Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V10/P087–V10/P090

[الأعراف: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين} [الأعراف: 13] يعني بذلك جل ثناؤه: قال الله لإبليس عند ذلك: {فاهبط منها} [الأعراف: 13] ، وقد بينا معنى الهبوط فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. {فما يكون لك أن تتكبر فيها} [الأعراف: 13] ، يقول تعالى ذكره: فقال الله له: اهبط منها يعني: من الجنة فما يكون لك، يقول: فليس لك أن تستكبر في الجنة عن طاعتي وأمري. فإن قال قائل: هل لأحد أن يتكبر في الجنة؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى ذلك: فاهبط من الجنة، فإنه لا يسكن الجنة متكبر عن أمر الله، فأما غيرها فإنه قد يسكنها المستكبر عن أمر الله والمستكين لطاعته. وقوله: {فاخرج إنك من الصاغرين} [الأعراف: 13] ، يقول: فاخرج من الجنة إنك من الذين قد نالهم من الله الصغار والذل والمهانة، يقال منه: صغر يصغر صغرا وصغارا وصغرانا، وقد قيل: صغر يصغر صغارا وصغارة. وبنحو الذي قلنا قال السدي حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فاخرج إنك من الصاغرين} [الأعراف: 13] " والصغار: هو الذل " 10P089 [الأعراف: 14_15] القول في تأويل قوله تعالى: {قال أنظرني إلى يوم يبعثون. قال إنك من المنظرين} [الأعراف: 14_15] وهذه أيضا جهلة أخرى من جهلاته الخبيثة، سأل ربه ما قد علم أنه لا سبيل لأحد من خلق الله إليه، وذلك أنه سأل النظرة إلى قيام الساعة، وذلك هو يوم يبعث فيه الخلق، ولو أعطي ما سأل من النظرة كان قد أعطي الخلود وبقاء لا فناء معه، وذلك أنه لا موت بعد البعث. فقال جل ثناؤه له: {إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} ، وذلك إلى اليوم الذي قد كتب الله عليه فيه الهلاك والموت والفناء لأنه لا شيء يبقى فلا يفنى غير ربنا الحي الذي لا يموت، يقول الله تعالى ذكره: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] ، والإنظار في كلام العرب: التأخير، يقال منه: أنظرته بحقي عليه، أنظره به إنظارا. فإن قال قائل: فإن الله قد قال له إذ سأله الإنظار إلى يوم يبعثون: {إنك من المنظرين} [الأعراف: 15] في هذا الموضع، فقد أجابه إلى ما سأل؟ قيل له: ليس الأمر كذلك، وإنما كان مجيبا له إلى ما سأل لو كان قال له: إنك من المنظرين إلى الوقت الذي سألت، أو إلى يوم البعث، أو إلى يوم يبعثون، أو ما أشبه ذلك مما يدل على إجابته إلى ما سأل من النظرة وأما قوله: {إنك من المنظرين} [الأعراف: 15] فلا دليل فيه لولا الآية الأخرى التي قد بين فيها مدة إنظاره إياه إليها، وذلك قوله: {فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} [الحجر: 38] على المدة التي أنظره إليها، لأنه إذا أنظره يوما واحدا أو أقل منه أو أكثر، فقد دخل في عداد المنظرين وتم فيه وعد الله الصادق، ولكنه قد بين قدر مدة ذلك بالذي ذكرناه، فعلم بذلك الوقت الذي أنظر إليه. وبنحو ذلك كان السدي يقول حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} [الحجر: 37] «فلم ينظره إلى يوم البعث، ولكن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى، فصعق من في السموات ومن في الأرض، فمات» فتأويل الكلام: قال إبليس لربه: أنظرني، أي أخرني وأجلني، 10P091 وأنسئ في أجلي، ولا تمتني إلى يوم يبعثون، يقول: إلى يوم يبعث الخلق. فقال تعالى ذكره: {إنك من المنظرين} [الأعراف: 15] إلى يوم ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله. فإن قال قائل: فهل أحد منظر إلى ذلك اليوم سوى إبليس، فيقال له إنك منهم؟ قيل: نعم، من لم يقبض الله روحه من خلقه إلى ذلك اليوم ممن تقوم عليه الساعة، فهم من المنظرين بآجالهم إليه، ولذلك قيل لإبليس: {إنك من المنظرين} [الأعراف: 15] بمعنى: إنك ممن لا يميته الله إلا ذلك اليوم 10P090

