Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V10/P491–V10/P495

[الأعراف: 157] القول في تأويل قوله تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم 10P493 والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157] يقول تعالى ذكره: يأمر هذا النبي الأمي أتباعه بالمعروف، وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته فيما أمر ونهى، فذلك المعروف الذي يأمرهم به، وينهاهم عن المنكر وهو الشرك بالله، والانتهاء عما نهاهم الله عنه. وقوله: {ويحل لهم الطيبات} [الأعراف: 157] وذلك ما كانت الجاهلية تحرمه من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] وذلك لحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المطاعم والمشارب التي حرمها الله. كما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] وهو لحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله وأما قوله: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157] فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: يعني بالإصر: العهد والميثاق الذي كان أخذه على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {ويضع عنهم إصرهم} [الأعراف: 157] قال: 10P494 عهدهم " قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «عهدهم» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن علي ، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن مبارك، عن الحسن: " {ويضع عنهم إصرهم} [الأعراف: 157] قال: العهود التي أعطوها من أنفسهم " قال: ثنا ابن نمير، عن موسى بن قيس، عن مجاهد: " {ويضع عنهم إصرهم} [الأعراف: 157] قال: عهدهم " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157] يقول: يضع عنهم عهودهم ومواثيقهم التي أخذت عليهم في التوراة والإنجيل " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157] ما كان الله أخذ عليهم 10P495 من الميثاق فيما حرم عليهم، يقول: يضع ذلك عنهم " وقال بعضهم: عني بذلك أنه يضع عمن اتبع نبي الله صلى الله عليه وسلم التشديد الذي كان على بني إسرائيل في دينهم. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157] فجاء محمد صلى الله عليه وسلم بإقالة منه وتجاوز عنه " حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: " {ويضع عنهم إصرهم} [الأعراف: 157] قال: البول ونحوه مما غلظ على بني إسرائيل " قال: ثنا الحماني، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: «شدة العمل» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال 10P496 مجاهد، قوله: " {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157] قال: من اتبع محمدا ودينه من أهل الكتاب، وضع عنهم ما كان عليهم من التشديد في دينهم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال: قال أبو هريرة لابن عباس: ما علينا في الدين من حرج أن نزني ونسرق؟ قال: «بلى، ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ، في قوله: " {ويضع عنهم إصرهم} [الأعراف: 157] قال: إصرهم الذي جعله عليهم " قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الإصر هو العهد.

Section V10/P495

وقد بينا ذلك بشواهده في موضع غير هذا بما فيه الكفاية، وأن معنى الكلام: ويضع النبي الأمي العهد الذي كان الله أخذ على بني إسرائيل من إقامة التوراة، والعمل بما فيها من الأعمال الشديدة كقطع الجلد من البول، وتحريم الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضة، فنسخها حكم القرآن. وأما الأغلال التي كانت عليهم، فكان ابن زيد يقول بما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عنه في قوله: " {والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157] قال: الأغلال. وقرأ {غلت أيديهم} [المائدة: 64] قال: تلك 10P497 الأغلال، قال: ودعاهم إلى أن يؤمنوا بالنبي، فيضع ذلك عنهم " 10P496

Section V10/P495–V10/P499

[الأعراف: 157] القول في تأويل قوله تعالى: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 157] يقول تعالى ذكره: فالذين صدقوا بالنبي الأمي، وأقروا بنبوته، {وعزروه} [الأعراف: 157] يقول: وقروه وعظموه وحموه من الناس كما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {وعزروه} [الأعراف: 157] يقول: حموه ووقروه " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثني موسى بن قيس، عن مجاهد: " {وعزروه ونصروه} [الأعراف: 157] قال: عزروه: سددوا أمره، وأعانوا رسوله ونصروه " وقوله {نصروه} [الأعراف: 157] يقول: وأعانوه على أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب لهم. {واتبعوا النور الذي أنزل معه} [الأعراف: 157] يعني القرآن والإسلام. {أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 157] يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصف بها جل ثناؤه أتباع محمد صلى الله عليه وسلم هم المنجحون، المدركون ما طلبوا ورجوا بفعلهم ذلك حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " فما نقموا، يعني اليهود إلا أن حسدوا نبي الله، فقال الله: {الذين آمنوا به وعزروه ونصروه} فأما نصره وتعزيره فقد سبقتم به، ولكن خياركم من آمن 10P498 بالله واتبع النور الذي أنزل معه " يريد قتادة بقوله: فما نقموا إلا أن حسدوا نبي الله، أن اليهود كان محمد صلى الله عليه وسلم بما جاء به من عند الله رحمة عليهم لو اتبعوه؛ لأنه جاء بوضع الإصر والأغلال عنهم، فحملهم الحسد على الكفر به وترك قبول التخفيف لغلبة خذلان الله عليهم 10P497 [الأعراف: 158] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 158] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للناس كلهم: {إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل، مرسلا إلى بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض ولكنها إلى جميعكم. وقوله: {الذي} [البقرة: 17] من نعت اسم الله. وإنما معنى الكلام: قل يا أيها الناس، إني رسول الله الذي له ملك السموات والأرض إليكم. ويعني جل ثناؤه بقوله: {الذي له ملك السموات والأرض} الذي له سلطان السموات والأرض وما فيهما، وتدبير ذلك وتصريفه. {لا إله إلا هو} [البقرة: 163] يقول: لا ينبغي أن تكون الألوهة والعبادة إلا له جل ثناؤه دون سائر الأشياء غيره من الأنداد والأوثان، إلا لمن له سلطان كل شيء والقادر على إنشاء خلق كل ما شاء وإحيائه وإفنائه إذا شاء إماتته. {فآمنوا بالله ورسوله} [الأعراف: 158] يقول جل ثناؤه: قل لهم: فصدقوا بآيات الله الذي هذه صفته، وأقروا بوحدانيته، وأنه الذي له الألوهة والعبادة، وصدقوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه مبعوث إلى خلقه داع إلى توحيده وطاعته 10P499

