Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn
إن الشكر هو الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة جامع لأكثر معاني الشكر لا يشذ منه إلا عمل اللسان وقول حمدون القصار شكر النعمة أن ترى نفسك في الشكر طفيليا إشارة إلى أن معنى المعرفة من معاني الشكر فقط وقول الجنيد الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة إشارة إلى حال من أحوال القلب على الخصوص وهؤلاء أقوالهم تعرب على أحواهم فلذلك تختلف أجوبتهم ولا تتفق ثم قد يختلف جواب كل واحد في حالتين لأنهم لا يتكلمون إلا عن حالتهم الراهنة الغالبة عليهم اشتغالا بما يهمهم عما لا يهمهم أو يتكلمون بما يرونه لائقا بحالة السائل اقتصارا على ذكر القدر الذي يحتاج إليه وإعراضا عما لا يحتاج إليه فلا ينبغي أن تظن أن ما ذكرناه طعن عليهم وأنه لو عرض عليهم جميع المعاني التي شرحناها كانوا ينكرونها بل لا يظن ذلك بعاقل أصلا إلا أن تعرض منازعة من حيث اللفظ في أن اسم الشكر في وضع اللسان هل يشمل جميع المعاني أم يتناول بعضها مقصودا وبقية المعاني تكون من توابعه ولوازمه ولسنا نقصد في هذا الكتاب شرح موضوعات اللغات فليس ذلك من علم طريق الآخرة في شيء والله الموفق برحمته بيان طريق كشف الغطاء عن الشكر في حق الله تعالى لعل يخطر ببالك أن الشكر إنما يفعل في حق منعم هو صاحب حظ في الشكر فإنا نشكر الملوك إما بالثناء ليزيد محلهم في القلوب ويظهر كرمهم عند الناس فيزيد به صيتهم وجاههم أو بالخدمة التي هي إعانة لهم على بعض أغراضهم أو بالمثول بين أيديهم في صورة الخدم وذلك تكثير لسوادهم وسبب لزيادة جاههم فلا يكونون شاكرين لهم إلا بشيء من ذلك وهذا محال في حق الله تعالى من وجهين أحدهما أن الله تعالى منزه عن الحظوظ والأغراض مقدس عن الحاجة إلى الخدمة والإعانة وعن نشر الجاه والحشمة بالثناء والإطراء وعن تكثير سواد الخدم بالمثول بين يديه ركعا سجدا فشكرنا إياه بما لا حظ فيه يضاهي شكرنا الملك المنعم علينا بأن ننام في بيوتنا أو نسجد أو نركع إذ لا حظ للملك فيه وهو غائب لا علم له ولا حظ لله تعالى في أفعالنا كلها الوجه الثاني أن كل ما نتعاطاه باختيارنا فهو نعمة أخرى من نعم الله علينا إذ جوارحنا وقدرتنا وإرادتنا وداعيتنا وسائر الأمور التي هي أسباب حركتنا ونفس حركتنا من خلق الله تعالى ونعمته فكيف نشكر نعمة بنعمة ولو أعطانا الملك مركوبا فأخذنا مركوبا آخر له وركبناه أو أعطانا الملك مركوبا آخر لم يكن الثاني شكر للأول منا بل كان الثاني يحتاج إلى شكر كما يحتاج الأول ثم لا يمكن شكر الشكر الا بنعة أخرى فيؤدي إلى أن يكون الشكر محالا في حق الله تعالى من هذين الوجهين ولسنا نشك في الامرين جميعا والشرع قد ورد به فكيف السبيل إلى الجمع فاعلم أن هذا الخاطر قد خطر لداود عليه السلام وكذلك لموسى عليه السلام فقال يا رب كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك وفي لفظ آخر وشكري لك نعمة أخرى منك توجب على الشكر لك فأوحى الله تعالى إليه إذا عرفت هذا فقد شكرتني وفي خبر آخر إذا عرفت أن النعمة مني رضيت منك بذلك شكرا فإن قلت فقد فهمت السؤال وفهمي قاصر عن إدراك معنى ما أوحى إليهم فإني أعلم استحالة الشكر لله تعالى فأما كون العلم باستحالة الشكر شكرا فلا أفهمه فإن هذا العلم أيضا نعمة منه فكيف صار شكرا وكأن الحاصل يرجع إلى أن من لم يشكر فقد شكر وأن قبول الخلعة الثانية من الملك شكر للخلعة الأولى والفهم قاصر عن درك السر فيه فإن أمكن تعريف ذلك بمثال فهو مهم في نفسه فاعلم أن هذا قرع باب من المعارف وهي أعلى
من علوم المعاملة ولكنا نشير منها إلى ملامح ونقول ههنا نظران نظر بعين التوحيد المحض وهذا النظر يعرفك قطعا أنه الشاكر وأنه المشكور وأنه المحب وأنه المحبوب وهذا نظر من عرف أنه ليس في الوجود غيره وأن كل شيء هالك إلا وجهه وأن ذلك صدق في كل حال أزلا وأبدا لأن الغير هو الذي يتصور أن يكون له بنفسه قوام ومثل هذا الغير لا وجود له بل هو محال أن يوجد إذ الموجود المحقق هو القائم بنفسه وما ليس له بنفسه قوام فليس له بنفسه وجود بل هو قائم بغيره فهو موجود بغيره فإن اعتبر ذاته ولم يلتفت إلى غيره لم يكن له وجود البتة وإنما الموجود هو القائم بنفسه والقائم بنفسه هو الذي لو قدر عدم غيره بقي موجودا فإن كان مع قيامه بنفسه يقوم بوجوده وجود غيره فهو قيوم ولا قيوم إلا واحد ولا يتصور أن يكون غير ذلك فإذن ليس في الوجود غير الحي القيوم وهو الواحد الصمد فإذا نظرت من هذا المقام عرفت أن الكل منه مصدره وإليه مرجعه فهو الشاكر وهو المشكور وهو المحب وهو المحبوب ومن ههنا نظر حبيب بن أبي حبيب حيث قرأ {إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب} فقال واعجباه أعطى وأثنى إشارة إلى أنه إذا أثنى على إعطائه فعلى نفسه أثنى فهو المثني وهو المثني عليه ومن ههنا نظر الشيخ أبو سعيد المهينى حيث قرىء بين يديه {يحبهم ويحبونه} فقال لعمري يحبهم ودعه يحبهم فبحق يحبهم لأنه إنما يحب نفسه أشار به إلى أنه المحب وأنه المحبوب وهذه رتبة عالية لا تفهمها إلا بمثال على حد عقلك فلا يخفى عليك أن المصنف إذا أحب تصنيفه لقد أحب نفسه والصانع إذا أحب صنعته فقد أحب نفسه والوالد إذا أحب ولده من حيث إنه ولده فقد أحب نفسه وكل ما في الوجود سوى الله تعالى فهو تصنيف الله تعالى وصنعته فإن أحبه فما أحب إلا نفسه وإذا لم يحب الانفسه فبحق أحب ما أحب وهذا ما أحب وهذا كله نظر بعين التوحيد وتعبر الصوفية عن هذه الحالة بفناء النفس أي فني عن نفسه وعن غير الله فلم ير إلا الله تعالى فمن لم يفهم هذا ينكر عليهم ويقول كيف فني وطول ظله أربعة أذرع ولعله يأكل في كل يوم أرطالا من الخبز فيضحك عليهم الجهال لجهلهم بمعاني كلامهم وضرورة قول العارفين أن يكونوا ضحكة للجاهلين وإليه الإشارة بقوله تعالى إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذ رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين ثم بين أن ضحك العارفين عليهم غدا أعظم إذ قال تعالى {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون} وكذلك أمة نوح عليه السلام كانوا يضحكون عليه عند اشتغاله بعمل السفينة قال {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} فهذا أحد النظرين النظر الثاني نظر من لم يبلغ إلى مقام الفناء عن نفسه وهؤلاء قسمان قسم لم يثبتوا إلا وجود أنفسهم وأنكروا أن يكون لهم رب يعبد وهؤلاء هم العميان المنكوسون وعماهم في كلتا العينين لأنهم نفوا ما هو الثابت تحقيقا وهو القيوم الذي هو قائم بنفسه وقائم على كل نفس بما كسبت وكل قائم فقائم به ولم يقتصروا على هذا حتى أثبتوا أنفسهم ولو عرفوا لعلموا أنهم من حيث هم هم لا ثبات لهم ولا وجود لهم وإنما وجودهم من حيث أوجدوا لا من حيث وجدوا وفرق بين الموجود وبين الموجد وليس في الوجود إلا موجود واحد وموجد فالموجود حق والموجد باطل من حيث هو هو والموجود قائم وقيوم والموجد هالك وفان وإذا كان كل من عليها فان فلا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام الفريق الثاني ليس بهم عمى ولكن بهم عور لأنهم يبصرون بإحدى العينين وجود الموجود الحق فلا ينكرونه والعين الأخرى إن تم عماها لم يبصر بها فناء غير الموجود الحق فأثبت موجودا آخر مع الله تعالى وهذا مشرك تحقيقا كما
أن الذي قبله جاحد تحقيقا فإن جاوز حد العمى إلى العمش أدرك تفاوتا بين الموجودين فأثبت عبدا وربا فبهذا القدر من إثبات التفاوت والنقص من الموجود الآخر دخل في حد التوحيد ثم إن كحل بصره بما يزيد في أنواره فيقل عمشه وبقدر ما يزيد في بصره يظهر له نقصان ما أثبته سوى الله تعالى فإن بقي في سلوكه كذلك فلا يزال يفضي به النقصان إلى المحو فينمحي عن رؤية ما سوى الله فلا يرى إلا الله ليكون قد بلغ كمال التوحيد وحيث أدرك نقصا في وجود ما سوى الله تعالى دخل في أوائل التوحيد وبينهما درجات لا تحصى فبهذا تتفاوت درجات الموحدين وكتب الله المنزلة على ألسنة رسله هي الكحل الذي به يحصل أنوار الأبصار والأنبياء هم الكحالون وقد جاءوا داعين إلى التوحيد المحض وترجمته قول لا إله إلا الله ومعناه أن لا يرى إلا الواحد الحق والواصلون إلى كمال التوحيد هم الأقلون والجاحدون والمشركون أيضا قليلون وهم على الطرف الأقصى المقابل لطرف التوحيد إذ عبدة الأوثان قالوا {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} فكانوا داخلين في أوائل أبواب التوحيد دخولا ضعيفا والمتوسطون هم الأكثرون وفيهم من تنفتح بصيرته في بعض الأحوال فتلوح له حقائق التوحيد ولكن كالبرق الخاطف لا يثبت وفيهم من يلوح له ذلك ويثبت زمانا ولكن لا يدوم والدوام فيه عزيز لكل إلى شأو العلا حركات ... ولكن عزيز في الرجال ثبات ولما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب القرب فقيل له {واسجد واقترب} قال في سجوده أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك حديث إنه ليغان على قلبي الحديث تقدم في التوبة وقبله في الدعوات فكان ذلك لترقيه إلى سبعين مقاما بعضها فوق البعض أولها وإن كان مجاوزا أقصى غايات الخلق ولكن كان نقصانا بالإضافة إلى آخرها فكان استغفاره لذلك ولما قالت عائشة رضي الله عنها أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فما هذا البكاء في السجود وما هذا الجهد الشديد {قال} أفلا أكون عبدا شكورا // حديث عائشة لما قالت له غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فما هذا البكاء الحديث رواه ابو الشيخ وهو بقية حديث عطاء عنها المتقدم قبل هذا بتسعة أحاديث وهو عند مسلم من رواية عروة عنها مختصرا وكذلك هو في الصحيحين مختصرا من حديث المغيرة بن شعبة معناه أفلا أكون طالبا للمزيد في المقامات فإن الشكر سبب الزيادة حيث قال تعالى {لئن شكرتم لأزيدنكم}
