخواص رحمه الله شكر العامة على المطعم والملبس والمشرب وشكر الخاصة على واردات القلوب وهذه رتبة لا يدركها كل من انحصرت عنده اللذات في البطن والفرج ومدركات الحواس من الألوان والأصوات وخلا عن لذة القلب فإن القلب لا يلتذ في حال الصحة إلا بذكر الله تعالى ومعرفته ولقائه وإنما يلتذ بغيره إذا مرض بسوء العادات كما يلتذ بعض الناس بأكل الطين وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة ويستحلي الأشياء المرة كما قيل ومن يك ذا فم مر مريض ... جد مرا به الماء الزلالا فإذن هذا شرط الفرح بنعمة الله تعالى فإن لم تكن إبل فمعزى فإن لم يكن هذا فالدرجة الثانية أما الأولى فخارجة عن كل حساب فكم من فرق بين من يريد الملك للفرس ومن يريد الفرس للملك وكم من فرق بين من يريد الله لينعم عليه وبين من يريد نعم الله ليصل بها إليه
الأصل الثالث العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم وهذا العمل يتعلق بالقلب وباللسان وبالجوارح أما بالقلب فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق وأما باللسان فإظهار الشكر لله تعالى بالتحميدات الدالة عليه وأما بالجوارح فاستعمال نعم الله تعالى في طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته حتى إن شكر العينين أن تستر كل عيب تراه لمسلم وشكر الأذنين أن تستر كل عيب تسمعه فيه فيدخل هذا في جملة شكر نعم الله تعالى بهذه الأعضاء والشكر باللسان لإظهار الرضا عن الله تعالى وهو مأمور به فقد قال صلى الله عليه وسلم لرجل كيف أصبحت قال بخير فأعاد صلى الله عليه وسلم وسلم السؤال حتى قال في الثالثة بخير أحمد الله وأشكره فقال صلى الله عليه وسلم وسلم هذا الذي أردت منك // حديث قال صلى الله عليه وسلم لرجل كيف أصبحت فقال بخير فأعاد السؤال حتى قال في الثالثة بخير أحمد الله واشكره فقال هذا الذي اردت منك اخرجه الطبراني في الدعاء من رواية الفضيل بن عمرو مرفوعا نحوه قال في الثالثة احمد الله وهذا معضل ورواه في المعجم الكبير من حديث عبد الله بن عمرو ليس فيه تكرار السؤال وقال احمد الله اليك وفيه راشد بن سعد ضعفه الجمهور لسوء حفظه ورواه مالك في الموطأ موقوفا على عمر بإسناد صحيح وكان السلف يتساءلون ونيتهم استخراج الشكر لله تعالى ليكون الشاكر مطيعا والمستنطق له به مطيعا وما كان قصدهم الرياء بإظهار الشوق وكل عبد سئل عن حال فهو بين أن يشكر أو يشكو يسكت فالشكر طاعة والشكوى معصية قبيحة من أهل الدين وكيف لا تقبح الشكوى من ملك الملوك وبيده كل شيء إلى عبد مملوك لا يقدر على شيء فالأحرى بالعبد إن لم يحسن الصبر على البلاء والقضاء وأفضى به الضعف إلى الشكوى أن تكون شكواه إلى الله تعالى فهو المبلي والقادر على إزالة البلاء وذل العبد لمولاه عز والشكوى إلى غيره ذل وإظهار الذل للعبد مع كونه عبدا مثله ذل قبيح قال الله تعالى {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له} وقال تعالى {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} فالشكر باللسان من جملة الشكر وقد روي أن وفدا قدموا على عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقام شاب ليتكلم فقال عمر الكبر الكبر فقال يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن لكان في المسلمين من هو أسكن منك فقال تكلم فقال لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك وأما الرهبة فقد آمننا منها عدلك وإنما نحن وقد الشكر جئناك نشكرك باللسان وننصرف فهذه هي أصول معاني الشكر المحيطة بمجموع حقيقته فأما قول من قال إن الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع فهو نظر إلى فعل اللسان مع بعض أحوال القلب وقول من قال إن الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه نظر إلى مجرد عمل اللسان وقول القائل
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Qu'a enseigné le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) sur le bon caractère ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?