Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V09/P322–V09/P325

[الأنعام: 70] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} [الأنعام: 70] 09P324 يقول تعالى ذكره: {وإن تعدل} [الأنعام: 70] النفس التي أبسلت بما كسبت، يعني: وإن تعدل {كل عدل} [الأنعام: 70] يعني: كل فداء، يقال منه: عدل يعدل: إذا فدى، عدلا. ومنه قول الله تعالى ذكره: {أو عدل ذلك صياما} [المائدة: 95] ، وهو ما عادله من غير نوعه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} [الأنعام: 70] قال: «لو جاءت بملء الأرض ذهبا لم يقبل منها» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} [الأنعام: 70] فما يعدلها، لو جاءت بملء الأرض ذهبا لتفتدي به ما قبل منها حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} [الأنعام: 70] قال: وإن تعدل: وإن تفتد يكون له الدنيا وما فيها يفتدي بها لا يؤخذ منه عدلا عن نفسه، لا يقبل منه وقد تأول ذلك بعض أهل العلم بالعربية بمعنى: وإن تقسط كل قسط لا 09P325 يقبل منها، وقال: إنها التوبة في الحياة. وليس لما قال من ذلك معنى، وذلك أن كل تائب في الدنيا فإن الله تعالى يقبل توبته 09P324 [الأنعام: 70] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} [الأنعام: 70] يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين إن فدوا أنفسهم من عذاب الله يوم القيامة كل فداء لم يؤخذ منهم، هم {الذين أبسلوا بما كسبوا} [الأنعام: 70] يقول: أسلموا لعذاب الله، فرهنوا به جزاء بما كسبوا في الدنيا من الآثام والأوزار. {لهم شراب من حميم} [الأنعام: 70] ، والحميم: هو الحار في كلام العرب، وإنما هو محموم صرف إلى فعيل، ومنه قيل للحمام: حمام، لإسخانه الجسم، ومنه قول مرقش: [+البحر البسيط] في كل ممسى لها مقطرة فيها كباء معد وحميم يعني بذلك ماء حارا. ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة فرس: [+البحر الكامل] تأبى بدرتها إذا ما استغضبت إلا الحميم فإنه يتبضع يعني بالحميم: عرق الفرس. وإنما جعل تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية شرابا من حميم، لأن الحار من الماء لا يروي من عطش، فأخبر أنهم إذا عطشوا في جهنم لم يغاثوا بماء يرويهم، ولكن بما يزيدون به عطشا على ما بهم من العطش، {وعذاب أليم} [الأنعام: 70] يقول: ولهم أيضا مع الشراب الحميم من الله العذاب الأليم والهوان المقيم. {بما كانوا يكفرون} [الأنعام: 70] يقول: بما كان من كفرهم في الدنيا بالله، وإنكارهم توحيده، وعبادتهم معه آلهة دونه حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} [الأنعام: 70] قال: يقال: «أسلموا» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {أولئك الذين أبسلوا} [الأنعام: 70] قال: «فضحوا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} [الأنعام: 70] قال: «أخذوا بما كسبوا» 09P326

Section V09/P325–V09/P328

[الأنعام: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين} [الأنعام: 71] وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم على حجته على مشركي قومه من عبدة الأوثان، يقول له تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأنداد والآمرين لك باتباع دينهم وعبادة الأصنام معهم: أندعو من دون الله حجرا أو خشبا لا يقدر على نفعنا أو ضرنا، فنخصه بالعبادة دون الله، وندع عبادة الذي بيده الضر والنفع والحياة والموت، إن كنتم تعقلون فتميزون بين الخير والشر، فلا شك أنكم تعلمون أن خدمة ما يرتجى نفعه ويرهب ضره أحق وأولى من خدمة من لا يرجى نفعه ولا يخشى ضره. {ونرد على أعقابنا} [الأنعام: 71] يقول: ونرد إلى أدبارنا فنرجع القهقرى خلفنا لم نظفر بحاجتنا. وقد بينا معنى الرد على العقب، وأن العرب تقول لكل طالب حاجة لم يظفر بها: رد على عقبيه، فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإنما يراد به في هذا الموضع: ونرد من الإسلام إلى الكفر بعد إذ هدانا الله فوفقنا له، فيكون مثلنا في ذلك مثل الرجل الذي استتبعه الشيطان يهوي في الأرض حيران. وقوله: {استهوته} [الأنعام: 71] استفعلته، من قول القائل: هوى فلان إلى كذا يهوي إليه، ومن قول الله تعالى ذكره: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] بمعنى: تنزع إليهم وتريدهم. وأما حيران: فإنه فعلان من قول القائل: قد حار فلان في الطريق فهو يحار فيه حيرة وحيرانا وحيرورة، وذلك إذا ضل فلم يهتد للمحجة، له أصحاب يدعونه إلى الهدى، يقول: لهذا الحيران الذي قد استهوته الشياطين في الأرض أصحاب على المحجة واستقامة السبيل، يدعونه إلى المحجة لطريق الهدى الذي هم عليه، يقولون له: ائتنا. وترك إجراء حيران، لأنه (فعلان) ، وكل اسم كان على (فعلان) مما أنثاه (فعلى) فإنه لا يجرى في كلام العرب في معرفة ولا نكرة. وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن كفر بالله بعد إيمانه فاتبع الشياطين من أهل الشرك بالله، وأصحابه الذين كانوا أصحابه في حال إسلامه المقيمون على الدين الحق يدعونه إلى الهدى الذي هم عليه مقيمون، والصواب الذي هم به متمسكون، وهو له مفارق، وعنه زائل، يقولون له: ائتنا، فكن معنا على استقامة وهدى، وهو يأبى ذلك، ويتبع دواعي الشيطان، ويعبد الآلهة والأوثان. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل، وخالف في ذلك جماعة ذكر من قال ذلك مثل ما قلنا حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن 09P329 السدي: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا} [الأنعام: 71] قال: " قال المشركون للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى ذكره: قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا، هذه الآلهة، ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن كفرتم بعد الإيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق، فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم، يقولون: ائتنا، فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم.