واذا تغلغنا في بحار المكاشفة فلنقبض العنان ولنرجع إلى ما يليق بعلوم المعاملة فنقول الأنبياء عليهم السلام بعثوا لدعوة الحق إلى كمال التوحيد الذي وصفناه ولكن بينهم وبين الوصول إليه مسافة بعيدة وعقبات شديدة وإنما الشرع كله تعريف طريق سلوك تلك المسافة وقطع تلك العقبات وعند ذلك يكون النظر عن مشاهدة أخرى ومقام آخر فيظهر في ذلك المقام بإضافة إلى تلك المشاهدة الشكر والشاكر والمشكور ولا يعرف ذلك إلا بمثال فأقول يمكنك أن تفهم أن ملكا من الملوك ارسل الى عبد قد بعد منه مركوبا وملبوسا ونقد الاجل زاده في الطريق حتى يقطع به مسافة البعد ويقرب من حضرة الملك ثم يكون له حالتان إحداهما أن يكون قصده من وصول العبد إلى حضرته أن يقوم ببعض مهماته ويكون له عناية في خدمته والثانية أن لا يكون للملك حظ في العبد ولا حاجة به إليه بل حضوره لا يزيد في ملكه لأنه لا يقوى على القيام بخدمة تغني فيه غناء وغيبته لا تنقص من ملكه فيكون قصد من الإنعام عليه بالمركوب والزاد أن يحظى العبد بالقرب منه وينال سعادة حضرته لينتفع هو في نفسه لا لينتفع الملك به وبانتفاعه فمنزل العباد من الله تعالى في المنزلة الثانية لا في المنزلة الأولى فإن الأولى محال على الله تعالى والثانية غير محال ثم اعلم أن العبد لا يكون شاكرا في الحالة الأولى بمجرد الركوب والوصول إلى حضرته ما لم يقم بخدمته التي أرادها الملك منه وأما في الحالة الثانية فلا يحتاج إلى الخدمة أصلا ومع ذلك يتصور أن يكون شاكرا وكافرا ويكون شكره بأن يستعمل ما أنفذه إليه مولاه فيما أحبه لأجله لا لأجل نفسه وكفره أن لا يستعمل ذلك فيه بأن يعطله أو يستعمله فيما يزيد في بعده منه فمهما لبس العبد الثوب وركب الفرس ولم ينفق الزاد إلا في الطريق فقد شكره مولاه إذ استعمل نعمته في محبته أي فيما أحبه لعبده لا لنفسه وإن ركبه واستدبر حضرته وأخذ يبعد منه فقد كفر نعمته أي استعملها فيما كرهه مولاه لعبده لا لنفسه وإن جلس ولم يركب لا في طلب القرب ولا في طلب البعد فقد كفر أيضا نعمته إذا أهملها وعطلها وإن كان هذا دون ما لو بعد منه فكذلك خلق الله سبحانه الخلق وهم في ابتداء فطرتهم يحتاجون إلى استعمال الشهوات لتكمل بها أبدانهم فيبعدون بها عن حضرته وإنما سعادتهم في القرب منه فأعد لهم من النعم ما يقدرون على استعماله في نيل درجة القرب وعن بعدهم وقربهم عبر الله تعالى إذ قال {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا} الآية فإذن نعم الله تعالى آلات يترقى العبد بها عن أسفل السافلين خلقها الله تعالى لأجل العبد حتى ينال بها سعادة القرب والله تعالى غني عنه قرب أم بعد والعبد فيها بين أن يستعملها في الطاعة فيكون قد شكر لموافقة محبة مولاه وبين أن يستعملها في معصيته فقد كفر لاقتحامه ما يكرهه مولاه ولا يرضاه له فإن الله لا يرضى لعباده الكفر والمعصية وإن عطلها ولم يستعملها في طاعة ولا معصية فهو أيضا كفر كفران إن للنعمة بالتضييع وكل ما خلق في الدنيا إنما خلق آلة للعبد ليتوصل به إلى سعادة الآخرة ونيل القرب من الله تعالى فكل مطيع فهو بقدر طاعته شاكر نعمة الله في الأسباب التي استعملها في الطاعة وكل كسلان ترك الاستعمال أو عاص استعملها في طريق البعد فهو كافر جار في غير محبة الله تعالى فالمعصية والطاعة تشملهما المشيئة ولكن لا تشملهما المحبة والكراهة بل رب مراد
محبوب ورب مراد مكروه ووراء بيان هذه الدقيقة سر القدر الذي منع من إفشائه وقد انحل بهذا الإشكال الأول وهو أنه إذا لم يكن للمشكور حظ فكيف يكون الشكر وبهذا أيضا ينحل الثاني فإنا لم نعن بالشكر إلا انصراف نعمة الله في جهة محبة الله فإذا انصرفت النعمة في جهة المحبة بفعل الله فقد حصل المراد وفعلك عطاء من الله تعالى ومن حيث أنت محله فقد أثنى عليك وثناؤه نعمة أخرى منه إليك فهو الذي أعطى وهو الذي أثنى وصار أحد فعليه سببا لانصراف فعله الثاني إلى جهة محبته فله الشكر على كل حال وأنت موصوف بأنك شاكر بمعنى أنك محل المعنى الذي الشكر عبارة عنه لا بمعنى أنك موجب له كما أنك موصوف بأنك عارف وعالم لا بمعنى أنك خالق للعلم وموجده ولكن بمعنى أنك محل له وقد وجد بالقدرة الأزلية فيك فوصفك بأنك شاكر إثبات شيئية لك وأنت شيء إذ جعلك خالق الأشياء شيئا وإنما أنت لا شيء إذا كنت أنت ظانا لنفسك شيئا من ذاتك فأما باعتبار النظر إلى الذي جعل الأشياء شيئا فأنت شيء إذ جعلك شيئا فإن قطع النظر عن جعله كنت لا شيء تحقيقيا وإلى هذا أشار صلى الله الله عليه وسلم حيث قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له // حديث اعملوا فكل ميسر لما خلق له من حديث على وعمران بن حصين لما قيل له يا رسول الله ففيم العمل إذا كانت الأشياء قد فرغ منها من قبل فتبين أن الخلق مجاري قدرة الله تعالى ومحل أفعاله وإن كانوا هم أيضا من أفعاله ولكن بعض أفعاله محل للبعض وقوله {اعملوا} وإن كان جاريا على لسان الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهو فعل من أفعاله وهو سبب لعلم الخلق أن العمل نافع وعلمهم فعل من أفعال الله تعالى والعلم سبب لانبعاث داعية جازمة إلى الحركة والطاعة وانبعاث الداعية أيضا من أفعال الله تعالى وهو سبب لحركة الأعضاء وهي أيضا من أفعال الله تعالى ولكن بعض أفعاله سبب للبعض أي الأول شرط للثاني كما كان خلق الجسم سببا لخلق العرض إذ لا يخلق العرض قبله وخلق الحياة شرط لخلق العلم وخلق العلم شرط لخلق الإرادة والكل من أفعال الله تعالى وبعضها سبب للبعض أي هو شرط ومعنى كونه شرطا أنه لا يستعد لقبول فعل الحياة إلا جوهر ولا يستعد لقبول العلم إلا ذو حياة ولا لقبول الارادة الاذو علم فيكون بعض أفعاله سببا للبعض بهذا المعنى لا بمعنى أن بعض أفعاله موجد لغيره بل ممهد شرط الحصول لغيره وهذا إذا حقق ارتقى إلى درجة التوحيد الذي ذكرناه فإن قلت فلم قال الله تعالى اعملوا وإلا فأنتم معاقبون مذمومون على العصيان وما إلينا شيء فكيف نذم وإنما الكل إلى الله تعالى فاعلم أن هذا القول من الله تعالى سبب لحصول اعتقاد فينا والاعتقاد سبب لهيجان الخوف وهيجان الخوف سبب لترك الشهوات والتجافي عن دار الغرور وذلك سبب للوصول إلى جوار الله والله تعالى مسبب الأسباب ومرتبها فمن سبق له في الأزل السعادة يسر له هذه الأسباب حتى يقوده بسلسلتها إلى الجنة ويعبر عن مثله بأن كلا ميسر لما خلق له ومن لم يسبق له من الله الحسنى بعد عن سماع كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام العلماء فإذا لم يسمع لم يعلم وإذا لم يعلم لم يخف وإذا لم يخف لم يترك الركون إلى الدنيا وإذا لم يترك الركون إلى الدنيا بقي في حزب الشيطان وإن جهنم لموعدهم أجمعين فإذا عرفت هذا تعجبت من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل فما من أحد إلا وهو مقود الى الجنة بسلاسل الأسباب وهو تسليط العلم والخوف عليه وما من مخذول إلا وهو مقود إلى النار بالسلاسل وهو تسليط الغفلة والأمن والغرور عليه فالمتقون يساقون إلى الجنة قهرا والمجرمون يقادون إلى النار قهرا ولا قاهر إلا الله الواحد القهار
ولا قادر إلا الملك الجبار واذا انكشفت الغطاء عن أعين الغافلين فشاهدوا الأمر كذلك سمعوا عند ذلك نداء المنادي {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} ولقد كان الملك لله الواحد القهار كل يوم لا ذلك على الخصوص ولكن الغافلين لا يسمعون هذا النداء إلا ذلك اليوم فهو نبأ عما يتجدد للغافلين من كشف الأحوال حيث لا ينفعهم الكشف فنعوذ بالله الحليم الكريم من الجهل والعمى فإنه أصل أسباب الهلاك بيان تمييز ما يحبه الله تعالى عما يكرهه اعلم إن فعل الشكر وترك الكفر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى عما يكرهه إذ معنى الشكر استعمال نعمه تعالى في محابه ومعنى الكفر نقيض ذلك إما بترك الاستعمال أو باستعمالها في مكارهه ولتمييز ما يحبه الله تعالى مما يكرهه مدركان أحدهما السمع ومستنده الآيات والأخبار والثاني بصيرة القلب وهو النظر بعين الاعتبار وهذا الأخير عسير وهو لأجل ذلك عزيز فلذلك أرسل الله تعالى الرسل وسهل بهم الطريق على الخلق ومعرفة ذلك تنبني على معرفة جميع أحكام الشرع في أفعال العباد فمن لا يطلع على أحكام الشرع في جميع أفعاله لم يمكنه القيام بحق الشكر أصلا وأما الثاني وهو النظر بعين الاعتبار فهو إدراك حكمة الله تعالى في كل موجود خلقه إذ ما خلق شيئا في العالم إلا وفيه حكمة وتحت الحكمة مقصود وذلك المقصود هو المحبوب وتلك الحكمة منقسمة إلى جلية وخفية أما الجلية