Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

Section V04/P104–V04/P106

فإن قلت كرم العشيرة وشرف الأهل هو من النعم أم لا فأقول نعم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش ولذلك كان صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس أرومة في نسب آدم عليه السلام حديث كان صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس أرومة الأرومة الأصل هذا معلوم فروى مسلم من حديث واثلة بن الأسقى مرفوع إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم وفي رواية الترمذي إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل وله من حديث العباس وحسنه وابن عباس والمطلب ابن ربيعة وصححه والمطلب بن أبي وداعة وحسنه إن الله خلق الخلق فجعلني من خير وفي حديث ابن عباس ما بالوا أقوام يبتذلون أصل فوالله لأنا أفضلهم أصلا وخيرهم موضعا وقال صلى الله عليه وسلم تخيروا لنطفكم الأكفاء حديث اطلبوا الخير عند حسان الوجوه أخرجه أبو يعلي من رواية اسماعيل بن عياش عن خيرة بنت محمد بن ثابت بن سباع عن أمها عائشة وخيرة وأمها لا أعرف حالهما ورواه ابن حبان من وجه آخر في الضعفاء والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر وله طرق كلها ضعيفة // وقال عمر رضي الله تعالى عنه إذا بعثتم رسولا فاطلبوه حسن الوجه حسن الاسم وقال الفقهاء إذا تساوت درجات المصلين فأحسنهم وجها أولاهم بالإمامة وقال تعالى ممتنا بذلك {وزاده بسطة في العلم والجسم} ولسنا نعني بالجمال ما يحرك الشهوة فإن ذلك أنوثة وإنما نعني به ارتفاع القامة على الاستقامة مع الاعتدال في اللحم وتناسب الأعضاء وتناصف خلقة الوجه بحيث لا تنبو الطباع عن النظر إليه فإن قلت فقد أدخلت المال والجاه والنسب والأهل والولد في حيز النعم وقد ذم الله تعالى المال والجاه وكذا رسول صلى الله عليه وسلم حديث ذم المال والجاه أخرجه الترمذي من حديث كعب بن مالك ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حب المال والشرف لدينه وقد تقدم في ذم المال والبخل // وكذا العلماء قال تعالى {إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} وقال عز وجل {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} وقال علي كرم الله وجهه في ذم النسب الناس أبناء ما يحسنون وقيمة كل امرىء ما يحسنه وقيل المرء بنفسه لا بأبيه فما معنى كونها نعمة مع كونها مذمومة شرعا فاعلم أن من يأخذ العلوم من الألفاظ المنقولة المؤولة والعمومات المخصصة كان الضلال عليه أغلب ما لم يهتد بنور الله تعالى إلى إدراك العلوم على ما هي عليه ثم ينزل النقل على وفق ما ظهر له منها بالتأويل مرة وبالتخصيص أخرى فهذه نعم معينة على أمر الآخرة لا سبيل إلى جحدها إلا أن فيها فتنا ومخاوف فمثال المال مثال الحية التي فيها ترياق نافع وسم نافع فإن أصابها المعزم الذي يعرف وجه الاحتراز عن سمها وطريق استخراج ترياقها النافع كانت نعمة وإن أصابها السوادي الغر فهي عليه بلاء وهلاك وهو مثل البحر الذي تحته أصناف الجواهر واللآلئ فمن ظفر بالبحر فإن كان عالما بالسباحة وطريق الغوص وطريق الاحتراز عن مهلكات البحر فقد ظفر بنعمه وإن خاضه جاهلا بذلك فقد هلك فلذلك مدح الله تعالى المال وسماه خيرا ومدحه رسول صلى الله عليه وسلم وقال نعم العون على تقوى الله تعالى المال وكذلك مدح الجاه والعز إذ من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بأن أظهره على الدين كله وحببه في قلوب الخلق وهو المعني بالجاه ولكن المنقول في مدحهما قليل والمنقول في ذم المال والجاه كثير وحيث ذم الرياء فهو ذم الجاه إذ الرياء مقصوده اجتلاب القلوب ومعنى الجاه ملك القلوب وإنما كثر هذا وقل ذاك لأن الناس أكثرهم جهال بطريق الرقية لحية المال وطريق الغوص في بحر الجاه فوجب تحذيرهم فإنهم يهلكون بسم المال قبل الوصول إلى ترياقه ويهلكهم تمساح بحر الجاه قبل العثور على جواهره ولو كانا في أعيانهما مذمومين بالإضافة إلى كل أحد لما تصور أن ينضاف إلى النبوة الملك كما كان لرسولنا صلى الله عليه وسلم ولا أن ينضاف إليها الغنى كما كان لسليمان عليه السلام فالناس كلهم صبيان والأموال حيات والأنبياء والعارفون معزمون فقد يضر الصبي مالا يضر المعزم نعم المعزم لو كان له ولد يريد بقاءه وصلاحه وقد وجد حية وعلم أنه لو أخذها لأجل ترياقها لاقتدى به ولده وأخذ الحية إذا رآها ليلعب بها فيهلك فله غرض في الترياق وله غرض في حفظ الولد فواجب عليه أن يزن غرضه في الترياق بغرضه في حفظ الولد فإذا كان يقدر على الصبر عن الترياق ولا يستضر به ضررا كثيرا ولو أخذها لأخذها الصبي ويعظم ضرره بهلاكهم فواجب عليه أن يهرب عن الحية إذا رآها ويشير على الصبي بالهرب ويقبح صورتها في عينه ويعرفه أن فيها سما قاتلا لا ينجو منه أحد ولا يحدثه أصلا بما فيها من نفع الترياق فإن ذلك ربما يغره فيقدم عليه من غير تمام المعرفة وكذلك الغواص إذا علم أنه لو غاص في البحر بمرأى من ولده لاتبعه وهلك

Section V04/P106–V04/P107

فواجب عليه أن يحذر الصبي ساحل البحر والنهر فإن كان لا ينزجر الصبي بمجرد الزجر مهما رأى والده يحوم حول الساحل فواجب عليه أن يبعد من الساحل مع الصبي ولا يقرب منه بين يديه فكذلك الأمة في حجر الأنبياء عليهم السلام كالصبيان الأغبياء ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إنما أنا لكم مثل الوالد لولده وقال صلى الله عليه وسلم إنما تتهافتون على النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم وحظهم الأوفر في حفظ أولادهم عن المهالك فإنهم لم يبعثوا إلا لذلك وليس لهم في المال حظ إلا بقدر القوت فلا جرم اقتصروا على قدر القوت وما فضل فلم يمسكون بل أنفقوه فإن الإنفاق فيه الترياق وفي الإمساك السم ولو فتح للناس باب كسب المال ورغبوا فيه لمالوا إلى سم الإمساك ورغبوا عن ترياق الإنفاق فلذلك قبحت الأموال والمعنى به تقبيح إمساكها والحرص عليها للاستكثار منها والتوسع في نعيمها بما يوجب الركون إلى الدنيا ولذتها فأما أخذها بقدر الكفاية وصرف الفاضل إلى الخيرات فليس بمذموم وحق كل مسافر أن لا يحمل إلا بقدر زاده في السفر إذا صمم العزم على أن يختص بما يحمله فأما إذا سمحت نفسه بإطعام الطعام وتوسيع الزاد على الرفقاء فلا بأس بالاستكثار وقوله عليه الصلاة والسلام ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب معناه لأنفسكم خاصة ولا فقد كان فيمن يروي هذا الحديث ويعمل به من يأخذ مائة ألف درهم في موضع واحد ويفرقها في موضعه وإلا يمسك منها حبة ولما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأغنياء يدخلون الجنة بشدة استأذنه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في أن يخرج عن جميع ما يملكه فأذن له فنزل جبريل عليه السلام وقال مره بأن يطعم المسكين ويكسو العاري ويقري الضيف الحديث فإذن النعم الدنيوية مشوبة قد امتزج دواؤها بدائها ومرجوها بمخوفها ونفعها بضرها فمن وثق ببصيرته وكمال معرفته فله أن يقرب منها متقيا داءها ومستخرجا دواءها ومن لا يثق بها فالبعد البعد والفرار الفرار عن مظان الأخطار فلا تعدل بالسلامة شيئا في حق هؤلاء وهم الخلق كلهم إلا من عصمه الله تعالى وهداه لطريقه فإن قلت فما معنى النعم التوفيقية الراجحة إلى الهداية والرشد والتأييد والتسديد فاعلم أن التوفيق لا يستغني عنه أحد وهو عبارة عن التأليف والتلفيق بين إرادة العبد وبين قضاء الله وقدره وهذا يشمل الخير والشر وما هو سعادة وما هو شقاوة ولكن جرت العادة بتخصيص اسم التوفيق بما يوافق السعادة من جملة قضاء الله تعالى وقدره كما أن الإلحاد عبارة عن الميل فخصص بمن مال إلى الباطل عن الحق وكذا الارتداد ولا خفاء بالحاجة إلى التوفيق ولذلك قيل إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده فأما الهداية فلا سبيل لأحد إلى طلب السعادة إلا بها لأن داعية الإنسان قد تكون مائلة إلى ما فيه صلاح آخرته

Section V04/P107–V04/P108

ولكن إذا لم يعلم ما فيه صلاح آخرته حتى يظن الفساد صلاحا فمن أين ينفعه مجرد الإرادة فلا فائدة في الإرادة والقدرة والأسباب إلا بعد الهداية ولذلك قال تعالى {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} وقال تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء وقال صلى الله عليه وسلم ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى أي بهدايته فقيل ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا وللهداية ثلاث منازل {الأولى} معرفة طريق الخير والشر المشار إليه بقوله تعالى {وهديناه النجدين} وقد أنعم الله تعالى به على كافة عباده بعضه بالعقل وبعضه على لسان الرسل ولذلك قال تعالى {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} فأسباب الهدى هي الكتاب والرسل وبصائر العقول وهي مبذولة ولا يمنع منها إلا الحسد والكبر وحب الدنيا والأسباب التي تعمي القلوب وإن كانت لا تعمى الأبصار قال تعالى {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ومن جملة المعميات الإلف والعادة وحب استصحابهما وعنه العبارة بقوله تعالى {إنا وجدنا آباءنا على أمة} الآية وعن الكبر والحسد العبارة بقوله تعالى {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} وقوله تعالى {أبشرا منا واحدا نتبعه} فهذه المعميات هي التي منعت الاهتداء والهداية الثانية وراء هذه الهداية العامة وهي التي يمد الله تعالى بها العبد حالا بعد حال وهي ثمرة المجاهدة حيث قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وهو المراد بقوله تعالى {والذين اهتدوا زادهم هدى} والهداية الثالثة وراء الثانية وهو النور الذي يشرق في عالم النبوة والولاية بعد كمال المجاهدة فيهتدي بها إلا ما لا يهتدى إليه بالعقل الذي يحصل به التكليف وإمكان تعلم العلوم وهو الهوى المطلق وما عداه حجاب له ومقدمات وهو الذي شرفه الله تعالى بتخصيص الإضافة إليه وإن كان الكل من جهته تعالى فقال تعالى {قل إن هدى الله هو الهدى} وهو المسمى حياة في قوله تعالى {أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} والمعنى بقوله تعالى {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} وأما الرشد فنعني به العناية الإلهية التي تعين الإنسان عند توجهه إلى مقاصده فتقوبه على ما فيه صلاحه وتفتره عما فيه فساده ويكون ذلك من الباطن كما قال تعالى {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} فالرشد عبارة عن هداية باعثة إلى جهة السعادة محركة إليها فالصبي إذا بلغ خبيرا بحفظ المال وطرق التجارة والاستنماء ولكنه مع ذلك يبذر ولا يريد الاستنماء لا يسمى رشيدا لا لعدم هدايته بل لقصور هدايته عن تحريك داعيته فكم من شخص يقدم على ما يعلم أنه يضره فقد أعطي الهداية وميز بها عن الجاهل الذي لا يدري أنه يضره ولكن ما أعطى الرشد فالرشد بهذا الاعتبار أكمل من مجرد الهداية إلى وجوه الأعمال وهي نعمة عظيمة وأما التسديد فهو توجيه حركاته إلى صوب المطلوب وتيسرها عليه ليشتد في صوب الصواب في أسرع وقت فإن الهداية بمجردها لا تكفي بل لا بد من هداية محركة للداعية وهي الرشد والرشد لا يكفي بل لا بد من تيسر الحركات بمساعدة الأعضاء والآلات حتى يتم المراد مما انبعثت الداعية إليه فالهداية محض التعريف والرشد هو تنبيه الداعية لتستقيظ وتتحرك والتسديد إعانة ونصرة بتحريك الأعضاء في صوب السداد وأما التأييد فكأنه جامع للكل وهو عبارة عن تقوية أمره بالبصيرة من داخل وتقوية البطش ومساعدة الأسباب من خارج وهو المراد بقوله عز وجل {إذ أيدتك بروح القدس} وتقرب منه العصمة وهى