Section V10/P090–V10/P094

[الأعراف: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] يقول جل ثناؤه: قال إبليس لربه: {فبما أغويتني} [الأعراف: 16] يقول: فبما أضللتني كما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {فبما أغويتني} [الأعراف: 16] يقول: «أضللتني» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فبما أغويتني} [الأعراف: 16] قال: «فبما أضللتني» وكان بعضهم يتأول قوله: {فبما أغويتني} [الأعراف: 16] : بما أهلكتني، من قولهم: غوي الفصيل يغوى غوى، وذلك إذا فقد اللبن فمات، من قول الشاعر: [+البحر الطويل] معطفة الأثناء ليس فصيلها برازئها درا ولا ميت غوى وأصل الإغواء في كلام العرب: تزيين الرجل للرجل الشيء حتى يحسنه عنده غارا له. وقد حكي عن بعض قبائل طيئ أنها تقول: أصبح فلان غاويا: أي أصبح مريضا. وكان بعضهم يتأول ذلك أنه بمعنى القسم، كأن معناه عنده: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم، كما يقال: بالله لأفعلن كذا. وكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى المجازاة، كأن معناه عنده: فلأنك أغويتني، أو فبأنك أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. وفي هذا بيان واضح على فساد ما يقول القدرية من أن كل من كفر أو آمن فبتفويض الله أسباب ذلك إليه، وأن السبب الذي به يصل المؤمن إلى الإيمان هو السبب الذي به يصل الكافر إلى الكفر، وذلك أن ذلك لو كان كما قالوا لكان الخبيث قد قال بقوله: {فبما أغويتني} [الأعراف: 16] فبما أصلحتني، إذ كان سبب الإغواء هو سبب الإصلاح، وكان في إخباره عن الإغواء إخبار عن الإصلاح، ولكن لما كان سبباهما مختلفين وكان السبب الذي به غوى وهلك من عند الله أضاف ذلك إليه فقال: {فبما أغويتني} [الأعراف: 16] . وكذلك قال محمد بن كعب القرظي فيما حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا أبو مودود، سمعت محمد بن كعب القرظي، يقول: «قاتل الله القدرية، لإبليس أعلم بالله منهم» وأما قوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] فإنه يقول: لأجلسن لبني آدم صراطك المستقيم، يعني: طريقك القويم، وذلك دين الله الحق، وهو الإسلام وشرائعه. وإنما معنى الكلام: لأصدن بني آدم عن عبادتك وطاعتك، ولأغوينهم كما أغويتني، ولأضلنهم كما أضللتني وذلك كما روي عن سبرة بن الفاكه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول؟ فعصاه وهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد، وهو جهد النفس والمال، فقال: أتقاتل فتقتل 10P094 فتنكح المرأة ويقسم المال؟ قال: فعصاه فجاهد " وروي عن عون بن عبد الله في ذلك ما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حيوة أبو يزيد، عن عبد الله بن بكير، عن محمد بن سوقة، عن عون بن عبد الله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] قال: «طريق مكة» والذي قاله عون وإن كان من صراط الله المستقيم فليس هو الصراط كله، وإنما أخبر عدو الله أنه يقعد لهم صراط الله المستقيم ولم يخصص منه شيئا دون شيء، فالذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه بظاهر التنزيل وأولى بالتأويل، لأن الخبيث لا يألو عباد الله الصد عن كل ما كان لهم قربة إلى الله.

Section V10/P094–V10/P095

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل في معنى المستقيم في هذا الموضع ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] قال: «الحق» 10P095 حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز ، قال: ثنا أبو سعد المدني، قال: سمعت مجاهدا، يقول: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] قال: «سبيل الحق، فلأضلنهم إلا قليلا» واختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي البصرة: معناه: لأقعدن لهم على صراطك المستقيم، كما يقال: توجه مكة: أي إلى مكة، وكما قال الشاعر: [+البحر الطويل] كأني إذ أسعى لأظفر طائرا مع النجم من جو السماء يصوب بمعنى: لأظفر بطائر، فألقى الباء، وكما قال: {أعجلتم أمر ربكم} [الأعراف: 150] بمعنى: أعجلتم عن أمر ربكم. وقال بعض نحويي الكوفة: المعنى والله أعلم: لأقعدن لهم على طريقهم، وفي طريقهم، قال: وإلقاء الصفة من هذا جائز، كما تقول: قعدت لك وجه الطريق، وعلى وجه الطريق، لأن الطريق صفة في المعنى يحتمل ما يحتمله اليوم والليلة والعام، إذ قيل: آتيك غدا، وآتيك في غد. وهذا القول هو أولى القولين في ذلك عندي بالصواب، لأن القعود مقتض مكانا يقعد فيه، فكما يقال: قعدت في مكانك، يقال: قعدت على صراطك، وفي صراطك، كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب فلا تكاد العرب تقول ذلك في أسماء البلدان، ولا يكادون يقولون: جلست مكة وقمت بغداد 10P096

Section V10/P095–V10/P097

[الأعراف: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 17] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى قوله: {لآتينهم من بين أيديهم} [الأعراف: 17] من قبل الآخرة، {ومن خلفهم} [الأعراف: 17] من قبل الدنيا، {وعن أيمانهم} [الأعراف: 17] من قبل الحق، {وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] من قبل الباطل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم} [الأعراف: 17] يقول: «أشككهم في آخرتهم» ، {ومن 10P097 خلفهم} [الأعراف: 17] «أرغبهم في دنياهم» ، {وعن أيمانهم} [الأعراف: 17] " أشبه عليهم أمر دينهم، {وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] «أشهي لهم المعاصي» وقد روي عن ابن عباس بهذا الإسناد في تأويل ذلك خلاف هذا التأويل وذلك ما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم} [الأعراف: 17] : «يعني من الدنيا» ، {ومن خلفهم} [الأعراف: 17] : «من الآخرة» ، {وعن أيمانهم} [الأعراف: 17] : «من قبل حسناتهم» ، {وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] : «من قبل سيئاتهم» وتحقق هذه الرواية الأخرى التي حدثني بها، محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] قال: " ما بين أيديهم فمن قبلهم، أما ومن خلفهم فأمر آخرتهم، وأما عن أيمانهم: فمن قبل حسناتهم، وأما عن شمائلهم: فمن قبل سيئاتهم " حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم} [الأعراف: 17] الآية، " أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، 10P098 ومن خلفهم من أمر الدنيا، فزينها لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم: زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، أتاك يا ابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله " وقال آخرون: بل معنى قوله: {من بين أيديهم} [الأعراف: 17] : من قبل دنياهم، {ومن خلفهم} [الأعراف: 17] : من قبل آخرتهم.