Section V09/P328

فذلك مثل من يتبعكم بعد المعرفة بمحمد، ومحمد الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا} [الأنعام: 71] قال: " هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل ضل عن الطريق، إذ ناداه مناد: يا فلان ابن فلان، هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان، هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان، يقول: مثل من يعبد هؤلاء 09P330 الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت فيستقبل الهلكة والندامة. وقوله: {كالذي استهوته الشياطين في الأرض} [الأنعام: 71] ، وهم الغيلان يدعونه باسمه واسم أبيه واسم جده، فيتبعها فيرى أنه في شيء فيصبح وقد ألقته في الهلكة وربما أكلته، أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: {استهوته الشياطين في الأرض} [الأنعام: 71] قال: «أضلته في الأرض حيران» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ما لا ينفعنا ولا يضرنا} [الأنعام: 71] قال: «الأوثان» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {استهوته الشياطين في الأرض حيران} [الأنعام: 71] قال: «رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، كذلك مثل من يضل بعد إذ هدي» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: ثنا رجل، عن مجاهد قال: " حيران هذا مثل ضربه الله للكافر، يقول: الكافر حيران يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} [الأنعام: 71] حتى بلغ: {لنسلم لرب العالمين} [الأنعام: 71] : علمها الله محمدا وأصحابه يخاصمون بها أهل الضلالة وقال آخرون في تأويل ذلك بما حدثني به، محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى} [الأنعام: 71] : فهو الرجل الذي لا يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وحار عن الحق وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس: إن الهدى هدى الله، والضلالة ما تدعو إليه الجن " فكأن ابن عباس على هذه الرواية يرى أن أصحاب هذا الحيران الذين يدعونه إنما يدعونه إلى الضلال، ويزعمون أن ذلك هدى، وأن الله أكذبهم بقوله: {قل إن هدى الله هو الهدى} [البقرة: 120] ، لا ما يدعوه إليه أصحابه. 09P332 وهذا تأويل له وجه لو لم يكن الله سمى الذي دعا الحيران إليه أصحابه هدى، وكان الخبر بذلك عن أصحابه الدعاة له إلى ما دعوه إليه، أنهم هم الذين سموه، ولكن الله سماه هدى، وأخبر عن أصحاب الحيران أنهم يدعونه إليه. وغير جائز أن يسمي الله الضلال هدى، لأن ذلك كذب، وغير جائز وصف الله بالكذب، لأن ذلك وصفه بما ليس من صفته.

Section V09/P328–V09/P331

وإنما كان يجوز توجيه ذلك إلى الصواب لو كان ذلك خبرا من الله عن الداعي الحيران أنهم قالوا له: تعال إلى الهدى، فأما وهو قائل: يدعونه إلى الهدى ، فغير جائز أن يكون ذلك وهم كانوا يدعونه إلى الضلال وأما قوله: {ائتنا} [الأنعام: 71] ، فإن معناه: يقولون: ائتنا، هلم إلينا، فحذف القول لدلالة الكلام عليه. وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: (يدعونه إلى الهدى بينا) حدثنا بذلك ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: في قراءة عبد الله: (يدعونه إلى الهدى بينا) حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا، يقول: في قراءة ابن مسعود: (له أصحاب يدعونه إلى الهدى بينا) ، قال: الهدى: الطريق، أنه بين وإذا قرئ ذلك كذلك، كان البين من صفة الهدى، ويكون نصب البين على القطع من الهدى، كأنه قيل: يدعونه إلى الهدى البين، ثم نصب 09P333 (البين) لما حذفت الألف واللام، وصار نكرة من صفة المعرفة. وهذه القراءة التي ذكرناها عن ابن مسعود تؤيد قول من قال: الهدى في هذا الموضع: هو الهدى، على الحقيقة 09P332

Section V09/P331–V09/P334

[الأنعام: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين} [الأنعام: 71] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان القائلين لأصحابك: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم، فإنا على هدى: ليس الأمر كما زعمتم {إن هدى الله هو الهدى} [البقرة: 120] يقول: إن طريق الله الذي بينه لنا وأوضحه، وسبيلنا الذي أمرنا بلزومه، ودينه الذي شرعه لنا فبينه، هو الهدى والاستقامة التي لا شك فيها، لا عبادة الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، فلا نترك الحق ونتبع الباطل. {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} [الأنعام: 71] يقول: وأمرنا ربنا ورب كل شيء، تعالى وجهه، لنسلم له: لنخضع له بالذلة والطاعة والعبودية، فنخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد والآلهة. وقد بينا معنى الإسلام بشواهده فيما مضى من كتابنا بما أغنى عن إعادته، وقيل: {وأمرنا لنسلم} [الأنعام: 71] بمعنى: وأمرنا كي نسلم، وأن نسلم لرب العالمين، لأن العرب تضع (كي) و (اللام) التي بمعنى (كي ) مكان (أن) ، و (أن) مكانها. 09P333 [الأنعام: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون} [الأنعام: 72] يقول تعالى ذكره: وأمرنا أن أقيموا الصلاة. وإنما قيل: {وأن أقيموا الصلاة} [الأنعام: 72] فعطف ب (أن) على اللام من (لنسلم) لأن قوله: {لنسلم} [الأنعام: 71] معناه: أن نسلم، فرد قوله: {وأن أقيموا} [الأنعام: 72] على معنى: (لنسلم) ، إذ كانت اللام التي في قوله: {لنسلم} [الأنعام: 71] لاما لا تصحب إلا المستقبل من الأفعال، وكانت (أن) من الحروف التي تدل على الاستقبال دلالة اللام التي في {لنسلم} [الأنعام: 71] ، فعطف بها عليها لاتفاق معنييهما فيما ذكرت، ف (أن) في موضع نصب بالرد على اللام. وكان بعض نحويي البصرة يقول: إما أن يكون ذلك: أمرنا لنسلم لرب العالمين، وأن أقيموا الصلاة، يقول: أمرنا كي نسلم، كما قال: {وأمرت أن أكون من المؤمنين} [يونس: 104] ، أي إنما أمرت بذلك، ثم قال: {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} [الأنعام: 72] : أي أمرنا أن أقيموا الصلاة، أو يكون أوصل الفعل باللام، والمعنى: أمرت أن أكون، كما أوصل الفعل باللام في قوله: {هم لربهم يرهبون} [الأعراف: 154] . فتأويل الكلام: وأمرنا بإقامة الصلاة، وذلك أداؤها بحدودها التي فرضت علينا. {واتقوه} [الأنعام: 72] يقول: واتقوا رب العالمين الذي أمرنا أن نسلم له، فخافوه واحذروا سخطه بأداء الصلاة المفروضة عليكم، والإذعان له بالطاعة وإخلاص العبادة له. {وهو الذي إليه تحشرون} [الأنعام: 72] يقول: وربكم رب العالمين هو الذي إليه تحشرون فتجمعون يوم القيامة، فيجازي كل عامل منكم بعمله، وتوفى كل نفس ما كسبت 09P335

