Taberî — Câmiü'l-Beyân
فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن الله تعالى يقول: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، قال: فسمعها ابن مسعود فقال: «مه، لم يجئ تأويل هذه بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من أمر الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من أمر الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن ابن مسعود: أنه كان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، ثم ذكر نحوه حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا حرمي، قال: سمعت الحسن، يقول: " تأول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] فقال بعض أصحابه: دعوا هذه الآية فليست لكم " حدثني إسماعيل بن إسرائيل اللآل الرملي، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا عتبة بن أبي حكيم، عن عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشعباني، قال: سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] ، فقال: لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أبا ثعلبة، ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة، وشحا مطاعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، أرى من بعدكم أيام الصبر، للمتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم عليه كأجر خمسين عاملا» . قالوا: يا رسول الله، كأجر خمسين عاملا منهم؟ قال: «لا، كأجر خمسين عاملا منكم» حدثنا علي بن سهل قال: أخبرنا الوليد بن مسلم، عن ابن المبارك وغيره، عن عتبة بن أبي حكيم، عن عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني: كيف نصنع بهذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ؟
فقال أبو ثعلبة: سألت عنها خبيرا، سألت عنها 09P049 رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم، فإن وراءكم أياما أجر العامل فيها كأجر خمسين منكم» وقال آخرون: معنى ذلك: أن العبد إذا عمل بطاعة الله لم يضره من ضل بعده وهلك ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل} [المائدة: 105] ، يقول: «إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته من الحلال والحرام، فلا يضره من ضل بعد إذا عمل بما أمرته به» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] يقول: «أطيعوا أمري، واحفظوا وصيتي» حدثنا هناد، قال: ثنا ليث بن هارون، قال: ثنا إسحاق الرازي، عن أبي جعفر الرازي، عن صفوان بن الجون، قال: دخل عليه شاب من أصحاب الأهواء، فذكر شيئا من أمره، فقال صفوان : ألا أدلك على خاصة الله 09P050 التي خص بها أولياءه، {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل} [المائدة: 105] الآية حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا أبو المطرف المخزومي، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] «ما لم يكن سيف أو سوط» حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، قال: تلا الحسن هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، فقال الحسن: «الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله» وقال آخرون: بل معنى ذلك: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] فاعملوا بطاعة الله {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن سعد البقال، عن سعيد بن المسيب: {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، قال: «إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرك من ضل إذا اهتديت» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن أبي العميس، عن 09P051 أبي البختري، عن حذيفة: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] قال: «إذا أمرتم ونهيتم» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: قال أبو بكر: " تقرءون هذه الآية: {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] وإن الناس إذا رأوا الظالم " قال ابن وكيع: فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه حدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير وابن فضيل، عن بيان، عن قيس قال: قال أبو بكر: " إنكم تقرءون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] وإن القوم إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه ، يعمهم الله بعقابه " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي بكر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] يقول: «مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر» قال أبو بكر بن أبي قحافة: 09P052 يا أيها الناس، لا تغتروا بقول الله: {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] ، فيقول أحدكم: علي نفسي والله لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر أو لتستعملن عليكم شراركم فليسومنكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجيب لهم " حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: ثنا ابن فضيل قال: ثنا بيان، عن قيس بن أبي حازم قال: قال أبو بكر وهو على المنبر: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية على غير موضعها: {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، «وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، عمهم الله بعقابه» حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عيسى بن المسيب البجلي، قال: ثنا قيس بن أبي حازم، قال: سمعت أبا بكر الصديق، رضي الله عنه يقرأ هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه، والظالم فلم يأخذوا على يديه، فيوشك أن يعمهم الله منه بعقاب» حدثنا الربيع قال: ثنا أسد بن موسى قال: ثنا سعيد بن سالم قال: ثنا منصور بن دينار، عن عبد الملك بن ميسرة، عن قيس بن أبي حازم قال: صعد أبو بكر المنبر، منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " يا أيها الناس، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدونها رخصة، والله ما أنزل الله في كتابه أشد منها: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، والله 09P053 لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله منه بعقاب " حدثنا محمد بن سيار قال: ثنا إسحاق بن إدريس قال: ثنا سعيد بن زيد قال: ثنا مجالد بن سعيد، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس: " يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية ولا تدرون ما هي: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه عمهم الله بعقاب» وقال آخرون: بل معنى هذه الآية: لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] قال: يعني: من ضل من أهل الكتاب حدثنا ابن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] قال: «أنزلت في أهل الكتاب» وقال آخرون: عنى بذلك كل من ضل عن دين الله الحق ذكر من قال ذلك حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] قال: " كان الرجل إذا أسلم، قالوا له: سفهت آباءك وضللتهم، وفعلت وفعلت، وجعلت آباءك كذا وكذا، كان ينبغي لك أن تنصرهم وتفعل، فقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] " وأولى هذه الأقوال وأصح التأويلات عندنا بتأويل هذه الآية ما روي عن أبي بكر الصديق فيها، وهو: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] الزموا العمل بطاعة الله، وبما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، يقول: فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم رمتم العمل بطاعة الله، وأديتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلما لمسلم أو معاهد، ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيه وضلاله إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى فيه وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط ويتعاونوا على البر والتقوى، ومن القيام بالقسط: الأخذ على يد الظالم، ومن التعاون على البر والتقوى: الأمر بالمعروف.
وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان للناس ترك ذلك، لم يكن للأمر به معنى إلا في الحال التي رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة فيكون مرخصا له تركه إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه. وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى، فبين أنه قد دخل في معنى قوله: {إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب، من أن ذلك: " إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 09P055
[المائدة: 105] القول في تأويل قوله تعالى: {إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون} [المائدة: 105] يقول تعالى ذكره للمؤمنين من عباده: اعملوا أيها المؤمنون بما أمرتكم به، وانتهوا عما نهيتكم عنه، ومروا أهل الزيغ والضلال وما حاد عن سبيلي بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، فإن قبلوا فلهم ولكم، وإن تمادوا في غيهم وضلالهم فإن إلي مرجع جميعكم ومصيركم في الآخرة ومصيرهم، وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خير وشر، فأخبر هناك كل فريق منكم بما كان يعمله في الدنيا ثم أجازيه على عمله الذي قدم به علي جزاءه حسب استحقاقه، فإنه لا يخفى علي عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى . 09P055
[المائدة: 106] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين} [المائدة: 106] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم يقول: ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية يقول: وقت الوصية اثنان ذوا عدل منكم، يقول: ذوا رشد وعقل وحجا من المسلمين كما: حدثنا محمد بن بشار، وعبيد الله بن يوسف الجبيري، قالا: ثنا مؤمل 09P056 بن إسماعيل، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، في قوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] قال: ذوا عقل - واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] ، فقال بعضهم: عنى به: من أهل ملتكم ذكر من قال ذلك حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: «شاهدان ذوا عدل منكم من المسلمين» حدثنا عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] من المسلمين حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، في قوله: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] ، قال: «اثنان من أهل دينكم» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: سألته عن قول الله تعالى: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] ، قال: «من الملة» . حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن 09P057 عبيدة، بمثله، إلا أنه قال فيه: «من أهل الملة» حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن هذه الآية: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] ، قال: من أهل الملة حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة مثله. حدثنا ابن وكيع قال: ثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة، فذكر مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن حماد، عن ابن أبي نجيح. وقال: ثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] قال: «ذوا عدل من أهل الإسلام» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] ، قال: من المسلمين حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: كان سعيد بن المسيب يقول: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] : «أي من أهل الإسلام» وقال آخرون: عنى بذلك: ذوا عدل من حي الموصي، وذلك قول روي عن 09P058 عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما. واختلفوا في صفة الاثنين اللذين ذكرهما الله في هذه الآية ما هي، وما هما؟ فقال بعضهم: هما شاهدان يشهدان على وصية الموصي. وقال آخرون: هما وصيان وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان، قوله: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم. وتأويل الذين قالوا: هما وصيان لا شاهدان قوله: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريض، من قولك: شهدت وصية فلان، بمعنى حضرته.
وأولى التأويلين بقوله: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] تأويل من تأوله بمعنى: أنهما من أهل الملة دون من تأوله أنهما من حي الموصي وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى عم المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] ، فغير جائز أن يصرف ما عمه الله تعالى إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون العائد من ذكرهم على العموم، كما كان ذكرهم ابتداء على العموم وأولى المعنيين بقوله: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] اليمين، لا الشهادة التي يقوم بها من عنده شهادة لغيره لمن هي عنده على من هي عليه عند الحكام، لأنا لا نعلم لله 09P059 تعالى حكما يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزا صرف الشهادة في هذا الموضع إلى الشهادة التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة. وفي حكم الآية في هذه اليمين على ذوي العدل، وعلى من قام مقامهم في اليمين بقوله: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله} [المائدة: 106] ، أوضح الدليل على صحة ما قلنا في ذلك من أن الشهادة فيه الأيمان دون الشهادة التي يقضى بها للمشهود له على المشهود عليه، وفساد ما خالفه. فإن قال قائل: فهل وجدت في حكم الله تعالى يمينا تجب على المدعي فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة؟ فإن قلت: لا، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأولت، لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة: 107] : هما المدعيين. وإن قلت: بلى، قيل لك: وفي أي حكم الله تعالى وجدت ذلك؟ قيل: وجدنا ذلك في أكثر المعاني، وذلك في حكم الرجل يدعي قبل رجل مالا، فيقر به المدعى عليه قبله ذلك ويدعي قضاءه، فيكون القول قول رب الدين، والرجل يعترف في يد الرجل السلعة، فيزعم المعترفة في يده أنه اشتراها من المدعي أو أن المدعي وهبها له، وما أشبه ذلك مما يكثر 09P060 إحصاؤه. وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في هذا الموضع اليمين على المدعيين اللذين عثرا على الجانيين فيما جنيا فيه. واختلف أهل العربية في الرافع قوله: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] ، وقوله: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] ، فقال بعض نحويي البصرة: معنى قوله: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] : شهادة اثنين ذوي عدل، ثم ألقيت الشهادة وأقيم الاثنان مقامها، فارتفعا بما كانت الشهادة به مرتفعة لو جعلت في الكلام. قال: وذلك، في حذف ما حذف منه وإقامة ما أقيم مقام المحذوف، نظير قوله: {واسأل القرية} [يوسف: 82] ، وإنما يريد: واسأل أهل القرية، وانتصبت القرية بانتصاب الأهل وقامت مقامه، ثم عطف قوله: {أو آخران} [المائدة: 106] على (الاثنين) . وقال بعض نحويي الكوفة: رفع الاثنين بالشهادة: أي ليشهدكم اثنان من المسلمين، أو آخران من غيركم. وقال آخر منهم: رفعت الشهادة ب {إذا حضر} [المائدة: 106] ، وقال: إنما رفعت بذلك لأنه قال: {إذا حضر} [المائدة: 106] ، فجعلها شهادة محذوفة مستأنفة، ليست بالشهادة التي قد رفعت لكل الخلق، لأنه قال تعالى ذكره: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، وهذه شهادة لا تقع إلا في هذا الحال، وليست مما ثبت وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: الشهادة مرفوعة بقوله: {إذا حضر} [المائدة: 106] ، لأن قوله: {إذا حضر} [المائدة: 106] بمعنى: عند حضور أحدكم الموت، والاثنان مرفوع بالمعنى المتوهم، وهو أن يشهد اثنان، فاكتفي من قيل أن يشهد بما قد جرى من ذكر الشهادة في قوله: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] 09P061 وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الشهادة مصدر في هذا الموضع، والاثنان اسم، والاسم لا يكون مصدرا، غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال.
فالأمر وإن كان كذلك، فصرف كل ذلك إلى أصح وجوهه ما وجدنا إليه سبيلا أولى بنا من صرفه إلى أضعفها 09P057
[المائدة: 106] القول في تأويل قوله تعالى: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] يقول تعالى ذكره للمؤمنين: ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت عدلان من المسلمين، أو آخران من غير المسلمين. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: أو آخران من غيركم فقال بعضهم: معناه: أو آخران من غير أهل ملتكم. نحو الذي قلنا فيه ذكر من قال ذلك حدثنا حميد بن مسعدة، وبشر بن معاذ، قالا: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] : من أهل الكتاب " حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا : ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث، عن سعيد بن المسيب: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] : «من أهل الكتاب» 09P062 حدثني أبو حفص الجبيري عبيد الله بن يوسف قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله. حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد، مثله حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، وسليمان التيمي، عن سعيد بن المسيب، أنهما قالا في قوله: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قالا: «من غير أهل ملتكم» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، قال: ثني من، سمع سعيد بن جبير، يقول، مثل ذلك حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا التيمي، عن أبي مجلز، قال: «من غير أهل ملتكم» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: «إن كان قربه أحد من المسلمين أشهدهم، وإلا أشهد رجلين من المشركين» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا قتيبة، قال: ثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، وسعيد بن جبير، في قوله: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قالا: «من غير أهل ملتكم» حدثنا عمرو قال: ثنا يحيى بن سعيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: من أهل الكتاب حدثنا عمرو قال: ثنا محمد بن سواء قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله حدثنا هناد قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] «من المسلمين، فإن لم تجدوا من المسلمين، فمن غير المسلمين» حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود ، عن عامر، عن شريح، في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: «إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته، فأشهد يهوديا أو نصرانيا أو 09P064 مجوسيا، فشهادتهم جائزة.