Section V10/P097–V10/P101

ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم} [الأعراف: 17] قال: {من بين أيديهم} [الأعراف: 17] : «من قبل دنياهم» ، {ومن خلفهم} [الأعراف: 17] : «من قبل آخرتهم» ، {وعن أيمانهم} [الأعراف: 17] : «من قبل حسناتهم» ، {وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] : «من قبل سيئاتهم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن الحكم: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] قال: {من بين أيديهم} [الأعراف: 17] : «من دنياهم» ، {ومن خلفهم} [الأعراف: 17] : «من آخرتهم» ، {وعن أيمانهم} [الأعراف: 17] : «من حسناتهم» ، {وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] : «من قبل سيئاتهم» حدثنا سفيان قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم: {ثم لآتينهم من بين أيديهم} [الأعراف: 17] قال: «من قبل الدنيا يزينها لهم» {ومن خلفهم} [الأعراف: 17] : «من قبل الآخرة يبطئهم عنها» {وعن أيمانهم} [الأعراف: 17] : «من قبل الحق يصدهم عنه» {وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] : «من قبل الباطل يرغبهم فيه ويزينه لهم» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] : أما {من بين أيديهم} [الأعراف: 17] «فالدنيا أدعوهم إليها وأرغبهم فيها» {ومن خلفهم} [الأعراف: 17] : «فمن الآخرة أشككهم فيها وأبعدها عليهم» {وعن أيمانهم} [الأعراف: 17] «يعني الحق فأشككهم فيه» {وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] «يعني الباطل أخففه عليهم، وأرغبهم فيه» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج: قوله: {من بين أيديهم} [الأعراف: 17] : «من دنياهم أرغبهم فيها» {ومن خلفهم} [الأعراف: 17] : «آخرتهم أكفرهم بها وأزهدهم فيها» {وعن أيمانهم} [الأعراف: 17] : «حسناتهم أزهدهم فيها» {وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] : «مساوئ أعمالهم أحسنها إليهم» وقال آخرون: معنى ذلك: من حيث يبصرون، ومن حيث لا يبصرون ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قول الله: {من بين أيديهم} [الأعراف: 17] ، {وعن أيمانهم} [الأعراف: 17] قال: «حيث يبصرون» ، {ومن خلفهم} [الأعراف: 17] ، {وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] : «حيث لا يبصرون» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن وكيع، وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، قال: تذاكرنا عند مجاهد قوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] ، فقال مجاهد: هو كما قال: «يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم» زاد ابن حميد قال: يأتيهم من ثم حدثني الحرث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا أبو سعد المدني قال: قال مجاهد: فذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معناه: ثم لآتينهم من جميع وجوه الحق والباطل، فأصدهم عن الحق وأحسن لهم الباطل، وذلك أن ذلك عقيب قوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] ، فأخبر أنه يقعد لبني آدم على الطريق الذي أمرهم الله أن يسلكوه، وهو ما وصفنا من دين الله الحق، فيأتيهم في ذلك من كل وجوهه من الوجه الذي أمرهم الله به، فيصدهم عنه، وذلك من بين أيديهم وعن أيمانهم، ومن الوجه الذي نهاهم الله عنه، فيزينه لهم ويدعوهم إليه، وذلك من خلفهم وعن شمائلهم.

Section V10/P101

وقيل: ولم يقل: (من فوقهم) لأن رحمة الله تنزل على عباده من فوقهم ذكر من قال ذلك حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [الأعراف: 17] ولم يقل: (من فوقهم) ، لأن الرحمة تنزل من فوقهم وأما قوله: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 17] ، فإنه يقول: ولا تجد رب أكثر بني آدم شاكرين لك نعمتك التي أنعمت عليهم كتكرمتك أباهم آدم بما أكرمته به، من إسجادك له ملائكتك، وتفضيلك إياه علي، وشكرهم إياه طاعتهم له بالإقرار بتوحيده، واتباع أمره ونهيه. وكان ابن عباس يقول في ذلك بما حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 17] يقول: «موحدين» 10P101

Section V10/P101–V10/P104

[الأعراف: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين} [الأعراف: 18] وهذا خبر من الله تعالى ذكره، عن إحلاله بالخبيث عدو الله ما أحل به من نقمته ولعنته، وطرده إياه عن جنته، إذ عصاه وخالف أمره، وراجعه من الجواب بما لم يكن له مراجعته به، يقول: قال الله له عند ذلك: {اخرج منها} [الأعراف: 18] أي من الجنة {مذءوما مدحورا} يقول: معيبا. والذأم: العيب، يقال منه: ذأمه يذأمه ذأما فهو مذءوم ، ويتركون الهمز فيقولون: ذمته أذيمه ذيما وذاما، والذأم والذيم أبلغ في العيب من الذم، وقد أنشد بعضهم هذا البيت: [+البحر الطويل] صحبتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها وأكثر الرواة على إنشاده (ألومها) . وأما المدحور: فهو المقصى، يقال: دحره يدحره دحرا ودحورا: إذا أقصاه وأخرجه، ومنه قولهم: ادحر عنك الشيطان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {اخرج منها مذءوما مدحورا} يقول: «اخرج منها لعينا منفيا» حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " 10P103 مذءوما: ممقوتا " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {قال اخرج منها مذءوما} يقول: «صغيرا منفيا» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {اخرج منها مذءوما مدحورا} : " أما مذءوما: فمنفيا، وأما مدحورا: فمطرودا " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {مذءوما} قال: «منفيا» {مدحورا} [الأعراف: 18] قال: «مطرودا» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن 10P104 الربيع، قوله: {اخرج منها مذءوما} قال: " منفيا، والمدحور قال: المصغر " حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: {اخرج منها مذءوما} قال: «منفيا» حدثني أبو عمرو القرقساني عثمان بن يحيى قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، سأل ابن عباس: ما {اخرج منها مذءوما مدحورا} ؟ قال: «مقيتا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {اخرج منها مذءوما مدحورا} فقال: " ما نعرف المذءوم والمذموم إلا واحدا، ولكن يكون المذءوم منتقصة، وقال العرب لعامر: يا عام، ولحارث: يا حار، وإنما أنزل القرآن على كلام العرب " 10P104 [الأعراف: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين} [الأعراف: 18] وهذا قسم من الله جل ثناؤه: أقسم أن من اتبع من بني آدم عدو الله إبليس وأطاعه وصدق ظنه، عليه أن يملأ من جميعهم، يعني من كفرة بني آدم تباع إبليس ومن إبليس وذريته جهنم، فرحم الله امرأ كذب ظن عدو الله في نفسه، وخيب فيها أمله وأمنيته، ولم يكن ممن أطمع فيها عدوه، واستغشه ولم يستنصحه. وإن الله تعالى ذكره إنما نبه بهذه الآيات عباده على قدم عداوة عدوه وعدوهم إبليس لهم، وسالف ما سلف من حسده لأبيهم، وبغيه عليه وعليهم، وعرفهم مواقع نعمه عليهم قديما في أنفسهم ووالدهم ليدبروا آياته، وليتذكر أولو الألباب، فينزجروا عن طاعة عدوه وعدوهم إلى طاعته وينيبوا إليها 10P105