Section V04/P108–V04/P109

عبارة عن وجود إلهي يسبح في الباطن يقوى به الإنسان على تحري الخير وتجنب الشر يصير كمانع من باطنه غير محسوس وإياه عنى بقوله تعالى {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} فهذه هي مجامع النعم ولن تثبت إلا بما يخوله الله من الفهم الصافي الثاقب والسمع الواعي والقلب البصير المراعي المتواضع والمعلم الناصح والمال الزائد على ما يقصر عن المهمات بقلته القاصر عما يشغل عن الدين بكثرته والعز الذي يصونه عن سفه السفهاء وظلم الأعداء ويستدعي كل واحد من هذه الأسباب الستة عشر أسبابا وتستدعي تلك الأسباب أسبابا إلى أن تنتهي بالآخرة إلى دليل المتحيرين وملجأ المضطرين وذلك رب الأرباب ومسبب الأسباب وإذا كانت تلك الأسباب طويلة لا يحتمل مثل هذا الكتاب استقصاءها فلنذكر منها أنموذجا ليعلم به معنى قوله تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} وبالله التوفيق بيان وجه الأنموذج في كثرة نعم الله تعالى وتسلسلها وخروجها عن الحصر والإحصاء اعلم أنا جمعنا النعم في ستة عشر ضربا وجعلنا صحة البدن نعمة من النعم الواقعة في الرتبة المتأخرة فهذه النعمة الواحدة لو أردنا أن نستقصي الأسباب التي بها تمت هذه النعمة لم نقدر عليها ولكن الأكل أحد أسباب الصحة فلنذكر نبذة من جملة الأسباب التي بها تتم نعمة الأكل فلا يخفى أن الأكل فعل وكل فعل من هذا النوع فهو حركة وكل حركة لا بد لها من جسم متحرك هو آلتها ولا بد لها من قدرة على الحركة ولا بد من إرادة للحركة ولا بد من علم بالمراد وإدراك له ولا بد للأكل من مأكول ولا بد للمأكول من أصل منه يحصل ولا بد له من صانع يصلحه فلنذكر أسباب الإدراك ثم أسباب الإرادات ثم أسباب القدرة ثم أسباب المأكول على سبيل التلويح لا على سبيل الاستقصاء الطرف الأول في نعم الله تعالى في خلق أسباب الإدراك اعلم أن الله تعالى خلق النبات وهو أكمل وجودا من الحجر والمدر والحديد والنحاس وسائر الجواهر التي لا تنمى ولا تغذى فإن النبات خلق فيه قوة بها يجتذب الغذاء إلى نفسه من جهة أصله وعروقه التي في الأرض وهي له آلات فبها يجتذب الغذاء وهي العروق الدقيقة التي تراها في كل ورقة ثم تغلظ أصولها ثم تتشعب ولا تزال تستدق وتتشعب إلى عروق شعرية تنبسط في أجزاء الورقة حتى تغيب عن البصر إلا أن النبات مع هذا الكال ناقص فإنه إذا أعوزه غذاء يساق إليه ويماس أصله جف ويبس ولم يمكنه طلب الغذاء من وضع آخر فإن الطلب إنما يكون بمعرفة المطلوب وبالانتقال إليه والنبات عاجز عن ذلك فمن نعمة الله تعالى عليك أن خلق لك آلات الإحساس وآلة الحركة في طلب الغذاء فانظر إلى ترتيب حكمة الله تعالى في خلق الحواس الخمس التي هي آلة الإدراك فأولها حاسة اللمس وإنما خلقت لك حتى إذا مستك نار محرقة أو سيف جارح تحس به فتهرب منه وهذا أول حس يخلق للحيوان ولا يتصور حيوان إلا ويكون له هذا الحس لأنه إذا لم يحس أصلا فليس بحيوان وأنقص درجات الحس أن يحس بما لا يلاصقه ويماسه فإن الإحساس مما يبعد منه إحساس أتم لا محالة وهذا الحس موجود لكل حيوان حتى الدودة التي في الطين فإنها إذا غرز فيها إبرة انقبضت للهرب لا كالنبات فإن النبات يقطع فلا ينقبض إذ لا يحس بالقطع إلا أنك لو لم يخلق لك إلا هذا الحس لكنت

Section V04/P109–V04/P110

ناقصا كالدودة لا تقدر على طلب الغذاء من حيث يبعد عنك بل ما يمس فتحس به فتجذبه إلى نفسك فقط فافتقرت إلى حس تدرك به ما بعد عنك فخلق لك الشم إلا أنك تدرك به الرائحة ولا تدري أنها جاءت من أي ناحية فتحتاج إلى أن تطوف كثيرا من الجوانب فربما تعثر على الغذاء الذي شممت ريحه وربما لم تعثر فتكون في غاية النقصان لو لم يخلق لك إلا هذا فخلق لك البصر لتدرك به ما بعد عنك وتدرك جهته فتقصد تلك الجهة بعينها إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصا إذ لا تدرك بهذا ما وراء الجدران والحجب فتبصر غذاء ليس بينك وبينه حجاب وتبصر عدوا لا حجاب بينك وبينه وأما ما بينك وبينه حجاب فلا تبصره وقد لا ينكشف الحجاب إلا بعد قرب العدو فتعجز عن الهرب فخلق لك السمع حتى تدرك به الأصوات من وراء الجدران والحجب عند جريان الحركات لأنك لا تدرك بالبصر إلا شيئا حاضرا وأما الغائب فلا يمكنك معرفته إلا بكلام ينتظم من حروف وأصوات تدرك بحس السمع فاشتدت إليه حاجتك فخلق لك ذلك وميزت بفهم الكلام عن سائر الحيوانات وكل ذلك ما كان يغنيك لو لم يكن لك حس الذوق إذ يصل الغذاء إليك فلا تدرك أنه موافق لك أو مخالف فتأكله فتهلك كالشجرة يصب في أصلها كل مائع ولا ذوق لها فتجذب وربما يكون ذلك سبب جفافها ثم كل ذلك لا يكفيك لو لم يخلق في مقدمة دماغك إدراك آخر يسمى حسا مشتركا تتأدى إليه هذه المحسوسات الخمس وتجتمع فيه ولولاه لطال الأمر عليك فإنك إذا أكلت شيئا أصفر مثلا فوجدته مرا مخالفا لك فتركته فإذا رأيته مرة أخرى فلا تعرف أنه مر مضر ما لم تذقه ثانيا لولا الحس المشترك إذ العين تبصر الصفرة ولا تدرك المرارة فكيف تمتنع والذوق يدرك المرارة ولا يدرك الصفرة فلا بد من حاكم تجتمع عنده الصفرة والمرارة جميعا حتى إذا أردت الصفرة حكم أنه مر فيمتنع عن تناوله ثانيا وهذا كله تشاركك فيه الحيوانات إذ للشاة هذه الحواس كلها فلو لم يكن لك إلا هذا لكنت ناقصا فإن البهيمة يحتال عليها فتؤخذ فلا تدري كيف تدفع الحيلة عن نفسها وكيف تتخلص إذا قيدت وقد تلقي نفسها في بئر ولا تدري أن ذلك يهلكها ولذلك قد تأكل البهيمة ما تستلذه في الحال ويضرها في ثاني الحال فتمرض وتموت إذ ليس لها إلا الإحساس بالحاضر فأما إدراك العواقب فلا فميزك الله تعالى وأكرمك بصفة أخرى وهي أشرف من الكل وهو العقل فبه تدرك مضرة الأطعمة ومنفعتها في الحال والمآل وبه تدرك كيفية طبخ الأطعمة وتأليفها وإعداد أسبابها فتنتفع بعقلك في الأكل الذي هو سبب صحتك وهو أحسن فوائد العقل وأقل الحكم فيه بل الحكمة الكبرى فيه معرفة الله تعالى ومعرفة أفعاله ومعرفة الحكمة في عالمه وعند ذلك تنقلب فائدة الحواس الخمس في حقك فتكون الحواس الخمس كالجواسيس وأصحاب الأخبار الموكلين بنواحي المملكة وقد وكلت كل واحدة منها بأمر تختص به فواحدة منها بأخبار الألوان والأخرى بأخبار الأصوات والأخرى بأخبار الروائح والأخرى بأخبار الطعوم والأخرى بأخبار الحر والبرد والخشونة والملاسة واللين والصلابة وغيرها وهذه البرد والجواسيس يقتنصون الأخبار من أقطار المملكة ويسلمونها إلى الحس المشترك والحس المشترك قاعد في مقدمة الدماغ مثل صاحب القصص والكتب على باب الملك يجمع القصص والكتب الواردة من نواحي العالم فيأخذها وهي مختومة ويسلمها إذ ليس له إلا أخذها وجمعها وحفظها فأما معرفة حقائق ما فيها فلا ولكن إذا صادف القلب العاقل الذي هو الأمير والملك سلم الإنهاءات إليه مختومة فيفتشها الملك ويطلع منها على أسرار المملكة ويحكم فيها بأحكام عجيبة لا يمكن استقصاؤها في هذا المقام وبحسب ما يلوح له من الأحكام والمصالح يحرك الجنود وهي الأعضاء مرة في الطلب ومرة في الهرب ومرة في إتمام التدبيرات التي تعن له