Section V09/P334–V09/P336

[الأنعام: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير} [الأنعام: 73] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد، الداعيك إلى عبادة الأوثان: أمرنا لنسلم لرب العالمين الذي خلق السموات والأرض بالحق، لا من لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {بالحق} [البقرة: 71] ، فقال بعضهم : معنى ذلك: وهو الذي خلق السموات والأرض حقا وصوابا، لا باطلا وخطأ، كما قال تعالى ذكره: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا} [ص: 27] ، قالوا: وأدخلت فيه الباء والألف واللام، كما تفعل العرب في نظائر ذلك، فتقول: فلان يقول بالحق، بمعنى أنه يقول الحق. قالوا: ولا شيء في قوله بالحق غير إصابته الصواب فيه، لا أن الحق معنى غير القول، وإنما هو صفة للقول إذا كان بها القول كان القائل موصوفا بالقول بالحق وبقول الحق. قالوا: فكذلك خلق السموات والأرض حكمة من حكم الله، فالله موصوف بالحكمة، خلقهما وخلق ما سواهما من سائر خلقه، لا أن ذلك حق سوى خلقهما خلقهما به. وقال آخرون: معنى ذلك: خلق السموات والأرض بكلامه وقوله لهما: {ائتيا طوعا أو كرها} [فصلت: 11] . قالوا: فالحق في هذا الموضع معني به كلامه. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقوله: {ويوم يقول كن فيكون قوله الحق} [الأنعام: 73] ، الحق هو قوله وكلامه. قالوا: والله خلق الأشياء بكلامه وقيله كما خلق به الأشياء غير المخلوقة. قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وجب أن يكون كلام الله الذي خلق به الخلق غير مخلوق وأما قوله: {ويوم يقول كن فيكون} [الأنعام: 73] فإن أهل العربية اختلفوا في العامل في {يوم يقول} [الحديد: 13] ، وفي معنى ذلك، فقال بعض نحويي البصرة: (اليوم) مضاف إلى (يقول كن فيكون) ، قال: وهو نصب وليس له خبر ظاهر، والله أعلم، وهو على ما فسرت لك، كأنه يعني بذلك أن نصبه على: (واذكر يوم يقول كن فيكون) ، قال: وكذلك {يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] ، قال: وقال بعضهم: يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة. وقال بعضهم: يقول كن فيكون، للصور خاصة. فمعنى الكلام على تأويلهم: يوم يقول للصور: كن فيكون، قوله الحق يوم ينفخ فيه عالم الغيب والشهادة، فيكون (القول) حينئذ مرفوعا ب (الحق) ، والحق بالقول. وقوله: {يوم يقول كن فيكون} [الأنعام: 73] و {يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] صلة (الحق) . وقال آخرون: بل قوله: {كن فيكون} [البقرة: 117] معني به كل ما كان الله معيده في الآخرة بعد إفنائه، ومنشئه بعد إعدامه. فالكلام على مذهب هؤلاء متناه عند قوله: {كن فيكون} [البقرة: 117] ، وقوله: {قوله الحق} [الأنعام: 73] خبر مبتدأ. وتأويله: وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق، ويوم يقول للأشياء: كن فيكون، خلقهما بالحق بعد فنائهما، ثم ابتدأ الخبر عن قوله ووعده خلقه أنه معيدهما بعد فنائهما عن أنه حق، فقال: قوله هذا الحق الذي لا شك فيه، وأخبر أن له الملك يوم ينفخ في الصور، ف {يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] يكون على هذا التأويل من صلة (الملك) . وقد يجوز على هذا التأويل أن يكون قوله: {يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] من صلة {الحق} [البقرة: 26] . وقال آخرون: بل معنى الكلام: ويوم يقول لما فني: (كن) فيكون قوله الحق، فجعل القول مرفوعا بقوله: {ويوم يقول كن فيكون} [الأنعام: 73] وجعل قوله: {كن فيكون} [البقرة: 117] للقول محلا، وقوله: {يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] من صلة (الحق) ، كأنه وجه تأويل ذلك إلى: ويومئذ قوله الحق يوم ينفخ في الصور.

Section V09/P336–V09/P339

وإن جعل على هذا التأويل: {يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] بيانا عن اليوم الأول، كان وجها صحيحا، ولو جعل قوله: {قوله الحق} [الأنعام: 73] مرفوعا بقوله: {يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] ، وقوله: {يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] محلا، وقوله: {ويوم يقول كن فيكون} [الأنعام: 73] من صلته كان جائزا. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه المنفرد بخلق السموات والأرض دون كل ما سواه، معرفا من أشرك به من خلقه جهله في عبادة الأوثان والأصنام، وخطأ ما هم عليه مقيمون من عبادة ما لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على اجتلاب نفع إلى نفسه ولا دفع ضر عنها، ومحتجا عليهم في إنكارهم البعث بعد الممات والثواب والعقاب بقدرته على ابتداع ذلك ابتداء، وأن الذي ابتدع ذلك غير متعذر عليه إفناؤه ثم إعادته بعد إفنائه، فقال: وهو الذي خلق أيها العادلون بربهم من لا ينفع ولا يضر ولا يقدر على شيء، السموات والأرض بالحق، حجة على خلقه ، ليعرفوا بها صانعها وليستدلوا بها على عظيم قدرته وسلطانه، فيخلصوا له العبادة. {ويوم يقول كن فيكون} [الأنعام: 73] يقول: ويوم يقول حين تبدل الأرض غير الأرض والسموات كذلك: (كن فيكون) ، كما شاء تعالى ذكره، فتكون الأرض غير الأرض عند قوله (كن) ، فيكون متناهيا. وإذا كان كذلك معناه وجب أن يكون في الكلام محذوف يدل عليه الظاهر، ويكون معنى الكلام: ويوم يقول لذلك: كن فيكون، تبدل غير السموات والأرض، ويدل على ذلك قوله: {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق} ثم ابتدأ الخبر عن القول فقال: {قوله الحق} [الأنعام: 73] بمعنى: وعده هذا الذي وعد تعالى ذكره من تبديله السموات والأرض غير الأرض والسموات، الحق الذي لا شك فيه، {وله الملك يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] فيكون قوله: {يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] من صلة (الملك) ، ويكون معنى الكلام: ولله الملك يومئذ لأن النفخة الثانية في الصور حال تبديل الله السموات والأرض غيرهما. وجائز أن يكون القول، أعنى قوله: {الحق} [البقرة: 26] مرفوعا بقوله: {ويوم يقول كن فيكون} [الأنعام: 73] ويكون قوله: {كن فيكون} [البقرة: 117] محلا للقول مرافعا، فيكون تأويل الكلام: وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق، ويوم يبدلها غير السموات والأرض فيقول لذلك كن فيكون قوله الحق وأما قوله: {وله الملك يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] فإنه خص بالخبر عن ملكه يومئذ، وإن كان الملك له خالصا في كل وقت في الدنيا والآخرة، لأنه عنى تعالى ذكر أنه لا منازع له فيه يومئذ ولا مدعي له، وأنه المنفرد به دون كل من كان ينازعه فيه في الدنيا من الجبابرة فأذعن جميعهم يومئذ له به، وعلموا أنهم كانوا من دعواهم في الدنيا في باطل. واختلف في معنى الصور في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو قرن ينفخ فيه نفختان: إحداهما لفناء من كان حيا على الأرض، والثانية لنشر كل ميت. واعتلوا لقولهم ذلك بقوله: {ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} ، وبالخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذ سئل عن الصور: «هو قرن ينفخ فيه» . وقال آخرون: الصور في هذا الموضع: جمع صورة ينفخ فيها روحها فتحيا، كقولهم: سور لسور المدينة، وهو جمع سورة، كما قال جرير: [+البحر الكامل] سور المدينة والجبال الخشع والعرب تقول: نفخ في الصور، ونفخ الصور. ومن قولهم: نفخ الصور قول الشاعر: [+البحر البسيط] لولا ابن جعدة لم تفتح قهندزكم ولا خراسان حتى ينفخ الصور والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يومر فينفخ» ، وأنه قال: «الصور قرن ينفخ فيه» .