Section V10/P104–V10/P108

[الأعراف: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} [الأعراف: 19] يقول الله تعالى ذكره: وقال الله لآدم: {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما} [الأعراف: 19] : فأسكن جل ثناؤه آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها، وأباح لهما أن يأكلا من ثمارها من أي مكان شاءا منها، ونهاهما أن يقربا ثمر شجرة بعينها. وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك، وما نرى من القول فيه صوابا في غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته 10P106 . {فتكونا من الظالمين} [البقرة: 35] يقول: فتكونا ممن خالف أمر ربه، وفعل ما ليس له فعله 10P105 [الأعراف: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} يعني جل ثناؤه بقوله: {فوسوس لهما} [الأعراف: 20] : فوسوس إليهما، وتلك الوسوسة كانت قوله لهما: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} [الأعراف: 20] ، وإقسامه لهما على ذلك. وقيل: (وسوس لهما) ، والمعنى ما ذكرت، كما قيل: غرضت له، بمعنى: اشتقت إليه ، وإنما يعني: غرضت من هؤلاء إليه، فكذلك معنى ذلك: فوسوس من نفسه إليهما الشيطان بالكذب من القيل {ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما} ، كما قال رؤبة: [+البحر الرجز] وسوس يدعو مخلصا رب الفلق ومعنى الكلام: فجذب إبليس إلى آدم حواء، وألقى إليهما: ما نهاكما ربكما عن أكل ثمر هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين ليبدي لهما ما واراه الله عنهما من عوراتهما. فغطاه بستره الذي ستره عليهما. وكان وهب بن منبه يقول في الستر الذي كان الله سترهما به ما حدثني به، حوثرة بن محمد المنقري قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن ابن منبه، في قوله: {فبدت لهما سوآتهما} [طه: 121] قال: «كان عليهما نور لا ترى سوآتهما» 10P107 [الأعراف: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} [الأعراف: 20] يقول جل ثناؤه: وقال الشيطان لآدم وزوجته حواء: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة أن تأكلا ثمرها إلا لئلا تكونا ملكين. وأسقطت (لا) من الكلام لدلالة ما ظهر عليها، كما أسقطت من قوله: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] ، والمعنى: يبين الله لكم أن لا تضلوا. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يزعم أن معنى الكلام: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تكونا ملكين، كما يقال: إياك أن تفعل كراهية أن تفعل، أو تكونا من الخالدين في الجنة الماكثين فيها أبدا فلا تموتا. والقراءة على فتح اللام بمعنى ملكين من الملائكة. 10P108 وروي عن ابن عباس ما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي حماد، قال: ثنا عيسى الأعمى، عن السدي، قال: كان ابن عباس يقرأ: (إلا أن تكونا، ملكين) بكسر اللام وعن يحيى بن أبي كثير ما حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثني القاسم بن سلام قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: ثنا يعلى بن حكيم، عن يحيى بن أبي كثير، أنه قرأها: (ملكين) بكسر اللام وكأن ابن عباس ويحيى وجها تأويل الكلام إلى أن الشيطان قال لهما: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين) من الملوك، وأنهما تأولا في ذلك قول الله في موضع آخر: {قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه: 120] . قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة في ذلك بغيرها، القراءة التي عليها قراء الأمصار، وهي فتح اللام من (ملكين) ، بمعنى: ملكين من الملائكة، لما قد تقدم من بياننا في أن كل ما كان مستفيضا في قراءة الإسلام من القراءة، فهو الصواب الذي لا يجوز خلافه 10P108

Section V10/P108

[الأعراف: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} [الأعراف: 21] يعني جل ثناؤه بقوله: {وقاسمهما} [الأعراف: 21] : وحلف لهما، كما قال في موضع آخر: {تقاسموا بالله لنبيتنه} [النمل: 49] بمعنى: تحالفوا بالله، وكما قال 10P109 خالد بن زهير عم أبي ذؤيب: [+البحر الطويل] وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها بمعنى: وحالفها بالله، وكما قال أعشى بني ثعلبة: [+البحر الطويل] رضيعي لبان ثدي أم تقاسما بأسحم داج عوض لا نتفرق بمعنى: تحالفا. وقوله: {إني لكما لمن الناصحين} [الأعراف: 21] : أي لممن ينصح لكما في مشورته لكما، وأمره إياكما بأكل ثمر الشجرة التي نهيتما عن أكل ثمرها، وفي خبري إياكما بما أخبركما به من أنكما إن أكلتماه كنتما ملكين، أو كنتما من الخالدين كما حدثنا بشر بن معاذ، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} [الأعراف: 21] " فحلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله، فقال: إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما، فاتبعاني 10P110 أرشدكما. وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا " 10P109