Section V04/P110–V04/P111

فهذه سياقة نعمة الله عليك في الإدراكات ولا تظنن أنا استوفيناها فإن الحواس الظاهرة هي بعض الإدراكات والبصر واحد من جملة الحواس والعين آلة واحدة له وقد ركبت العين من عشر طبقات مختلفة بعضها رطوبات وبعضها أغشية وبعض الأغشية كأنها نسج العنكوب وبعضها كالمشيمة وبعض تلك الرطوبات كأنه بياض البيض وبعضها كأنه الجمد ولكل واحدة من هذه الطبقات العشر صفة وصورة وشكل وهيئة وعرض وتدوير وتركيب ولو اختلت طبقة واحدة من جملة العشر أو صفة واحدة من صفات كل طبقة لاختل البصر وعجز عنه الأطباء والكحالون كلهم فهذا في حس واحد فقس به حاسة السمع وسائر الحواس بل لا يمكن أن تستوفي حكم الله تعالى وأنواع نعمه في جسم البصر وطبقاته في مجلدات كثيرة مع أن جملته لا تزيد على جوزة صغيرة فكيف ظنك بجميع البدن وسائر أعضائه وعجائبه فهذه مرامز إلى نعم الله تعالى بخلق الإدراكات الطرف الثاني في أصناف النعم في خلق الإرادات اعلم أنه لو خلق لك البصر حتى تدرك به الغذاء من بعد ولم يخلق لك ميل في الطبع وشوق إليه وشهوة له تستحثك على الحركة لكان البشر معطلا فكم من مريض يرى الطعام وهو أنفع الأشياء له وقد سقطت شهوته فلا يتناوله فيبقى البصر والإدراك معطلا في حقه فاضطررت إلى أن يكون لك ميل إلى ما يوافقك يسمى شهوة ونفرة عما يخالفك تسمى كراهة لتطلب بالشهوة وتهرب بالكراهة فخلق الله تعالى فيك شهوة الطعام وسلطها عليك ووكلها بك كالمتقاصى الذي يضطرك إلى التناول حتى تتناول وتغتذي فتبقى بالغذاء وهذا مما يشاركك فيه الحيوانات دون النبات ثم هذه الشهوة لو لم تسكن إذا أخذت مقدار الحاجة أسرفت وأهلكت نفسك فخلق الله لك الكراهة عند الشبع لتترك الأكل بها لا كالزرع فإنه لا يزال يجتذب الماء إذا انصب في أسفله حتى يفسد فيحتاج إلى آدمي يقدر غذاءه بقدر الحاجة فيسقيه مرة ويقطع عنه الماء أخرى وكما خلقت لك هذه الشهوة حتى تأكل فيبقى به بدنك خلق لك شهوة الجماع حتى تجامع فيبقى به نسلك ولو قصصنا عليك عجائب صنع الله تعالى في خلق الرحم وخلق دم الحيض وتأليف الجنين من المني ودم الحيض وكيفية خلق الأنثيين والعروق السالكة إليها من الفقار الذي هو مستقر النطفة وكيفية انصباب ماء المرأة من الترائب بواسطة العروق وكيفية انقسام مقعر الرحم إلى قوالب تقع النطفة في بعضها فتتشكل بشكل الذكور وتقع في بعضها فتتشكل بشكل الإناث وكيفية إدارتها في أطوار خلقها مضغة وعلقة ثم عظما ولحما ودما وكيفية قسمة أجزائها إلى رأس ويد ورجل وبطن وظهر وسائر الأعضاء لقضيت من أنواع نعم الله تعالى عليك في مبدأ خلقك كل العجب فضلا عما تراه الآن ولكنا لسنا نريد أن نتعرض إلا لنعم الله تعالى في الأكل وحده كي لا يطول الكلام فإذن شهوة الطعام أحد ضروب الإرادات وذلك لا يكفيك فإنه تأتيك المهلكات من الجوانب فلو لم يخلق فيك الغضب الذي به تدفع كل ما يضادك ولا يوافقك لبقيت عرضة للآفات ولأخذ منك كل ما حصلته من الغذاء فإن كل واحد يشتهي ما في يديك فتحتاج إلى داعية في دفعه ومقاتلته وهي داعية الغضب الذي به تدفع كل ما يضادك ولا يوافقك ثم هذا لا يكفيك إذ الشهوة والغضب لا يدعوان إلى إلا ما يضر وينفع في الحال وإما في المآل فلا تكفي فيه هذه الإرادة فخلق الله تعالى لك إرادة أخرى مسخرة تحت إشارة العقل المعرف للعواقب كما خلق الشهوة والغضب مسخرة تحت إدراك الحس المدرك للحالة الحاضرة فتم بها انتفاعك بالعقل إذ كان مجرد المعرفة بأن هذه الشهوة مثلا تضرك لا يغنيك في الاحتراز عنها ما لم يكن لك ميل إلى العمل بموجب المعرفة وهذه الإرادة أفردت بها عن البهائم إكراما لبني آدم كما أفردت بمعرفة العواقب وقد سمينا هذه الإرادة باعثا دينيا وفصلناه في كتاب الصبر تفصيلا أوفى من هذا الطرف الثالث في نعم الله تعالى في خلق القدرة وآلات الحركة

Section V04/P111–V04/P112

اعلم أن الحس لا يفيد إلا الإدراك والإرادة لا معنى لها إلا الميل إلى الطلب والهرب وهذا لا كفاية فيه ما لم تكن فيك آلة الطلب والهرب فكم من مريض مشتاق إلى شيء بعيد عنه مدرك له ولكنه لا يمكنه أن يمشي إليه لفقد رجله أو لا يمكنه أن يتناوله لفقد يده أو لفلج وخدر فيهما فلا بد من آلات للحركة وقدرة في تلك الآلات على الحركة لتكون حركتها بمقتضى الشهوة طلبا وبمقتضى الكراهية هربا فلذلك خلق الله تعالى لك الأعضاء التي تنظر إلى ظاهرها ولا تعرف أسرارها فمنها ما هو للطلب والهرب كالرجل للإنسان والجناح للطير والقوائم للدواب ومنها ما هو للدفع كالأسلحة للإنسان والقرون للحيوان وفي هذا تختلف الحيوانات اختلافا كثيرا فمنها ما يكثر أعداؤه ويبعد غذاؤه فيحتاج إلى سرعة الحركة فخلق له الجناح ليطير بسرعة ومنها ما خلق له أربع قوائم ومنها ما له رجلان ومنها ما يدب وذكر ذلك يطول فلنذكر الأعضاء التي بها يتم الأكل فقط ليقاس عليها غيرها فنقول رؤيتك الطعام من بعد وحركتك إليه لا تكفي ما لم تتمكن من أن تأخذه فافتقرت إلى آلة باطشة فأنعم الله تعالى عليك بخلق اليدين وهم طويلتان ممتدتان إلى الأشياء ومشتملتان على مفاصل كثيرة لتتحرك في الجهات فتمتد وتنثنى إليك فلا تكون كخشبة منصوبة ثم جعل رأس اليد عريضا بخلق الكف ثم قسم رأس الكف بخمسة أقسام هي الأصابع وجعلها في صفين بحيث يكون الإبهام في جانب ويدور على الأربعة الباقية ولو كانت مجتمعة أو متراكمة لم يحصل به تمام غرضك فوضعها وضعا إن بسطتها كانت لك مجرفة وإن ضمتها كانت لك مغرفة وإن جمعتها كانت لك آلة للضرب وإن نشرتها ثم قبضتها كانت لك آلة في القبض ثم خلق لها أظفارا وأسند إليها رءؤس الأصابع حتى لا تتفتت وحتى تلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تحويها الأصابع فتأخذها برءوس أظفارك ثم هب أنك أخذت الطعام باليدين فمن أين يكفيك هذا ما لم يصل إلى المعدة وهي في الباطن فلا بد وأن يكون من الظاهر دهليز إليها حتى يدخل الطعام منه فجعل الفم منفذا إلى المعدة مع ما فيه من الحكم الكثيرة سوى كونه منفذا للطعام إلى المعدة ثم إن وضعت الطعام في الفم وهو قطعة واحدة فلا يتيسر ابتلاعه فتحتاج إلى طاحونة تطحن بها الطعام فخلق لك اللحيين من عظمتين وركب فيهما الأسنان وطبق الأضراس العليا على السفلى لتطحن بهما الطعام طحنا ثم الطعام تارة يحتاج إلى الكسر وتارة إلى القطع ثم يحتاج إلى طحن بعد ذلك فقسم الأسنان إلى عريضة طواحين كالأضراس وإلى حادة قواطع كالرباعيات وإلى ما يصلح للكسر كالأنياب ثم جعل مفصل اللحيين متخلخلا بحيث يتقدم الفك الأسفل ويتأخر حتى يدور على الفك الأعلى دوران الرخى ولولا ذلك لما تيسر إلا ضرب أحدهما على الآخر مثل تصفيق اليدين مثلا وبذلك لا يتم الطحن فجعل اللحي الأسفل متحركا حركة دورية واللحي الأعلى ثابتا لا يتحرك فانظر إلى عجيب صنع الله تعالى فإن كل رحى صنعه الخلق فيثبت منه الحجر الأسفل ويدور الأعلى إلا هذا الرحى الذي صنعه الله تعالى إذ يدور منه الأسفل على الأعلى فسبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه وأتم برهانه وأوسع امتنانه ثم هب أنك وضعت الطعام في فضاء الفم فكيف يتحرك الطعام إلى ما تحت الأسنان أو كيف تستجره الأسنان إلى نفسها وكيف يتصرف باليد في داخل الفم فانظر كيف أنعم الله عليك بخلق اللسان فإنه يطوف في جوانب الفم ويرد الطعام من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة كالمجرفة التي ترد الطعام إلى الرحى