Section V09/P339

وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: {يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] يعني: أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور " حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] يعني: أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور فكأن ابن عباس تأول في ذلك أن قوله: {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] اسم الفاعل الذي لم يسم في قوله: {يوم ينفخ في الصور} [الأنعام: 73] ، وأن معنى الكلام: يوم ينفخ الله في الصور عالم الغيب والشهادة، كما تقول العرب: أكل طعامك عبد الله، فتظهر اسم الآكل بعد أن قد جرى الخبر بما لم يسم آكله. وذلك وإن كان وجها غير مدفوع، فإن أحسن من ذلك أن يكون قوله: {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] مرفوعا على أنه نعت ل (الذي) في قوله: {وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق} ، وروي عنه أيضا أنه كان يقول: الصور في هذا الموضع: النفخة الأولى حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] يعني بالصور النفخة الأولى ، ألم تسمع أنه يقول: {ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى} يعني الثانية {فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68] ويعني بقوله: {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] عالم ما تعاينون أيها الناس فتشاهدونه، وما يغيب عن حواسكم وأبصاركم فلا تحسونه ولا تبصرونه، 09P342 وهو الحكيم في تدبيره وتصريفه خلقه من حال الوجود إلى العدم، ثم من حال العدم والفناء إلى الوجود، ثم في مجازاتهم بما يجازيهم به من ثواب أو عقاب، خبير بكل ما يعملونه ويكسبونه من حسن وسيئ، حافظ ذلك عليهم ليجازيهم على كل ذلك. يقول تعالى ذكره: فاحذروا أيها العادلون بربكم عقابه، فإنه عليم بكل ما تأتون وتذرون، وهو لكم من وراء الجزاء على ما تعملون 09P341

Section V09/P339–V09/P343

[الأنعام: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين} [الأنعام: 74] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد لحجاجك الذي تحاج به قومك وخصومتك إياهم في آلهتهم وما تراجعهم فيها، مما نلقيه إليك ونعلمكه من البرهان والدلالة على بطلان ما عليه قومك مقيمون، وصحة ما أنت عليه مقيم من الدين وحقية ما أنت عليهم محتج، حجاج إبراهيم خليلي قومه، ومراجعته إياهم في باطل ما كانوا عليه مقيمين من عبادة الأوثان، وانقطاعه إلى الله والرضا به واليا وناصرا دون الأصنام، فاتخذه إماما واقتد به، واجعل سيرته في قومك لنفسك مثالا، إذ قال لأبيه مفارقا لدينه وعائبا عبادته الأصنام دون بارئه وخالقه: يا آزر. ثم اختلف أهل العلم في المعني بآزر، وما هو؟ اسم أم صفة؟ وإن كان اسما، فمن المسمى به؟ فقال بعضهم: هو اسم أبيه ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} [الأنعام: 74] قال: اسم أبيه آزر حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني محمد بن إسحاق، قال: آزر أبو إبراهيم ، وكان فيما ذكر لنا، والله أعلم، رجلا من أهل كوثى، من قرية بالسواد، سواد الكوفة حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز، يذكر قال: هو آزر، وهو تارح، مثل إسرائيل ويعقوب وقال آخرون: إنه ليس أبا إبراهيم ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن حميد، وسفيان بن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قال: " ليس آزر أبا إبراهيم حدثني الحرث، قال: ثني عبد العزيز، قال: ثنا الثوري، قال: أخبرني رجل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} [الأنعام: 74] ، قال: آزر لم 09P344 يكن بأبيه إنما هو صنم حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: آزر اسم صنم حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} [الأنعام: 74] قال: اسم أبيه، ويقال: لا، بل اسمه تارح، واسم الصنم آزر، يقول: أتتخذ آزر أصناما آلهة وقال آخرون: هو سب وعيب بكلامهم، ومعناه: معوج. كأنه تأول أنه عابه بزيغه واعوجاجه عن الحق. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} [الأنعام: 74] بفتح (آزر) على إتباعه الأب في الخفض، ولكنه لما كان اسما أعجميا فتحوه إذ لم يجروه وإن كان في موضع خفض. وذكر عن أبي زيد المديني والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك: (آزر) ، بالرفع على النداء، بمعنى: (يا آزر) . فأما الذي ذكر عن السدي من حكايته أن آزر اسم صنم، وإنما نصبه بمعنى: (أتتخذ آزر أصناما آلهة) ، فقول من الصواب من جهة العربية بعيد، وذلك أن العرب لا 09P345 تنصب اسما بفعل بعد حرف الاستفهام، لا تقول: أخاك أكلمت، وهي تريد: أكلمت أخاك. والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ بفتح الراء من (آزر) ، على إتباعه إعراب (الأب) ، وأنه في موضع خفض، ففتح إذ لم يكن جاريا لأنه اسم عجمي. وإنما أجيزت قراءة ذلك كذلك لإجماع الحجة من القراء عليه. وإذ كان ذلك هو الصواب من القراءة، وكان غير جائز أن يكون منصوبا بالفعل الذي بعد حرف الاستفهام، صح لك فتحه من أحد وجهين: إما أن يكون اسما لأبي إبراهيم صلوات الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله، فيكون في موضع خفض ردا على الأب، ولكنه فتح لما ذكرت من أنه لما كان اسما أعجميا ترك إجراؤه، ففتح كما فتح العرب في أسماء العجم، أو يكون نعتا له، فيكون أيضا خفضا بمعنى تكرير اللام عليه، ولكنه لما خرج مخرج أحمر وأسود ترك إجراؤه، وفعل به كما يفعل بأشكاله.