Section V10/P108–V10/P112

[الأعراف: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} [الأعراف: 22] يعني جل ثناؤه بقوله: {فدلاهما بغرور} [الأعراف: 22]: فخدعهما بغرور، يقال منه: ما زال فلان يدلي فلانا بغرور، بمعنى: ما زال يخدعه بغرور ويكلمه بزخرف من القول باطل. {فلما ذاقا الشجرة} [الأعراف: 22] يقول: فلما ذاق آدم وحواء ثمر الشجرة يقول: طعماه. {بدت لهما سوآتهما} يقول: انكشفت لهما سوآتهما، لأن الله أعراهما من الكسوة التي كان كساهما قبل الذنب والخطيئة، فسلبهما ذلك بالخطيئة التي أخطآ، أو المعصية التي ركبا. {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} [الأعراف: 22] يقول: أقبلا وجعلا يشدان عليهما من ورق الجنة ليواريا سوآتهما كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} [الأعراف: 22] قال: «جعلا يأخذان من ورق الجنة فيجعلان على سوآتهما» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن الحسن، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان آدم كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع بالخطيئة بدت له عورته وكان لا يراها، فانطلق فارا، فتعرضت له شجرة فحبسته بشعره، فقال لها: أرسليني، فقالت: لست بمرسلتك، فناداه ربه: يا آدم، أمني تفر؟ قال: لا، ولكني استحيتك " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، وابن مبارك عن الحسن، عن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته: السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما أظفارهما، {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} [الأعراف: 22] ورق التين يلصقان بعضها إلى بعض، فانطلق آدم موليا في الجنة، فأخذت برأسه شجرة من الجنة، فناداه: أي آدم أمني تفر؟ قال: لا، ولكني استحيتك يا رب، قال: أما 10P112 كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا يحلف بك كاذبا. قال: وهو قول الله: {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} [الأعراف: 21] ، قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدا، قال: فأهبط من الجنة، وكانا يأكلان فيها رغدا، فأهبطا في غير رغد من طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وزرع ثم سقى. حتى إذا بلغ حصده ثم داسه، ثم ذراه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {يخصفان} [الأعراف: 22] ، قال: «يرقعان كهيئة الثوب» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «يخصفان عليهما من الورق كهيئة الثوب» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فلما ذاقا 10P113 الشجرة بدت لهما سوآتهما} «وكانا قبل ذلك لا يريانها» ، {وطفقا يخصفان} [الأعراف: 22] الآية وقال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثنا الحسن، عن أبي بن كعب، " أن آدم، عليه السلام كان رجلا طوالا، كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع بما وقع به من الخطيئة، بدت له عورته عند ذلك، وكان لا يراها. فانطلق هاربا في الجنة، فعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة، فقال لها: أرسليني، قالت: إني غير مرسلتك. فناداه ربه: يا آدم، أمني تفر؟

Section V10/P112–V10/P113

قال: رب، إني استحيتك " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جعفر بن عون، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} [الأعراف: 22] قال: «ورق التين» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} [الأعراف: 22] قال: «ورق التين» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن حسام بن مصك، عن قتادة، وأبي بكر عن غير قتادة قال: «كان لباس آدم في الجنة ظفرا 10P114 كله، فلما وقع بالذنب كشط عنه وبدت سوأته» قال أبو بكر: قال غير قتادة: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} [الأعراف: 22] قال: «ورق التين» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {بدت لهما سوآتهما} قال: «كانا لا يريان سوآتهما» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال: ثنا عمرو، قال: سمعت وهب بن منبه، يقول: {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] ، قال: «كان لباس آدم وحواء عليهما السلام نورا على فروجهما، لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا. فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوآتهما» 10P114

Section V10/P113–V10/P115

[الأعراف: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} [الأعراف: 22] يقول تعالى ذكره: ونادى آدم وحواء ربهما: ألم أنهكما عن أكل ثمرة الشجرة التي أكلتما ثمرها، وأعلمكما أن إبليس لكما عدو مبين؟ يقول: قد أبان عداوته لكما بترك السجود لآدم حسدا وبغيا. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قوله: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} [الأعراف: 22] ؟ " لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يا رب، أطعمتني 10P115 حواء، قال لحواء: لم أطعمته؟ قالت: أمرتني الحية. قال للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني إبليس. قال: ملعون مدحور، أما أنت يا حواء فكما دميت الشجرة تدمين كل شهر، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين على وجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك، {اهبطوا بعضكم لبعض عدو} [الأعراف: 24] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " لما أكل آدم من الشجرة قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني، قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها. قال: فرنت حواء عند ذلك، فقيل لها: الرنة عليك وعلى ولدك " 10P115 [الأعراف: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن آدم وحواء فيما أجاباه به، واعترافهما على أنفسهما بالذنب، ومسألتهما إياه المغفرة منه والرحمة، خلاف جواب اللعين إبليس إياه. ومعنى قوله: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} [الأعراف: 23] قال: آدم وحواء لربهما: يا ربنا فعلنا بأنفسنا من الإساءة إليها بمعصيتك وخلاف أمرك وبطاعتنا عدونا وعدوك، فيما لم يكن لنا أن نطيعه فيه من أكل الشجرة التي نهيتنا عن أكلها. {وإن لم تغفر لنا} [الأعراف: 23] يقول: وإن أنت لم تستر علينا ذنبنا فتغطيه علينا، وتترك فضيحتنا به بعقوبتك إيانا عليه، وترحمنا بتعطفك علينا، وتركك أخذنا به، {لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] يعني: لنكونن من الهالكين. وقد بينا معنى الخاسر فيما مضى بشواهده والرواية فيه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: " قال آدم عليه السلام: يا رب، أرأيت إن تبت واستغفرتك؟ قال: إذا أدخلك الجنة، وأما إبليس فلم يسأله التوبة، وسأل النظرة، فأعطي كل واحد منهما ما سأل " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا} [الأعراف: 23] الآية، قال: «هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه» 10P116

Section V10/P115–V10/P118

[الأعراف: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} [الأعراف: 24] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن فعله بإبليس وذريته، وآدم وولده، والحية. يقول تعالى ذكره لآدم وحواء وإبليس والحية: اهبطوا من السماء إلى الأرض بعضكم لبعض عدو كما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن طلحة، عن أسباط، عن السدي: {اهبطوا بعضكم لبعض عدو} [الأعراف: 24] ، قال ": فلعن الحية، وقطع قوائمها، وتركها تمشي على بطنها، وجعل رزقها من التراب، واهبطوا إلى الأرض: آدم وحواء وإبليس والحية " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح: {اهبطوا بعضكم لبعض عدو} [الأعراف: 24] قال: «آدم وحواء والحية» وقوله: {ولكم في الأرض مستقر} [البقرة: 36] يقول: ولكم يا آدم وحواء وإبليس والحية، في الأرض قرار تستقرونه وفراش تمتهدونه كما حدثني المثنى، قال: ثنا آدم العسقلاني، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: {ولكم في الأرض مستقر} [البقرة: 36] قال: هو قوله: {الذي جعل لكم الأرض فراشا} [البقرة: 22] وروي عن ابن عباس، في ذلك ما حدثت عن عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه عن ابن عباس، قوله: {ولكم في الأرض مستقر} [البقرة: 36] قال: «القبور» 10P118 قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر آدم وحواء وإبليس والحية إذ أهبطوا إلى الأرض، أنهم عدو بعضهم لبعض، وأن لهم فيها مستقرا يستقرون فيه، ولم يخصصها بأن لهم فيها مستقرا في حال حياتهم دون حال موتهم، بل عم الخبر عنها بأن لهم فيها مستقرا، فذلك على عمومه كما عم خبر الله، ولهم فيها مستقر في حياتهم على ظهرها وبعد وفاتهم في بطنها، كما قال جل ثناؤه: {ألم نجعل الأرض كفاتا} [المرسلات: 25] ، {أحياء وأمواتا} [المرسلات: 26] وأما قوله: {ومتاع إلى حين} [البقرة: 36] ، فإنه يقول جل ثناؤه: ولكم فيها متاع تستمتعون به إلى انقطاع الدنيا، وذلك هو الحين الذي ذكره كما حدثت عن عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه عن ابن عباس: {ومتاع إلى حين} [الأعراف: 24] قال: «إلى يوم القيامة وإلى انقطاع الدنيا» والحين نفسه الوقت، غير أنه مجهول القدر، يدل على ذلك قول الشاعر: [+البحر البسيط] وما مراحك بعد الحلم والدين وقد علاك مشيب حين لا حين أي وقت لا وقت 10P118 [الأعراف: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} [الأعراف: 25] 10P119 يقول تعالى ذكره: قال الله للذين أهبطهم من سمواته إلى أرضه: {فيها تحيون} [الأعراف: 25] يقول: في الأرض تحيون، يقول: تكونون فيها أيام حياتكم، {وفيها تموتون} [الأعراف: 25] ، يقول: في الأرض تكون وفاتكم، {ومنها تخرجون} [الأعراف: 25] يقول: ومن الأرض يخرجكم ربكم، ويحشركم إليه لبعث القيامة أحياء 10P118

Section V10/P118–V10/P120

[الأعراف: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} [الأعراف: 26] يقول جل ثناؤه للجهلة من العرب الذين كانوا يتعرون للطواف اتباعا منهم أمر الشيطان، وتركا منهم طاعة الله، فعرفهم انخداعهم بغروره لهم حتى تمكن منهم فسلبهم من ستر الله الذي أنعم به عليهم، حتى أبدى سوآتهم وأظهرها من بعضهم لبعض، مع تفضل الله عليهم بتمكينهم مما يسترونها به، وأنهم قد سار بهم سيرته في أبويهم آدم وحواء اللذين دلاهما بغرور حتى سلبهما ستر الله الذي كان أنعم به عليهما حتى أبدى لهما سوآتهما فعراهما منه: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا} [الأعراف: 26] : يعني بإنزاله عليهم ذلك: خلقه لهم، ورزقه إياهم. واللباس: ما يلبسون من الثياب. {يواري سوآتكم} يقول: يستر عوراتكم عن أعينكم. وكنى بالسوآت عن العورات، واحدتها سوأة، وهي فعلة من السوء، وإنما سميت سوأة لأنه يسوء صاحبها انكشافها من جسده، كما قال الشاعر: [+البحر المديد] خرقوا جيب فتاتهم لم يبالوا سوأة الرجله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {لباسا يواري سوآتكم} قال: «كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة، ولا يلبس أحدهم ثوبا طاف فيه» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد المدني، قال: سمعت مجاهدا، يقول في قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا} ، قال: «أربع آيات نزلت في قريش، كانوا في الجاهلية لا يطوفون بالبيت إلا عراة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن عوف، قال: سمعت معبدا الجهني، يقول في قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا} قال: «اللباس الذي يلبسون» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم} قال: «كانت قريش تطوف عراة، لا يلبس أحدهم ثوبا طاف فيه، وقد كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة» حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر، وسهل بن يوسف، عن عوف، عن معبد الجهني: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم} قال: " اللباس الذي يواري سوآتكم: هو لبوسكم هذا " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لباسا يواري سوآتكم} قال: «هي الثياب» حدثنا الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: ثني من سمع عروة بن الزبير، يقول: " اللباس: الثياب " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم} قال: «يعني ثياب الرجل التي يلبسها» 10P121

Section V10/P120–V10/P125

[الأعراف: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {وريشا} [الأعراف: 26] اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار: {وريشا} [الأعراف: 26] بغير ألف. وذكر عن زر بن حبيش والحسن البصري أنهما كانا يقرآنه: (ورياشا) حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبان العطار، قال: حدثنا عاصم، أن زر بن حبيش، قرأها: (ورياشا) قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك قراءة من قرأ: {وريشا} [الأعراف: 26] بغير ألف لإجماع الحجة من القراء عليها. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر في إسناده نظر، أنه قرأه: (ورياشا) ، فمن قرأ ذلك: (ورياشا) فإنه محتمل أن يكون أراد به جمع الريش، كما تجمع الذئب ذئابا والبئر بئارا، ويحتمل أن يكون أراد به مصدرا من قول القائل: راشه الله يريشه رياشا وريشا، كما يقال: لبسه يلبسه لباسا ولبسا، وقد أنشد بعضهم: [+البحر الطويل] فلما كشفن اللبس عنه مسحنه بأطراف طفل زان غيلا موشما بكسر اللام من (اللبس) . والرياش في كلام العرب: الأثاث وما ظهر من الثياب من المتاع مما يلبس أو يحشى من فراش أو دثار. والريش: إنما هو المتاع والأموال عندهم، وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال، يقولون: أعطاه سرجا بريشه، ورحلا بريشه: أي بكسوته وجهازه، ويقولون: إنه لحسن ريش الثياب. وقد يستعمل الرياش في الخصب ورفاهة العيش. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال: الرياش المال حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وريشا} [الأعراف: 26] يقول: «مالا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وريشا} [الأعراف: 26] قال: «المال» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي 10P124 : (ورياشا) قال: " أما رياشا: فرياش المال " حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد المدني، قال: ثني من سمع عروة بن الزبير، يقول: " الرياش: المال " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: (ورياشا) يعني: «المال» ذكر من قال: هو اللباس ورفاهة العيش حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (ورياشا) قال: " الرياش: اللباس، والعيش: النعيم " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، وسهل بن يوسف، عن عوف، عن معبد الجهني: (ورياشا) قال: " الرياش: المعاش " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا عوف، قال: قال معبد الجهني: (ورياشا) قال: «هو المعاش» وقال آخرون: الريش: الجمال ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله 10P125 : (ورياشا) قال: " الريش: الجمال " 10P124

Section V10/P125–V10/P127

[الأعراف: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: 26] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: لباس التقوى هو الإيمان ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولباس التقوى} [الأعراف: 26] «هو الإيمان» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولباس التقوى} [الأعراف: 26] : «الإيمان» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: أخبرني حجاج، عن ابن جريج: {ولباس التقوى} [الأعراف: 26] «الإيمان» وقال آخرون: هو الحياء ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، وسهل بن يوسف، عن عوف، عن معبد الجهني، في قوله: {ولباس التقوى} [الأعراف: 26] : «الذي ذكر الله في 10P126 القرآن هو الحياء» حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن علية قال: أخبرنا عوف قال: قال معبد الجهني، فذكر مثله حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو أسامة، عن عوف، عن معبد، بنحوه وقال آخرون: هو العمل الصالح ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: 26] قال: " لباس التقوى: العمل الصالح " وقال آخرون: بل ذلك هو السمت الحسن ذكر من قال ذلك حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا عبد الله بن داود، عن محمد بن موسى، عن الزباء بن عمرو، عن ابن عباس: {ولباس التقوى} [الأعراف: 26] قال: «السمت 10P127 الحسن في الوجه» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق بن الحجاج، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قميص قوهي محلول الزر، وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس، اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفس محمد بيده ما عمل أحد قط سرا إلا ألبسه الله رداءه علانية، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر» ، ثم تلا هذه الآية: (ورياشا) ولم يقرأها : {وريشا} [الأعراف: 26] ، {ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله} [الأعراف: 26] قال: السمت الحسن " وقال آخرون: هو خشية الله ذكر من قال ذلك حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد المدني، قال: ثني من سمع عروة بن الزبير، يقول: {لباس التقوى} [الأعراف: 26] : «خشية الله» وقال آخرون: {لباس التقوى} [الأعراف: 26] في هذه المواضع: ستر العورة ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولباس التقوى} [الأعراف: 26] : «يتقي الله فيواري عورته، ذلك لباس التقوى» واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المكيين والكوفيين والبصريين: {ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: 26] برفع (ولباس) . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة: (ولباس التقوى) بنصب اللباس، وهي قراءة بعض قراء الكوفيين. فمن نصب: (ولباس) فإنه نصبه عطفا على (الريش) بمعنى: قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا، وأنزلنا لباس التقوى. وأما الرفع، فإن أهل العربية مختلفون في المعنى الذي ارتفع به اللباس، فكان بعض نحويي البصرة يقول: هو مرفوع على الابتداء، وخبره في قوله: {ذلك خير} [الأعراف: 26] ، وقد استخطأه بعض أهل العربية في ذلك وقال: هذا غلط، لأنه لم يعد على اللباس في الجملة عائد، فيكون اللباس إذا رفع على الابتداء، وجعل (ذلك خير) خبرا. 10P129 وقال بعض نحويي الكوفة: {ولباس} [الأعراف: 26] يرفع بقوله: (ولباس التقوى خير) ، ويجعل ذلك من نعته. ب (خير) لم يكن في ذلك وجه إلا أن يجعل اللباس نعتا، لا أنه عائد على اللباس من ذكره في قوله: {ذلك خير} [الأعراف: 26] ، فيكون (خير) مرفوعا بذلك وذلك به.