Section V10/P499–V10/P500

[الأعراف: 158] القول في تأويل قوله تعالى: {النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته} [الأعراف: 158] وأما قوله: {النبي الأمي} [الأعراف: 157] فإنه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بينت معنى النبي فيما مضى بما أغنى عن إعادته. ومعنى قوله: {الأمي الذي يؤمن بالله} [الأعراف: 158] يقول: الذي يصدق بالله وكلماته. ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وكلماته} [الأعراف: 158] فقال بعضهم: معناه: وآياته. 10P500 ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " الذي يؤمن بالله وكلماته يقول: آياته " وقال آخرون: بل عنى بذلك عيسى ابن مريم عليه السلام. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد، قوله: " {الذي يؤمن بالله وكلماته} [الأعراف: 158] قال: عيسى ابن مريم " وحدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {الذي يؤمن بالله وكلماته} [الأعراف: 158] فهو عيسى ابن مريم " قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره أمر عباده أن يصدقوا بنبوة النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته. ولم يخصص الخبر جل ثناؤه عن إيمانه من كلمات الله ببعض دون بعض، بل أخبرهم عن جميع الكلمات، فالحق في ذلك أن يعم القول، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمن بكلمات الله كلها على ما جاء به ظاهر كتاب الله وأما قوله: {واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 158] فاهتدوا به أيها 10P501 الناس، واعملوا بما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله {لعلكم تهتدون} [البقرة: 53] يقول: لكي تهتدوا فترشدوا، وتصيبوا الحق في اتباعكم إياه 10P500 [الأعراف: 159] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 159] يقول تعالى ذكره: {ومن قوم موسى} [الأعراف: 159] يعني بني إسرائيل {أمة} [البقرة: 128] يقول: جماعة، {يهدون بالحق} [الأعراف: 159] يقول: يهتدون بالحق: أي: يستقيمون عليه ويعملون، {وبه يعدلون} [الأعراف: 159] أي: وبالحق يعطون ويأخذون، وينصفون من أنفسهم فلا يجورون. وقد قال في صفة هذه الأمة التي ذكرها الله في الآية جماعة أقوالا نحن ذاكرو ما حضرنا منها حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن صدقة أبي الهذيل، عن السدي: " {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 159] قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شهد " حدثنا القاسم ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 159] قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم كفروا، وكانوا اثني عشر سبطا، تبرأ سبط منهم مما صنعوا، واعتذروا، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقا في الأرض، 10P502 فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون، يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: {وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا} [الإسراء: 104] ووعد الآخرة عيسى ابن مريم يخرجون معه. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفا " 10P501

Section V10/P500–V10/P504

[الأعراف: 160] القول في تأويل قوله تعالى: {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [الأعراف: 160] يقول تعالى ذكره: فرقناهم، يعني قوم موسى من بني إسرائيل، فرقهم الله فجعلهم قبائل شتى، اثنتي عشرة قبيلة. وقد بينا معنى الأسباط فيما مضى ومن هم. واختلف أهل العربية في وجه تأنيث الاثنتي عشرة والأسباط جمع مذكر، فقال بعض نحويي البصرة: أراد اثنتي عشرة فرقة، ثم أخبر أن الفرق أسباط، ولم يجعل العدد على أسباط. وكان بعضهم يستخل هذا التأويل ويقول: لا يخرج العدد على عين الثاني، ولكن الفرق قبل الاثنتي عشرة حتى تكون الاثنتا عشرة مؤنثة على ما قبلها، ويكون الكلام: وقطعناهم فرقا اثنتي عشرة أسباطا، فيصح التأنيث لما تقدم. وقال بعض نحويي الكوفة، إنما قال اثنتي عشرة بالتأنيث والسبط مذكر؛ لأن الكلام ذهب إلى الأمم فغلب التأنيث وإن كان السبط ذكرا، وهو مثل قول الشاعر: [+البحر الطويل] وإن كلابا هذه عشر أبطن وأنت بريء من قبائلها العشر ذهب بالبطن إلى القبيلة والفضيلة، فلذلك جمع البطن بالتأنيث. وكان آخرون من نحويي الكوفة يقولون: إنما أنثت الاثنتا عشرة والسبط ذكر، لذكر الأمم. والصواب من القول في ذلك عندي أن الاثنتى عشرة أنثت لتأنيث القطعة. ومعنى الكلام: وقطعناهم قطعا اثنتى عشرة، ثم ترجم عن القطع بالأسباط. وغير جائز أن تكون الأسباط مفسرة عن الاثنتى عشرة وهي جمع؛ لأن التفسير فيما فوق العشر إلى العشرين بالتوحيد لا بالجمع، والأسباط جمع لا واحد، وذلك كقولهم: عندي اثنتا عشرة امرأة، ولا يقال: عندي اثنتا عشرة نسوة، ففي ذلك أن الأسباط ليست بتفسير للاثنتي عشرة، وإن القول في ذلك على ما قلنا. وأما الأمم فالجماعات، والسبط في بني إسرائيل نحو القرن. وقيل: إنما فرقوا أسباطا لاختلافهم في دينهم 10P503 [الأعراف: 160] القول في تأويل قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [الأعراف: 160] يقول تعالى ذكره: وأوحينا إلى موسى إذ فرقنا بني إسرائيل قومه اثنتي عشرة فرقة، وتيهناهم في التيه فاستسقوا موسى من العطش وغئور الماء. {أن اضرب بعصاك الحجر} [الأعراف: 160] وقد بينا السبب الذي كان قومه استسقوه وبينا معنى الوحي بشواهده. {فانبجست} [الأعراف: 160] فانصبت وانفجرت من الحجر {اثنتا عشرة عينا} [البقرة: 60] من الماء، {قد علم كل أناس} [البقرة: 60] يعني: كل أناس من الأسباط الاثنتي عشرة {مشربهم} [البقرة: 60] لا يدخل سبط على غيره في شربه. {وظللنا عليهم الغمام} [الأعراف: 160] يكنهم من حر الشمس وأذاها. وقد بينا معنى الغمام فيما مضى قبل، وكذلك المن والسلوى. {وأنزلنا عليهم المن والسلوى} [الأعراف: 160] طعاما لهم. {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 57] يقول: وقلنا لهم: كلوا من حلال ما رزقناكم أيها الناس وطيبناه لكم. {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [البقرة: 57] ، وفي الكلام محذوف ترك ذكره استغناء بما ظهر عما ترك، وهو: فأجمعوا ذلك وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. {وما ظلمونا} [البقرة: 57] يقول: وما أدخلوا علينا نقصا في ملكنا وسلطاننا بمسألتهم ما سألوا، وفعلهم ما فعلوا. {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [البقرة: 57] أي: ينقصونها حظوظها باستبدالهم الأدنى بالخير والأرذل بالأفضل 10P505