Section V04/P112–V04/P113

هذا مع ما فيه من فائدة الذوق وعجائب قوة النطق والحكم التي لسنا نطنب بذكرها ثم هب أنك قطعت الطعام وطحنته وهو يابس فلا تقدر على الابتلاع إلا بأن ينزلق إلى الحلق بنوع رطوبة فانظر كيف خلق الله تعالى تحت اللسان عينا يفيض اللعاب منها وينصب بقدر الحاجة حتى يتعجن به الطعام فانظر كيف سخرها لهذا الأمر فإنك ترى الطعام من بعد فيثور الحنكان للخدمة وينصب اللعاب حتى تتحلب أشداقك والطعام بعد بعيد عنك ثم هذا الطعام المطحون المتعجن من يوصله إلى المعدة وهو في الفم ولا تقدر على أن تدفعه باليد ولا يد في المعدة حتى تمتد فتجذب الطعام فانظر كيف هيأ الله تعالى المريء والحنجرة وجعل على رأسها طبقات تنفتح لأخذ الطعام ثم تنضغط حتى يتقلب الطعام بضغطه فيهوي إلى المعدة في دهلين المريء فإذا ورد الطعام على المعدة وهو خبز وفاكهة مقطعة فلا يصلح لأن يصير لحما وعظما ودما على هذه الهيئة بل لا بد وأن يطبخ طبخا تاما حتى تتشابه أجزاؤه فخلق الله تعالى المعدة على هيئة قدر فيقع فيها الطعام فتحتوي عليه وتغلق عليه الأبواب فلا يزال لابثا فيها حتى يتم الهضم والنضج بالحرارة التي تحيط بالمعدة من الأعضاء الباطنة إذ من جانبها الأيمن الكبد ومن الأيسر الطحال ومن قدام الترائب ومن خلف لحم الصلب فتتعدى الحرارة إليها من تسخين هذه الأعضاء من الجوانب حتى ينطبخ الطعام ويصير مائعا متشابها يصلح للنفوذ في تجاويف العروق وعند ذلك يشبه ماء الشعير فى تشابه أجزائه ووقته وهو بعد لا يصلح للتغذية فخلق الله تعالى بينها وبين الكبد مجاري من العروق وجعل لها فوهات كثيرة حتى يصب الطعام فيها فينتهي إلى الكبد والكبد معجون من طينة الدم حتى كأنه دم وفيه عروق كثيرة شعرية منتشرة في أجزاء الكبد فينصب الطعام الرقيق النافذ فيها وينتشر في أجزائها حتى تستولي عليه قوة الكبد فتصبغه بلون الدم فيستقر فيها ريثما يحصل له نضج آخر ويحصل له هيئة الدم الصافي الصالح لغذاء الأعضاء إلا أن حرارة الكبد هي التي تنضج هذا الدم فيتولد من هذا الدم فضلتان كما يتولد في جميع ما يطبخ إحداهما شبيهة بالدردي والعكر وهو الخلط السوداوي والأخرى شبيهة بالرغوة وهي الصفراء ولو لم تفصل عنها الفضلتان فسد مزاج الأعضاء فخلق الله تعالى المرارة والطحال وجعل لكل واحد منهما عنقا ممدودا إلى الكبد داخلا في تجويفه فتجذب المرارة الفضلة الصفراوية ويجذب الطحال العكر السوداوي فيبقى الدم صافيا ليس فيه إلا زيادة رقة ورطوبة لما فيه من المائية ولولاها لما انتشر في تلك العروق الشعرية ولا خرج منها متصاعدا إلا الأعضاء فخلق الله سبحانه الكليتين وأخرج من كل واحدة منهما عنقا طويلا إلى الكبد ومن عجائب حكمة الله تعالى أن عنقهما ليس داخلا في تجويف الكبد بل متصل بالعروق الطالعة من حدبة الكبد ومن عجائب حكمة الله تعالى أن عنقهما ليس داخلا في تجويف الكبد بل متصل بالعروق الطالعة من حدبة الكبد حتى يجذب ما يليها بعد الطلوع من العروق الدقيقة التي في الكبد إذ لو اجتذب قبل ذلك لغلظ ولم يخرج من العروق فإذا انفصلت منه المائية فقد صار الدم صافيا من الفضلات الثلاث نقيا من كل ما يفسد الغذاء ثم إن الله تعالى أطلع من الكبد عروقا ثم قسمها بعد الطلوع أقساما وشعب كل قسم بشعب وانتشر ذلك في البدن كله من الفرق إلى القدم ظاهرا وباطنا فيجري الدم الصافي فيها ويصل إلى سائر الأعضاء حتى تصير العروق المنقسمة شعرية كعروق الأوراق والأشجار بحيث لا تدرك بالأبصار فيصل منها الغذاء بالرشح إلى سائر الأعضاء ولو حلت بالمرارة آفة فلم تجذب الفضلة الصفراوية فسد الدم وحصل منه الأمراض الصفراوية كاليرقان والبثور والحمرة وإن حلت بالطحال آفة فلم يجذب الخلط السوداوي حدثت الأمراض السوداوية كالبهق والجذام والم اليخوليا وغيرها وإن لم تندفع المائية نحو الكلى حدث منه الاستسقاء وغيره ثم انظر إلى حكمة الفاطر الحكيم كيف رتب المنافع على هذه الفضلات الثلاث الخسيسة أما المرارة فإنها تجذب بأحد عنقيها وتقذف

Section V04/P113–V04/P114

بالعنق الآخر إلى الأمعاء ليحصل له في ثفل الطعام رطوبة مزلقة ويحدث في الأمعاء لذع يحركها للدفع فتنضغط حتى يندفع الثفل وينزلق وتكون صفرته لذلك وأما الطحال فإنه يحيل تلك الفضلة إحالة يحصل بها فيه حموضة وقبض ثم يرسل منها كل يوم شيئا إلى فم المعدة فيحرك الشهوة بحموضته وينبهها ويثيرها ويخرج الباقي مع الثفل وأما الكلية فإنها تغتذي بما في تلك المائية من دم وترسل الباقي إلى المثانة ولنقتصر على هذا القدر من بيان نعم الله تعالى في الأسباب التي أعدت للأكل ولو ذكرنا كيفية احتياج الكبد إلى القلب والدماغ واحتياج كل واحد من هذه الأعضاء الرئيسية إلى صاحبه وكيفية انشعاب العروق الضوارب من القلب إلى سائر البدن وبواسطتها يصل الحس وكيفية انشعاب العروق السواكن من الكبد إلى سائر البدن وبواسطتها يصل الغذاء ثم كيفية تركب الأعضاء وعدد عظامها وعضلاتها وعروقها وأوتارها ورباطاتها وغضاريفها ورطوباتها لطال الكلام وكل ذلك محتاج إليه للأكل ولأمور أخر سواه بل في الآدمي آلاف من العضلات والعروق والأعصاب مختلفة بالصغر والكبر والدقة والغلظ وكثرة الانقسام وقلته ولا شيء منها إلا وفيه حكمة أو اثنتان أو ثلاث أو أربع إلى عشر وزيادة وكل ذلك نعم من الله تعالى عليك لو سكن من جملتها عرق متحرك أو تحرك عرق ساكن لهلكت يا مسكين فانظر إلى نعمة الله تعالى عليك أو لا لتقوى بعدها على الشكر فإنك لا تعرف من نعمة الله سبحانه إلا الأكل وهو أخسها ثم لا تعرف منها إلا أنك تجوع فتأكل والحمار أيضا يعلم أنه يجوع فيأكل ويتعب فينام ويشتهي فيجامع ويستنهض فينهض ويرمح فإذا لم تعرف أنت من نفسك إلا ما يعرف الحمار فكيف تقوم بشكر نعمة الله عليك وهذا الذي رمزنا إليه على الإيجاز قطرة من بحر واحد من بحار نعم الله فقط فقس على الإجمال ما أهملناه من جملة ما عرفناه حذرا من التطويل وجملة ما عرفناه وعرفه الخلق كلهم بالإضافة إلى ما لم يعرفوه من نعم الله تعالى أقل من قطرة من بحر إلا أن من علم شيئا من هذا أدرك شمة من معاني قوله تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} ثم انظر كيف ربط الله تعالى قوام هذه الأعضاء وقوام منافعها وإدراكاتها وقواها ببخار لطيف يتصاعد من الأخلاط الأربعة ومستقره القلب ويسري في جميع البدن بواسطة العروق الضوارب فلا ينتهي إلى جزء من أجزاء البدن إلا ويحدث عند وصوله في تلك الأجزاء ما يحتاج إليه من قوة حس وإدراك وقوة حركة وغيرها كالسراج الذي يدار في أطراف البيت فلا يصل إلى جزء إلا ويحصل بسبب وصوله ضوء على أجزاء البيت من خلق الله تعالى واختراعه ولكنه جعل السراج سببا له بحكمته وهذا البخار اللطيف هو الذي تسميه الأطباء الروح ومحله القلب ومثاله جرم نار السراج والقلب له كالمسرجة والدم الأسود الذي في باطن القلب له كالفتيلة والغذاء له كالزيت والحياة الظاهرة في سائر أعضاء البدن بسببه كالضوء للسراج في جملة البيت وكما أن السراج إذا انقطع زيته انطفأ فسراج الروح أيضا ينطفىء مهما انقطع غذاؤه وكما أن الفتيلة قد تحترق فتصير رمادا بحيث لا تقبل الزيت فينطفىء السراج مع كثرة الزيت فكذلك الدم الذي تشبث به هذا البخار في القلب قد يحترق بفرط حرارة القلب فينطفىء مع وجود الغذاء فإنه لا يقبل الغذاء الذي يبقى به الروح كما لا يقبل الرماد الزيت قبولا تتشبث النار به وكما أن السراج تارة ينطفىء بسبب من داخل كما ذكرناه وتارة بسبب من خارج كريح عاصف فكذلك الروح تارة تنطفىء بسبب من داخل وتارة بسبب من خارج وهو القتل وكما أن انطفاء السراج بفناء الزيت أو بفساد الفتيلة أو بريح عاصف أو بإطفاء إنسان لا يكون إلا بأسباب مقدرة في علم الله مرتبة ويكون كل ذلك بقدر فكذلك انطفاء الروح وكما أن انطفاء السراج هو منتهى وقت وجوده فيكون ذلك أجله الذي أجل له في أم الكتاب فكذلك انطفاء الروح وكما أن السراج إذا انطفأ أظلم البيت كله فالروح إذا انطفأ أظلم

Section V04/P114–V04/P115

البدن كله وفارقته أنواره التي كان يستفيدها من الروح وهي أنوار الإحساسات والقدر والإرادات وسائر ما يجمعها معنى لفظ الحياة فهذا أيضا رمز وجيز إلى عالم آخر من عوالم نعم الله تعالى وعجائب صنعه وحكمته ليعلم أنه {لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} عز وجل فتعسا لمن كفر بالله تعسا وسحقا لمن كفر نعمته سحقا فإن قلت فقد وصفت الروح ومثلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الروح فلم يزد عن أن قال {قل الروح من أمر ربي} فلم يصفه لهم على هذا الوجه فاعلم أن هذه غفلة عن الاشتراك الواقع في لفظ الروح فإن الروح يطلق لمعان كثيرة لا نطول بذكرها نحن إنما وصفنا من جملتها جسما لطيفا تسميه الأطباء روحا وقد عرفوا صفته ووجوده وكيفية سريانه في الأعضاء وكيفية حصول الإحساس والقوى في الأعضاء به حتى إذا خدر بعض الأعضاء علموا أن ذلك لوقوع سدة في مجرى هذا الروح فلا يعالجون موضع الخدر بل منابت الأعصاب ومواقع السدة فيها ويعالجونها بما يفتح السدة فإن هذا الجسم بلطفه ينفذ في شباك العصب وبواسطته يتأدى من القلب إلى سائر الأعضاء وما يرتقي إليه معرفة الأطباء فأمره سهل نازل وأما الروح التي هي الأصل وهي التي إذا فسدت فسد لها سائر البدن فذلك سر من أسرار الله تعالى لم نصفه ولا رخصة في وصفة إلا بأن يقال هو أمر رباني كما قال تعالى {قل الروح من أمر ربي} والأمور الربانية لا تحتمل العقول وصفها بل تتحير فيها عقول أكثر الخلق وأما الأوهام والخبالات فقاصرة عنها بالضرورة قصور البصر عن إدراك الأصوات وتتزلزل في ذكر مبادىء وصفها معاقد العقول المقيدة بالجوهر والعرض المحبوسة في مضيقها فلا يدرك بالعقل شيء من وصفه بل بنور آخر أعلى وأشرف من العقل يشرق ذلك النور في عالم النبوة والولاية نسبته إلى العقل نسبة العقل إلى الوهم والخيال وقد خلق الله تعالى الخلق أطوارا فكما يدرك الصبي المحسوسات ولا يدرك المعقولات لأن ذلك طور لم يبلغه بعد فكذلك يدرك البالغ المعقولات ولا يدرك ما وراءها لأن ذلك طور لم يبلغه بعد وإنه لمقام شريف ومشرب عذب ورتبة عالية فيها يلحظ جنات الحق بنور الإيمان واليقين وذلك المشرب أعز من أن يكون شريعة لكل وارد بل لا يطلع عليه إلا واحد بعد واحد ولجناب الحق صدر وفي مقدمة الصدر مجال وميدان رحب وعلى أول الميدان عتبة هي مستقر ذلك الأمر الرباني فمن لم يكن له على هذه العتبة جواز ولا لحافظ العتبة مشاهدة واستحال أن يصل الميدان فكيف بالانتهاء إلى ما وراءه من المشاهدات العالية ولذلك قيل من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه وأنى يصادف هذا خزانة الأطباء ومن أين للطبيب أن يلاحظه بل المعنى المسمى روحا عند الطبيب بالإضافة إلى هذا الأمر الرباني كالكرة التي يحركها صولجان الملك بالإضافة إلى الملك فمن عرف الروح الطبي فظن أنه أدرك الأمر الرباني كان كمن رأى الكرة التي يحركها صولجان الملك فظن أنه رأى الملك ولا يشك في أن خطأه فاحش وهذا الخطأ أفحش منه جدا ولما كانت العقول التي بها يحصل التكليف وبها تدرك مصالح الدنيا عقولا قاصرة عن ملاحظة كنه هذا الأمر لم يأذن الله تعالى لرسول صلى الله عليه وسلم أن يتحدث عنه بل أمره أن يكلم الناس على قدر عقولهم ولم يذكر الله تعالى في كتابه من حقيقة هذا الأمر شيئا ولكن ذكر نسبته وفعله ولم يذكر ذاته أما نسبته ففي قوله تعالى {من أمر ربي} وأما فعله فقد ذكر في قوله تعالى ياأيها النفس {المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} ولنرجع الآن إلى الغرض فإن المقصود ذكر نعم الله تعالى في الأكل فقد ذكرنا بعض نعم الله تعالى في آلات الأكل الطرف الرابع في نعم الله تعالى في الأصول التي يحصل منها الأطعمة وتصير صالحة لأن يصلحها الآدمي بعد ذلك بصنعته

Section V04/P115–V04/P116

اعلم أن الأطعمة كثيرة ولله تعالى في خلقها عجائب كثيرة لا تحصى وأسباب متوالية لا تتناهى وذكر ذلك في كل طعام مما يطول فإن الأطعمة إما أدوية وإما فواكه وإما أغذية فلنأخذ الأغذية فإنها الأصل ولنأخذ من جملتها حبة من البر ولندع سائر الأغذية فنقول إذا وجدت حبة أو حبات فلو أكلتها فنيت وبقيت جائعا فما أحوجك إلى أن تنمو الحبة في نفسها وتزيد وتتضاعف حتى تفي بتمام حاجتك فخلق الله تعالى في حبة الحنطة من القوى ما يغتذى به كما خلق فيك فإن النبات إنما يفارقك في الحس والحركة ولا يخالفك في الاغتذاء لأنه يغتذي بالماء ويجتذب إلى باطنه بواسطة العروق كما تغتذى أنت وتجتذب ولسنا نطنب في ذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء إلى نفسه ولكن نشير إلى غذائه فنقول كما أن الخشب والتراب لا يغذيك بل تحتاج إلى طعام مخصوص فكذلك الحبة لا تغتذي بكل شيء بل تحتاج إلى شيء مخصوص بدليل أنك لو تركتها في البيت لم تزد لأنه ليس يحيط بها إلا هواء ومجرد الهواء لا يصلح لغذائها ولو تركنها في الماء لم تزد ولو تركنها في أرض لا ماء فيها لم تزد بل لا بد من أرض فيها ماء يمتزج ماؤها بالأرض فيصير طينا وإليه الإشارة بقوله تعالى {فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا} الآية ثم لا يكفي الماء والتراب إذ لو تركت في أرض ندية صلبة متراكمة لم تنبت لفقد الهواء فيحتاج إلى تركها في أرض رجوة متخلخلة يتغلغل الهواء إليها ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه فيحتاج إلى ريح تحرك الهواء وتضربه بقهر وعنف على الأرض حتى ينفذ فيها وإليه الإشارة بقوله تعالى {وأرسلنا الرياح لواقح} وإنما إلقاحها في إيقاع الازدواج بين الهواء والماء والأرض ثم كل ذلك لا يغنيك لو كان في برد مفرط وشتاء شات فتحتاج إلى حرارة الربيع والصيف فقد بان احتياج غذائه إلى هذه الأربعة فانظر إلى ماذا يحتاج كل واحد إذ يحتاج الماء لينساق إلى أرض الزراعة من البحار والعيون والأنهار والسواقي فانظر كيف خلق الله البحار وفجر العيون وأجرى منها الأنهار ثم الأرض ربما تكون مرتفعة والمياه لا ترتفع إليها فانظر كيف خلق الله تعالى الغيوم وكيف سلط الرياح عليها لتسوقها بإذنه إلى أقطار الأرض وهي سحب ثقال حوامل بالماء ثم انظر كيف يرسله مدرارا على الأراضي في وقت الربيع والخريف على حسب الحاجة وانظر كيف خلق الجبال حافظة للمياه تتفجر منها العيون تدريجا فلو خرجت دفعة لغرقت البلاد وهلك الزرع والمواشي ونعم الله في الجبال والسحاب والبحار والأمطار لا يمكن إحصاؤها وأما الحرارة فإنها لا تحصل بين الماء والأرض وكلاهما باردان فانظر كيف سخر الشمس وكيف خلقها مع بعدها عن الأرض مسخنة للأرض في وقت دون وقت ليحصل البرد عند الحاجة إلى البرد والحر عند الحاجة إلى الحر فهذه إحدى حكم الشمس والحكم فيها أكثر من أن تحصى ثم النبات إذا ارتفع عن الأرض كان في الفواكه انعقاد وصلابة فتفتقر إلى رطوبة تنضجها فانظر كيف خلق القمر وجعل من خاصيته الترطيب كما جعل من خاصية الشمس التسخين فهو ينضج الفواكه ويصبغها بتقدير الفاطر الحكيم ولذلك لو كانت الأشجار في ظل يمنع شروق الشمس والقمر وسائر

Section V04/P116–V04/P117

الكواكب عليها لكانت فاسدة ناقصة حتى إن الشجرة الصغيرة تفسد إذا ظللتها شجرة كبيرة وتعرف ترطيب القمر بأن تكشف رأسك له بالليل فتغلب على رأسك الرطوبة التي يعبر عنها بالزكام فكما يرطب رأسك يرطب الفاكهة أيضا ولا نطول فيما لا مطمع في استقصائه بل نقول كل كوكب في السماء فقد سخر لنوع فائدة كما سخرت الشمس للتسخين والقمر للترطيب فلا يخلو واحد منها عن حكم كثيرة لا تفي قوة البشر بإحصائها ولو لم يكن كذلك لكان خلقها عبثا وباطلا ولم يصح قوله تعالى {ربنا ما خلقت هذا باطلا} وقوله عز وجل وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين وكما أنه ليس في أعضاء بدنك عضو إلا لفائدة فليس في أعضاء بدن العالم عضو إلا لفائدة والعالم كله كشخص واحد وآحاد أجسامه كالأعضاء له وهي متعاونة تعاون أعضاء بدنك في جملة بدنك وشرح ذلك يطول ولا ينبغي أن تظن أن الإيمان بأن النجوم والشمس والقمر مسخرات بأمر الله سبحانه في أمور جعلت أسبابا لها بحكم الحكمة مخالف للشرع لما ورد فيه من النهي عن تصديق المنجمين وعن علم النجوم // حديث النهي عن تصديق المنجمين وعن علم النجوم أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح من حديث ابن عباس من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد وللطبرانى من حديث ابن مسعود وثوبان إذا ذكرت النجوم فأمسكوا وإسنادهما ضعيف وقد تقدم فى العلم ولمسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمى قال قلت يا رسول لله أمورا كنا نصنعها فى الجاهلية كنا نأتى الكهان قال فلا تأتوا الكهان الحديث بل المنهي عنه في النجوم أمران أحدهما أن تصدق بأنها فاعلة لآثارها مستقلة بها وأنها ليست مسخرة تحت تدبير مدبر خلقها وقهرها وهذا كفر والثاني تصديق المنجمين في تفصيل ما يخبرون عنه من الآثار التي لا يشترك كافة الخلق في دركها لأنهم يقولون ذلك عن جهل فإن علم أحكام النجوم كان معجزة لبعض الأنبياء عليهم السلام ثم اندرس ذلك العلم فلم يبق إلا ما هو مختلط لا يتميز فيه الصواب عن الخطأ فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار تحصل بخلق الله تعالى في الأرض وفي النبات وفي الحيوان ليس قادحا في الدين بل هو حق ولكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل قادح في الدين ولذلك إذا كان معك ثوب غسلته وتريد تجفيفه فقال لك غيرك أخرج الثوب وابسطه فإن الشمس قد طلعت وحمي النهار والهواء لا يلزمك تكذيبه ولا يلزمك الإنكار عليه بحوالته حمي الهواء على طلوع الشمس وإذا سألت عن تغيير وجه الإنسان فقال قرعتني الشمس في الطريق فاسود وجهي لم يلزمك تكذيبه بذلك وقس بهذا سائر الآثار إلا أن الآثار بعضها معلوم وبعضها مجهول فالمجهول لا يجوز دعوى العلم فيه والمعلوم بعضه معلوم للناس كافة كحصول الضياء والحرارة بطلوع الشمس وبعضه لبعض الناس كحصول الزكام بشروق القمر فإذن الكواكب ما خلقت عبثا بل فيها حكم كثيرة لا تحصى ولهذا نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء وقرأ قوله تعالى ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ثم قال صلى الله عليه وسلم ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته حديث قرأ قوله تعالى ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ثم قال ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته أى ترك تأملها أخرجه الثعلبى من حديث ابن عباس بلفظ ولم يتفكر فيها وفيه أبو جناب يحيى بن أبى حبة ضعيف ومعناه أن يقرأ ويترك التأمل ويقتصر من فهم ملكوت السموات على أن يعرف لون السماء وضوء الكواكب وذلك مما تعرفه البهائم أيضا فمن قنع منه بمعرفة ذلك فهو الذي مسح بها سبلته فلله تعالى في ملكوت السموات والآفاق والأنفس والحيوانات عجائب يطلب معرفتها المحبون لله تعالى فإن من أحب عالما فلا يزال مشغولا بطلب تصانيفه ليزداد بمزيد الوقوف على عجائب علمه حبا له فكذلك الأمر في عجائب صنع الله تعالى فإن العالم

Section V04/P117–V04/P118

كله من تصنيفه بل تصنيف المصنفين من تصنيفه الذي صنفه بواسطة قلوب عباده فإن تعجبت من تصنيف فلا تتعجب من المصنف بل من الذي سخر المصنف لتصنيفه بما أنعم عليه من هدايته وتسديده وتعريفه كما إذا رأيت لعب المشعوذ ترقص وتتحرك حركات موزونة متناسبة فلا تعجب من اللعب فإنها خرق محركة لا متحركة ولكن تعجب من حذق المشعوذ المحرك لها بروابط دقيقة خفية عن الأبصار فإذن المقصود أن غذاء النبات لا يتم إلا بالماء والهواء والشمس والقمر والكواكب ولا يتم ذلك إلا بالأفلاك التي هي مركوزة فيها ولا تتم الأفلاك إلا بحركانها ولا تتم حركاتها إلا بملائكة سماوية يحركونها وكذلك يتمادى ذلك إلى أسباب بعيدة تركنا ذكرها تنبيها بما ذكرناه على ما أهملناه ولنقتصر على هذا من ذكر أسباب غذاء النبات الطرف الخامس في نعم الله تعالى في الأسباب الموصلة للأطعمة إليك اعلم أن هذه الأطعمة كلها لا توجد في كل مكان بل لها شروط مخصوصة لأجلها توجد في بعض الأماكن دون بعض والناس منتشرون على وجه الأرض وقد تبعد عنهم الأطعمة ويحول بينهم وبينها البحار والبراري فانظر كيف سخر الله تعالى التجار وسلط عليهم حرص حب المال وشهوة الربح مع أنهم لا يغنيهم في غالب الأمر شيء بل يجمعون فإما أن تغرق بها السفن أو تنهبها قطاع الطريق أو يموتوا في بعض البلاد فيأخذها السلاطين وأحسن أحوالهم أن يأخذها ورثتهم وهم أشد أعدائهم لو عرفوا فانظر كيف سلط الله الجهل والغفلة عليهم حتى يقاسوا الشدائد في طلب الربح ويركبوا الأخطار ويغرروا بالأرواح في ركوب البحر فيحملون الأطعمة وأنواع الحوائج من أقصى الشرق والغرب إليك وانظر كيف علمهم الله تعالى صناعة السفن وكيفية الركوب فيها وانظر كيف خلق الحيوانات وسخرها للركوب والحمل في البراري وانظر إلى الإبل كيف خلقت وإلى الفرس كيف أمدت بسرعة الحركة وإلى الحمار كيف جعل صبورا على التعب وإلى الجمال كيف تقطع البراري وتطوي المراحل تحت الأعباء الثقيلة على الجوع والعطش وانظر كيف سيرهم الله تعالى بواسطة السفن والحيوانات في البر والبحر ليحملوا إليك الأطعمة وسائر الحوائج وتأمل ما يحتاج إليه الحيوانات من أسبابها وأدواتها وعلفها وما تحتاج إليه السفن فقد خلق الله تعالى جميع ذلك إلى حد الحاجة وفوق الحاجة وإحصاء ذلك غير ممكن ويتمادى ذلك إلى أمور خارجة عن الحصر نرى تركها طلبا للإيجاز الطرف السادس في إصلاح الأطعمة اعلم أن الذي ينبت في الأرض من النبات وما يخلق من الحيوانات لا يمكن أن يقضم ويؤكل وهو كذلك بل لا بد في كل واحد من إصلاح وطبخ وتركيب وتنظيف بإلقاء البعض وإبقاء البعض إلى أمور أخر لا تحصى واستقصاء ذلك في كل طعام يطول فلنعين رغيفا واحدا ولننظر إلى ما يحتاج إليه الرغيف الواحد حتى يستدير ويصلح للأكل من بعد إلقاء البذر في الأرض فأول ما يحتاج إليه الحارث ليزرع ويصلح الأرض ثم الثور الذي يثير الأرض والفدان وجميع أسبابه ثم بعد ذلك التعهد بسقي الماء مدة ثم تنقية الأرض من الحشيش ثم الحصاد ثم الفرك والتنقية ثم الطحن ثم العجين ثم الخير فتأمل عدد هذه الأفعال التي ذكرناها وما لم نذكره وعدد الأشخاص القائمين بها وعدد الآلات التي يحتاج إليها من الحديد والخشب والحجر وغيره وانظر إلى أعمال الصناع في إصلاح آلات الحراثة والطحن والخبز من نجار وحداد وغيرهما وانظر إلى حاجة الحداد إلى الحديد والرصاص والنحاس وانظر كيف خلق الله تعالى

Section V04/P118–V04/P119

الجبال والأحجار والمعادن وكيف جعل الأرض قطعا متجاورات مختلفة فإن فتشت علمت أن رغيفا واحدا لا يستدير بحيث يصلح لأكلك يا مسكين مالم يعمل عليه أكثر من ألف صانع فابتدىء من الملك الذي يزجي السحاب لينزل الماء إلى آخر الأعمال من جهة الملائكة حتى تنتهى النوبة إلى عمل الإنسان فإذا استدار طلبه قريب من سبعة آلاف صانع كل صانع أصل من أصول الصنائع التي بها تتم مصلحة الخلق ثم تأمل كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات حتى إن الإبرة التي هي آلة صغيرة فائدتها خياطة اللباس الذي يمنع البرد عنك لا تكمل صورتها من حديدة تصلح للإبرة إلا بعد أن تمر على يد الإبري خمسا وعشرين مرة ويتعاطى في كل مرة منها عملا فلو لم يجمع الله تعالى البلاد ولم يسخر العباد وافتقرت إلى عمل المنجل الذي تحصد به البر مثلا بعد نباته لنفذ عمرك وعجزت عنه أفلا ترى كيف هدى الله عبده الذي خلقه من نطفة قذرة لأن يعمل هذه الأعمال العجيبة والصنائع الغريبة فانظر إلى المقراض مثلا وهما جلمان متطابقان ينطبق أحدهما على الآخر فيتناولان الشيء معا ويقطعانه بسرعة ولو لم يكشف الله تعالى طريق اتخاذه بفضله وكرمه لمن قبلنا وافتقرنا إلى استنباط الطريق فيه بفكرنا ثم إلى استخراج الحديد من الحجر وإلى تحصيل الآلات التي بها يعمل المقراض وعمر الواحد منا عمر نوح وأوتي أكمل العقول لقصر عمره عن استنباط الطريق في إصلاح هذه الآلة وحدها فضلا عن غيرها فسبحان من الحق ذوي الأبصار بالعميان وسبحان من منع النبيين مع هذا البيان فانظر الآن لو خلا بلدك عن الطحان مثلا أو عن الحداد أو عن الحجام الذي هو أخس العمال أو عن الحائك أو عن واحد من جملة الصناع ماذا يصيبك من الأذى وكيف تضطرب عليك أمورك كلها فسبحان من سخر بعض العباد لبعض حتى نفذت به مشيئته وتمت به حكمته ولنوجز القول في هذه الطبقة أيضا فإن الغرض التنبيه على النعم دون الاستقصاء الطرف السابع في إصلاح المصلحين اعلم أن هؤلاء الصناع المصلحين للأطعمة وغيرها لو تفرقت آراؤهم وتنافرت طباعهم تنافر طباع الوحش لتبددوا وتباعدوا ولم ينتفع بعضهم ببعض بل كانوا كالوحوش لا يحويهم مكان واحد ولا يجمعهم غرض واحد فانظر كيف ألف الله تعالى بين قلوبهم وسلط الأنس والمحبة عليهم {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} فلأجل الإلف وتعارف الأرواح اجتمعوا وائتلفوا وبنوا المدن والبلاد ورتبوا المساكن والدور متقاربة متجاورة ورتبوا الأسواق والخانات وسائر أصناف البقاع مما يطول إحصاؤه ثم هذه المحبة تزول بأغراض يتزاحمون عليها ويتنافسون فيها ففي جبلة الإنسان الغيظ والحسد والمنافسة وذلك مما يؤدي إلى التقاتل والتنافر فانظر كيف سلط الله تعالى السلاطين وأمدهم بالقوة والعدة والأسباب وألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتى أذعنوا لهم طوعا وكرها وكيف هدى السلاطين إلى طريق إصلاح البلاد حتى رتبوا أجزاء البلد كأنها أجزاء شخص واحد تتعاون على غرض واحد ينتفع البعض منها بالبعض فرتبوا الرؤساء والقضاة والسجن وزعماء الأسواق واضطروا الخلق إلى قانون العدل وألزموهم التساعد والتعاون حتى صار الحداد ينتفع بالقصاب والخباز وسائر أهل البلد وكلهم ينتفعون بالحداد وصار الحجام ينتفع بالحراث والحراث بالحجام وينتفع كل واحد بكل واحد بسبب ترتيبهم واجتماعهم وانضباطهم تحت ترتيب السلطان وجمعه كما يتعاون جميع أعضاء البدن وينتفع بعضها ببعض وانظر كيف بعث الأنبياء عليهم السلام حتى أصلحوا السلاطين المصلحين للرعايا وعرفوهم قوانين الشرع في حفظ العدل بين الخلق وقوانين السياسة في ضبطهم وكشفوا من أحكام الإمامة والسلطنة وأحكام الفقه

Section V04/P119–V04/P120

ما اهتدوا به إلى إصلاح الدنيا فضلا عما أرشدوهم إليه من إصلاح الدين وانظر كيف أصلح الله تعالى الأنبياء بالملائكة وكيف أصلح الملائكة بعضهم ببعض إلى أن ينتهي إلى الملك المقرب الذى لاواسطه بينه وبين الله تعالى فالخباز يخبز العجين والطحان يصلح الحب بالطحن والحراث يصلحه بالحصاد والحداد يصلح آلات الحراثة والنجار يصلح آلات الحداد وكذا جميع أرباب الصناعات المصلحين لآلات الأطعمة والسلطان يصلح الصناع والأنبياء يصلحون العلماء الذين هم ورثتهم والعلماء يصلحون السلاطين والملائكة يصلحون الأنبياء إلى أن ينتهي إلى حضرة الربوبية التي هي ينبوع كل نظام ومطلع كل حسن وجمال ومنشأ كل ترتيب وتأليف وكل ذلك نعم من رب الأرباب ومسبب الأسباب ولولا فضله وكرمه إذ قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} لما اهتدينا إلى هذه النبذة اليسيرة من نعم الله تعالى ولولا عزله إيانا عن أن نطمح بعين الطمع إلى الإحاطة بكنه نعمه لتشوفنا إلى طلب الإحاطة والاستقصاء ولكنه تعالى عزلنا بحكم القهر والقدرة فقال تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} فإن تكلمنا فبإذنه انبسطنا وإن سكنا فبقهره انقبضنا إذ لا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى لأنا في كل لحظة من لحظات العمر قبل الموت نسمع بسمع القلوب نداء الملك الجبار {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} فالحمد لله الذي ميزنا عن الكفار وأسمعنا هذا النداء قبل انقضاء الأعمار الطرف الثامن في بيان نعمة الله تعالى في خلق الملائكة عليهم السلام ليس يخفى عليك ما سبق من نعمة الله في خلق الملائكة بإصلاح الأنبياء عليهم السلام وهدايتهم وتبليغ الوحي إليهم ولا تظنن أنهم مقتصرون في أفعالهم على ذلك القدر بل طبقات الملائكة مع كثرتها وترتيب مراتبها تنحصر بالجملة في ثلاث طبقات الملائكة الأرضية والسماوية وحملة العرش فانظر كيف وكلهم الله تعالى بك فيما يرجع إلى الأكل والغذاء الذي ذكرناه دون ما يجاوز ذلك من الهداية والإرشاد وغيرهما واعلم أن كل جزء من أجزاء بدنك بل من أجزاء النبات لا يغتذي إلا بأن يوكل به سبعة من الملائكة هو أقله إلى عشرة إلى مائة إلى ما وراء ذلك وبيانه أن معنى الغذاء أن يقوم جزء من الغذاء مقام جزء وقد تلف وذلك الغذاء يصير دما في آخر الأمر ثم يصير لحما وعظما وإذا صار لحما وعظما تم اغتذاؤك والدم واللحم أجسام ليس لها قدرة ومعرفة واختيار فهي لا تتحرك بأنفسها ولا تتغير بأنفسها ومجرد الطبع لا يكفي في ترددها في أطوارها كما أن البر بنفسه لا يصير طحينا ثم عجينا ثم خبزا مستديرا مخبوزا إلا بصناع فكذلك الدم بنفسه لا يصير لحما وعظما وعروقا وعصبا إلا بصناع والصناع في الباطن هم الملائكة كما أن الصناع في الظاهر هم أهل البلد وقد أسبغ الله تعالى عليك نعمه ظاهرة وباطنة فلا ينبغي أن تغفل عن نعمه الباطنة فأقول لا بد من ملك يجذب الغذاء إلى جوار اللحم والعظم فإن الغذاء لا يتحرك بنفسه ولا بد من ملك آخر يمسك الغذاء في جواره ولا بد من ثالث يخلع عليه صورة الدم ولا بد من رابع يكسوه صورة اللحم والعروق أو العظم ولا بد من خامس يدفع الفضل الفاضل عن حاجة الغذاء ولا بد من سادس يلصق ما اكتسب صفة العظم بالعظم وما اكتسب صفة اللحم باللحم حتى لا يكون منفصلا ولا بد من سابع يرعى المقادير في الإلصاق فيلحق بالمستدير ما لا يبطل استدارته وبالعريض ما لا يزيل عرضه وبالمجوف ما لا يبطل تجويفه ويحفظ على كل واحد قدر حاجته فإنه لو جمع مثلا من الغذاء على أنف الصبي ما يجمع على فخذه لكبر أنفه وبطل تجويفه وتشوهت صورته وخلقته بل ينبغي أن يسوق إلى الأجفان مع رقتها وإلى الحدقة مع صفائها وإلى الأفخاذ مع غلظها وإلى العظم مع صلابته ما يليق بكل واحد منها من حيث القدر والشكل وإلا بطلت الصورة