Section V10/P127

فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام إذن: رفع لباس التقوى، ولباس التقوى ذلك الذي قد علمتموه خير لكم يا بني آدم من لباس الثياب التي تواري سوآتكم، ومن الرياش التي أنزلناها إليكم فالبسوه. وأما تأويل من قرأه نصبا، فإنه: يا بني آدم، قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم، وريشا، ولباس التقوى هذا الذي أنزلنا عليكم، من اللباس الذي يواري سوآتكم والريش، ولباس التقوى خير لكم من التعري والتجرد من الثياب في طوافكم بالبيت، فاتقوا الله والبسوا ما رزقكم الله من الرياش، ولا تطيعوا الشيطان بالتجرد والتعري من الثياب، فإن ذلك سخرية منه بكم وخدعة، كما فعل بأبويكم آدم وحواء فخدعهما حتى جردهما من لباس الله الذي كان ألبسهما بطاعتهما له في أكل ما كان الله نهاهما عن أكله من ثمر الشجرة التي عصياه بأكلها. 10P130 وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، أعني نصب قوله: (ولباس التقوى) لصحة معناه في التأويل على ما بينت، وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سوآتنا والرياش توبيخا للمشركين الذين كانوا يتجردون في حال طوافهم بالبيت، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كل حال مع الإيمان به واتباع طاعته، ويعلمهم أن كل ذلك خير من كل ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله وتعريهم، لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنزل إليهم خير من بعض. وما يدل على صحة ما قلنا في ذلك الآيات التي بعد هذه الآية، وذلك قوله: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما} ، وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] ، فإنه جل ثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب واستعمال اللباس وترك التجرد والتعري، وبالإيمان به واتباع أمره والعمل بطاعته، وينهى عن الشرك به واتباع أمر الشيطان، مؤكدا في كل ذلك ما قد أجمله في قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير} . وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: (ولباس التقوى) استشعار النفوس تقوى الله في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه والعمل بما أمر به من طاعته، وذلك يجمع الإيمان والعمل الصالح والحياء وخشية الله والسمت 10P131 الحسن، لأن من اتقى الله كان به مؤمنا وبما أمره به عاملا ومنه خائفا وله مراقبا، ومن أن يرى عند ما يكرهه من عباده مستحييا. ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه، فحسن سمته وهديه، ورؤيت عليه بهجة الإيمان ونوره. وإنما قلنا: عني بلباس التقوى استشعار النفس والقلب ذلك، لأن اللباس إنما هو ادراع ما يلبس واحتباء ما يكتسى، أو تغطية بدنه أو بعضه به، فكل من ادرع شيئا أو احتبى به حتى يرى هو أو أثره عليه، فهو له لابس، ولذلك جعل جل ثناؤه الرجال للنساء لباسا، وهن لهم لباسا، وجعل الليل لعباده لباسا. ذكر من تأول ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله إذا قرئ قوله: {ولباس التقوى} [الأعراف: 26] رفعا حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولباس التقوى} [الأعراف: 26] : الإيمان، {ذلك خير} [الأعراف: 26] يقول: «ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوآتكم» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولباس التقوى} [الأعراف: 26] قال: «لباس التقوى خير، وهو الإيمان» 10P131

Section V10/P127

[الأعراف: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} [الأعراف: 26] يقول تعالى ذكره: ذلك الذي ذكرت لكم أني أنزلته إليكم أيها الناس من اللباس والرياش من حجج الله وأدلته التي يعلم بها من كفر صحة توحيد الله، وخطأ ما هم عليه مقيمون من الضلالة. {لعلهم يذكرون} [الأعراف: 26] يقول جل ثناؤه: جعلت ذلك لهم دليلا على ما وصفت ليذكروا، فيعتبروا وينيبوا إلى الحق وترك الباطل، رحمة مني بعبادي 10P132

Section V10/P127–V10/P134

[الأعراف: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} [الأعراف: 27] يقول تعالى ذكره: يا بني آدم لا يخدعنكم الشيطان فيبدي سوآتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم، كما فعل بأبويكم آدم وحواء عند اختباره إياهما فأطاعاه وعصيا ربهما، فأخرجهما بما سبب لهما من مكره وخدعه من الجنة، ونزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس ليريهما سوآتهما بكشف عورتهما وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستترة. وقد بينا فيما مضى أن معنى الفتنة الاختبار والابتلاء بما أغنى عن إعادته. وقد اختلف أهل التأويل في صفة اللباس الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه نزعه عن أبوينا وما كان، فقال بعضهم: كان ذلك أظفارا ذكر من لم يذكر قوله فيما مضى من كتابنا هذا في ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عكرمة: {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] قال: " لباس كل دابة منها، ولباس الإنسان: الظفر، فأدركت آدم التوبة عند ظفره، أو قال: أظفاره " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الحميد الحماني، عن نصر بن عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " تركت أظفاره عليه زينة ومنافع في قوله: {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] حدثني أحمد بن الوليد القرشي قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير قال: أخبرنا مخلد بن الحسين، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، في قوله: {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] قال: «كان لباسهما الظفر، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما، وتركت الأظفار تذكرة وزينة» حدثني المثنى قال: ثنا الحماني قال: ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] ، قال: «كان لباسه الظفر، فانتهت توبته إلى أظفاره» 10P134 وقال آخرون: كان لباسهما نورا ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن وهب بن منبه: {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] : «النور» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال: ثنا عمرو، قال: سمعت وهب بن منبه، يقول في قوله: {ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما} ، قال: «كان لباس آدم وحواء نورا على فروجهما، لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا» وقال آخرون: إنما عنى الله بقوله: {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] : يسلبهما تقوى الله ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مطلب بن زياد، عن ليث، عن مجاهد: {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] ، قال: «التقوى» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد: {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] قال: «التقوى» حدثني المثنى قال: ثنا الحماني قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، 10P135 مثله قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى حذر عباده أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم آدم وحواء، وأن يجردهم من لباس الله الذي أنزله إليهم، كما نزع عن أبويهم لباسهما. واللباس المطلق من الكلام بغير إضافة إلى شيء في متعارف الناس، هو ما اختار فيه اللابس من أنواع الكساء، أو غطى بدنه أو بعضه.

Section V10/P134

وإذ كان ذلك كذلك، فالحق أن يقال: إن الذي أخبر الله عن آدم وحواء من لباسهما الذي نزعه عنهما الشيطان هو بعض ما كانا يواريان به أبدانهما وعورتهما، وقد يجوز أن يكون ذلك كان ظفرا، ويجوز أن يكون نورا، ويجوز أن يكون غير ذلك، ولا خبر عندنا بأي ذلك تثبت به الحجة، فلا قول في ذلك أصوب من أن يقال كما قال جل ثناؤه: {ينزع عنهما لباسهما} [الأعراف: 27] ، وأضاف جل ثناؤه إلى إبليس إخراج آدم وحواء من الجنة، ونزع ما كان عليهما من اللباس عنهما، وإن كان الله جل ثناؤه هو الفاعل ذلك بهما عقوبة على معصيتهما إياه، إذ كان الذي كان منهما في ذلك عن تشبيه ذلك لهما 10P136 بمكره وخداعه، فأضيف إليه أحيانا بذلك المعنى، وإلى الله أحيانا بفعله ذلك بهما 10P134

Questions