Section V10/P504

[الأعراف: 161] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم سنزيد المحسنين} [الأعراف: 161] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضا يا محمد من خطإ فعل هؤلاء القوم وخلافهم على ربهم وعصيانهم نبيهم موسى عليه السلام وتبديلهم القول الذي أمروا أن يقولوه حين قال الله لهم: {اسكنوا هذه القرية} [الأعراف: 161] وهي قرية بيت المقدس، {وكلوا منها} [الأعراف: 161] يقول: من ثمارها وحبوبها ونباتها، {حيث شئتم} [البقرة: 58] منها يقول: أنى شئتم منها، {وقولوا حطة} [البقرة: 58] يقول: وقولوا هذه الفعلة حطة تحط ذنوبنا، {نغفر لكم} [البقرة: 58] يتغمد لكم ربكم ذنوبكم التي سلفت منكم، فيعفو لكم عنها، فلا يؤاخذكم بها. {سنزيد المحسنين} [الأعراف: 161] منكم، وهم المطيعون لله، على ما وعدتكم من غفران الخطايا. وقد ذكرنا الروايات في كل ذلك باختلاف المختلفين والصحيح من القول لدينا فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته 10P505 [الأعراف: 162] القول في تأويل قوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون} [الأعراف: 162] يقول تعالى ذكره: فغير الذين كفروا بالله منهم ما أمرهم الله به من القول، فقالوا وقد قيل لهم: قولوا: هذه حطة: حنطة في شعيرة؛ وقولهم ذلك كذلك هو غير القول الذي قيل لهم قولوه. يقول الله تعالى: {فأرسلنا عليهم رجزا من السماء} [الأعراف: 162] بعثنا عليهم عذابا أهلكناهم بما كانوا يغيرون ما يؤمرون به، فيفعلون خلاف ما أمرهم الله بفعله ويقولون غير الذي أمرهم الله بقيله. وقد بينا معنى الرجز فيما مضى 10P506

Section V10/P504–V10/P508

[الأعراف: 163] القول في تأويل قوله تعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 163] يقول تعالى ذكره: واسأل يا محمد هؤلاء اليهود وهم مجاوروك ، عن أمر القرية التي كانت حاضرة البحر، يقول: كانت بحضرة البحر أي: بقرب البحر وعلى شاطئه. واختلف أهل التأويل فيها، فقال بعضهم: هي أيلة. 10P507 ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {واسألهم عن القرية التي، كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] قال: هي قرية يقال لها أيلة، بين مدين والطور " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، في قوله: " {واسألهم عن القرية التي، كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] قال: سمعنا أنها أيلة " حدثني سلام بن سالم الخزاعي، قال: ثنا يحيى بن سليم الطائفي، قال: ثنا ابن جريج، عن عكرمة، قال: دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره، وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ جعلني الله فداك فقال: " ويلك وتعرف القرية التي كانت حاضرة البحر؟ فقلت: تلك أيلة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة} [الأعراف: 163] قال: هي أيلة " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: «هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها أيلة» حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «هم أهل أيلة، القرية التي كانت حاضرة البحر» حدثني الحارث، قال: ثنا أبو سعد، عن مجاهد، في قوله: " {واسألهم عن القرية التي، كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] قال أيلة " وقال آخرون: معناه: ساحل مدين حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] الآية، ذكر لنا أنها كانت قرية على ساحل البحر يقال لها أيلة " وقال آخرون: هي مقنا ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {واسألهم عن القرية التي، كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] قال: هي قرية يقال لها مقنا بين مدين وعينونى " وقال آخرون: هي مدين ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «هي قرية بين أيلة والطور يقال لها مدين» والصواب من القول في ذلك أن يقال: هي قرية حاضرة البحر، وجائز أن تكون أيلة، وجائز أن تكون مدين، وجائز أن تكون مقنا؛ لأن كل ذلك حاضرة البحر. ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع العذر بأن ذلك من أي، والاختلاف فيه على ما وصفت، ولا يوصل إلى علم ما قد كان فمضى مما لم نعاينه، إلا بخبر يوجب العلم ولا خبر كذلك في ذلك. وقوله: {إذ يعدون في السبت} [الأعراف: 163] يعني به أهله: إذ يعتدون في السبت أمر الله، ويتجاوزونه إلى ما حرمه الله عليهم، يقال منه: عدا فلان أمري واعتدى: إذا تجاوزه.