Section V09/P343

فيكون تأويل الكلام حينئذ: وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر: أتتخذ أصناما آلهة؟ وإن لم يكن له وجهة في الصواب إلا أحد هذين الوجهين، فأولى القولين بالصواب منهما عندي قول من قال: هو اسم أبيه، لأن الله تعالى أخبر أنه أبوه. وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم دون القول الآخر الذي زعم قائله أنه نعت. 09P346 فإن قال قائل: فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى تارح، فكيف يكون آزر اسما له والمعروف به من الاسم تارح؟ قيل له: غير محال أن يكون له اسمان، كما لكثير من الناس في دهرنا هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم. وجائز أن يكون لقبا، والله تعالى أعلم 09P344

Section V09/P343–V09/P346

[الأنعام: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين} [الأنعام: 74] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل إبراهيم لأبيه آزر، أنه قال: أتتخذ أصناما آلهة تعبدها وتتخذها ربا دون الله الذي خلقك فسواك ورزقك، والأصنام: جمع صنم، التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان، وهو الوثن. وقد يقال للصورة المصورة على صورة الإنسان في الحائط غيره: صنم ووثن. {إني أراك وقومك في ضلال مبين} [الأنعام: 74] يقول: إني أراك يا آزر وقومك الذين يعبدون معك الأصنام ويتخذونها آلهة {في ضلال} [الأنعام: 74] يقول: في زوال عن محجة الحق ، وعدول عن سبيل الصواب {مبين} [البقرة: 168] يقول: يتبين لمن أبصره أنه جور عن قصد السبيل، وزوال عن محجة الطريق القويم. يعني بذلك: أنه قد ضل هو وهم عن توحيد الله وعبادته الذي استوجب عليهم إخلاص العبادة له بآلائه عندهم، دون غيره من الآلهة والأوثان 09P347

Section V09/P346–V09/P348

[الأنعام: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75] يعني تعالى ذكره بقوله: {وكذلك} [البقرة: 143] : وكما أريناه البصيرة في دينه، والحق في خلاف ما كانوا عليه من الضلال، نريه ملكوت السموات والأرض، يعني ملكه، وزيدت فيه التاء كما زيدت في (الجبروت) من الجبر، وكما قيل: رهبوت خير من رحموت، بمعنى: رهبة خير من رحمة. وحكي عن العرب سماعا: له ملكوت اليمن والعراق، بمعنى: له ملك ذلك - واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} فقال بعضهم: معنى ذلك: نريه خلق السموات والأرض. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} : أي خلق السموات والأرض حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} : أي خلق السموات والأرض، وليكون من الموقنين حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} يعني بملكوت السموات والأرض: خلق السموات والأرض وقال آخرون: معنى الملكوت: الملك، بنحو التأويل الذي أولناه ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عمر بن أبي زائدة، قال: سمعت عكرمة، وسأله رجل عن قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} ، قال: هو الملك، غير أنه بكلام النبط (ملكوتا) حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي زائدة، عن عكرمة، قال: هي بالنبطية: (ملكوتا) 09P349 وقال آخرون: معنى ذلك: آيات السموات والأرض ذكر من قال ذلك حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} قال: آيات السموات والأرض حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} قال: آيات حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} قال: تفرجت لإبراهيم السموات السبع، حتى العرش، فنظر فيهن. وتفرجت له الأرضون السبع، فنظر فيهن حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} ، قال: أقيم على صخرة، وفتحت له السموات، فنظر إلى ملك الله فيها حتى نظر إلى مكانه في الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل 09P350 الأرض، فذلك قوله: {وآتيناه أجره في الدنيا} [العنكبوت: 27] يقول: آتيناه مكانه في الجنة. ويقال: أجره: الثناء الحسن.

Section V09/P348–V09/P351

حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} قال: فرجت له السموات فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع، فنظر ما فيهن حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن سالم، عن سعيد بن جبير: {" وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} قال: كشف له عن أديم السموات والأرض حتى نظر إليهن على صخرة، والصخرة على حوت، والحوت على خاتم رب العزة لا إله إلا الله " حدثنا هناد، وابن وكيع، قالا: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: " لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، رأى عبدا على فاحشة، فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة، فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة، فدعا عليه فهلك، فقال: أنزلوا عبدي لا يهلك عبادي " حدثنا هناد، قال: ثنا قبيصة ، عن سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، 09P351 قال: " لما رفع الله إبراهيم في الملكوت في السموات، أشرف فرأى عبدا يزني، فدعا عليه فهلك، ثم رفع فأشرف فرأى عبدا يزني، فدعا عليه فهلك، ثم رفع فأشرف فرأى عبدا يزني، فدعا عليه، فنودي: على رسلك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة، وإما أن يتمادى فيما هو فيه، فأنا من ورائه " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، وعبد الوهاب، عن عوف، عن أسامة، أن إبراهيم، خليل الرحمن حدث نفسه أنه أرحم الخلق، وأن الله رفعه حتى أشرف على أهل الأرض، فأبصر أعمالهم، فلما رآهم يعملون بالمعاصي قال: اللهم دمر عليهم، فقال له ربه: أنا أرحم بعبادي منك، اهبط فلعلهم أن يتوبوا إلي ويرجعوا " وقال آخرون: بل معنى ذلك ما أخبر تعالى أنه أراه من النجوم والقمر والشمس ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} ، قال: الشمس والقمر والنجوم " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن 09P352 مجاهد: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} قال: الشمس والقمر حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} يعني به: نريه الشمس والقمر والنجوم " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: " خبئ إبراهيم عليه السلام من جبار من الجبابرة، فجعل له رزقه في أصابعه، فإذا مص أصبعا من أصابعه وجد فيها رزقا.