فإن جاء رجلان مسلمان فشهدا بخلاف شهادتهما، أجيزت شهادة المسلمين، وأبطلت شهادة الآخرين» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا الأعمش، عن إبراهيم عن شريح، «أنه كان لا يجيز شهادة اليهود والنصارى على مسلم إلا في الوصية، ولا يجيز شهادتهما على الوصية إلا إذا كانوا في سفر» حدثنا عمرو بن علي قال: ثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال: «لا تجوز شهادة اليهود والنصارى إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في وصية» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح، نحوه حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كتب هشام بن هبيرة لمسلمة عن شهادة المشركين، على المسلمين، فكتب: «لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية، ولا يجوز في وصية إلا أن يكون الرجل مسافرا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أشهب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: سألته عن قول الله، تعالى: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: من 09P065 غير الملة " حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بمثله حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن ذلك، فقال: «من غير أهل الملة» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: «من غير أهل الصلاة» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: «من غير أهل دينكم» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا حسين ، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: «من غير أهل الملة» حدثنا عمرو بن علي قال: ثنا أبو داود قال: ثنا أبو حرة، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: «من غير أهل ملتكم» حدثنا عمرو بن علي قال: ثنا عبد الرحمن بن عثمان قال: ثنا هشام بن محمد قال: سألت سعيد بن جبير عن قول الله: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: «من غير أهل ملتكم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، 09P066 عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا عمرو، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «من غير أهل ملتكم» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] قال: «من غير أهل الإسلام» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: قال أبو إسحاق: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: «من اليهود والنصارى» قال: قال شريح: «لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في وصية، ولا تجوز في وصية إلا في سفر» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي، أن رجلا، من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا، ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: «هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأحلفهما، وأمضى شهادتهما» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة الأزرق، 09P067 عن الشعبي، أن أبا موسى، قضى بها بدقوقا " حدثنا عمرو، قال: ثنا عثمان بن الهيثم، قال: ثنا عوف، عن محمد، أنه كان يقول في قوله: {اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] : «شاهدان من المسلمين وغير المسلمين» حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] : «من غير أهل الإسلام» حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد قال: أخبرنا أبو حفص، عن ليث، عن مجاهد قال: «من غير أهل الإسلام» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم في هذه الآية: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] الآية كلها، قال: «كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حرب والناس كفار، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض، وعمل المسلمون بها» وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو آخران من غير حيكم وعشيرتكم ذكر من قال ذلك حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عثمان بن الهيثم بن الجهم، قال: ثنا عوف، 09P068 عن الحسن، في قوله: {اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: «شاهدان من قومكم ومن غير قومكم» حدثنا عمرو، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، قال: «مضت السنة أن لا، تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين» حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] : أي من عشيرته. {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] قال: من غير عشيرته حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن ثابت بن يزيد، عن عاصم، عن عكرمة: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] قال: «من غير أهل حيكم» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن مهدي، عن ثابت بن يزيد، عن عاصم، عن عكرمة: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: من غير حيكم حدثنا عمرو بن علي قال: ثنا أبو داود قال: ثنا ثابت بن يزيد، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، في قول الله تعالى: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: «من غير أهل حيه، يعني من المسلمين» حدثني الحرث بن محمد قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا مبارك، عن الحسن: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: «من غير عشيرتك، ومن غير قومك كلهم، من 09P069 المسلمين» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين عن عبيدة، قوله: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: «مسلمين من غير حيكم» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني عقيل، قال: سألت ابن شهاب عن قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106] إلى قوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} [المائدة: 108] ، قلت: أرأيت الاثنين اللذين ذكر الله من غير أهل المرء الموصي أهما من المسلمين أم هما من أهل الكتاب؟ وأرأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما، أتراهما من غير أهل المرء الموصي، أم هما من غير المسلمين؟
قال ابن شهاب: لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أئمة العامة سنة أذكرها، وقد كنا نتذاكرها أناسا من علمائنا أحيانا، فلا يذكرون فيها سنة معلومة ولا قضاء من إمام عادل، ولكنه يختلف فيها رأيهم وكان أعجبهم فيها رأيا إلينا الذين كانوا يقولون: هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه ويغيب عنه بعضهم، ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضروا من وصية، فإن سلموا جازت وصيته، وإن ارتابوا أن يكونوا بدلوا قول الميت وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء حلف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة وهي صلاة المسلمين، {فيقسمان بالله: إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذا لمن الآثمين} [المائدة: 106] ، فإذا أقسما على ذلك 09P070 جازت شهادتهما وأيمانهما ما لم يعثر على أنهما استحقا إثما في شيء من ذلك، فإن عثر قام آخران مقامهما من أهل الميراث من الخصم الذين ينكرون ما شهد به عليه الأولان المستحلفان أول مرة، فيقسمان بالله: لشهادتنا على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به، وما اعتدينا إنا إذن لمن الظالمين، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم، الآية وأولى التأويلين في ذلك عندنا بالصواب تأويل من تأوله: أو آخران من غير أهل الإسلام، وذلك أن الله تعالى عرف عباده المؤمنين عند الوصية شهادة اثنين من عدول المؤمنين أو اثنين من غير المؤمنين، ولا وجه لأن يقال في الكلام صفة شهادة مؤمنين منكم أو رجلين من غير عشيرتكم، وإنما يقال: صفة شهادة رجلين من عشيرتكم أو من غير عشيرتكم، أو رجلين من المؤمنين أو من غير المؤمنين. فإذ كان لا وجه لذلك في الكلام، فغير جائز صرف مغلق كلام الله تعالى إلا إلى أحسن وجوهه. وقد دللنا قبل على أن قوله تعالى: {ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] إنما هو من أهل دينكم وملتكم بما فيه كفاية لمن وفق لفهمه وإذا صح ذلك بما دللنا عليه، فمعلوم أن معنى قوله: {أو آخران من 09P071 غيركم} [المائدة: 106] إنما هو: أو آخران من غير أهل دينكم وملتكم. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان الآخران اللذان من غير أهل ديننا يهوديين كانا أو نصرانيين أو مجوسيين أو عابدي وثن، أو على أي دين كانا، لأن الله تعالى لم يخصص آخرين من أهل ملة بعينها دون ملة بعد ألا يكونا من غير أهل الإسلام 09P069
[المائدة: 106] القول في تأويل قوله تعالى: {إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106] يقول تعالى ذكره للمؤمنين: صفة شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت وقت الوصية، أن يشهد اثنان ذوا عدل منكم أيها المؤمنون أو رجلان آخران من غير أهل ملتكم، إن أنتم سافرتم ذاهبين وراجعين في الأرض. وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله قيل للمسافر الضارب في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت يقول: فنزل بكم الموت. ووجه أكثر التأويل هذا الموضع إلى معنى التعقيب دون التخيير وقالوا: معناه: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم إن وجدا، فإن لم يوجدا فآخران من غيركم، وإنما فعل ذلك من فعله، لأنه وجه معنى الشهادة في قوله: شهادة بينكم إلى معنى الشهادة التي توجب للقوم قيام صاحبها عند الحاكم، أو يبطلها ذكر بعض من تأول ذلك كذلك حدثنا عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله: {ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] : «من المسلمين، فإن لم تجدوا من المسلمين فمن غير المسلمين» حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، في قوله: {اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: «اثنان من أهل دينكم، أو آخران من غيركم من أهل الكتاب إذا كان ببلاد لا يجد غيرهم» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن شريح، في هذه الآية: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] إلى قوله: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: «إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته، فأشهد يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا، فشهادتهم جائزة» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية 09P073 اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] ، قال: " هذا في الحضر، {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] : في السفر، {إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106] : هذا في الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، وسعيد بن جبير، أنهما قالا في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] الآية، قال: «إذا حضر الرجل الوفاة في سفر، فيشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] إلى قوله: {ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] ، " فهذا لمن مات وعنده المسلمون، فأمره الله أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين ثم قال: {أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106] : فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، فأمره الله تعالى بشهادة رجلين من غير المسلمين " 09P074 ووجه ذلك آخرون إلى معنى التخيير، وقالوا: إنما عني بالشهادة في هذا الموضع الأيمان على الوصية التي أوصى إليهما، وائتمان الميت إياهما على ما ائتمنهما عليه من مال ليؤدياه إلى ورثته بعد وفاته إن ارتيب بهما. قالوا: وقد يأمن الرجل على ماله من رآه موضعا للأمانة، من مؤمن وكافر، في السفر والحضر وقد ذكرنا الرواية عن بعض من قال هذا القول فيما مضى، وسنذكر بقيته إن شاء الله تعالى بعد 09P073
[المائدة: 106] القول في تأويل قوله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى} [المائدة: 106] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت، إن شهد اثنان ذوا عدل منكم، أو كان أوصى إليهما، أو آخران من غيركم، إن كنتم في سفر فحضرتكم المنية فأوصيتم إليهما ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال وتركة لورثتكم، فإذا أنتم أوصيتم إليهما ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال فأصابتكم مصيبة الموت، فأديا إلى ورثتكم ما ائتمنتموهما، وادعوا عليهما خيانة خاناها مما ائتمنا عليه، فإن الحكم فيهما حينئذ أن تحبسوهما، يقول: تستوقفونهما بعد الصلاة وفي الكلام محذوف اجتزئ بدلالة ما ظهر منه على ما حذف، وهو: فأصابتكم مصيبة الموت وقد أسندتم وصيتكم إليهما ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال، فإنكم تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم يقول: يحلفان بالله إن اتهمتموهما بخيانة فيما ائتمنا عليه من تغيير وصية أوصى إليهما بها، أو تبديلها والارتياب: هو الاتهام لا نشتري به ثمنا يقول: يحلفان بالله لا نشتري بأيماننا بالله ثمنا، يقول: لا نحلف كاذبين على عوض نأخذه عليه، وعلى مال نذهب به، أو لحق نجحده لهؤلاء القوم الذين أوصى إلينا وإليهم وصيتهم. والهاء في قوله به من ذكر الله، والمعني به الحلف والقسم، ولكنه لما كان قد جرى قبل ذلك ذكر القسم به، فيعرف من معنى الكلام، واكتفي به من إعادة ذكر القسم والحلف ولو كان ذا قربى يقول: يقسمان بالله لا نطلب بإقسامنا بالله عوضا فنكذب فيها لأحد، ولو كان الذي نقسم به له ذا قرابة منا. وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106] : " فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا 09P076 بعد الصلاة بالله: لم نشتر بشهادتنا ثمنا قليلا " وقوله: {تحبسونهما من بعد الصلاة} [المائدة: 106] من صلاة الآخرين ومعنى الكلام: أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم بهما، فيقسمان بالله لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى. واختلفوا في الصلاة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية فقال: {تحبسونهما من بعد الصلاة} [المائدة: 106] ، فقال بعضهم: هي صلاة العصر ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي، أن رجلا، من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا، فلم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال: فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: " هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأحلفهما بعد العصر بالله: ما خانا ولا كذبا ، ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته.