فكالعلم بأن الحكمة في خلق الشمس أن يحصل بها الفرق بين الليل والنهار فيكون النهار معاشا والليل لباسا فتتيسر الحركة عند الإبصار والسكون عند الاستتار فهذا من جملة حكم الشمس لا كل الحكم فيها بل فيها حكم أخرى كثيرة دقيقة وكذلك معرفة الحكمة في الغيم ونزول الأمطار وذلك لانشقاق الأرض بأنواع النبات مطعما للخلق ومرعى للأنعام وقد انطوى القرآن على جملة من الحكم الجليلة التي تحتملها أفهام الخلق دون الدقيق الذي يقصرون عن فهمه إذ قال تعالى {أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا} الآية وأما الحكمة في سائر الكواكب السيارة منها والثوابت فخفية لا يطلع عليها كافة الخلق والقدر الذي يحتمله فهم الخلق أنها زينة للسماء لتستلذ العين بالنظر إليها وأشار إليه قوله تعالى {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} فجميع أجزاء العالم سماؤه وكواكبه ورياحه وبحاره وجباله ومعادنه ونباته وحيواناته وأعظاء حيواناته لا تخلو ذرة من ذراته عن حكم كثيرة من حكمه واحدة إلى عشرة إلى ألف إلى عشرة آلاف وكذا أعضاء الحيوان تنقسم إلا ما يعرف حكمتها كالعلم بأن العين للإبصار لا للبطش واليد للبطش لا للمشي والرجل للمشي لا للشم فأما الأعضاء الباطنة من الأمعاء والمرارة والكبد والكلية وآحاد العروق والأعصاب والعضلات وما فيها من التجاويف والالتفاف والاشتباك والانحراف والدقة والغلظ وسائر الصفات فلا يعرف الحكمة فيها سائر الناس والذين يعرفونها لا يعرفون منها إلا قدرا يسيرا بالإضافة إلى ما في علم الله تعالى {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} فإذن كل من استعمل شيئا في جهة غير الجهة التي خلق لها ولا على الوجه الذي أريد به فقد كفر فيه نعمة الله تعالى فمن ضرب غيره بيده فقد كفر نعمة اليد إذ خلقت له اليد ليدفع بها عن نفسه ما يهلكه ويأخذ ما ينفعه لا ليهلك بها غيره ومن نظر إلى وجه غير المحرم فقد كفر نعمة العين ونعمة الشمس إذ الإبصار يتم بهما وإنما خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه ويتقي بهما ما يضره فيهما فقد استعملها في غير ما اريد به وهذا لأن المراد من خلق الخلق وخلق الدنيا وأسبابها أن يستعين الخلق بهما على الوصول إلى الله تعالى ولا وصول إليه إلا بمحبته والأنس به في الدنيا والتجافي عن غرور الدنيا ولا أنس
إلا بدوام الذكر ولا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر ولا يمكن الدوام على الذكر والفكر إلا بدوام البدن ولا يبقى البدن إلا بالغذاء ولا يتم الغذاء إلا بالأرض والماء والهواء ولا يتم ذلك إلا بخلق السماء والأرض وخلق سائر الأعضاء ظاهرا وباطنا فكل ذلك لأجل البدن والبدن مطية النفس والراجح إلى الله تعالى هي النفس المطمئنة بطول العبادة والمعرفة فلذلك قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق} الآية فكل من استعمل شيئا في غير طاعة الله فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي لا بد منها لإقدامه على تلك المعصية ولتذكر مثالا واحدا للحكم الخفية التي ليست في غاية الخفاء حتى تعتبر بها وتعلم طريقة الشكر والكفران على النعم فنقول من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما حجران لا منفعة في أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما يستغني عنه كمن يملك الزعفران مثلا وهو محتاج إلى جمل يركبه ومن يملك الجمل ربما يستغنى عنه ويحتاج إلى الزعفران فلا بد بينهما من معاوضة ولا بد في مقدار العوض من تقدير إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران ولا مناسبة بين الزعفران والجمل حتى يقال يعطى منه مثله في الوزن أو الصورة وكذا من يشتري دارا ثياب أو عبدا بخف أو دقيقا بحمار فهذه الأشياء لا تتناسب فيها فلا يدرى أن الجمل كم يسوي بالزعفران فتتعذر المعاملات جدا فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينها يحكم بينهما بحكم عدل فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته حتى إذا تقررت المنازل وترتبت الرتب علم بعد ذلك المساوي من غير المساوي فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما فيقال هذا الجمل يسوي مائة دينار وهذا القدر من الزعفران يسوي مائة فهما من حيث إنهما مساويان بشيء واحد إذن متساويان وإنما أمكن التعديل بالنقدين إذ لا غرض في أعيانهما ولو كان في أعيانهما غرض ربما اقتضى خصوص ذلك الغرض في حق صاحب الغرض ترجيحا ولم يقتض ذلك في حق من لا غرض له فلا ينتظم الأمر فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي ويكونا حاكمين بين الأموال بالعدل ولحكمة أخرى وهي التوسل بهما إلى سائر الأشياء لأنهما عزيزان في أنفسهما ولا غرض في أعيانهما ونسبتهما إلى سائر الأحوال نسبة واحدة فمن ملكهما فكأنه ملك كل شيء لا كمن ملك ثوبا فإنه لم يملك إلا الثوب فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب لأن غرضه في دابة مثلا فاحتيج إلى شيء وهو في صورته كأنه ليس بشيء وهو فى معناه كأنه كل الأشياء والشيء إنما تستوي نسبته إلى المختلفات إذا لم تكن له صورة خاصة يفيدها بخصوصها كالمرآة لا لون لها وتحكي كل لون فكذلك النقد لا غرض فيه وهو وسيلة إلى كل غرض وكالحرف لا معنى له نفسه وتظهر به المعاني في غيره فهذه هي الحكمة الثانية وفيهما أيضا حكم يطول ذكرها فكل من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود بالحكم فقد كفر نعمة الله تعالى فيهما فإذن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم ولا يحصل الغرض المقصود به وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة ولا لعمرو خاصة إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما فإنهما حجران وإنما خلقا لتتداولها الأيدي فيكونا حاكمين بين الناس وعلامة معرفة المقادير مقومة للراتب فأخبر الله تعالى الذين يعجزون عن قراءة الأسطر الإلهية المكتوبة في صفحات الموجودات بخط إلهي لا حرف فيه ولا صوت الذي لا يدرك بعين البصر بل بعين البصيرة أخبر هؤلاء العاجزين
بكلام سمعوه من رسوله صلى الله عليه وسلم حتى وصل إليهم بواسطة الحرف والصوت المعنى الذي عجزوا عن إدراكه فقال تعالى {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} وكل من اتخذ من الدراهم والدنانير آنية من ذهب أو فضة فقد كفر النعمة وكان أسوأ حالا ممن كنز لأن مثال هذا مثال من استسخر حاكم البلد في الحياكة والمكس والأعمال التي يقوم بها أخساء الناس والحبس أهوك منه وذلك أن الخزف والحديد والرصاص والنحاس تنوب مناب الذهب والفضة في حفظ المائعات عن أن تتبدد وإنما الأواني لحفظ المائعات ولا يكفي الخزف والحديد في المقصود الذي أريد به النقود فمن لم ينكشف له هذا انكشف له بالترجمة الإلهية وقيل له من شرب في آنية من ذهب أو فضة فكأنما يجرجر في بطنة نار جهنم وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة وظلم لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما إذ لا غرض في عينهما فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم ومن معه ثوب ولا نقد معه فقد لا يقدر على أن يشتري به طعاما ودابة إذ ربما لا يباع الطعام والدابة بالثوب فهو معذور في بيعه بنقد آخر ليحصل النقد فيتوصل به إلى مقصوده فإنهما وسيلتان إلى الغير لا غرض فى أعيانهما وموقهما في الأموال كموقع الحرف من الكلام كما قال النحويون إن الحرف هو الذي جاء لمعنى في غيره وكموقع المرآة من الألوان فأما من معه نقد فلو جاز له أن يبيعه بالنقد فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله فيبقى النقد مقيدا عنده وينزل منزلا المكنوز وتقييد الحاكم والبريد الموصل إلى الغير ظلم كما أن حبسه ظلم فلا معنى لبيع النقد بالنقد إلا اتخاذ النقد مقصودا للادخار وهو ظلم فإن قلت فلم جاز بيع أحد النقدين بالآخر ولما جاز بيع الدرهم بمثله فاعلم أن أحد النقدين يخالف الآخر في مقصود التوصل إذ قد يتيسر التوصل بأحدهما من حيث كثرته كالدراهم تتفرق في الحاجات قليلا قليلا ففي المنع منه ما يشوش المقصود الخاص به وهو تيسر التوصل به إلى غيره وأما بيع الدرهم بدرهم يماثله فجائز من حيث إن ذلك لا يرغب فيه عاقل مهما تساويا ولا يشتغل به تاجر فإنه عبث يجري مجرى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه ونحن لا نخاف على العقلاء أن يصرفوا أوقاتهم إلى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه فلا نمنع مما لا تتشوق النفوس إليه إلا أن يكون أحدهما أجود من الآخر وذلك أيضا لا يتصور جريانه إذ صاحب الجيد لا يرضى بمثله من الرديء فلا ينتظم العقد وإن طلب زيادة في الرديء فذلك مما قد يقصده فلا جرم نمنعه منه ونحكم بأن جيدها ورديئها سواء لأن الجودة والرداءة ينبغي أن ينظر إليهما فيما يقصد في عينه وما لا غرض في عينه فلا ينبغي أن ينظر إلا مضافات دقيقة في صفاته وإنما الذي ظلم هو الذي ضرب النقود مختلفة في الجودة والرداءة حتى صارت مقصودة في أعيانها وحقها أن لا تقصد وأما إذا باع درهما بدرهم مثله نسيئة فإنما لم يجز ذلك لأنه لا يقدم على هذا إلا مسامح قاصد الإحسان في القرض وهو مكرمة مندوحة عنه لتبقى صورة المسامحة فيكون له حمد وأجر والمعاوضة لاحمد فيها ولا أجر فهو أيضا ظلم لأنه إضاعة خصوص المسامحة وإخراجها في معرض المعارضة وكذلك الأطعمة خلقت ليتغذى بها أو يتداوى بها فلا ينبغي أن تصرف على جهتها فإن فتح باب المعاملة فيها يوجب تقييدها في الأيدي ويؤخر عنها الأكل الذي أريدت له فما خلق الله الطعام إلا ليؤكل والحاجة إلى الأطعمة شديدة فينبغي أن تخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج ولا يعامل على الأطعمة إلا مستغن عنها إذ من معه طعام فلم