Section V09/P351–V09/P353

فلما خرج أراه الله ملكوت السموات والأرض، فكان ملكوت السموات: الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض: الجبال والشجر والبحار " حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن نبي الله إبراهيم عليه السلام فر به من جبار مترف، فجعل في سرب، وجعل رزقه في أطرافه، فجعل لا يمص أصبعا من أصابعه إلا وجد فيها رزقا، فلما خرج من ذلك السرب أراه الله ملكوت السموات، فأراه شمسا وقمرا ونجوما وسحابا وخلقا 09P353 عظيما، وأراه ملكوت الأرض، فأراه جبالا وبحورا وأنهارا وشجرا ومن كل الدواب، وخلقا عظيما " وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: عنى الله تعالى بقوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} أنه أراه ملك السموات والأرض، وذلك ما خلق فيهما من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما، وجلى له بواطن الأمور وظواهرها، لما ذكرنا قبل من معنى الملكوت في كلام العرب فيما مضى قبل وأما قوله: {وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75] فإنه يعني: أنه أراه ملكوت السموات والأرض ليكون ممن يتوحد بتوحيد الله، ويعلم حقية ما هداه له وبصره إياه من معرفة وحدانيته وما عليه قومه من الضلالة من عبادتهم واتخاذهم آلهة دون الله تعالى. وكان ابن عباس يقول في تأويل ذلك ما حدثني به، محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وليكون من الموقنين} [الأنعام: 75] أنه جلى له الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله: إنك لا تستطيع هذا، فرده الله كما كان قبل ذلك فتأويل ذلك على هذا التأويل: أريناه ملكوت السموات والأرض، ليكون ممن يوقن علم كل شيء حسا لا خبرا حدثني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي قال: ثنا أبو جابر، قال: وحدثنا الأوزاعي، أيضا قال: ثني خالد بن اللجلاج، قال: سمعت عبد الرحمن بن عياش، يقول: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة، فقال له قائل: ما رأيت أسعد منك الغداة، قال: " وما لي وقد أتاني ربي في أحسن صورة فقال: ففيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: أنت أعلم، فوضع يده بين كتفي، فعلمت ما في السموات والأرض "، ثم تلا هذه الآية: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} 09P354

Section V09/P353–V09/P356

[الأنعام: 76] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين} [الأنعام: 76] يقول تعالى ذكره: فلما واراه الليل وجنه، يقال منه: جن عليه الليل، وجنه الليل، وأجنه، وأجن عليه، وإذا ألقيت (على) كان الكلام بالألف أفصح منه بغير الألف، (أجنه الليل) أفصح من (أجن عليه) ، و (جن عليه الليل) أفصح من (جنه) ، وكل ذلك مقبول مسموع من العرب، وجنه الليل في أسد، وأجنه وجنه في تميم، والمصدر من جن عليه جنا وجنونا وجنانا، ومن أجن إجنانا، ويقال: أتى فلان في جن الليل، والجن من ذلك، لأنهم استجنوا عن أعين بني آدم فلا يرون، وكل ما توارى عن أبصار الناس فإن العرب تقول فيه: قد جن، ومنه قول الهذلي: [+البحر المتقارب] وماء وردت قبيل الكرى وقد جنه السدف الأدهم وقال عبيد: [+البحر الطويل] وخرق تصيح البوم فيه مع الصدى مخوف إذا ما جنه الليل مرهوب ومنه: أجننت الميت: إذا واريته في اللحد، وجننته. وهو نظير جنون الليل في معنى: غطيته. ومنه قيل للترس: مجن، لأنه يجن من استجن به فيغطيه ويواريه. وقوله: {رأى كوكبا} [الأنعام: 76] يقول: أبصر كوكبا حين طلع، {قال هذا ربي} [الأنعام: 76] ، فروي عن ابن عباس في ذلك ما حدثني به المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} : يعني به: الشمس والقمر والنجوم. {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي} [الأنعام: 76] فعبده حتى غاب، فلما غاب قال: لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغا قال: هذا ربي، فعبده حتى غاب، فلما غاب قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي، هذا أكبر فعبدها حتى غابت، فلما غابت قال: يا قوم، إني بريء مما تشركون حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين} [الأنعام: 76] : علم أن ربه دائم لا يزول، فقرأ حتى بلغ: {هذا ربي هذا أكبر} [الأنعام: 78] : رأى خلقا هو أكبر من الخلقين الأولين وأنور " وكان سبب قيل إبراهيم ذلك ما حدثني به محمد بن حميد قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني محمد بن إسحاق، فيما ذكر لنا، والله أعلم، أن آزر كان رجلا من أهل كوثى من قرية بالسواد سواد الكوفة، وكان إذ ذاك ملك المشرق 09P357 لنمرود بن كنعان، فلما أراد الله أن يبعث إبراهيم حجة على قومه ورسولا إلى عباده، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم نبي إلا هود وصالح، فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله ما أراد، أتى أصحاب النجوم نمرود فقالوا له: تعلم أنا نجد في علمنا أن غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود، بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته، فحبسها عنده، إلا ما كان من أم إبراهيم امرأة آزر، فإنه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت امرأة حدثة، فيما يذكر، لم يعرف الحبل في بطنها. ولما أراد الله أن يبلغ بولدها أراد أن يقتل كل غلام ولد في ذلك الشهر من تلك السنة حذرا على ملكه، فجعل لا تلد امرأة غلاما في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح، فلما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبا منها، فولدت فيها إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يصنع مع المولود، ثم سدت عليه المغارة، ثم رجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة، فتنظر ما فعل، فتجده حيا يمص إبهامه، يزعمون، والله أعلم، أن الله جعل رزق إبراهيم فيها، وما يجيئه من مصه.