قال: فأمضى شهادتهما " حدثنا ابن بشار، وعمرو بن علي، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] قال: «إذا كان الرجل بأرض الشرك فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر» 09P077 حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، بمثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] إلى: {فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106] ، " فهذا رجل مات بغربة من الأرض، وترك تركته وأوصى بوصيته، وشهد على وصيته رجلان، فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد العصر وكان يقال: عندها تصير الأيمان " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، وسعيد بن جبير، أنهما قالا في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] ، قالا: " إذا حضر الرجل الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته، فإن صدقهما الورثة قبل قولهما، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كذبنا، ولا كتمنا، ولا خنا، ولا غيرنا " حدثنا عمرو بن علي قال: ثنا يحيى بن القطان قال: ثنا زكريا قال: ثنا عامر، أن رجلا توفي بدقوقا، فلم يجد من يشهده على وصيته إلا رجلين نصرانيين من أهلها، فأحلفهما أبو موسى دبر صلاة العصر في مسجد الكوفة بالله: ما كتما، ولا غيرا، وإن هذه الوصية. فأجازها " وقال آخرون: بل يستحلفان بعد صلاة أهل دينهما وملتهما ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] إلى قوله: {ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] قال: " هذا في الوصية عند الموت يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ماله وعليه، قال: هذا في الحضر: {أو آخران من غيركم } [المائدة: 106] : في السفر، {إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106] : هذا الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مال صاحبهم تركوا الرجلين، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله: {تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم} قال عبد الله بن عباس: " كأني أنظر إلى العلجين حين انتهي بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة فأنكر أهل الميت وخونوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، ويحلفان بالله لا نشتري ثمنا قليلا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، إن صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما، فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها " 09P079 وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا، قول من قال: تحبسونهما من بعد صلاة العصر لأن الله تعالى عرف الصلاة في هذا الموضع بإدخال الألف واللام فيها، ولا تدخلهما العرب إلا في معروف، إما في جنس، أو في واحد معهود معروف عند المتخاطبين. فإذا كان كذلك، وكانت الصلاة في هذا الموضع مجمعا على أنه لم يعن بها جميع الصلوات، لم يجز أن يكون مرادا بها صلاة المستحلف من اليهود والنصارى، لأن لهم صلوات ليست واحدة، فيكون معلوما أنها المعنية بذلك. فإذ كان ذلك كذلك، صح أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم صحيحا عنه أنه إذ لاعن بين العجلانيين لاعن بينهما بعد العصر دون غيرها من الصلوات، كان معلوما أن التي عنيت بقوله: {تحبسونهما من بعد الصلاة} [المائدة: 106] هي الصلاة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيرها لاستحلاف من أراد تغليظ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت، وذلك لقربه من غروب الشمس. وكان ابن زيد يقول في قوله: {لا نشتري به ثمنا} [المائدة: 106] ما حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لا نشتري به ثمنا} [المائدة: 106] ، قال: نأخذ به رشوة 09P079
[المائدة: 106] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن 09P080 الآثمين} [المائدة: 106] اختلفت القراءة في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار: ولا نكتم شهادة الله بإضافة الشهادة إلى الله، وخفض اسم الله تعالى، يعني: لا نكتم شهادة الله عندنا وذكر عن الشعبي أنه كان يقرؤه كالذي حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن ابن عون، عن عامر، أنه كان يقرأ: {ولا نكتم شهادة الله، إنا إذا لمن الآثمين} [المائدة: 106] بقطع الألف وخفض اسم الله هكذا حدثنا به ابن وكيع. وكأن الشعبي وجه معنى الكلام إلى أنهما يقسمان بالله لا نشتري به ثمنا ولا نكتم شهادة عندنا، ثم ابتدأ يمينا باستفهام بالله أنهما إن اشتريا بأيمانهما ثمنا أو كتما شهادته عندهما لمن الآثمين. وقد روي عن الشعبي في قراءة ذلك رواية تخالف هذه الرواية وذلك ما حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا عباد بن عباد، عن ابن عون، عن الشعبي، أنه قرأ: (ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين) قال أحمد: قال أبو عبيد: " تنون {شهادة} [البقرة: 140] ، ويخفض {الله} [المائدة: 106] على الاتصال. قال: وقد رواها بعضهم بقطع الألف على الاستفهام ". وحفظي أنا لقراءة الشعبي بترك الاستفهام، وقرأها بعضهم: (ولا نكتم شهادة الله) بتنوين الشهادة ونصب اسم {الله} [المائدة: 106] ، بمعنى: ولا نكتم الله شهادة عندنا. وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ: {ولا نكتم شهادة الله} [المائدة: 106] بإضافة الشهادة إلى اسم {الله} [المائدة: 106] وخفض اسم {الله} [المائدة: 106] ، لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار التي لا يتناكر صحتها الأمة وكان ابن زيد يقول في معنى ذلك: «ولا نكتم شهادة الله وإن كان صاحبها بعيدا» حدثني بذلك يونس قال: أخبرنا ابن زيد، عنه 09P081