Section V10/P508–V10/P509

وكان اعتداؤهم في السبت أن الله كان حرم عليهم السبت، فكانوا يصطادون فيه السمك {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا} [الأعراف: 163] يقول: إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهوا فيه عن العمل شرعا، يقول: شارعة ظاهرة على الماء من كل طريق وناحية كشوارع الطرق كالذي حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعد، عن بشر بن 10P510 عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا} [الأعراف: 163] يقول: ظاهرة على الماء " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " {شرعا} [الأعراف: 163] يقول: من كل مكان " وقوله: {ويوم لا يسبتون} [الأعراف: 163] يقول: ويوم لا يعظمونه تعظيمهم السبت، وذلك سائر الأيام غير يوم السبت، لا تأتيهم الحيتان {كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 163] يقول: كما وصفنا لكم من الاختبار والابتلاء الذي ذكرنا بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في اليوم المحلل صيده، كذلك نبلوهم ونختبرهم {بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 163] يقول: بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها. واختلفت القراء في قراءة قوله: {ويوم لا يسبتون} [الأعراف: 163] فقرئ بفتح الياء من {يسبتون} [الأعراف: 163] من قول القائل: سبت فلان يسبت سبتا وسبوتا: إذا عظم السبت. وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (ويوم لا يسبتون) بضم الياء، من أسبت القوم يسبتون: إذا دخلوا في السبت، كما يقال: أجمعنا: مرت بنا جمعة، وأشهرنا: مر بنا شهر، وأسبتنا: مر بنا سبت. 10P511 ونصب {يوم} [الأعراف: 163] من قوله: {ويوم لا يسبتون} [الأعراف: 163] بقوله: {لا تأتيهم} [الأعراف: 163] ؛ لأن معنى الكلام: لا تأتيهم يوم لا يسبتون 10P510

Section V10/P509–V10/P511

[الأعراف: 164] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضا يا محمد، إذ قالت أمة منهم، جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت وتنهاهم عن معصية الله فيه: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] في الدنيا بمعصيتهم إياه، وخلافهم أمره، واستحلالهم ما حرم عليهم. {أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] في الآخرة، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم: عظتنا إياهم {معذرة إلى ربكم} [الأعراف: 164] نؤدي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. {ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] يقول: ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه، فينيبوا إلى طاعته ويتوبوا من معصيتهم إياه وتعديهم على ما حرم عليهم من اعتدائهم في السبت كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {قالوا معذرة إلى ربكم} [الأعراف: 164] لسخطنا أعمالهم. {ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] أي: ينزعون عما هم عليه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] قال: يتركون هذا العمل الذي هم عليه " 10P512 واختلفت القراء في قراءة قوله: {قالوا معذرة} [الأعراف: 164] فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والكوفة والبصرة: (معذرة) بالرفع على ما وصفت من معناها. وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة: {معذرة} [الأعراف: 164] نصبا، بمعنى: إعذارا وعظناهم وفعلنا ذلك. واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] هل كانت من الناجية، أم من الهالكة؟ فقال بعضهم: كانت من الناجية؛ لأنها كانت من الناهية الفرقة الهالكة عن الاعتداء في السبت ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] هي قرية على شاطئ البحر بين مكة والمدينة يقال لها أيلة، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا بذلك ما شاء الله. ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة وقالوا: تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم، فلم يزدادوا إلا غيا وعتوا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم. فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة: تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] وكانوا أشد غضبا لله من الطائفة الأخرى، فقالوا: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] وكل قد كانوا ينهون. فلما وقع عليهم 10P513 غضب الله، نجت الطائفتان اللتان قالوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] ، والذين قالوا: {معذرة إلى ربكم} [الأعراف: 164] ، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة وخنازير " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {واسألهم عن القرية التي، كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] إلى قوله: {ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [الأعراف: 163] وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم، يقول: إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرعا، يعني من كل مكان، {ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [الأعراف: 163] وأنهم قالوا: لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام. فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم. وقالت طائفة من المؤمنين: إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه، والله مخزيهم ومعذبهم عذابا شديدا. قال المؤمنون بعضهم لبعض: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] إن كان هلاك فلعلنا ننجو، وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرا.