Section V09/P356

وكان آزر فيما يزعمون سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل؟ فقالت: ولدت غلاما فمات، فصدقها 09P358 فسكت عنها. وكان اليوم فيما يذكرون على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة، فلم يلبث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرا، حتى قال لأمه: أخرجيني أنظر، فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي، ما لي إله غيره، ثم نظر في السماء فرأى كوكبا قال: هذا ربي، ثم أتبعه ينظر إليه ببصره، حتى غاب، فلما أفل قال: لا أحب الآفلين، ثم طلع القمر فرآه بازغا قال: هذا ربي، ثم أتبعه بصره حتى غاب، فلما أفل قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس، أعظم الشمس، ورأى شيئا هو أعظم نورا من كل شيء رآه قبل ذلك، فقال: هذا ربي، هذا أكبر، فلما أفلت قال: يا قوم، إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه، وبرئ من دين قومه، إلا أنه لم يبادئهم بذلك. وأخبر أنه ابنه، وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه، وأخبرته بما كانت صنعت من شأنه، فسر بذلك آزر وفرح فرحا شديدا. وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدونها، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم، فيما يذكرون، فيقول: من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ فلا 09P359 يشتريها منه أحد، وإذا بارت عليه، ذهب بها إلى نهر فضرب فيه رءوسها، وقال: اشربي، استهزاء بقومه وما هم عليه من الضلالة، حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته، من غير أن يكون ذلك بلغ نمرود الملك وأنكر قوم من غير أهل الرواية هذا القول الذي روي عن ابن عباس، وعمن روي عنه، من أن إبراهيم قال للكوكب أو للقمر: هذا ربي، وقالوا: غير جائز أن يكون لله نبي ابتعثه بالرسالة أتى عليه وقت من الأوقات وهو بالغ إلا وهو لله موحد وبه عارف، ومن كل ما يعبد من دونه بريء. قالوا: ولو جاز أن يكون قد أتى عليه بعض الأوقات وهو به كافر لم يجز أن يختصه بالرسالة، لأنه لا معنى فيه إلا وفي غيره من أهل الكفر به مثله، وليس بين الله وبين أحد من خلقه مناسبة فيحابيه باختصاصه بالكرامة. قالوا: وإنما أكرم من أكرم منهم لفضله في نفسه، فأثابه لاستحقاقه الثواب بما أثابه من الكرامة. وزعموا أن خبر الله عن قيل إبراهيم عند رؤيته الكوكب أو القمر أو الشمس: (هذا ربي) ، لم يكن لجهله بأن ذلك غير جائز أن يكون ربه، وإنما قال ذلك على وجه الإنكار منه أن يكون ذلك ربه، وعلى العيب لقومه في عبادتهم الأصنام، إذ كان الكوكب والقمر والشمس أضوأ وأحسن وأبهج من الأصنام، ولم تكن مع ذلك معبودة، وكانت آفلة زائلة غير دائمة، والأصنام التي دونها في الحسن، وأصغر منها في الجسم، أحق أن لا 09P360 تكون معبودة، ولا آلهة. قالوا: وإنما قال ذلك لهم معارضة، كما يقول أحد المتناظرين لصاحبه معارضا له في قول باطل قال به بباطل من القول على وجه مطالبته إياه بالفرقان بين القولين الفاسدين عنده اللذين يصحح خصمه أحدهما ويدعي فساد الآخر. وقال آخرون منهم: بل ذلك كان منه في حال طفوليته وقبل قيام الحجة عليه، وتلك حال لا يكون فيها كفر ولا إيمان. وقال آخرون منهم: وإنما معنى الكلام: أهذا ربي على وجه الإنكار والتوبيخ، أي ليس هذا ربي. وقالوا: قد تفعل العرب مثل ذلك، فتحذف الألف التي تدل على معنى الاستفهام. وزعموا أن من ذلك قول الشاعر: [+البحر الطويل] رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم يعني: (أهم هم؟ ) ، قالوا: ومن ذلك قول أوس: [+البحر الطويل] لعمرك ما أدري وإن كنت داريا شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر بمعنى: أشعيث بن سهم؟ فحذف الألف. ونظائر ذلك.

Section V09/P356–V09/P361

وأما تذكير (هذا) في قوله: {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي} [الأنعام: 78] ، فإنما هو على 09P361 معنى: هذا الشيء الطالع ربي. وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر: {لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} [الأنعام: 77] الدليل على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم. وأن الصواب من القول في ذلك: الإقرار بخبر الله تعالى الذي أخبر به عنه، والإعراض عما عداه وأما قوله {فلما أفل} [الأنعام: 76] فإن معناه: فلما غاب وذهب كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: قال ابن إسحاق: الأفول: الذهاب، يقال منه: أفل النجم يأفل ويأفل أفولا وأفلا: إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة: [+البحر الطويل] مصابيح ليست باللواتي يقودها نجوم ولا بالآفلات الدوالك ويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى: أين غبت عنا؟ 09P361

Section V09/P361–V09/P362

[الأنعام: 77] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم 09P362 يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين} [الأنعام: 77] يقول تعالى ذكره: فلما طلع القمر فرآه إبراهيم طالعا، وهو بزوغه، يقال منه: بزغت الشمس تبزغ بزوغا، إذا طلعت، وكذلك القمر. {قال هذا ربي فلما أفل} [الأنعام: 76] يقول: فلما غاب {قال} [البقرة: 30] إبراهيم: {لئن لم يهدني ربي} [الأنعام: 77] ويوفقني لإصابة الحق في توحيده {لأكونن من القوم الضالين} [الأنعام: 77] أي من القوم الذين أخطئوا الحق في ذلك، فلم يصيبوا الهدى، وعبدوا غير الله. وقد بينا معنى الضلال في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 09P361 [الأنعام: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون} [الأنعام: 78] يعني تعالى ذكره بقوله: {فلما رأى الشمس بازغة} [الأنعام: 78] : فلما رأى إبراهيم الشمس طالعة، {قال هذا} [الأنعام: 76] الطالع {ربي هذا أكبر} [الأنعام: 78] يعني: هذا أكبر من الكوكب والقمر، فحذف (ذلك) لدلالة الكلام عليه. {فلما أفلت} [الأنعام: 78] يقول: فلما غابت {قال} [البقرة: 30] إبراهيم لقومه: {يا قوم إني بريء مما تشركون} [الأنعام: 78] أي من عبادة الآلهة والأصنام ودعائه إلها مع الله تعالى 09P362 [الأنعام: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن خليله إبراهيم عليه السلام، أنه لما تبين له الحق وعرفه، شهد شهادة الحق، وأظهر خلاف قومه أهل الباطل وأهل الشرك بالله، ولم يأخذه في الله لومة لائم، ولم يستوحش من قيل الحق والثبات عليه، مع خلاف جميع قومه لقوله وإنكارهم إياه عليه، وقال لهم: يا قوم، إني بريء مما تشركون مع الله الذي خلقني وخلقكم في عبادته من آلهتكم وأصنامكم، إني وجهت وجهي في عبادتي إلى الذي خلق السموات والأرض، الدائم الذي يبقى ولا يفنى، ويحيي ويميت، لا إلى الذي يفنى ولا يبقى، ويزول ولا يدوم، ولا يضر ولا ينفع. ثم أخبرهم تعالى ذكره أن توجيهه وجهه لعبادته بإخلاص العبادة له والاستقامة في ذلك لربه على ما يجب من التوحيد، لا على الوجه الذي يوجه له وجهه من ليس بحنيف، ولكنه به مشرك، إذ كان توجيه الوجه لا على التحنيف غير نافع موجهه بل ضاره ومهلكه. {وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79] يقول: ولست منكم أي لست ممن يدين دينكم، ويتبع ملتكم أيها المشركون. وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول قوم إبراهيم لإبراهيم: تركت عبادة هذه؟ فقال: {إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض} ، فقالوا: ما جئت بشيء ونحن نعبده ونتوجهه، فقال: لا 09P364 ، {حنيفا} [البقرة: 135] قال: مخلصا، لا أشركه كما تشركون 09P363