Section V04/P120–V04/P121

وربا بعض المواضع وضعف بعض المواضع بل لو لم يراع هذا الملك العادل في القسمة والتقسيط فساق إلى رأس الصبي وسائر بدنه من الغذاء ما ينمو به إلا إحدى الرجلين مثلا لبقيت تلك الرجل كما كانت في حد الصغر وكبر جميع البدن فكنت ترى شخصا في ضخامة رجل وله رجل واحدة كأنها رجل صبي فلا ينتفع بنفسه البتة فمراعاة هذه الهندسة في هذه القسمة مفوضة إلى ملك من الملائكة ولا تظنن أن الدم بطبعه يهندس شكل نفسه فإن محيل هذه الأمور على الطبع جاهل لا يدري ما يقول فهذه هي الملائكة الأرضية وقد شغلوا بك وأنت في النوم تستريح وفي الغفلة تتردد وهم يصلحون الغذاء في باطنك ولا خبر لك منهم وذلك في كل جزء من أجزائك الذي لا يتجزأ حتى يفتقر بعض الأجزاء كالعين والقلب إلى أكثر من مائة ملك تركنا تفصيل ذلك للإيجاز والملائكة الأرضية مددهم من الملائكة السماوية على ترتيب معلوم لا يحيط بكنهه إلا الله تعالى ومدد الملائكة السماوية من حملة العرش والمنعم على جملتهم بالتأييد والهداية والتسديد المهيمن القدوس المنفرد بالملك والملكوت والعزة والجبروت جبار السموات والأرض مالك الملك ذو الجلال والإكرام والأخبار الواردة في الملائكة الموكلين بالسموات والأرض وأجزاء النبات والحيوانات حتى كل قطرة من المطر وكل سحاب ينجر من جانب إلى جانب أكثر من أن تحصى فلذلك تركنا الاستشهاد به فإن قلت فهلا فوضت هذه الأفعال إلى ملك واحد ولم أفتقر إلى سبعة أملاك والحنطة أيضا تحتاج إلى من يطحن أولا ثم إلى من يميز عنه النخالة ويدفع الفضلة ثانيا ثم إلى من يصب الماء عليه ثالثا ثم إلى من يعجن رابعا ثم إلى من يقطعه كرات مدورة خامسا ثم إلى من يرقها رغفانا عريضة سادسا ثم إلى من يلصقها بالتنور سابعا ولكن قد يتولى جميع ذلك رجل واحد يستقل به فهلا كانت أعمال الملائكة باطنا كأعمال الإنس ظاهرا فاعلم أن خلقة الملائكة تخالف خلقة الإنس وما من واحد منهم إلا وهو وحداني الصفة ليس فيه خلط وتركيب البتة فلا يكون لكل واحد منهم إلا فعل واحد وإليه الإشارة بقوله تعالى وما منا إلا وله مقام معلوم فلذلك ليس بينهم تنافس وتقاتل بل مثالهم في تعين مرتبة كل واحد منهم وفعله مثال الحواس الخمس فإن البصر لا يزاحم السمع في إدراك الأصوات ولا الشم يزاحمها ولا هما يتنازعان الشم وليس كاليد والرجل فإنك قد تبطش بأصابع الرجل بطشا ضعيفا فتزاحم به اليد وقد تضرب غيرك برأسك فتزاحم اليد التي هي آلة الضرب ولا كالإنسان الواحد الذي يتولى بنفسه الطحن والعجن والخبز فإن هذا نوع من الاعوجاج والعدول عن العدل سببه اختلاف صفات الإنسان واختلاف دواعيه فإنه ليس وحداني الصفة فلم يكن وحداني الفعل ولذلك نرى الإنسان يطيع الله مرة ويعصيه أخرى لاختلاف دواعيه وصفاته وذلك غير ممكن في طباع الملائكة بل هم مجبولون على الطاعة

Section V04/P121–V04/P122

ضي الله عنه ضي الله عنه عليه السلام ضي الله عنه ضي الله عنه ضي الله عنه لا مجال للمعصية في حقهم فلا جرم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ويسبحون الليل والنهار لا يفترون والراكع منهم راكع أبدا والساجد منهم ساجد أبدا والقائم قائم أبدا لا اختلاف في أفعالهم ولا فتور ولكل واحد مقام معلوم لا يتعداه وطاعتهم لله تعالى من حيث لا مجال للمخالفة فيهم يمكن أن تشبه بطاعة أطرافك لك فإنك مهما جزمت الإرادة بفتح الأجفان لم يكن للجفن الصحيح تردد واختلاف في طاعتك مرة ومعصيتك أخرى بل كأنه منتظر لأمرك ونهيك ينفتح وينطبق متصلا بإشارتك فهذا يشبهه من وجه ولكن يخالفه من وجه إذ الجفن لا علم له بما يصدر منه من الحركة فتحا وإطباقا والملائكة أحياء عالمون بما يعملون فإذن هذه نعمة الله عليك في الملائكة الأرضية والسماوية وحاجتك إليها في غرض الأكل فقط دون ما عداها من الحركات والحاجات كلها فإنا لم نطول بذكرها فهذه طبقة أخرى من طبقات النعم ومجامع الطبقات لا يمكن إحصاؤها فكيف آحاد ما يدخل تحت مجامع الطبقات فإذن قد أسبغ الله تعالى نعمه عليك ظاهرة وباطنة ثم قال وذروا ظاهر الإثم وباطنه فترك باطن الإثم مما لا يعرفه الخلق من الحسد وسوء الظن والبدعة وإضمار الشر للناس إلى غير ذلك من آثام القلوب هو الشكر للنعم الباطنة وترك الإثم الظاهر بالجوارح شكر للنعمة الظاهرة بل أقول كل من عصى الله تعالى ولو فى طريفة واحدة بأن فتح جفنه مثلا حيث يجب غض البصر فقد كفر كل نعمة لله تعالى عليه في السموات والأرض وما بينهما فإن كل ما خلقه الله تعالى حتى الملائكة والسموات والأرض والحيوانات والنبات بجملته نعمة على كل واحد من العباد قد نم به انتفاعه وإن انتفع غيره أيضا به فإن لله تعالى في كل تطريفة بالجفن نعمتين في نفس الجفن إذ خلق تحت كل جفن عضلات ولها أوتار ورباطات متصلة بأعصاب الدماغ بها يتم انخفاض الجفن الأعلى وارتفاع الجفن الأسفل وعلى كل جفن شعور سود ونعمة الله تعالى في سوادها أنها تجمع ضوء العين إذ البياض يفرق الضوء والسواد يجمعه ونعمة الله تعالى في ترتيبها صفا واحدا أن يكون مانعا للهوام من الدبيب إلى باطن العين ومتشبثا للأفذاء التي تتناثر في الهواء وله في كل شعرة منها نعمتان من حيث لين أصلها ومع اللين قوام نصبها وله في اشتباك الأهداب نعمة أعظم من الكل وهو أن غبار الهواء قد يمنع من فتح العين ولو طبق لم يبصر فيجمع الأجفان مقدار ما تتشابك الأهداب فينظر من وراء شباك الشعر فيكون شباك الشعر مانعا من وصول القذى من خارج وغير مانع من امتداد البصر من داخل ثم إن أصاب الحدقة غبار فقد خلق أطراف الأجفان خادمة منطبقة على الحدقة كالمصقلة للمرآة فيطبقها مرة أو مرتين وقد انصقلت الحدقة من الغبار وخرجت الأقذاء إلى زوايا العين والأجفان والذباب لما لم يكن لحدقته جفن خلق له يدين فتراه على الدوام يمسح بهما حدقتيه ليصقلهما من الغبار وإذ تركنا الاستقصاء لتفاصيل النعم لافتقاره إلى تطويل يزيد على أصل هذا الكتاب ولعلنا نستأنف له كتابا مقصودا فيه إن أمهل الزمان وساعد التوفيق نسميه عجائب صنعالله تعالى فلنرجع إلى غرضنا فنقول من نظر إلى غير محرم فقد كفر بفتح العين نعمة الله تعالى في الأجفان ولا تقوم الأجفان إلا بعين ولا العين إلا برأس ولا الرأس إلا بجميع البدن ولا البدن إلا بالغذاء ولا الغذاء إلا بالماء والأرض والهواء والمطر والغيم والشمس والقمر ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالسموات ولا السموات إلا بالملائكة فإن الكل كالشيء الواحد يرتبط البعض منه بالبعض ارتباط أعضاء البدن بعضها ببعض فإذن قد كفر كل نعمة في الوجود من منتهى الثريا إلى منتهى الثرى فلم يبق فلك ولا ملك ولا حيوان ولا نبات ولا جماد إلا ويلعنه ولذا ورد في الأخبار إن البقعة التي يجتمع فيها الناس إما أن تلعنهم إذا تفرقوا أو تستغفر لهم وكذلك ورد أن العالم يستغفر