لا يأكله إن كان محتاجا ولم يجعله بضاعة تجارة وإن جعله بضاعة تجارة فليبعه ممن يطلبه بعوض غير الطعام يكون محتاجا إليه فأما من يطلبه بعين ذلك الطعام فهو أيضا مستغن عنه ولهذا ورد في الشرع لعن المحتكر وورد فيه من التشديدات ما ذكرناه في كتاب آداب الكسب نعم بائع البر بالتمر معذور إذ أحدهما لا يسد مسد الآخر في الغرض وبائع صاع من البر بصاع منه غير معذور ولكنه عابث فلا يحتاج إلى منع لأن النفوس لا تسمح به إلا عند التفاوت في الجودة ومقابلة الجيد بمثله من الرديء لا يرضى بها صاحب الجيد وأما جيد برديئين فقد يقصد ولكن لما كانت الأطعمة من الضروريات والجيد يساوي الرديء في أصل الفائدة ويخالفه في وجوه التنعم أسقط الشرع غرض التنعم فيما هو القوام فهذه حكمة الشرع في تحريم الربا وقد انكشف لنا هذا بعد الإعراض عن فن الفقه فلنلحق هذا بفن الفقهيات فإنه أوي من جميع ما أوردناه في الخلافيات وبهذا يتضح رجحان مذهب الشافعي رحمه الله في التخصص بالأطعمة دون المكيلات إذ لو دخل الجص فيه لكانت الثياب والدواب أولى بالدخول ولولا الملح لكان مذهب مالك رحمه الله أقوم المذاهب فيه إذ خصصه بالأوقات ولكن كل معنى يرعاه الشرع فلا بد أن يضبط بحد وتحديد هذا كان ممكنا بالقوت وكان ممكنا بالمطعوم فرأى الشرع التحديد بجنس المطعوم أخرى لكل ما هو ضرورة البقاء وتحديدات الشرع قد تحيط بأطراف لا يقوى فيها أصل المعنى الباعث على الحكم ولكن التحديد يقع كذلك بالضرورة ولو لم يحد لتحير الخلق في أتباع جوهر المعنى مع اختلافه بالأحوال والأشخاص فعين المعنى بكمال قوته يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فيكون الحد ضروريا فلذلك قال الله تعالى {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} ولأن أصول هذه المعاني لا تختلف فيها الشرائع وإنما تختلف في وجوه التحديد كما يحد شرع عيسى ابن مريم عليه السلام تحريم الخمر بالسكر وقد حده شرعنا بكونه من جنس المسكر لأن قليله يدعو إلى كثير والداخل في الحدود داخل في التحريم بحكم الجنس كما دخل أصل المعنى بالجملة الأصلية فهذا مثال واحد لحكمة خفية من حكم النقدين فينبغي أن يعتبر شكر النعمة وكفرانها بهذا المثال فكل ما خلق لحكمة فينبغي أن يصرف عنها ولا يعرف هذا إلا من قد عرف الحكمة {ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا} ولكن لا تصادف جواهر الحكم في قلوب هي مزابل الشهوات وملاعب الشياطين بل لا يتذكر إلا أولوا الألباب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء وإذ عرفت هذا المثال فقس عليه حركتك وسكونك ونطقك وسكوتك وكل فعل صادر منك فإنه إما شكر وإما كفر إذ لا يتصور أن ينفك عنهما وبعض ذلك نصفه في لسان الفقه الذي تناطق به عوام الناس بالكراهة وبعضه بالخطر وكل ذلك عند أرباب القلوب موصوف بالخطر فأقول مثلا لو استنجيت باليمنى فقد كفرت نعمة اليدين إذ خلق الله لك اليدين وجعل إحداهما أقوى من الأخرى فاستحق الأقوى بمزيد رجحانه في الغالب التشريف والتفضيل وتفضيل الناقص عدول عن العدل والله لا يأمر بالعدل ثم أحوجك من أعطاك اليدين إلى أعمال بعضها شريف كأخذ المصحف وبعضها خسيس كإزالة النجاسة فإذا أخذت المصحف باليسار وأزلت النجاسة باليمين فقد خصصت الشريف بما هو خسيس فغضضت من حقه وظلمته وعدلت عن العدل وكذلك إذا بصقت مثلا في جهة القبلة أو استقبلتها في قضاء الحاجة فقد كفرت نعمة الله تعالى في خلق الجهات وخلق سعة العالم لأنه خلق الجهات لتكون متسعك في حركتك وقسم الجهات إلى ما لم يشرفها وإلى ما شرفها بأن وضع فيها بيتا أضافه إلى نفسه استمالة
لقلبك إليه ليتقيد به قلبك فيتقيد بسببه بدنك في تلك الجهة على هيئة الثبات والوقار إذا عبدت ربك وكذلك انقسمت أفعالك إلى ما هي شريفة كالطاعات وإلى ما هي خسيسة كقضاء الحاجة ورمي البصاق فإذا رميت بصاقك إلى الجهة القبلة فقد ظلمتها وكفرت نعمة الله تعالى عليك بوضع القبلة التي بوضعها كمال عبادتك وكذلك إذا لبست خفك فابتدأت باليسرى فقد ظلمت لأن الخف وقاية للرجل فللرجل فيه حظ والبداءة في الحظوظ ينبغي أن تكون بالأشرف فهو العدل والوفاء بالحكمة ونقيضه ظلم وكفران لنعمة الخف والرجل وهذا عند العارفين كبيرة وإن سماه الفقيه مكروها حتى إن بعضهم كان قد جمع إكرارا من الحنطة وكان يتصدق بها فسئل عن سببه فقال لبست المداس مرة فابتدأت بالرجل اليسرى سهوا فأريد أن أكفره بالصدقة نعم الفقيه لا يقدر على تفخيم الأمر في هذه الأمور لأنه مسكين بل بإصلاح العوام الذين تقرب درجتهم من درجة الإنعام وهم مغموسون في ظلمات أطم وأعظم من أن تظهر أمثال هذه الظلمات بالإضافة إليها فقبيح أن يقال الذي شرب الخمر وأخذ القدح بيساره قد تعدى من وجهين أحدهما الشرب والآخر الآخذ باليسار ومن باع خمرا في وقت النداء يوم الجمعة فقبيح أن يقال خان من وجهين {أحدهما} بيع الخمر والآخر البيع في وقت النداء ومن قضى حاجته في محراب المسجد مستدبر القبلة فقبيح أن يذكر تركه الأدب في قضاء الحاجة من حيث إنه لم يجعل القبلة عن يمينه فالمعاصي كلها ظلمات بعضها فوق بعض فيمنحق بعضها في جنب البعض فالسيد قد يعاقب عبده إذا استعمل سكينه بغير إذنه ولكن لو قتل بتلك السكين أعز أولاده لم يبق لاستعمال السكين بغير إذنه حكم ونكاية في نفسه فكل ما راعاه الأنبياء والأولياء من الآداب وتسامحنا فيه في الفقه مع العوام فسببه هذه الضرورة وإلا فكل هذه المكاره عدول عن العدل وكفران للنعمة ونقصان عن الدرجة المبلغة للعبد إلى درجات القرب بعضها يؤثر في العبد بنقصان القرب وانحطاط المنزلة وبعضها يخرج بالكلية عن حدود القرب إلى عالم البعد الذي هو مستقر الشياطين وكذلك من كسر غصنا من شجرة من غير حاجة ناجزة مهمة ومن غير حاجة غرض صحيح فقد كفر نعمة الله تعالى في خلق الأشجار وخلق اليد أما اليد فإنها لم تخلق للعبث بل للطاعة والأعمال المعينة على الطاعة وأما الشجر فإنه خلقه الله تعالى وخلق له العروق وساق إليه الماء وخلق فيه قوة الاغتذاء والنماء ليبلغ منتهى نشوه فينتفع به عباده فكسره قبل منتهى نشوة لا على وجه ينتفع به عباده مخالفة لمقصود الحكمة وعدول عن العدل فإن كان له غرض صحيح فله ذلك إذ الشجر والحيوان جعلا فداء لأغراض الإنسان فإنهما جميعا فانيان هالكان فإفناء الأخس في بقاء الأشرف مدة ما أقرب إلى العدل من تضييعهما جميعا وإليه الإشارة بقوله تعالى وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه نعم إذا كسر ذلك من ملك غيره فهو ظالم أيضا وإن كان محتاجا لأن كل شجرة بعينها لاتفى بحاجات عباد الله كلهم بل تفي بحاجة واحدة ولو خصص واحد بها من غير رجحان واختصاص كان ظلما فصاحب الاختصاص هو الذي حصل البذر ووضعه في الأرض وساق إليه الماء وقام بالتعهد فهو أولى به من غيره فيرجع جانبه بذلك فإن نبت ذلك في موات الأرض لا بسعي آدمي اختص بمغرسه أو بغرسه فلا بد من طلب اختصاص آخر وهو السبق إلى أخذه فللسابقخاصية السبق فالعدل هو أن يكون أولى به وعبر الفقراء عن هذا الترجيح بالملك وهو مجاز محض إذ لا ملك إلا لملك الملوك الذي له ما في السموات والأرض وكيف يكون العبد مالكا وهو في نفسه ليس يملك نفسه بل هو ملك غيره نعم الخلق عباد الله والأرض مائدة الله وقد أذن لهم في الأكل من مائدته بقدر حاجتهم كالملك ينصب مائدة لعبيده فمن أخذ لقمة بيمينه واحتوت عليها براجمه فجاء عبد آخر وأراد انتزاعها
من يده لم يمكن منه لا لأن اللقمة صارت ملكا له بالأخذ باليد فإن اليد وصاحب اليد أيضا مملوك ولكن إذا كانت كل لقمة بعينها لا تفي بحاجة كل العبيد فالعدل في التخصيص عند حصول ضرب من الترجيح والاختصاص والأخذ اختصاص ينفرد به العبد فمنع من لا يدلي بذلك الاختصاص عن مزاحمته فهكذا ينبغي أن تفهم أمر الله فى في عباده ولذلك نقول من أخذ من أموال الدنيا أكثر من حاجته وكنزه وأمسكه وفي عباد الله من يحتاج إليه فهو ظالم وهو من الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله وإنما سبيل الله طاعته وزاد الخلق في طاعته أموال الدنيا إذ بها تندفع ضروراتهم وترتفع حاجاتهم نعم لا يدخل هذا في حد فتاوى الفقه لأن مقادير الحاجات خفية والنفوس في استشعار الفقر في الاستقبال مختلفة وأواخر الأعمار غير معلومة فتكليف العوام ذلك يجري مجرى تكليف الصبيان الوقار والتؤدة والسكوت عن كلام غير مهم وهو بحكم نقصانهم لا يطيقونه فتركنا الاعتراض عليهم في اللعب واللهو وإباحتنا ذلك إياهم لا يدل على أن اللهو واللعب حق فكذلك إباحتنا للعوام حفظ الأموال والاقتصار في الإنفاق على قدر الزكاة لضرورة ما جبلوا عليه من البخل لا يدل على أنه غاية الحق وقد أشار القرآن إليه إذ قال تعالى {إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا} بل الحق الذي لا كدورة فيه والعدل الذي لا ظلم فيه أن لا يأخذ أحد من عباد الله من مال الله إلا بقدر زاد الراكب فكل عباد الله ركاب لمطايا الأبدان إلى حضرة الملك الديان فمن أخذ زيادة عليه ثم منعه عن راكب آخر محتاج إليه فهو ظالم تارك للعدو وخارج عن مقصود الحكمة وكافر نعمة الله تعالى عليه بالقرآن والرسول والعقل وسائر الأسباب التي بها عرف أن ما سوى زاد الراكب وبال عليه في الدنيا والآخرة فمن فهم حكمة الله تعالى في جميع أنواع الموجودات قدر على القيام بوظيفة الشكر واستقصاء ذلك يحتاج إلى مجلدات ثم لا تفي إلا بالقليل وإنما أوردنا هذا القدر ليعلم علة الصدق في قوله تعالى {وقليل من عبادي الشكور} وفرح إبليس لعنه الله بقوله {ولا تجد أكثرهم شاكرين} فلا يعرف معنى هذه الآية من لم يعرف معنى هذا كله وأمورا أخر وراء ذلك تنقضي الأعمار دون استقصاء مباديها فأما تفسير الآية ومعنى لفظها فيعرفه كل من يعرف اللغة وبهذا يتبين لك الفرق بين المعنى والتفسير فإن قلت فقد رجع حاصل هذا الكلام إلى أن الله تعالى حكمه في كل شيء وأنه جعل بعض أفعال العباد سببا لتمام الحكمة وبلوغها غاية المراد منها وجعل بعض أفعالها مانعا من تمام الحكمة فكل فعل وافق مقتضى الحكمة حتى انساقت الحكمة إلى غايتها فهو شكر وكل ما خالف ومنع الأسباب من أن تنساق إلى الغاية المرادة بها فهو كفران وهذا كله مفهوم ولكن الإشكال باق وهو أن فعل العبد المنقسم إلى ما يتمم الحكمة وإلى ما يرفعها هو أيضا من فعل الله تعالى فأين العبد في البين حتى يكون شاكرا مرة وكافرا أخرى فاعلم أن تمام التحقيق في هذا يستمد من تيار بحر عظيم من علوم المكاشفات وقد رمزنا فيما سبق إلى تلويحات بمباديها ونحن الآن نعبر بعبارة وجيزة عن آخرها وغايتها يفهمها من عرف منطق الطير ويجحدها من عجز عن الإيضاع في السير فضلا عن أن يجول في جو الملكوت جولان الطير فنقول إن الله عز وجل في جلاله وكبريائه صفة عنها يصدر الخلق والاختراع وتلك الصفة أعلى وأجل من أن تلمحها عين واضع اللغة حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها فلم يكن لها في العالم عبارة لعلو شأنها وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمتد طرف فهمهم إلى مبادى إشراقها فانخفضت عن ذروتها أبصارهم كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس لا لغموض
في نور الشمس ولكن لضعف في أبصار الخفافيش فاضطر الذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها إلى أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللغات عبارة تفهم من مبادي حقائقها شيئا ضعيفا جدا فاستعاروا لها اسم القدرة فتجاسرنا بسبب استعارتهم على النطق فقلنا لله تعالى صفة هي القدرة عنها يصدر الخلق والاختراع ثم الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام وخصوص صفات ومصدر انقسام هذه الأقسام واختصاصها بخصوص صفاتها صفة أخرى استعير لها بمثل الضرورة التي سبقت عبارة المشيئة فهي توهم منها أمرا محملا عند المتناطقين باللغات التي هى حروف وأصوات المتفاهمين بها وقصور لفظ المشيئة عن الدلالة على كنه تلك الصفة وحقيقتها كفصور لفظ القدر ثم انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة إلى ما ينساق إلى المنتهى الذي هو غاية حكمتها وإلى ما يقف دون الغاية وكان لكل واحد نسبة إلى صفة المشيئة لرجوعها إلى الاختصاصات التي بها تتم القسمة والاختلافات فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة المحبة واستعير لنسبة الواقف دون غايته عبارة الكراهة وقيل إنهما جميعا داخلان في وصف المشيئة ولكن لكل واحد خاصية أخرى في النسبة يوهم لفظ المحبة والكراهة منهما أمرا مجملا عند طالبي الفهم من الألفاظ واللغات ثم انقسم عباده الذين هم أيضا من خلقه واختراعه إلى من سبقت له المشيئة الأزلية أن يستعمله لاستيقاف حكمته دون غايتها ويكون ذلك قهرا في حقهم بتسليط الدواعي والبواعث عليهم وإلى من سبقت لهم في الأزل أن يستعملهم لسياقة حكمته إلى غايتها في بعض الأمور فكان لكل واحد من الفريقين نسبة إلى المشيئة خاصة فاستعير لنسبة المستعملين في إتمام الحكمة بهم عبارة الرضا واستعير للذين استوقف بهم أسباب الحكمة دون غايتها عبارة الغضب فظهر على من غضب عليه في الأزل فعل وقفت الحكمة به دون غايتها فاستعير له الكفران وأردف ذلك بنقمة اللعن والمذمة زيادة في النكال وظهر على من ارتضاه في الأزل فعل انساقت بسببه الحكمة إلى غايتها فاستعير له عبارة الشكر وأردف بخلعة الثناء والإطراء زيادة في الرضا والقبول والإقبال فكان الحاصل أنه تعالى أعطى الجمال ثم أثنى وأعطى النكال ثم قبح وأردى وكان مثاله أن ينظف الملك عبده الوسخ عن أوساخه ثم يلبسه من محاسن ثيابه فإذا تمم زينته قال يا جميل ما أجملك وأجمل ثيابك وأنظف وجهك فيكون بالحقيقة هو المجمل وهو المثني على الجمال فهو المثني عليه بكل حال وكأنه لم يثني من حيث المعنى إلا على نفسه وإنما العبد هدف الثناء من حيث الظاهر والصورة فهكذا كانت الأمور فى الأزال وهكذا تتسلسل الأسباب والمسببات بتقدير رب الأرباب ومسبب الأسباب ولم يكن ذلك على اتفاق وبحث بل عن إرادة وحكمة وحكم حق وأمر جزم استعير له لفظ القضاء وقيل إنه كلمح بالبصر أو هو أقرب لفاضت بحار المقادير بحكم ذلك القضاء الجزم بما سبق به التقدير فاستعير لترتب آحاد المقدورات بعضها على بعض لفظ القدر فكان لفظ القضاء بإزاء الآمر الواحد الكلي ولفظ القدر بإزاء التفصيل المتمادي إلى غير نهاية وقيل إن شيئا من ذلك ليس خارجا عن القضاء والقدر فخطر لبعض العباد أن القسمة لماذا اقتضت هذا التفصيل وكيف انتظم العدل مع هذا التفاوت والتفضيل وكان بعضهم لقصوره لا يطيق ملاحظة كنه هذا الأمر والاحتواء على مجامعه فألجموا عما لم يطيقوا خوض غمرته بلجام المنع وقيل لهم اسكنوا فما لهذا خلقتم لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وامتلأت مشكاة بعضهم نورا مقتبسا من نور الله تعالى في السموات والأرض وكان زيتهم أولا صافيا يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار فمسته نار فاشتعل نورا على نور فأشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربها فأدركوا الأمور كلها كما هي عليه فقيل لهم تأدبوا بآداب الله تعالى واسكنوا وإذا
ذكر القدر فأمسكوا فإن للحيطان آذانا وحواليكم ضعفاء الأبصار فسيروا بسير أضعفكم ولا تكشفوا حجاب الشمس لأبصار الخفافيش فيكون ذلك سبب هلاكهم فتخلقوا بأخلاق الله تعالى وانزلوا إلى سماء الدنيا من منتهى علوكم ليأنس بكم الضعفاء ويقتبسوا من بقايا أنواركم المشرقة من وراء حجابكم كما يقتبس الخفافيش من بقايا نور الشمس والكواكب في جنح الليل فيحيا به حياة يحتملها شخصه وحاله وإن كان لا يحيا به حياة المترددين في كمال نور الشمس وكونوا كمن قيل فيهم شربنا شرابا طيبا عند طيب ... كذلك شراب الطيبين يطيب شربنا وأهرقنا على الأرض فضله ... وللأرض من كأس الكرام نصيب فهكذا كان أول هذا الأمر وآخره ولا تفهمه إلا إذا كنت أهلا له وإذا كنت أهلا له فتحت العين وأبصرت فلا تحتاج إلى قائد يقودك والأعمى يمكن أن يقاد ولكن حد ما فإذا ضاق الطريق وصار أحد من السيف وأدق من الشعر قدر الطائر على أن يطير عليه ولم يقدر على أن يستجر وراءه أعمى وإذا دق المجال ولطف لطف الماء مثلا ولم يكن العبور إلا بالسباحة فقد يقدر الماهر بصنعة السباحة أن يعبر بنفسه وربما لم يقدر على أن يستجر وراءه آخر فهذه أمور نسبة السير عليها إلى السير على ما هو بحال جماهير الخلق كنسبة المشي على الماء إلى المشي على الأرض والسباحة يمكن أن تتعلم فأما المشي على الماء فلا يكتسب بالتعليم بل ينال بقوة اليقين ولذلك قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن عيسى عليه السلام يقال أنه مشى على الماء فقال صلى الله عليه وسلم لو ازداد يقينا لمشي على الهواء // حديث قيل له يقال إن عيسى مشى على الماء قال لو ازداد يقينا لمشي على الهواء هذا حديث منكر لا يعرف هكذا والمعروف رواه ابن أبى الدنيا فى كتاب اليقين من قول بكر بن عبد الله المزنى قال فقد الحواريون نبيهم فقيل لهم توجه نحو البحر فانطلقوا يطلبونه فلما انتهو إلى البحر إذا هو قد أقبل يمشى على الماء فذكر حديثا فيه أن عيسى قال لو أن لابن آدم من اليقين شعره مشى على الماء وروى أبو منصور الديلمى فى مسند الفردوس بسند ضعيف من حديث معاذ بن جبل لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحور ولزالت بدعائكم الجبال فهذه رموز وإشارات إلى معنى الكراهة والمحبة والرضا والغضب والشكر والكفران لا يليق بعلم المعاملة أكثر منها وقد ضرب الله تعالى مثلا لذلك تقريبا إلى أفهام الخلق إذ عرف أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه فكانت عبادتهم غاية الحكمة في حقهم ثم أخبر أن له عبدين يحب أحدهما واسمه جبريل وروح القدس والأمين وهو عنده محبوب مطاع أمين مكين ويبغض الآخر واسمه إبليس وهو اللعين المنظر إلى يوم الدين ثم أحال الإرشاد إلى جبريل فقال تعالى {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} وقال تعالى {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} وأحال الإغواء على إبليس فقال تعالى {ليضل عن سبيله} والإغواء هو استيقاف العباد دون بلوغ غاية الحكمة فانظر كيف نسبه إلى العبد الذي غضب عليه والإرشاد سياقه لهم إلى الغاية فانظر كيف نسبه إلى العبد الذي أحبه وعندك في العادة له مثال فالملك إذا كان محتاجا إلى من يسقيه الشراب وإلى من يحجمه وينظف فناء منزله عن القاذورات وكان له عبدان فلا يعين للحجامة والتنظيف إلا أقبحهما وأخسهما ولا يفوض حمل الشراب والطيب إلا إلى أحسنهما وأكملهما وأحبهما إليه ولا ينبغي أن تقول هذا فعلي ولم يكون فعله دون فعلي فإنك أخطات إذ أضفت ذلك إلى نفسك بل هو الذي صرف داعيتك لتخصيص الفعل المكروه بالشخص المكروه والفعل المحبوب بالشخص المحبوب إتماما للعدل فإن عدله تارة يتم بأمور لا مدخل لك فيها وتارة يتم فيك فإنك أيضا من أفعاله فداعيتك وقدرتك وعلمك وعملك وسائر أسباب
حركاتك في التعبير هو فعله الذي رتبه بالعدل ترتيبا تصدر منه الأفعال المعتدلة إلا أنك لا ترى إلا نفسك فتظن أن ما يظهر عليك في عالم الشهادة ليس له سبب من عالم الغيب والملكوت فلذلك تضيفه إلى نفسك وإنما أنت مثل الصبي الذي ينظر ليلا إلى لعب المشعبذ الذي يخرج صورا من وراء حجاب ترقص وتزعق وتقوم وتقعد وهي مؤلفة من خرق لا تتحرك بأنفسها وإنما تحركها خيوط شعرية دقيقة لا تظهر فى ظلام الليل ورءوسها في يد المشعبذ وهو محتجب عن أبصار الصبيان فيفرحون ويتعجبون لظنهم أن تلك الخرق ترقص وتلعب وتقوم وتقعد وأما العقلاء فإنهم يعلمون أن ذلك تحريك وليس بتحريك ولكنهم ربما لا يعلمون كيف تفصيله والذي يعلم بعض تفصيله لا يعلمه كما يعلمه المشعبذ الذي الأمر إليه والجاذبة بيده فكذلك صبيان أهل الدنيا والخلق كلهم صبيان بالنسبة إلى العلماء ينظرون إلى هذه الأشخاص فيظنون أنها المتحركة فيحيلون عليها والعلماء يعلمون أنهم محركون إلا أنهم لا يعرفون كيفية التحريك وهم الأكثرون إلا العارفون والعلماء والراسخون فإنهم أدركوا بحدة أبصارهم خيوطا دقيقة عنكبوتية بل أدق منها بكثير معلقة من السماء متشبثة الأطراف بأشخاص أهل الأرض لا تدرك تلك الخيوط لدقتها بهذه الأبصار الظاهرة ثم شاهدوا رءوس تلك الخيوط في مناطات لها هي معلقة بها وشاهدوا لتلك المناطات مقابض هي في أيدي الملائكة المحركين للسموات وشاهدوا أيضا ملائكة السموات مصروفة إلى حملة العرش ينتظرون منهم ما ينزل عليهم من الأمر من حضرة الربوبية كي لا يعصوا الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وعبر عن هذه المشاهدات في القرآن وقيل {وفي السماء رزقكم وما توعدون} وعبر عن انتظار ملائكة السموات لما ينزل إليهم من القدر والأمر فقيل خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وهذه أمور لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم وعبر ابن عباس رضي الله عنهما عن اختصاص الراسخين في العلم بعلوم لا تحتملها أفهام الخلق حيث قرأ قوله تعالى {يتنزل الأمر بينهن} فقال لو ذكرت ما أعرفه من معنى هذه الآية لرجمتموني وفي لفظ آخر لقلتم إنه كافر ولنقتصر على هذا القدر فقد خرج عنان الكلام عن قبضة الاختيار وامتزج بعلم المعاملة ما ليس منه فلنرجع إلى مقاصد الشكر فنقول إذا رجع حقيقة الشكر إلى كون العبد مستعملا في إتمام حكمة الله تعالى فأشكر العباد أحبهم إلى الله وأقربهم إليه وأقربهم إلى الله الملائكة ولهم أيضا ترتيب وما منهم إلا وله مقام معلوم وأعلاهم في رتبة القرب ملك اسمه إسرافيل عليه السلام وإنما علو درجتهم لأنهم في أنفسهم كرام بررة وقد أصلح الله تعالى بهم الأنبياء عليهم السلام وهم أشرف مخلوق على وجه الأرض ويلي درجتهم درجة الأنبياء فإنهم في أنفسهم أخيار وقد هدى الله بهم سائر الخلق وتمم بهم حكمته وأعلاهم رتبة نبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم إذا أكمل الله به الدين وختم به النبيين ويليهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء فإنهم في أنفسهم صالحون وقد أصلح الله بهم سائر الخلق ودرجة كل واحد منهم بقدر ما أصلح من نفسه ومن غيره ثم يليهم السلاطين بالعدل لأنهم أصلحوا دنيا الخلق كما أصلح العلماء دينهم ولأجل اجتماع الدين والملك والسلطنة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان أفضل من سائر الأنبياء فإنه أكمل الله به صلاح دينهم ودنياهم ولم يكن السيف والملك لغيره من الأنبياء ثم يلي العلماء والسلاطين الصالحون الذين أصلحوا دينهم ونفوسهم فقط فلم تتم حكمة الله بهم بل فيهم ومن عدا هؤلاء فهمج رعاع
واعلم أن السلطان به قوام الدين فلا ينبغي أن يستحقر وإن كان ظالما فاسقا قال عمرو بن العاص رحمه الله إمام غشوم خير من فتنة تدوم وقال النبي صلى الله عليه وسلم سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون ويفسدون وما يصلح الله بهم أكثر فإن أحسنوا فلهم الأجر وعليكم الشكر وإن أساءوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر // حديث سيكون عليكم أمراء يفسدون وما يصلح الله بهم أكثر الحديث أخرجه مسلم من حديث أم سلمة يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون ورواه الترمذى بلفظ سيكون عليكم أئمة وقال حسن صحيح وللبزار بسند ضعيف من حديث ابن عمر السلطان ظل الله فى الأرض يأوى اليه كل مظلوم من عبادة فإن عدل كان له الأجر وكان على الرعية الشكر وإن جار أو حاف أو ظلم كان عليه الوزر وعلى الرعية الصبر وأما قوله وما يصلح الله بهم أكثر فلم أجده بهذا اللفظ إلا أنه يؤخذ من حديث ابن مسعود حين فزع إليه الناس لما أنكروا سيرة الوليد بن عقبة فقال عبد الله اصبروا فإن جور إمامكم خمسين سنة خير من هرج شهر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكر حديثا فيه والإمارة الفاجرة خير من الهرج رواه الطبرانى فى الكبير بإسناد لا بأس به وقال سهل من أنكر إمامة السلطان فهو زنديق ومن دعاه السلطان فلم يجب فهو مبتدع ومن أتاه من غير دعوة فهو جاهل وسئل أي الناس خير فقال السلطان فقيل كنا نرى أن شر الناس السلطان فقال مهلا إن لله تعالى له كل يوم نظرتين نظرة إلى سلامة أموال المسلمين ونظرة إلى سلامة أبدانهم فيطلع في صحيفته فيغفر له جميع ذنبه وكان يقول الخشبات السود المعلقة على أبوابهم خير من سبعين قاصا يقصون الركن الثاني من أركان الشكر ما عليه الشكر وهو النعمة فلنذكر فيه حقيقة النعمة وأقسامها ودرجاتها وأصنافها ومجامعها فيما يخص ويعم فإن إحصاء نعم الله على عباده خارج عن مقدور البشر كما قال تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} فنقدم أمورا كلية تجري مجرى القوانين في معرفة النعم ثم نشتغل بذكر الآحاد والله الموفق للصواب بيان حقيقة النعمة وأقسامها اعلم أن كل خير ولذة وسعادة بل كل مطلوب ومؤثر فإنه يسمى نعمة ولكن النعمة بالحقيقة هي السعادة الأخروية وتسمية ما سواها نعمة وسعادة إما غلط وإما مجاز كتسمية السعادة الدنيوية التي لا تعين على الآخرة نعمة فإن ذلك غلط محض وقد يكون اسم النعمة للشى صدقا ولكن يكون إطلاقه على السعادة الأخروية أصدق فكل سبب يوصل إلى سعادة الآخرة ويعين عليها إما بوسطة واحدة أو بوسائط فإن تسمية نعمة صحيحة وصدق لأجل أنه يفضي إلى النعمة الحقيقية والأسباب المعينة واللذات المسماة نعمة نشرحها بتقسيمات القسمة الأولى أن الأمور كلها بالإضافة إلينا تنقسم إلى ما هو نافع في الدنيا والآخرة جميعا كالعلم وحسن الخلق وإلى ما هو ضار فيهما جميعا كالجهل وسوء الخلق وإلى ما ينفع في الحال المضر في المآل كالتلذذ باتباع الشهوة وإلى ما يضر في الحال ويؤلم ولكن ينفع في المآل كقمع الشهوات ومخالفة النفس فالنافع في الحال والمآل هو النعمة تحقيقا كالعلم وحسن الخلق والضار فيهما هو البلاء تحقيقا وهو ضدهما والنافع في الحال في المآل بلاء محض عند ذوي البصائر وتظنه الجهال نعمة ومثاله الجائع إذا وجد عسلا فيه سم فإنه يعده نعمة إن كان جاهلا وإذا علمه علم أن ذلك بلاء سيق إليه والضار في الحال النافع في المآل نعمة عند ذوي الألباب بلاء عند الجهال ومثاله الدواء البشع في الحال مذاقه إلا أنه شاف من الأمراض والأسقام وجالب للصحة والسلامة فالصبي الجاهل إذا كلف شربه ظنه بلاء والعاقل يعده نعمة ويتقلد المنة ممن يهديه إليه ويقربه منه ويهيىء له أسبابه فلذلك تمنع الأم ولدها من الحجامة والأب يدعوه إليها فإن الأب لكمال عقله يلمح العاقبة والأم لفرط حبها وقصورها تلحظ الحال والصبي لجهله يتقلد منة من أمه دون أبيه
ويأنس إليها وإلى شفقتها ويقدر الآب عدو له ولو عقل لعلم أن الأم عدوا باطنا فى سورة صديق لأن منعها إياه من الحجامة يسوقه إلى أمراض وآلام أشد من الحجامة ولكن الصديق الجاهل شر من العدو العاقل وكل إنسان فإنه صديق نفسه ولكنه صديق جاهل فلذلك تعمل به مالا يعمل به العدو قسمة ثانية اعلم أن كل الأسباب الدنيوية مختلطة قد امتزج خيرها بشرها فقلما يصفو خيرها كالمال والأهل والولد والأقارب والجاه وسائر الأسباب ولكن تنقسم إلى ما نفعه أكثر من ضره كقدر الكفاية من المال والجاه وسائر الأسباب وإلى ما ضره أكثر من نفعه في حق أكثر الأشخاص كالمال الكثير والجاه الواسع وإلى ما يكافىء ضرور نفعه وهذه أمور تختلف بالأشخاص فرب إنسان صالح ينتفع بالمال الصالح وإن كثر فينفقه في سبيل الله ويصرفه إلى الخيرات فهو مع هذه التوفيق نعمة في حقه ورب إنسان يستضر بالقليل أيضا إذ لا يزال مستصغرا له شاكيا من ربه طالبا للزيادة عليه فيكون ذلك مع هذا الخذلان بلاء في حقه قسمة ثالثة اعلم أن الخيرات باعتبار آخر تنقسم إلى ما هو مؤثر لذاته لا لغيره وإلى مؤثر لغيره وإلى مؤثر لذاته ولغيره فالأول ما يؤثر لذاته لا لغيره كلذة النظر إلى وجه الله تعالى وسعادة لقائه وبالجملة سعادة الأخرى التي لا انقضاء لها فإنها لا تطلب ليتوصل بها إلى غاية أخرى مقصودة وراءها بل تطلب لذاتها الثاني ما يقصد لغيره ولا غرض أصلا في ذاته كالدراهم والدنانير فإن الحاجة لو كانت لا تنقضى بها فكانت هي والحصباء بمثابة واحدة ولكن لما كانت وسيلة إلى اللذات سريعة الإيصال إليها صارت عند الجهال محبوبة في نفسها حتى يجمعوها ويكنزوها ويتصارفوا عليها بالربا ويظنون أنها مقصودة ومثال هؤلاء مثال من يحب شخصا فيحب بسببه رسوله الذي يجمع بينه وبينه ثم ينسى في محبة الرسول محبة الأصل فيعرض عنه طول عمره ولا يزال مشغولا بتعهد الرسول ومراعاته وتفقده وهو غاية الجهل والضلال الثالث ما يقصد لذاته ولغيره كالصحة والسلامة فإنها تقصد ليقدر بسببها على الذكر والفكر الموصلين إلى لقاء الله تعالى أو ليتوصل بها إلى استيفاء لذات الدنيا وتقصد أيضا لذاتها فإن الإنسان وإن استغنى عن الشيء الذي تراد سلامة الرجل لأجله فيريد أيضا سلامة الرجل من حيث إنها سلامة فإذن المؤثر لذاته فقط هو الخير والنعمة تحقيقا وما يؤثر لذاته ولغيره أيضا فهو نعمة ولكن دون الأول فأما مالا يؤثر إلا لغيره كالنقدين فلا يوصفان أنفسهما من حيث إنهما جوهران بأنهما نعمة بل من حيث هما وسيلتان فيكونان نعمة في حق من يقصد أمر ليس يمكنه أن يتوصل إليه إلا بهما فلو كان مقصده العلم والعبادة ومعه الكفاية التي هي ضرورة حياته استوى عند الذهب والمدر فكان وجودهما وعدمهما عنده بمثابة واحدة بل ربما شغله وجودهما عن الفكر والعبادة فيكونان بلاء في حقه ولا يكونان نعمة قسمة رابعة اعلم أن الخيرات باعتبار آخر تنقسم إلى نافع ولذيذ وجميل فاللذيذ هو الذي تدرك راحته في الحال والنافع هو الذي يفيد في المآل والجميل هو الذي يستحسن في سائر الأحوال والشرور أيضا تنقسم إلى ضار وقبيح ومؤلم وكل واحد من القسمين ضربان مطلق ومقيد فالمطلق هو الذي اجتمع فيه الأوصاف الثلاثة أما في الخير فكالعلم والحكمة فإنها نافعة وجميلة ولذيذة عند أهل العلم والحكمة وأما في الشر فكالجهل فإنه ضار وقبيح ومؤلم وإنما يحس الجاهل بألم جهله إذا عرف أنه جاهل وذلك بأن يرى غيره عالما ويرى نفسه جاهلا فيدرك ألم النقص فتنبعث منه شهوة العلم اللذيذة ثم قد يمنع الحسد والكبر والشهوات البدنية عن التعلم فيتجاذبه متضادان فيعظم ألمه فإنه إن ترك التعلم تألم بالجهل ودرك النقصان وإن اشتغل بالتعلم تألم بترك الشهوات أو بترك
الكبر وذل التعلم ومثل هذا الشخص لا يزال في عذاب دائم لا محالة الضرب الثاني المقيد وهو الذي جمع بعض هذه الأوصاف دون بعض فرب نافع مؤلم كقطع الإصبع المتآكلة والسلعة الخارجة من البدن ورب نافع قبيح كالحمق فإنه بالإضافة إلى بعض الأحوال نافع فقد قيل استراح من لا عقل له فإنه لا يتهم بالعاقبة فيستريح في الحال إلى أن يحين وقت هلاكه ورب نافع من وجه ضار من وجه كإلقاء المال في البحر عند خوف الغرق فإنه ضار للمال نافع للنفس في نجاتها والنافع قسمان ضروري كالإيمان وحسن الخلق في الإيصال إلى سعادة الآخرة وأعني بهما العلم والعمل إذ لا يقوم مقامهما البتة غيرهما وإلى ما لا يكون ضروريا كالسكنجبين مثلا في تسكين الصفراء فإنه قد يمكن تسكينها أيضا بما يقوم مقامه قسمة خامسة اعلم أن النعمة يعبر بها عن كل لذيذ واللذات بالإضافة إلى الإنسان من حيث اختصاصه بها أو مشاركته لغيره ثلاثة أنواع عقلية وبدنية مشتركة مع بعض الحيوانات وبدنية مشتركة مع جميع الحيوانات أما العقلية فكلذة العلم والحكمة إذ ليس يستلذها السمع والبصر والشم والذوق ولا البطن ولا الفرج وإنما يستلذها القلب لاختصاصه بصفة يعبر عنها بالعقل وهذه أقل اللذات وجودا وهي أشرفها أما قلتها فلأن العلم لا يستلذه إلا عالم والحكمة لا يستلذها إلا حكيم وما أقل أهل العلم والحكمة وما أكثر المتسمين باسمهم والمترسمين برسومهم وأما شرفها فلأنها لازمة لا تزول أبدا لا في الدنيا ولا في الآخرة ودائمة لا تمل فالطعام يشبع منه فيمل وشهوة الوقاع يفرغ منها فتستثقل والعلم والحكمة قط لا يتصور أن تمل وتستثقل ومن قدر على الشريف الباقي أبد الآباد إذا رضي بالخسيس الفاني في أقرب الآماد فهو مصاب في عقله محروم لشقاوته وإدباره وأقل أمر فيه أن العلم والعقل لا يحتاج إلى أعوان وحفظة بخلاف المال إذ العلم يحرسك وأنت تحرس المال والعلم يزيد بالإنفاق والمال ينقص بالإنفاق والمال يسرق والولاية يعزل عنها والعلم لا تمتد إليه أيدي السراق بالأخذ ولا أيدي السلاطين بالعزل فيكون صاحبه في روح الأمن أبدا وصاحب المال والجاه في كرب الخوف أبدا ثم العلم نافع ولذيذ وجميل في كل حال أبدا والمال تارة يجذب إلى الهلاك وتارة يجذب إلى النجاة ولذلك ذم الله تعالى المال في القرآن في مواضع وإن سماه خيرا في مواضع وأما قصور أكثر الخلق عن إدراك لذة العلم فإما لعدم الذوق فمن لم يذق لم يعرف ولم يشتق إذ الشوق تبع الذوق وإما لفساد أمزجتهم ومرض قلوبهم بسبب إتباع الشهوات كالمريض الذي لا يدرك حلاوة العسل ويراه مرا وإما لقصور فطنتهم إذ لم تخلق لهم بعد الصفة التي بها يستلذ العلم كالطفل الرضيع الذي لا يدرك لذة العسل والطيور السمان ولا يستلذ إلا اللبن وذلك لا يدل على أنها ليست لذيذة ولا استطابته اللبن تدل على أنه ألذ الأشياء فالقاصرون عزدرك لذة العلم والحكمة ثلاثة إما من لم يحي باطنه كالطفل وإما من مات بعد الحياة بإتباع الشهوات وإما من مرض بسبب إتباع الشهوات وقوله تعالى {في قلوبهم مرض} إشارة إلى مرض العقول وقوله عز وجل {لينذر من كان حيا} إشارة إلى من لم يحى حياة باطنة وكل حي بالبدن ميت بالقلب فهو عند الله من الموتى وإن كان عند الجهال من الأحياء ولذلك كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فرحين وإن كانوا موتى بالأبدان الثانية لذة يشارك الإنسان فيها بعض الحيوانات كلذة الرياسة والغلبة والاستيلاء وذلك موجود في الأسد والنمر وبعض الحيوانات الثالثة ما يشارك فيها سائر الحيوانات كلذة البطن والفرج وهذه أكثرها وجودا وهي أخسها ولذلك اشترك فيها كل ودرج حتى الديدان والحشرات ومن جاوز هذه الرتبة تشبثت به لذة الغلبة وهو
أشدها التصاقا بالمتغافلين فإن جاوز ذلك ارتقى إلى الثالثة فصار أغلب اللذات عليه لذة العلم والحكمة لا سيما لذة معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وأفعاله وهذه رتبة الصديقين ولا ينال تمامها إلا بخروج استيلاء حب الرياسة من القلب وآخر ما يخرج من رءوس الصديقين حب الرياسة وأما شره البطن والفرج فكسره مما يقوى عليه الصالحون وشهوة الرياسة لا يقوى على كسرها إلا الصديقون فأما قمعها بالكلية حتى لا يقع بها الإحساس على الدوام وفي اختلاف الأحوال فيشبه أن يكون خارجا عن مقدور البشر نعم تغلب لذة معرفة الله تعالى في أحوال لا يقع معها الإحساس بلذة الرياسة والغلبة ولكن ذلك لا يدوم طول العمر بل تعتريه الفترات فتعود إلى الصفات البشرية فتكون موجودة ولكن تكون مقهورة لا تقوى على حمل النفس على العدول عن العدل وعند هذا تنقسم القلوب إلى أربعة أقسام قلب لا يحب إلا الله تعالى ولا يستريح إلا بزيادة المعرفة به والفكر فيه وقلب لا يدري ما لذة المعرفة وما معنى الأنس بالله وإنما لذته بالجاه والرياسة والمال وسائر الشهوات البدنية وقلب أغلب أحواله الأنس بالله سبحانه والتلذذ بمعرفته والفكر فيه ولكن قد يعتريه في بعض الأحوال الرجوع إلى أوصاف البشرية وقلب أغلب أحواله التلذذ بالصفات البشرية ويعتريه في بعض الأحوال تلذذ بالعلم والمعرفة أما الأول فإن كان ممكنا في الوجود فهو في غاية البعد وأما الثاني فالدنيا طافحة به وأما الثالث والرابع فموجودان ولكن على غاية الندور ولا يتصور أن يكون ذلك نادرا شاذا وهو مع الندور يتفاوت في القلة والكثرة وإنما تكون كثرته في الأعصار القريبة من أعصار الأنبياء عليهم السلام فلا يزال يزداد العهد طولا وتزداد مثل هذه القلوب قلة إلى أن تقرب الساعة ويقضي الله أمرا كان مفعولا وإنما وجب أن يكون هذا نادرا لأنه مبادي ملك الآخرة والملك عزيز والملوك لا يكثرون فكما لا يكون الفائق في الملك والجمال إلا نادرا وأكثر الناس من دونهم فكذا في ملك الآخرة فإن الدنيا مرآة الآخرة فإنها عبارة عن عالم الشهادة والآخرة عبارة عن عالم الغيب وعالم الشهادة تابع لعالم الغيب كما أن الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر في المرآة والصورة في المرآة وإن كانت هي الثانية في رتبة الوجود فإنها أولى في حق رؤيتك فإنك لا ترى نفسك وترى صورتك في المرآة أولا فتعرف بها صورتك التي هي قائمة بك ثانيا على سبيل المحاكاة فالقلب التابع في الوجود متبوعا في حق المعرفة والقلب المتأخر متقدما وهذا نوع من الانعكاس ولكن الانعكاس والانتكاس ضرورة هذا العالم فكذلك عالم الملك والشهادة محاك لعالم الغيب والملكوت فمن الناس من يسر له نظر الاعتبار فلا ينظر في شيء من عالم الملك إلا ويعبر به إلى عالم الملكوت فيسمى عبوره عبرة وقد أمر الحق به فقال {فاعتبروا يا أولي الأبصار} ومنهم من عميت بصيرته فلم يعتبر فاحتبس في عالم الملك والشهادة وستنفتح إلى حبسه أبواب جهنم وهذا الحبس مملوء نارا من شأنها أن تطلع على الأفئدة إلا أن بينه وبين إدراك المها حجابا فإذا رفع ذلك الحجاب بالموت أدرك وعن هذا أظهر الله تعالى الحق على لسان قوم استنطقهم بالحق فقالوا الجنة والنار مخلوقتان ولكن الجحيم تدرك مرة بإدراك يسمى علم اليقين ومرة بإدراك آخر يسمى عين اليقين وعين اليقين لا يكون إلا في الآخرة وعلم اليقين قد يكون في الدنيا ولكن للذين قد وفوا حظهم من نور اليقين فلذلك قال الله تعالى {كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم} أي في الدنيا {ثم لترونها عين اليقين} أي في الآخرة فإذن قد ظهر أن القلب الصالح لملك الآخرة لا يكون إلا عزيزا كالشخص الصالح لملك الدنيا قسمة سادسة حاوية لمجامع النعم اعلم أن النعم تنقسم إلى ما هي غاية مطلوبة لذاتها وإلى ما هي مطلوبة لأجل
الغاية أم الغاية فإنها سعادة الآخرة ويرجع حاصلها إلى أربعة أمور بقاء لا فناء له وسرور لا غم فيه وعلم لا جهل معه وغنى لا فقر بعده وهي النعمة الحقيقية ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عيش إلا عيش الآخرة وقال ذلك في الشدة تسلية النفس وذلك في وقت حفر الخندق في شدة الضر وقال ذلك مرة في السرور منعا للنفس من الركون إلى سرور الدنيا وذلك عند إحداق الناس به في حجة الوداع حديث قوله في حجة الوداع لا عيش إلا عيشة الآخرة رواه الشافعي مرسلا والحاكم متصلا وصححه وتقدم في الحج وقال رجل اللهم إني أسألك تمام النعمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهل تعلم ما تمام النعمة قال لا قال تمام النعمة دخول الجنة حديث قال رجل اللهم إني أسألك تمام النعمة الحديث أما الوسائل فتنقسم إلى الأقرب الأخص كفضائل النفس وإلى ما يليه في القرب كفضائل البدن وهو الثاني وإلى ما يليه في القرب ويجاوز إلى غير البدن كالأسباب المطيفة بالبدن من المال والأهل والعشيرة وإلى ما يجمع بين هذه الأسباب الخارجة عن النفس وبين الحاصلة للنفس كالتوفيق والهداية فهي إذن أربعة أنواع النوع الأول وهو الأخص الفضائل النفسية ويرجع حاصلها مع انشعاب أطرافها إلى الإيمان وحسن الخلق وينقسم الإيمان إلى علم المكاشفة وهو العلم بالله تعالى وصفاته وملائكته ورسله وإلى علوم المعاملة وحسن الخلق ينقسم إلى قسمين ترك مقتضى الشهوات والغضب واسمه العفة ومراعاة العدل في الكف عن مقتضى الشهوات والإقدام حتى لا يمتنع أصلا ولا يقدم كيف شاء بل يكون إقدامه وإحجامه بالميزان العدل الذي أنزله الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إذ قال الله تعالى إن لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان فمن خصي نفسه ليزيل شهوة النكاح أو ترك النكاح مع القدرة والأمن من الآفات أو ترك الأكل حتى ضعف عن العبادة والذكر والفكر فقد أخسر الميزان ومن انهمك في شهوة البطن والفرج فقد طغى في الميزان وإنما العدل أن يخلو وزنه وتقديره عن الطغيان والخسران فتعتدل به كفتا الميزان فإذن الفضائل الخاصة بالنفس المقربة إلى الله تعالى أربعة علم مكاشفة وعلم معاملة وعفة وعدالة ولا يتم هذا في غالب الأمر إلا بالنوع الثاني وهو الفضائل البدنية وهي أربعة الصحة والقوة والجمال وطول العمر ولا تتهيأ هذه الأمور الأربعة إلا بالنوع الثالث وهي النعم الخارجة المطيفة بالبدن وهي أربعة المال والأهل والجاه وكرم العشيرة ولا ينتفع بشيء من هذه الأسباب الخارجة والبدنية إلا بالنوع الرابع وهي الأسباب التي تجمع بينها وبين ما يناسب الفضائل النفسية الداخلة وهي أربعة هداية الله ورشده وتسديده وتأييده فمجموع هذه النعم ستة عشر إذا قسمناها إلى أربعة وقسمنا كل واحدة من الأربعة إلى أربعة وهذه الجملة يحتاج البعض منها إلى البعض إما حاجة ضرورية أو نافعة أم الحاجة الضرورية فكحاجة سعادة الآخرة إلى الإيمان وحسن الخلق إذ لا سبيل إلى الوصول إلى سعادة الآخرة البتة إلا بهما فليس للإنسان إلا ما سعى وليس لأحد في الآخرة إلا ما تزود من الدنيا فكذلك حاجة الفضائل النفسية التي تكسب هذه العلوم وتهذب الأخلاق إلى صحة البدن ضروري وأما الحاجة النافعة على الجملة فكحاجة هذه النعم النفسية والبدنية إلى النعم الخارجة مثل المال والعز والأهل فإن ذلك لو عدم ربما تطرق الخلل إلى بعض النعم الداخلة فإن قلت فما وجه الحاجة لطريق الآخرة إلى النعم الخارجة من المال والأهل والجاه والعشيرة فاعلم أن هذه الأسباب جارية مجرى الجناح المبلغ والآلة المسهلة للمقصود أما المال فالفقير في طلب العلم والكمال وليس
له كفاية كساع إلى الهيجا بغير سلاح وكبازي يروم الصيد بلا جناح ولذلك قال صلى الله عليه وسلم نعم المال الصالح للرجل الصالح وقال صلى الله عليه وسلم نعم العون على تقوى الله المال 2 وكيف لا ومن عدم المال صار مستغرق الأوقات في طلب الأقوات وفي تهيئة اللباس والمسكن وضرورات المعيشة ثم يتعرض لأنواع من الأذى تشغله عن الذكر والفكر ولا تندفع إلا بسلاح المال ثم ذلك يحرم عن فضيلة الحج والزكاة والصدقات وإفاضة الخيرات وقال بعض الحكماء وقد قيل له ما النعيم فقال الغنى فإني رأيت الفقير لا عيش له قيل زدنا قال الأمن فإني رأيت الخائف لا عيش له قيل زدنا قال العافية فإني رأيت المريض لا عيش له قيل زدنا قال الشباب فإني رأيت الهرم لا عيش له وكأن ما ذكره إشارة إلى نعيم الدنيا ولكن من حيث إنه معين على الآخرة فهو نعمة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم من أصبح معافى بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها وقال صلى الله عليه وسلم في الولد إذا مات العبد انقطع عمله إلا في ثلاث ولد صالح يدعو له الحديث حديث إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وتقدم في النكاح وقد ذكرنا فوائد الأهل والولد في كناب النكاح وأما الأقارب فهما كثر أولاد الرجل وأقاربه كانوا له مثل الأعين والأيدي فيتيسر له بسببهم من الأمور الدنيوية المهمة في دينه ما لمو انفرد به لطال شغله وكل ما يفرغ قلبك من ضرورات الدنيا فهو معين لك على الدين فهو إذن نعمة وأما العز والجاه فبه يدفع الإنسان عن نفسه الذل والضيم ولا يستغني عنه مسلم فإنه لا ينفك عن عدو يؤذيه وظالم يشوش عليه علمه وعمله وفراغه ويشغل قلبه وقلبه رأس ماله وإنما تندفع هذه الشواغل بالعز والجاه ولذلك قيل الدين والسلطان توأمان قال تعالى {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ولا معنى للجاه إلا ملك القلوب كما لا معنى للغنى إلا ملك الدراهم ومن ملك الدراهم تسخرت له أرباب القلوب لدفع الأذى عنه فكما يحتاج إلى سقف يدفع عنه المطر وجبة تدفع عنه البرد وكلب يدفع الذئب عن ماشيته فيحتاج أيضا إلى من يدفع الشر به عن نفسه وعلى هذا القصد كان الأنبياء الذين لا ملك لهم ولا سلطنة يراعون السلاطين ويطلبون عندهم الجاه وكذلك علماء الدين لا على القصد التناول من خزائنهم والاستئثار والاستكثار في الدنيا بمتابعتهم ولا تظن أن نعمة الله تعالى على صلى الله عليه وسلم حيث نصره وأكمل دينه وأظهره على جميع أعدائه ومكن في القلوب حبه حتى اتسع به عزه وجاهه كانت أقل من نعمته عليه حيث كان يؤذي ويضرب حتى افتقر إلى الهرب والهجرة // حديث ما ناله صلى الله عليه وسلم من الأذى ونحوه حتى افتقر إلى الهرب والهجرة رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل الحديث وللترمذي وصححه وابن ماجة من حديث أنس لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله ولقد أذيت في الله وما يؤذى أحد ولقد إتى علي ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شئ إبط بلال قال الترمذي معنى هذا حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم هاربا من مكة ومعه بلال وللبخاري عن عروة قال سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلى فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فجاء أبو بكر فدفعه عنه الحديث وللبزار وأبي يعلى من حديث أنس قال لقد ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه فقام أبو بكر فجعل ينادي ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وإسناده صحيح على شرط مسلم
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Qu'a enseigné le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) sur le bon caractère ?
- Qu'enseigne le Coran sur la patience (sabr) ?
- Qu'est-ce que l'ikhlas (la sincérité), et pourquoi est-ce important ?
- Comment l'islam décrit-il la purification du cœur ?