Section V09/P362

[الأنعام: 80] القول في تأويل قوله تعالى: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون} [الأنعام: 80] يقول تعالى ذكره: وجادل إبراهيم قومه في توحيد الله وبراءته من الأصنام، وكان جدالهم إياه قولهم: إن آلهتهم التي يعبدونها خير من إلهه. {قال} [البقرة: 30] إبراهيم: {أتحاجوني في الله} [الأنعام: 80] يقول: أتجادلونني في توحيدي الله وإخلاصي العمل له دون ما سواه من آلهة؟ {وقد هدان} [الأنعام: 80] يقول: وقد وفقني ربي لمعرفة وحدانيته، وبصرني طريق الحق حتى ألفت أن لا شيء يستحق أن يعبد سواه. {ولا أخاف ما تشركون به} [الأنعام: 80] يقول: ولا أرهب من آلهتكم التي تدعونها من دونه شيئا ينالني في نفسي من سوء ومكروه، وذلك أنهم قالوا له: إنا نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء من برص أو خبل، لذكرك إياها بسوء، فقال لهم إبراهيم: لا أخاف ما تشركون بالله من هذه الآلهة أن تنالني بضر ولا مكروه، لأنها لا تنفع ولا تضر، {إلا أن يشاء ربي شيئا} [الأنعام: 80] يقول: ولكن خوفي من الله الذي خلقني وخلق السموات والأرض، فإنه إن شاء أن ينالني في نفسي أو مالي بما شاء من فناء أو بقاء أو زيادة أو نقصان أو غير ذلك نالني به، لأنه القادر على ذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن جريج يقول حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان} [الأنعام: 80] قال: دعا قومه مع الله آلهة، وخوفوه بآلهتهم أن يصيبه منها خبل، فقال إبراهيم: {أتحاجوني في الله وقد هدان} [الأنعام: 80] قال: قد عرفت ربي، {لا أخاف ما تشركون به} [الأنعام: 80] {وسع ربي كل شيء علما} [الأنعام: 80] يقول: وعلم ربي كل شيء فلا يخفى عليه شيء، لأنه خالق كل شيء، وليس كالآلهة التي لا تضر ولا تنفع ولا تفهم شيئا، وإنما هي خشبة منحوتة وصورة ممثلة. {أفلا تتذكرون} [الأنعام: 80] يقول: أفلا تعتبرون أيها الجهلة، فتعقلوا خطأ ما أنتم عليه مقيمون من عبادتكم صورة مصورة وخشبة منحوتة، لا تقدر على ضر ولا على نفع، ولا تفقه شيئا ولا تعقله، وترككم عبادة من خلقكم وخلق كل شيء، وبيده الخير وله القدرة على كل شيء، والعالم لكل شيء 09P365

Section V09/P362–V09/P367

[الأنعام: 81] القول في تأويل قوله تعالى: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 81] وهذا جواب إبراهيم لقومه حين خوفوه من آلهتهم أن تمسه لذكره إياها بسوء في نفسه بمكروه، فقال لهم: وكيف أخاف وأرهب ما أشركتموه في عبادتكم ربكم فعبدتموه من دونه وهو لا يضر ولا ينفع، ولو كانت تنفع أو تضر لدفعت عن أنفسها كسري إياها وضربي لها بالفأس، وأنتم لا تخافون الله الذي خلقكم ورزقكم وهو القادر على نفعكم وضركم في إشراككم في عبادتكم إياه {ما لم ينزل به عليكم سلطانا} [الأنعام: 81] يعني: ما لم يعطكم على إشراككم إياه في عبادته حجة، ولم يضع لكم عليه برهانا، ولم يجعل لكم به عذرا. {فأي الفريقين أحق بالأمن} [الأنعام: 81] يقول: أنا أحق بالأمن من عاقبة عبادتي ربي، مخلصا له العبادة، حنيفا له ديني، بريئا من عبادة الأوثان والأصنام، أم أنتم الذين تعبدون من دون الله أصناما لم يجعل الله لكم بعبادتكم إياها برهانا ولا حجة؟ {إن كنتم تعلمون} [البقرة: 184] يقول: إن كنتم تعلمون صدق ما أقول وحقيقة ما أحتج به عليكم، فقولوا وأخبروني أي الفريقين أحق بالأمن؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك، كان محمد بن إسحاق يقول فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق، في قوله: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله} [الأنعام: 81] يقول: كيف أخاف وثنا تعبدون من دون الله لا يضر ولا ينفع، ولا تخافون أنتم الذي يضر وينفع، وقد جعلتم معه شركاء لا تضر ولا تنفع؟ {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 81] ، أي بالأمن من عذاب الله في الدنيا والآخرة، الذي يعبد الذي بيده الضر والنفع؟ أم الذي يعبد ما لا يضر ولا ينفع؟ يضرب لهم الأمثال، ويصرف لهم العبر، ليعلموا أن الله هو أحق أن يخاف ويعبد مما يعبدون من دونه حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " أفلج الله إبراهيم عليه السلام حين خاصمهم، فقال: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم 09P367 سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } [الأنعام: 81] ثم قال: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قول إبراهيم حين سألهم: {أي الفريقين أحق بالأمن} هي حجة إبراهيم عليه السلام حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى عن إبراهيم حين سألهم: {فأي الفريقين أحق بالأمن} [الأنعام: 81] قال: وهي حجة إبراهيم عليه السلام حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 81] ، أمن يعبد ربا واحدا، أم من يعبد أربابا كثيرة؟ يقول قومه: الذين آمنوا برب واحد حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 81] ، أمن خاف غير الله ولم يخفه؟ أم من خاف الله ولم يخف غيره؟ فقال الله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] الآية 09P367

Questions