Section V10/P511

وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يوما يعبدونه ويتفرغون له فيه، وهو يوم الاثنين، فتعدى الخبثاء من الاثنين إلى السبت، وقالوا: هو يوم السبت. فنهاهم موسى، فاختلفوا فيه، فجعل عليهم السبت، ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه. وإن رجلا منهم ذهب ليحتطب، فأخذه موسى عليه السلام، فسأله: هل أمرك بهذا أحد؟ فلم يجد أحدا أمره، فرجمه أصحابه " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " قال بعض الذين نهوهم لبعض: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] يقول: لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا معاذ بن هانئ، قال: ثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] أم لا؟ قال: فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا، فكساني حلة " حدثني المثنى، قال: ثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، قال: قرأ ابن عباس هذه الآية، فذكر نحوه، إلا أنه قال في حديثه: فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا حدثني سلام بن سالم الخزاعي، قال: ثنا يحيى بن سليم الطائفي، قال: ثنا ابن جريج، عن عكرمة، قال: دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك جعلني الله فداءك؟ قال: فقرأ: " {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] إلى قوله: {بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 165] قال ابن عباس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت نخاف أن نكون مثلهم. فقلت: أما تسمع الله يقول: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه} [الأعراف: 166] فسري عنه وكساني حلة " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: ثني رجل، عن عكرمة، قال: جئت ابن عباس يوما وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداءك؟ فقال: هؤلاء الورقات. قال: وإذا هو في سورة الأعراف. قال: " تعرف أيلة؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأنها الماخض، تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم. فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم، فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام، فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة منهم: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت. وكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين وتنحت، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون: الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] قال الأيمنون: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] أي: ينتهون، فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، فقال الأيمنون: قد فعلتم يا أعداء 10P516 الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلما وأعلوا سور المدينة رجلا، فالتفت إليهم فقال: أي عباد الله، قردة والله تعاوى لها أذناب، قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس، فتشم ثيابه وتبكي، فتقول لهم: ألم ننهكم عن كذا ؟ فتقول برأسها نعم.

Section V10/P511

ثم قرأ ابن عباس: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 165] قال: فأرى اليهود الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها، فلا نقول فيها، قال: قلت: أي: جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم} [الأعراف: 164] قال: فأمر بي فكسيت بردين غليظين " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] ذكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان حتى تنتطح على سواحلهم وأفنيتهم لما بلغها من أمر الله في الماء، فإذا كان في غير يوم السبت بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم، فأتاهم الشيطان، 10P517 فقال: إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت، فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد. قوله: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] فصار القوم ثلاثة أصناف: أما صنف، فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله. وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبة لله. وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قول الله: " {حاضرة البحر} [الأعراف: 163] قال: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، وكانت تأتيهم يوم السبت شرعا، بلاء ابتلوا به، ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها، بلاء أيضا بما كانوا يفسقون. فأخذوها يوم السبت استحلالا ومعصية، فقال الله لهم: {كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم، فقال بعضهم لبعض: {لم تعظون قوما} [الأعراف: 164] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] حتى بلغ: {ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] لعلهم يتركون ما هم عليه. قال: كانوا قد بلوا بكف الحيتان عنهم، وكانوا يسبتون في يوم السبت، ولا يعملون فيه شيئا، فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتان شرعا، وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوت واحد. قال: وكانوا قوما قد قرنوا بحب الحيتان، ولقوا منه بلاء، فأخذ رجل منهم حوتا، فربط في ذنبه خيطا، ثم ربطه إلى خشفة، 10P518 ثم تركه في الماء، حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد اجتره بالخيط، ثم شواه. فوجد جار له ريح حوت، فقال: يا فلان إني أجد في بيتك ريح نون، فقال: لا. قال: فتطلع في تنوره فإذا هو فيه فأخبره حينئذ الخبر، فقال: إني أرى الله سيعذبك. قال: فلما لم يره عجل عذابا، فلما أتى السبت الآخر أخذ اثنين فربطهما، ثم اطلع جار له عليه. فلما رآه لم يعجل عذابا جعلوا يصيدونه، فاطلع أهل القرية عليهم، فنهاهم الذين ينهون عن المنكر، فكانوا فرقتين: فرقة تنهاهم وتكف، وفرقة تنهاهم ولا تكف، فقال الذين نهوا وكفوا للذين ينهون ولا يكفون: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] فقال الآخرون: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} [الأعراف: 164] فقال الله: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء} [الأعراف: 165] . إلى قوله: {بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 165] قال الله: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] وقال لهم أهل تلك القرية: عملتم بعمل سوء، من كان يريد يعتزل ويتطهر فليعتزل هؤلاء، قال: فاعتزل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم، وضربوا بينهم سورا، فجعلوا في ذلك السور أبوابا يخرج بعضهم إلى بعض. قال: فلما كان الليل طرقهم الله بعذابه، فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدا، فدخلوا عليهم، فإذا هم قردة، الرجل وأزواجه وأولاده. فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه، فيقولون: يا فلان ألم نحذرك سطوات الله؟ ألم نحذرك نقمات الله؟ ونحذرك ونحذرك؟ قال: فليس إلا بكاء.

Section V10/P511–V10/P519

قال: وإنما عذب الله الذين ظلموا الذين أقاموا على ذلك. قال: وأما الذين نهوا فكلهم قد نهى، ولكن بعضهم أفضل من بعض. فقرأ: {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 165] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن داود، عن عكرمة، قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: " {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] قال: لا أدري أنجا القوم أو هلكوا؟ فما زلت أبصره حتى عرف أنهم نجوا، وكساني حلة " حدثني يونس، قال: أخبرني أشهب بن عبد العزيز، عن مالك، قال: زعم ابن رومان أن قوله: {تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [الأعراف: 163] قال: كانت تأتيهم يوم السبت، فإذا كان المساء ذهبت فلا يرى منها شيء إلى السبت، فاتخذ لذلك رجل منهم خيطا ووتدا، فربط حوتا منها في الماء يوم السبت، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك، فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جلد حوت وجدناه، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، ولا أدري لعله قال: ربط حوتين، فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجدوا ريحه، فجاءوا فسألوه، فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع، فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعل، حتى كثر ذلك. وكانت لهم مدينة لها ربض، فغلقوها عليهم، فأصابهم من المسخ ما أصابهم، فغدا إليهم جيرانهم ممن كان يكون حولهم، يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوروا عليهم، فإذا هم قردة، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ويدنو منه ويتمسح به " وقال آخرون: بل الفرقة التي قالت: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] كانت من الفرقة الهالكة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {واسألهم عن القرية التي، كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] إلى قوله: {شرعا} [الأعراف: 163] قال: قال ابن عباس: ابتدعوا السبت، فابتلوا فيه، فحرمت عليهم فيه الحيتان، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت، فلم تر حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرعا. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا فخزم أنفه، ثم ضرب له وتدا في الساحل وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد أخذه فشواه فأكله. ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون، ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نهوه، حتى ظهر ذلك في الأسواق وفعل علانية، قال: فقالت طائفة للذين ينهون: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم} [الأعراف: 164] في سخطنا أعمالهم {ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به} [الأعراف: 165] . إلى قوله: {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] قال ابن عباس: كانوا أثلاثا: ثلث نهوا، وثلث قالوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] ، وثلث أصحاب الخطيئة.

Section V10/P519–V10/P522

فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم، فأصبح الذين نهوا عن السوء ذات يوم في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم، فغلقوا عليهم دورهم، فجعلوا يقولون: إن للناس لشأنا، فانظروا ما شأنهم، فاطلعوا في دورهم، فإذا القوم قد مسخوا في ديارهم قردة، يعرفون الرجل 10P521 بعينه وإنه لقرد، ويعرفون المرأة بعينها وإنها لقردة، قال الله: {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين} [البقرة: 66] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {أنجينا الذين ينهون عن السوء} [الأعراف: 165] الآية، قال ابن عباس: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس: " {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] قال: هم ثلاث فرق: الفرقة التي وعظت، والموعوظة التي وعظت، والله أعلم ما فعلت الفرقة الثالثة، وهم الذين قالوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] " وقال الكلبي: هما فرقتان: الفرقة التي وعظت، والفرقة التي قالت: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] قال: هي الموعوظة حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " لأن أكون علمت من هؤلاء الذين قالوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] أحب إلي مما عدل به " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، قال: قال ابن عباس: " {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] قال: أسمع الله يقول: {أنجينا 10P522 الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} [الأعراف: 165] فليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: 164] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن ماهان الحنفي أبي صالح، في قوله: " {تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [الأعراف: 163] قال: كانوا في المدينة التي على ساحل البحر، وكانت الأيام ستة، الأحد إلى الجمعة، فوضعت اليهود يوم السبت، وسبتوه على أنفسهم، فسبته الله عليهم، ولم يكن السبت قبل ذلك، فوكده الله عليهم، وابتلاهم فيه بالحيتان، فجعلت تشرع يوم السبت، فيتقون أن يصيبوا منها، حتى قال رجل منهم: والله ما السبت بيوم وكده الله علينا، ونحن وكدناه على أنفسنا، فلو تناولت من هذا السمك، فتناول حوتا من الحيتان، فسمع بذلك جاره، فخاف العقوبة فهرب من منزله. فلما مكث ما شاء الله ولم تصبه عقوبة تناول غيره أيضا في يوم السبت. فلما لم تصبهم العقوبة كثر من تناول في يوم السبت، واتخذوا يوم السبت وليلة السبت عيدا يشربون فيه الخمور ويلعبون فيه بالمعازف، فقال لهم خيارهم وصلحاؤهم: ويحكم، انتهوا عما تفعلون، إن الله مهلككم أو معذبكم عذابا شديدا، أفلا تعقلون؟ ولا تعدوا في السبت، فأبوا، فقال خيارهم: نضرب بيننا وبينهم حائطا، ففعلوا. وكان إذا كان ليلة السبت تأذوا بما يسمعون من أصواتهم وأصوات المعازف. حتى إذا كانت الليلة التي مسخوا فيها، سكنت أصواتهم أول الليل، فقال خيارهم: ما شأن قومكم قد سكنت أصواتهم الليلة؟ فقال بعضهم: لعل الخمر غلبتهم فناموا. فلما أصبحوا لم يسمعوا لهم حسا، فقال بعضهم لبعض: ما لنا لا نسمع من قومكم حسا؟ فقالوا لرجل: اصعد الحائط وانظر ما شأنهم، فصعد الحائط فرآهم يموج بعضهم في بعض، قد مسخوا قردة، فقال لقومه: تعالوا فانظروا إلى قومكم ما لقوا، فصعدوا، فجعلوا ينظرون إلى الرجل، فيتوسمون فيه، فيقولون: أي فلان أنت فلان؟

Section V10/P522

فيومئ بيده إلى صدره: أي: نعم بما كسبت يداي " حدثني يعقوب، وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، عن أيوب، قال: تلا الحسن ذات يوم: " {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 163] فقال: كان حوتا حرمه الله عليهم في يوم وأحله لهم فيما سوى ذلك، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرمه الله عليهم كأنه المخاض لا يمتنع من أحد، وقلما رأيت أحدا يكثر الاهتمام بالذنب إلا واقعه. قال: فجعلوا يهمون ويمسكون حتى أخذوه، فأكلوا أوخم أكلة أكلها قوم قط، أثقله خزيا في الدنيا وأشده عقوبة في الآخرة، وايم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مؤمن، وللمؤمن أعظم حرمة عند الله من حوت، ولكن الله جعل موعد قوم الساعة {والساعة أدهى وأمر} [القمر: 46] " حدثني يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي موسى، عن الحسن، قال: " جاءتهم الحيتان تشرع في حياضهم كأنها المخاض، فأكلوا والله أوخم أكلة أكلها 10P524 قوم قط، أسوؤه عقوبة في الدنيا وأشده عذابا في الآخرة. وقال الحسن: وقتل المؤمن والله أعظم من أكل الحيتان " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، قال: كنت جالسا في المسجد، فإذا شيخ قد جاء وجلس الناس إليه، فقالوا: هذا من أصحاب عبد الله بن مسعود، فقال: قال ابن مسعود: " {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] الآية، قال: لما حرم عليهم السبت كانت الحيتان تأتي يوم السبت، وتأمن وتجيء فلا يستطيعون أن يمسوها، وكان إذا ذهب السبت ذهبت، فكانوا يتصيدون كما يتصيد الناس. فلما أرادوا أن يعدوا في السبت، اصطادوا ، فنهاهم قوم من صالحيهم، فأبوا، وكثرهم الفجار، فأراد الفجار قتالهم، فكان فيهم من لا يشتهون قتاله، أبو أحدهم وأخوه أو قريبه. فلما نهوهم وأبوا، قال الصالحون: إنا نباينهم، وإنا نجعل بيننا وبينهم حائطا، ففعلوا، فلما فقدوا أصواتهم، قالوا: لو نظرتم إلى إخوانكم ما فعلوا، فنظروا فإذا هم قد مسخوا قردة، يعرفون الكبير بكبره والصغير بصغره، فجعلوا يبكون إليهم. وكان هذا بعد موسى صلى الله عليه وسلم " 10P524

Section V10/P522–V10/P526

[الأعراف: 165] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 165] يقول تعالى ذكره: فلما تركت الطائفة التي اعتدت في السبت ما أمرها الله به من ترك الاعتداء فيه وضيعت ما وعظتها الطائفة الواعظة وذكرتها ما ذكرتها به من تحذيرها عقوبة الله على معصيتها فتقدمت على استحلال ما حرم الله عليها، أنجى الله الذين ينهون منهم عن السوء، يعني عن معصية الله، واستحلال ما حرمه. {وأخذنا الذين ظلموا} [الأعراف: 165] يقول: وأخذ الله الذين اعتدوا في السبت فاستحلوا فيه ما حرم الله من صيد السمك وأكله، فأحل بهم بأسه وأهلكهم. {بعذاب} [آل عمران: 21] شديد {بئيس بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 165] يخالفون أمر الله، فيخرجون من طاعته إلى معصيته، وذلك هو الفسق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، في قوله: " {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء} [الأعراف: 165] قال: فلما نسوا موعظة المؤمنين إياهم، الذين قالوا: {لم تعظون قوما} [الأعراف: 164] " حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا حرمي، قال: ثني شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {أنجينا الذين ينهون عن السوء،} [الأعراف: 165] قال: يا ليت شعري ما السوء الذي نهوا عنه " وأما قوله: {بعذاب بئيس} [الأعراف: 165] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء أهل المدينة: (بعذاب بيس) بكسر الباء وتخفيف الياء بغير همز، على مثال فعل. وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة والبصرة: {بعذاب بئيس} [الأعراف: 165] على مثل فعيل من البؤس، بنصب الباء وكسر الهمزة ومدها. وقرأ ذلك كذلك بعض المكيين، غير أنه كسر باء: (بئيس) على مثال فعيل. وقرأه بعض الكوفيين: (بيئس) بفتح الباء، وتسكين الياء، وهمزة بعدها مكسورة، على مثال فيعل. وذلك شاذ عند أهل العربية؛ لأن فيعل إذا لم يكن من ذوات الياء والواو، فالفتح في عينه الفصيح في كلام العرب، وذلك مثل قولهم في نظيره من السالم: صيقل، ونيرب، وإنما تكسر العين من ذلك في ذوات الياء والواو، كقولهم: سيد، وميت. وقد أنشد بعضهم قول امرئ القيس بن عابس الكندي: [+البحر الرجز] كلاهما كان رئيسا بيئسا يضرب في يوم الهياج القونسا بكسر العين من فيعل، وهي الهمزة من بيئس. فلعل الذي قرأ ذلك كذلك قرأه على هذه. وذكر عن آخر من الكوفيين أيضا أنه قرأه: «بيئس» نحو القراءة التي ذكرناها قبل هذه، وذلك بفتح الباء وتسكين الياء وفتح الهمزة بعد الياء على مثال فيعل مثل صيقل. وروي عن بعض البصريين أنه قرأه: «بئس» بفتح الباء وكسر الهمزة على مثال فعل، كما قال ابن قيس الرقيات: [+البحر المديد] ليتني ألقى رقية في خلوة من غير ما بئس وروي عن آخر منهم أنه قرأ: بئس بكسر الباء وفتح السين على معنى بئس العذاب.

Section V10/P526–V10/P527

وأولى هذه القراءات عندي بالصواب قراءة من قرأه: {بئيس} [الأعراف: 165] بفتح الباء وكسر الهمزة ومدها على مثال فعيل، كما قال ذو الأصبع العدواني: [+البحر الكامل] حنقا علي ولن ترى لي فيهم أثرا بئيسا ؛ لأن أهل التأويل أجمعوا على أن معناه شديد، فدل ذلك على صحة ما اخترنا ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، 10P528 قال: أخبرني رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: " {وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} [الأعراف: 165] أليم وجيع " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {بعذاب بئيس} [الأعراف: 165] قال: شديد " حدثني المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {بعذاب بئيس} [الأعراف: 165] أليم شديد " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {بعذاب بئيس} [الأعراف: 165] قال: موجع " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {بعذاب بئيس} [الأعراف: 165] قال: بعذاب شديد " 10P528

Section V10/P527–V10/P528

[الأعراف: 166] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] يقول تعالى ذكره: فلما تمردوا فيما نهوا عنه من اعتدائهم في السبت، واستحلالهم ما حرم الله عليهم من صيد السمك وأكله وتمادوا فيه {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] أي: بعداء من الخير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {فلما عتوا عن ما نهوا عنه} [الأعراف: 166] يقول: لما مرد القوم على المعصية. {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] فصاروا قردة لها أذناب تعاوى بعد ما كانوا رجالا ونساء " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {فلما عتوا عن ما، نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [الأعراف: 166] فجعل الله منهم القردة والخنازير. فزعم أن شباب القوم صاروا قردة، وأن المشيخة صاروا خنازير " حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن السدي، عن أبي مالك، أو سعيد بن جبير، قال: «رأى موسى عليه السلام رجلا يحمل قصبا يوم السبت، فضرب عنقه» 10P529

Section V10/P528–V10/P530

[الأعراف: 167] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأعراف: 167] يعني جل ثناؤه بقوله: {وإذ تأذن} [الأعراف: 167] واذكر يا محمد إذ آذن ربك فأعلم. وهو تفعل من الإيذان، كما قال الأعشى ميمون بن قيس: [+البحر الخفيف] آذن اليوم جيرتي بخفوف صرموا حبل آلف مألوف يعني بقوله آذن: أعلم، وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع. 10P530 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {وإذ تأذن ربك} [الأعراف: 167] قال: أمر ربك " حدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز. قال: ثنا أبو سعد، عن مجاهد: " {وإذ تأذن ربك} [الأعراف: 167] قال: أمر ربك " وقوله: {ليبعثن عليهم} [الأعراف: 167] يعني: أعلم ربك ليبعثن على اليهود من يسومهم سوء العذاب، قيل: إن ذلك العرب بعثهم الله على اليهود يقاتلون من لم يسلم منهم ولم يعط الجزية، ومن أعطى منهم الجزية كان ذلك له صغارا وذلة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى بن إبراهيم، وعلي بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} [الأعراف: 167] قال: هي الجزية، والذين يسومونهم: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته إلى يوم القيامة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 10P531 أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} [الأعراف: 167] فهي المسكنة، وأخذ الجزية منهم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: " {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} [الأعراف: 167] قال: يهود، وما ضرب عليهم من الذلة والمسكنة " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} [الأعراف: 167] قال: فبعث الله عليهم هذا الحي من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم} [الأعراف: 167] قال: بعث عليهم هذا الحي من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة " وقال عبد الكريم الجزري: يستحب أن تبعث الأنباط في الجزية حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد: " {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم} [الأعراف: 167] قال: العرب {سوء العذاب} [الأعراف: 167] قال: الخراج. وأول من وضع الخراج موسى عليه السلام، فجبى الخراج سبع سنين " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد: " {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم} [الأعراف: 167] قال: العرب. {سوء 10P532 العذاب} [الأعراف: 167] قال: الخراج.

Section V10/P530–V10/P532

قال: وأول من وضع الخراج موسى، فجبى الخراج سبع سنين " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد: " {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} [الأعراف: 167] قال: هم أهل الكتاب، بعث الله عليهم العرب يجبونهم الخراج إلى يوم القيامة، فهو سوء العذاب، ولم يجب نبي الخراج قط إلا موسى صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة ثم أمسك، وإلا النبي صلى الله عليه وسلم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} [الأعراف: 167] قال: يبعث عليهم هذا الحي من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة " قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني عبد الكريم، عن ابن المسيب، قال: «يستحب أن تبعث الأنباط، في الجزية» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} [الأعراف: 167] يقول: إن ربك يبعث على بني إسرائيل العرب، فيسومونهم سوء العذاب: يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة} [الأعراف: 167] ليبعثن على يهود " 10P533

Section V10/P532–V10/P533

[الأعراف: 167] القول في تأويل قوله تعالى: {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأعراف : 167] يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد لسريع عقابه إلى من استوجب منه العقوبة على كفره به ومعصيته له. {وإنه لغفور رحيم} [الأنعام: 165] يقول: وإنه لذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه فأناب وراجع طاعته، يستر عليها بعفوه عنها، رحيم له أن يعاقبه على جرمه بعد توبته منها؛ لأنه يقبل التوبة ويقيل العثرة 10P533 [الأعراف: 168] القول في تأويل قوله تعالى: {وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} [الأعراف: 168] يقول تعالى ذكره: وفرقنا بني إسرائيل في الأرض أمما، يعني جماعات شتى متفرقين كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {وقطعناهم في الأرض أمما} [الأعراف: 168] قال: في كل أرض يدخلها قوم من اليهود " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وقطعناهم في الأرض أمما} [الأعراف: 168] قال: يهود " 10P534 وقوله: {منهم الصالحون} [الأعراف: 168] يقول: من هؤلاء القوم الذين وصفهم الله من بني إسرائيل الصالحون، يعني: من يؤمن بالله ورسله. {ومنهم دون ذلك} [الأعراف: 168] يعني: دون الصالح. وإنما وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم كانوا كذلك قبل ارتدادهم عن دينهم وقبل كفرهم بربهم، وذلك قبل أن يبعث فيهم عيسى ابن مريم صلوات الله عليه. وقوله: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} [الأعراف: 168] يقول: واختبرناهم بالرخاء في العيش، والخفض في الدنيا، والدعة والسعة في الرزق، وهي الحسنات التي ذكرها جل ثناؤه. ويعني بالسيئات: الشدة في العيش، والشظف فيه، والمصائب والرزايا في الأموال. {لعلهم يرجعون} [الأعراف: 168] يقول: ليرجعوا إلى طاعة ربهم، وينيبوا إليها، ويتوبوا من معاصيه 10P533

Questions