Section V04/P122–V04/P123

عليه السلام عليه السلام عليه السلام ضي الله عنه له كل شيء حتى الحوت فى البحر وأن الملائكة يلعنون العصاة في ألفاظ كثيرة لا يمكن إحصاؤها وكل ذلك إشارة إلى أن العاصيبتطريفة واحدة جنى على جميع ما في الملك والملكوت وقد أهلك نفسه إلا أن يتبع السيئة بحسنة تمحوها فيتبدل اللعن بالاستغفار فعسى الله أن يتوب عليه ويتجاوز عنه وأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه السلام يا أيوب ما من عبد لي من الآدميين إلا ومعه ملكان فإذا شكرني على نعمائى قال الملكان اللهم زده نعما على نعم فإنك أهل الحمد والشكر فكن من الشاكرين قريبا فكفى بالشاكرين علو رتبة وعندي أني أشكر شكرهم وملائكتي يدعون لهم والبقاع تحبهم والآثار تبكي عليهم وكما عرفت أن في كل طرفة عين نعما كثيرة فاعلم أن في كل نفس ينبسط وينقبض نعمتين إذ بانبساطه يخرج الدخان المحترق من القلب ولو لم يخرج لهلك وبانقباضه يجمع روح الهواء إلى القلب ولو سد متنفسه لاحترق قلبه بانقطاع روح الهواء وبرودته عنه وهلك بل اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة وفي كل ساعة قريب من ألف نفس وكل نفس قريب من عشر لحظات فعليك في كل لحظة آلاف آلاف نعمة في كل جزء من أجزاء بدنك بل في كل جزء من أجزاء العالم فانظر هل يتصور إحصاء ذلك أم لا ولما انكشف لموسى عليه السلام حقيقة قوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها قال إلهي كيف أشكرك ولك في كل شعرة من جسدي نعمتان أن لينت أصلها وأن طمست رأسها وكذا ورد في الأثر أن من لم يعرف نعم الله في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه وجميع ما ذكرناه يرجع إلى المطعم والمشرب فاعتبر ما سواه من النعم به فإن البصير لا تقع عينه في العالم على شيء ولا يلم خاطره بموجود إلا ويتحقق أن لله فيه نعمة عليه فلنترك الاستقصاء والتفصيل فإنه طمع في غير مطمع بيان السبب الصارف للخلق عن الشكر اعلم أنه لم يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلا الجهل والغفلة فإنهم منعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النعم ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها ثم إنهم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول بلسانه الحمد لله الشكر لله ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها وهي طاعة الله عز وجل فلا يمنع من الشكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلا غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان أما الغفلة عن النعم فلها أسباب وأحد أسبابها أن الناس يجهلهم لا يعدون ما يعم الخلق ويسلم لهم في جميع أحوالهم نعمة فلذلك لا يشكرون على جملة ما ذكرناه من النعم لأنها عامة للخلق مبذولة لهم في جميع أحوالهم فلا يرى كل واحد لنفسه منهم اختصاصا به فلا يعده نعمة ولا تراهم يشكرون الله على روح الهواء ولو أخذ بمختنقهم لحظة حتى انقطع الهواء عنهم ماتوا ولو حبسوا في بيت حمام فيه هواء حار أو في بئر فيه هواء ثقل برطوبة الماء ماتوا غما فإن ابتلى واحد منهم بشيء من ذلك ثم نجا ربما قدر ذلك نعمة وشكر الله عليها وهذا غاية الجهل إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النعمة ثم ترد عليهم في بعض الأحوال والنعمة في جميع الأحوال أولى بأن تشكر في بعضها فلا ترى البصير يشكر صحة بصره إلا أن تعمى عينيه فعند ذلك لو أعيد عليه بصره

Section V04/P123–V04/P124

أحس به وشكره وعده نعمة ولما كانت رحمة الله واسعة عمم الخلق وبذل لهم في جميع الأحوال فلم يعده الجاهل نعمة وهذا الجاهل مثل العبد السوء حقه أن يضرب دائما حتى إذا ترك ضربه ساعة تقلد به منة فإن ترك ضربه على الدوام غلبه البطر وترك الشكر فصار الناس لا يشكرون إلا المال الذي يتطرق الاختصاص إليه من حيث الكثرة والقلة وينسون جميع نعم الله تعالى عليهم كما شكا بعضهم فقره إلى بعض أرباب البصائر وأظهر شدة اغتمامه به فقال له أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم فقال لا فقال أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم فقال لا فقال أيسرك أن أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفا فقال لا فقال أيسرك أنك مجنون ولك عشر آلاف درهم فقال لا فقال أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفا وحكي أن بعض القراء اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعا فرأى في المنام كأن قائلا يقول له تود أنا أنسيناك من القرآن سورة الأنعام وأن لك ألف دينار قال لا قال فسورة هود قال لا قال فسورة يوسف قال لا فعدد عليه سورا ثم قال فمعك قيمة مائة ألف دينار وأنت تشكو فأصبح وقد سري عنه ودخل ابن السماك على بعض الخلفاء وبيده كوز ماء يشربه فقال له عظني فقال لو لم تعط هذه الشربة إلا ببذل جميع أموالك وإلا بقيت عطشان فهل كنت تعطيه قال نعم فقال لو لم تعط إلا بملكك كله فهل كنت تتركه قال نعم قال فلا تفرح بملك لا يساوي شربة ماء فهذا تبين أن نعمة الله تعالى على العبد في شربة ماء عند العطش أعظم من ملك الأرض كلها وإذا كانت الطباع مائلة إلى اعتداد النعمة الخاصة دون العامة وقد ذكرنا النعم العامة فلنذكر إشارة وجيزة إلى النعم الخاصة فنقول ما من عبد إلا ولو أمعن النظر في أحواله رأى من الله نعمة أو نعما كثيرة تخصه لا يشاركه فيها الناس كافة بل يشاركه عدد يسير من الناس وربما لا يشاركه فيها أحد وذلك يعترف به كل عبد في ثلاثة أمور في العقل والخلق والعلم أما العقل فما من عبد لله تعالى إلا وهو راض عن الله في عقله يعتقد أنه أعقل الناس وقل من يسأل الله العقل وإن من شرف العقل أن يفرح به الخالي عنه كما يفرح به المتصف به فإذا كان اعتقاده أنه أعقل الناس فواجب عليه أن يشكره لأنه إن كان كذلك فالشكر واجب عليه وإن لم يكن ولكنه يعتقد أنه كذلك فهو نعمة في حقه فمن وضع كنزا تحت الأرض فهو يفرح به ويشكره عليه فإن أخذ الكنز من حيث لا يدري فيبقى فرحه بحسب اعتقاده ويبقى شكره لأنه في حقه كالباقي وأما الخلق فما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبا يكرهها وأخلاقا يذمها وإنما يذمها من حيث يرى نفسه بريئا عنها فإذا لم يشتغل بذم الغير فينبغي أن يشتغل بشكر الله تعالى إذ حسن خلقه وابتلى غيره بالخلق السىء وأما العلم فما من أحد إلا ويعرف بواطن أمور نفسه وخفايا أفكاره وما هو منفرد به ولو كشف الغطاء حتى اطلع عليه أحد من الخلق لافتضح فكيف لو اطلع الناس كافة فإذن لكل عبد علم بأمر خاص لا يشاركه فيه أحد من عباد الله فلم لا يشكر ستر الله الجميل الذي أرسله على وجه مساويه فأظهر الجميل وستر القبيح وأخفى ذلك عن أعين الناس وخصص علمه به حتى لا يطلع عليه أحد فهذه ثلاثة من النعم خاصة يعترف بها كل عبد إما مطلقا وأما في بعض الأمور فلننزل عن هذه الطبقة إلى طبقة أخرى أعم منها قليلا فنقول ما من عبد إلا وقد رزقه الله تعالى في صورته أو شخصه أو أخلاقه أو صفاته أو أهله أو ولده أو مسكنه أو بلده أو رفيقه أو أقاربه أو عزه أو جاهه أو في سائر محابه أمورا

Section V04/P124–V04/P125

لو سلب ذلك منه وأعطي ما خصص به غيره لكان لا يرضى به وذلك مثل أن جعله مؤمنا لا كافرا وحيا لا جمادا وإنسانا لا بهيمة وذكرا لا أنثى وصحيحا لا مريضا وسليما لا معيبا فإن كل هذه خصائص وإن كان فيها عموم أيضا فإن هذا الأحوال لو بدلت بأضدادها لم يرض بها بل له أمور لا يبدلها بأحوال الآدميين أيضا وذلك إما أن يكون بحيث لا يبدله بما خص به أحد من الخلق أو لا يبدله بما خص به الأكثر فإذا كان لا يبدل حال نفسه بحال غيره فإذن حاله أحسن من حال غيره وإذا كان لا يعرف شخص يرتضي لنفسه حالة بدلا عن حال نفسه إما على الجملة وإما في أمر خاص فإذن لله عليه نعم ليست له على أحد من عباده سواه وإن كان يبدل حال نفسه بحال بعضهم دون البعض فلينظر إلى عدد المغبوطين عنده فإنه لا محالة يراهم أقل بالإضافة إلى غيرهم فيكون من دونه في الحال أكثر بكثير مما هو فوقه فما باله ينظر إلى من فوقه ليزدري نعم الله تعالى على نفسه ولا ينظر إلى من دونه ليستعظم نعم الله عليه وما باله لا يسوي دنياه بدينه أليس إذا لامته نفسه على سيئة يقارفها يعتذر إليها بأن في الفساق كثرة فينظر أبدا في الدين إلى من دونه لا إلى من فوقه فلم لا يكون نظره في الدنيا كذلك فإذا كان حال أكثر الخلق فى الدين خيرا منه وحاله في الدنيا خير من حال أكثر الخلق فكيف لا يلزمه الشكر وإذا قال صلى الله عليه وسلم من نظر في الدنيا إلى من هو دونه ونظر في الدين إلى من هو فوقه كتبه الله صابرا وشاكرا ومن نظر في الدنيا إلى من هو فوقه وفي الدين إلى من هو دونه لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا حديث من أتاه الله القرآن فظن أن أحدا أغنى منه فقد استهزأ بآيات الله أخرجه البخارى فى التاريخ من حديث رجاء الفنوي بلفظ من آتاه الله حفظ كتابه وظن أن أحدا أوتي أفضل مما أوتى فقد صغر أعظم النعم وقد تقدم فى فضل القرآن ورجاء مختلف فى صحبته وورد من حديث عبد الله بن عمرو وجابر والبراء نحوه وكلها ضعيفة حديث ليس منا من لم يتغنى بالقرآن تقدم فى أداب التلاوة حديث كفى باليقين غنى رواه الطبرانى من حديث عقبة بن عامر ورواه ابن أبى الدنيا فى القناعة موقوفا عليه وقد تقدم // وقال بعض السلف يقول الله تعالى في بعض الكتب المنزلة إن عبدا أغنيته عن ثلاثة لقد أتممت عليه نعمتي عن سلطان يأتيه وطبيب يداويه وعما في يد أخيه وعبر الشاعر عن هذا فقال إذا ما القوت يأتيك ... كذا الصحة والأمن وأصبحت أخا حزن ... فلا فارقك الحزن

Questions

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn · 56 · Qur'an & Sunnah