[المائدة: 107] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين} [المائدة: 107] يعني تعالى ذكره بقوله: فإن عثر فإن اطلع منهما، أو ظهر. وأصل العثر: الوقوع على الشيء والسقوط عليه، ومن ذلك قولهم: عثرت إصبع فلان بكذا: إذا صدمته وأصابته ووقعت عليه، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس: 09P082 بذات لوث عفرناة إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا يعني بقوله: (عثرت) : أصاب ميسم خفها حجر أو غيره، ثم يستعمل ذلك في كل واقع على شيء كان عنه خفيا، كقولهم: (عثرت على الغزل بأخرة، فلم تدع بنجد قردة) ، بمعنى: وقعت وأما قوله: {على أنهما استحقا إثما} [المائدة: 107] فإنه يقول تعالى ذكره: فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية بعد حلفهما بالله: لا نشتري بأيماننا ثمنا، ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، {على أنهما استحقا إثما} [المائدة: 107] ، يقول: على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثما، وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خنا، ولا بدلنا، ولا غيرنا، فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئا، أو غيرا وصيته، أو بدلا، فأثما بذلك من حلفهما بربهما {فآخران يقومان مقامهما} [المائدة: 107] ، يقول: يقوم حينئذ مقامهما من ورثة الميت الأوليان الموصى إليهما. 09P083 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: " إذا كان الرجل بأرض الشرك فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر، فإذا اطلع عليهما بعد حلفهما أنهما خانا شيئا، حلف أولياء الميت: إنه كان كذا وكذا، ثم استحقوا " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، بمثله حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] : " من غير المسلمين، تحبسونهما من بعد الصلاة، فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلا فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فذلك قوله: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} [المائدة: 107] ، يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا، {فآخران يقومان مقامهما} [المائدة: 107] يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد فترد شهادة 09P084 الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} [المائدة: 107] : «أي اطلع منهما على خيانة أنهما كذبا أو كتما» واختلف أهل التأويل في المعنى الذي له حكم الله تعالى ذكره على الشاهدين بالأيمان فنقلها إلى الآخرين بعد أن عثر عليهما أنهما استحقا إثما. فقال بعضهم: إنما ألزمهما اليمين إذا ارتيب في شهادتهما على الميت في وصيته أنه أوصى لغير الذي يجوز في حكم الإسلام، وذلك أن يشهد أنه أوصى بماله كله، أو أوصى أن يفضل بعض ولده ببعض ماله ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106] إلى قوله: {ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] : من أهل الإسلام. {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] : من غير أهل الإسلام.
{إن أنتم ضربتم في الأرض} [المائدة: 106] إلى: {فيقسمان بالله} [المائدة: 106] ، يقول: فيحلفان بالله بعد الصلاة، فإن حلفا على شيء يخالف ما أنزل الله تعالى من الفريضة يعني اللذين ليسا من أهل الإسلام فآخران يقومان مقامهما من أولياء الميت، فيحلفان بالله: ما كان صاحبنا ليوصي بهذا، أو: إنهما لكاذبان، 09P085 ولشهادتنا أحق من شهادتهما " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، يحلفان بالله: لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته، فإذا شهدا، وأجاز الإمام شهادتهما على ما شهدا، قال لأولياء الرجل: اذهبوا فاضربوا في الأرض واسألوا عنهما، فإن أنتم وجدتم عليهما خيانة أو أحدا يطعن عليهما رددنا شهادتهما، فينطلق الأولياء فيسألون، فإن وجدوا أحدا يطعن عليهما أو هما غير مرضيين عندهم، أو اطلع على أنهما خانا شيئا من المال وجدوه عندهما، فأقبل الأولياء فشهدوا عند الإمام وحلفوا بالله: لشهادتنا أنهما لخائنان متهمان في دينهما مطعون عليهما أحق من شهادتهما بما شهدا، وما اعتدينا فذلك قوله: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان} [المائدة: 107] وقال آخرون: بل إنما ألزم الشاهدان اليمين، لأنهما ادعيا أنه أوصى لهما ببعض المال. وإنما ينقل إلى الآخرين من أجل ذلك إذا ارتابوا بدعواهما ذكر من قال ذلك حدثنا عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعد، قال: ثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله} [المائدة: 106] ، قال: زعما أنه أوصى لهما بكذا وكذا. {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} [المائدة: 107] : أي بدعواهما لأنفسهما {فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان} [المائدة: 107] : أن صاحبنا لم يوص إليكما بشيء مما تقولان والصواب من القول في ذلك عندنا، أن الشاهدين ألزما اليمين في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله، ودعواهم قبلها خيانة مال معلوم المبلغ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما، فيحلف الوارث حينئذ مع شهادة الشاهد عليهما أو على أحدهما إنما صحح دعواه إذا حقق حقه، أو الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادعى عليهما الوارث أو بجميعه، ثم دعواهما في الذي أقرا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلا ببينة، ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بينة، فينقل حينئذ اليمين إلى أولياء الميت وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكما يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرا لذلك. ولم نجد ذلك كذلك صح بخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بإجماع من الأمة، لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى، فيكون أصلا مسلما. والمقول إذا خرج من أن يكون أصلا أو نظيرا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة، كان واضحا فساده. وإذا فسد هذا القول بما ذكرنا، فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مدعيا لو ادعى في مال ميت وصية أن القول قول ورثة المدعي في ماله الوصية مع أيمانهم، دون قول مدعي ذلك مع يمينه، وذلك إذا لم يكن للمدعي بينة.
وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما، وإنما نقل الأيمان عنهم إلى أولياء الميت، إذا عثر على أن الشهود استحقوا إثما في أيمانهم، فمعلوم بذلك فساد قول من قال: ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله، على أن ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به حين نزلت هذه الآية بين الذين نزلت فيهم وبسببهم ذكر من قال ذلك حدثني ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن يحيى بن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم الداري وعدي بن بداء. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم قال: وفيهم أنزلت: {يا أيها الذين آمنوا شهادة 09P088 بينكم} [المائدة: 106] حدثنا الحسن بن أبي شعيب الحراني، قال: ثنا محمد بن سلمة الحراني، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان مولى أم هانئ ابنة أبي طالب، عن ابن عباس، عن تميم الداري، في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106] ، قال: برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له: بديل بن أبي مريم، بتجارة، ومعه جام فضة يريد به الملك، وهو عظم تجارته، فمرض، فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله قال تميم: فلما مات، أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، فقسمناه أنا وعدي بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند 09P089 صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] إلى قوله: {أن ترد أيمان بعد أيمانهم} [المائدة: 108] فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم، فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء " حدثنا القاسم، ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، وابن سيرين وغيره قال: وثنا الحجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، دخل حديث بعضهم في بعض: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] الآية، قال: كان عدي وتميم الداري وهما من لخم نصرانيان يتجران إلى مكة في الجاهلية فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حولا متجرهما إلى المدينة، فقدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص المدينة، وهو يريد الشام تاجرا فخرجوا جميعا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية، فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه، ثم أوصى إليهما فلما مات فتحا متاعه، فأخذا ما أرادا، ثم قدما على أهله فدفعا ما أرادا، ففتح أهله متاعه، فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئا فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قبضنا له 09P090 ودفع إلينا، قال لهما أهله: فباع شيئا أو ابتاعه؟ قالا: لا. قالوا: فهل استهلك من متاعه شيئا؟ قالا: لا. قالوا: فهل تجر تجارة؟ قالا: لا.
قالوا: فإنا قد فقدنا بعضه، فاتهما، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106] إلى قوله: {إنا إذا لمن الآثمين} [المائدة: 106] ، قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما في دبر صلاة العصر: بالله الذي لا إله إلا هو، ما قبضنا له غير هذا، ولا كتمنا، قال: فمكثنا ما شاء الله أن نمكث، ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه بذهب، فقال أهله: هذا من متاعه، قالا: نعم، ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذب أنفسنا، فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الأخرى: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان} [المائدة: 107] ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه ثم إن تميما الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] الآية كلها، قال: " هذا شيء حين لم يكن الإسلام إلا بالمدينة، وكانت الأرض كلها كفرا، فقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] : من 09P091 المسلمين، {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] : من غير أهل الإسلام، {إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: 106] ، قال: كان الرجل يخرج مسافرا والعرب أهل كفر، فعسى أن يموت في سفره فيسند وصيته إلى رجلين منهم، فيقسمان بالله إن ارتبتم في أمرهما، إذا قال الورثة: كان مع صاحبنا كذا وكذا، فيقسمان بالله: ما كان معه إلا هذا الذي قلنا. {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} [المائدة: 107] ، إنما حلفا على باطل وكذب. {فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان} [المائدة: 107] بالميت {فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين} [المائدة: 107] ، ذكرنا أنه كان مع صاحبنا كذا وكذا، قال هؤلاء: لم يكن معه. قال: ثم عثر على بعض المتاع عندهما، فلما عثر على ذلك ردت القسامة على وارثه، فأقسما، ثم ضمن هذان. قال الله تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان} [المائدة: 108] فتبطل أيمانهم، {واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين} [المائدة: 108] الكاذبين الذين يحلفون على الكذب. وقال ابن زيد: قدم تميم الداري وصاحب له، وكانا يومئذ مشركين ولم يكونا أسلما، فأخبرا أنهما أوصى إليهما رجل، وجاءا بتركته، فقال أولياء الميت: كان مع صاحبنا كذا وكذا، وكان معه إبريق فضة، وقال الآخران: لم 09P092 يكن معه إلا الذي جئنا به. فحلفا خلف الصلاة. ثم عثر عليهما بعد والإبريق معهما ، فلما عثر عليهما ردت القسامة على أولياء الميت بالذي قالوا مع صاحبهم، ثم ضمنها الذي حلف عليه الأوليان " حدثنا الربيع، قال: ثنا الشافعي، قال: أخبرنا سعيد بن معاذ بن موسى الجعفري، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان قال بكر: قال مقاتل: أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك في قول الله: {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] أن رجلين نصرانيين من أهل دارين، أحدهما تميمي والآخر يماني، صاحبهما مولى لقريش في تجارة، فركبوا البحر ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبز ورقة فمرض القرشي، فجعل وصيته إلى الداريين، فمات وقبض الداريان المال والوصية، فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا ببعض ماله. وأنكر القوم قلة المال، فقالوا للداريين: إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به، فهل باع شيئا أو اشترى شيئا فوضع فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا.