Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V02/P296–V02/P298

قال: لا، قال: عبيد الله. وقد سمى لي إسرائيل باسم نحو ذلك فنسيته، إلا أنه 02P298 قد قال لي: أرأيت كل اسم يرجع إلى إيل فهو معبد به " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة: " في قوله: {جبريل} [البقرة: 97] قال: جبر: عبد، إيل: الله، وميكا قال: عبد، إيل: الله " قال أبو جعفر: فهذا تأويل من قرأ «جبرائيل» بالفتح والهمز والمد، وهو إن شاء الله معنى من قرأ بالكسر وترك الهمز. وأما تأويل من قرأ ذلك بالهمز وترك المد وتشديد اللام، فإنه قصد بقوله ذلك كذلك إلى إضافة جبر وميكا إلى اسم الله الذي يسمى به بلسان العرب دون السرياني والعبراني؛ وذلك أن الإل بلسان العرب الله كما قال: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} [التوبة: 10] فقال جماعة من أهل العلم: الإل: هو الله. ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لوفد بني حنيفة حين سألهم عما كان مسيلمة يقول، فأخبروه، فقال لهم: ويحكم أين ذهب بكم والله، إن هذا الكلام ما خرج من إل ولا بر. يعني من إل: من الله وقد حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز: " في قوله: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} [التوبة: 10] قال: قول جبريل 02P299 وميكائيل وإسرافيل، كأنه يقول حين يضيف جبر وميكا و " إسرا إلى إيل يقول: عبد الله {لا يرقبون في مؤمن إلا} [التوبة: 10] كأنه يقول: لا يرقبون الله عز وجل " 02P298

Section V02/P298–V02/P299

[البقرة: 97] القول في تأويل قوله تعالى: {مصدقا لما بين يديه} [البقرة: 97] يعني جل ثناؤه بقوله: {مصدقا لما بين يديه} [البقرة: 97] القرآن. ونصب مصدقا على القطع من الهاء التي في قوله: {نزله على قلبك} [البقرة: 97] . فمعنى الكلام: فإن جبريل نزل القرآن على قلبك يا محمد مصدقا لما بين يدي القرآن، يعني بذلك مصدقا لما سلف من كتب الله أمامه، ونزلت على رسله الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه إياها موافقة معانيه معانيها في الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم. وما جاء به من عند الله، وهي تصدقه كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {مصدقا لما بين يديه} [البقرة: 97] يقول: لما قبله من الكتب التي أنزلها الله والآيات والرسل الذين بعثهم الله بالآيات نحو موسى ونوح وهود وشعيب وصالح وأشباههم من الرسل صلى الله عليهم " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {مصدقا لما بين يديه} [البقرة: 97] من التوراة والإنجيل " 02P300 حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله 02P299 [البقرة: 97] القول في تأويل قوله تعالى: {وهدى وبشرى للمؤمنين} [البقرة: 97] يعني بقوله جل ثناؤه: {وهدى} [البقرة: 97] ودليل وبرهان. وإنما سماه الله جل ثناؤه هدى لاهتداء المؤمن به، واهتداؤه به اتخاذه إياه هاديا يتبعه وقائدا ينقاد لأمره ونهيه وحلاله وحرامه. والهادي من كل شيء ما تقدم أمامه، ومن ذلك قيل لأوائل الخيل: هواديها، وهو ما تقدم أمامها، وكذلك قيل للعنق: الهادي، لتقدمها أمام سائر الجسد. وأما البشرى فإنها البشارة. أخبر الله عباده المؤمنين جل ثناؤه أن القرآن لهم بشرى منه؛ لأنه أعلمهم بما أعد لهم من الكرامة عنده في جناته، وما هم إليه صائرون في معادهم من ثوابه. وذلك هو البشرى التي بشر الله بها المؤمنين في كتابه؛ لأن البشارة في كلام العرب هي إعلام الرجل بما لم يكن به عالما مما يسره من الخير قبل أن يسمعه من غيره أو يعلمه من قبل غيره. وقد روي في ذلك عن قتادة قول قريب المعنى مما قلناه حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {هدى وبشرى للمؤمنين} [البقرة: 97] لأن المؤمن 02P301 إذا سمع القرآن حفظه ورعاه وانتفع به واطمأن إليه وصدق بموعود الله الذي وعد فيه، وكان على يقين من ذلك " 02P300

Section V02/P299–V02/P301

[البقرة: 98] القول في تأويل قوله تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} [البقرة: 98] وهذا خبر من الله جل ثناؤه: {من كان عدوا لله} [البقرة: 98] من عاداه وعادى جميع ملائكته ورسله، وإعلام منه أن من عادى جبريل فقد عاداه وعادى ميكائيل وعادى جميع ملائكته ورسله؛ لأن الذين سماهم الله في هذه الآية هم أولياء الله وأهل طاعته، ومن عادى لله وليا فقد عادى الله وبارزه بالمحاربة، ومن عادى الله فقد عادى جميع أهل طاعته وولايته؛ لأن العدو لله عدو لأوليائه، والعدو لأولياء الله عدو له. فكذلك قال لليهود الذين قالوا: إن جبريل عدونا من الملائكة، وميكائيل ولينا منهم: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} [البقرة: 98] من أجل أن عدو جبريل عدو كل ولي لله. فأخبرهم جل ثناؤه أن من كان عدوا لجبريل فهو لكل من ذكره من ملائكته ورسله وميكال عدو، وكذلك عدو بعض رسل الله عدو لله ولكل ولي وقد حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله يعني العتكي، عن رجل، من قريش، قال: " سأل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود فقال: «أسألكم 02P302 بكتابكم الذي تقرءون هل تجدون به قد بشر بي عيسى ابن مريم أن يأتيكم رسول اسمه أحمد؟ » فقالوا: اللهم وجدناك في كتابنا ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال وتهريق الدماء. فأنزل الله: {من كان عدوا لله وملائكته} [البقرة: 98] الآية " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: إن يهوديا لقي عمر فقال له إن جبريل الذي يذكره صاحبك هو عدو لنا. فقال له عمر: " {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} [البقرة: 98] " قال: فنزلت على لسان عمر وهذا الخبر يدل على أن الله أنزل هذه الآية توبيخا لليهود في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإخبارا منه لهم أن من كان عدوا لمحمد فالله له عدو، وأن عدو محمد من الناس كلهم لمن الكافرين بالله الجاحدين آياته. فإن قال قائل: أوليس جبريل وميكائيل من الملائكة؟ قيل: بلى. فإن قال: فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما، وقد مضى ذكرهما في الآية في جملة أسماء الملائكة؟ قيل: معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما أن اليهود لما قالت: جبريل عدونا وميكائيل ولينا، وزعمت أنها كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم من أجل أن جبريل صاحب محمد صلى الله عليه وسلم، أعلمهم الله أن من كان لجبريل عدوا، فإن الله له عدو، وأنه من 02P303 الكافرين. فنص عليه باسمه، وعلى ميكائيل باسمه، لئلا يقول منهم قائل: إنما قال الله من كان عدوا لله وملائكته ورسله، ولسنا لله ولا لملائكته ورسله أعداء، لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصا وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه. وكذلك قوله: {ورسله} [البقرة: 98] فلست يا محمد داخلا فيهم. فنص الله تعالى على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم ليقطع بذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم، ويحسم تمويههم أمورهم على المنافقين. وأما إظهار اسم الله في قوله: {فإن الله عدو للكافرين} [البقرة: 98] وتكريره فيه. وقد ابتدأ أول الخبر بذكره فقال: {من كان عدوا لله وملائكته} [البقرة: 98] فلئلا يلتبس - لو ظهر ذلك بكناية، فقيل: فإنه عدو للكافرين - على سامعه من المعني بالهاء التي في (فإنه) آلله أم رسل الله جل ثناؤه، أم جبريل، أم ميكائيل؟ إذ لو جاء ذلك بكناية على ما وصفت. فإنه يلتبس معنى ذلك على من لم يوقف على المعنى بذلك لاحتمال الكلام ما وصفت. وقد كان بعض أهل العربية يوجه ذلك إلى نحو قول الشاعر: [+البحر الكامل] ليت الغراب غداة ينعب دائبا كان الغراب مقطع الأوداج 02P304 وأنه إظهار الاسم الذي حظه الكناية عنه.

Section V02/P301

والأمر في ذلك بخلاف ما قال؛ وذلك أن الغراب الثاني لو كان مكنيا عنه لما التبس على أحد يعقل كلام العرب أنه كناية اسم الغراب الأول، إذ كان لا شيء قبله يحتمل الكلام أن يوجه إليه غير كناية اسم الغراب الأول؛ وأن قبل قوله: {فإن الله عدو للكافرين} [البقرة: 98] أسماء لو جاء اسم الله تعالى ذكره مكنيا عنه لم يعلم من المقصود إليه بكناية الاسم إلا بتوقيف من حجة، فلذلك اختلف أمراهما 02P302

Section V02/P301

[البقرة: 99] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون} [البقرة: 99] يعني جل ثناؤه بقوله: {ولقد أنزلنا إليك آيات} [البقرة: 99] أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك. وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله الذي أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم من خفايا علوم اليهود ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم، التي كانت في التوراة، فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه ولم يدعه إلى إهلاكها الحسد والبغي، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وصفت من غير تعلم تعلمه من بشر ولا أخذ شيء منه عن آدمي. وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} [البقرة: 99] يقول: فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله: ففي ذلك لهم عبرة وبيان وعليهم حجة لو كانوا يعلمون " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، مولى ابن عباس، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال ابن صوريا الفطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها. فأنزل الله عز وجل: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون} [البقرة: 99] " 02P306 حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله 02P305 [البقرة: 99] القول في تأويل قوله تعالى: {وما يكفر بها إلا الفاسقون} [البقرة: 99] يعني بقوله جل ثناؤه: {وما يكفر بها إلا الفاسقون} [البقرة: 99] وما يجحد بها وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى الكفر الجحود بما أغنى عن إعادته هاهنا. وكذلك بينا معنى الفسق وأنه الخروج عن الشيء إلى غيره فتأويل الآية: ولقد أنزلنا إليك فيما أوحينا إليك من الكتاب علامات واضحات تبين لعلماء بني إسرائيل وأحبارهم الجاحدين نبوتك والمكذبين رسالتك أنك لي رسول إليهم ونبي مبعوث، وما يجحد تلك الآيات الدالات على صدقك ونبوتك التي أنزلتها إليك في كتابي فيكذب بها منهم، إلا الخارج منهم من دينه، التارك منهم فرائضي عليه في الكتاب الذي تدين بتصديقه. فأما المتمسك منهم بدينه والمتبع منهم حكم كتابه، فإنه بالذي أنزلت إليك من آياتي مصدق. وهم الذين كانوا آمنوا بالله وصدقوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل 02P306

Section V02/P301–V02/P308

[البقرة: 100] القول في تأويل قوله تعالى: {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم 02P307 بل أكثرهم لا يؤمنون} [البقرة: 100] اختلف أهل العربية في حكم الواو التي في قوله: {أوكلما عاهدوا عهدا} [البقرة: 100] فقال بعض نحويي البصريين: هي واو تجعل مع حروف الاستفهام، وهي مثل الفاء في قوله: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم} [البقرة: 87] قال: وهما زائدتان في هذا الوجه، وهي مثل الفاء التي في قوله: فالله لتصنعن كذا وكذا، وكقولك للرجل: أفلا تقوم؛ وإن شئت جعلت الفاء والواو ههنا حرف عطف. وقال بعض نحويي الكوفيين: هي حرف عطف أدخل عليها حرف الاستفهام. والصواب في ذلك عندي من القول أنها واو عطف أدخلت عليها ألف الاستفهام، كأنه قال جل ثناؤه: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا} [البقرة: 93] {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} [البقرة: 100] ثم أدخل ألف الاستفهام على وكلما، فقال: {قالوا سمعنا وعصينا} [البقرة: 93] {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} [البقرة: 100] وقد بينا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله حرف لا معنى له، فأغنى ذلك عن إعادة البيان على فساد قول من زعم أن الواو والفاء من قوله {أوكلما} [البقرة: 100] و {أفكلما} [البقرة: 87] زائدتان لا معنى لهما. وأما العهد: فإنه الميثاق الذي أعطته بنو إسرائيل ربهم ليعملن بها في التوراة مرة بعد أخرى، ثم نقض بعضهم ذلك مرة بعد أخرى. فوبخهم جل ذكره بما كان منهم من ذلك وعير به أبناءهم إذ سلكوا منهاجهم في بعض ما كان جل ذكره أخذ عليهم بالإيمان به من أمر محمد صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق فكفروا وجحدوا ما في التوراة من نعته وصفته، فقال تعالى ذكره: أوكلما عاهد اليهود من بني إسرائيل ربهم عهدا وأوثقوه ميثاقا نبذه فريق منهم فتركه ونقضه؟ كما حدثنا أبو كريب، قال ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " قال مالك بن الصيف حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر لهم ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه: والله ما عهد إلينا في محمد صلى الله عليه وسلم، وما أخذ له علينا ميثاقا. فأنزل الله جل ثناؤه: {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون} [البقرة: 100] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال، حدثني محمد بن أبي محمد، مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس أو عن 02P309 سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله. قال أبو جعفر: وأما النبذ فإن أصله في كلام العرب الطرح، ولذلك قيل للملقوط: المنبوذ؛ لأنه مطروح مرمي به، ومنه سمي النبيذ نبيذا، لأنه زبيب أو تمر يطرح في وعاء ثم يعالج بالماء. وأصله مفعول صرف إلى فعيل، أعني أن النبيذ أصله منبوذ ثم صرف إلى فعيل، فقيل نبيذ كما قيل كف خضيب ولحية دهين، يعني مخضوبة ومدهونة؛ يقال منه: نبذته أنبذه نبذا، كما قال أبو الأسود الدؤلي: [+البحر الطويل] نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا فمعنى قوله جل ذكره: {نبذه فريق منهم} [البقرة: 100] طرحه فريق منهم فتركه ورفضه ونقضه كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {نبذه فريق منهم} [البقرة: 100] يقول: نقضه فريق منهم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " قوله: {نبذه فريق منهم} [البقرة: 100] قال: لم يكن في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه، ويعاهدون اليوم وينقضون غدا " قال: وفي قراءة عبد الله: «نقضه فريق منهم» 02P310 والهاء التي في قوله: {نبذه} [البقرة: 100] من ذكر العهد، فمعناه: أوكلما عاهدوا عهدا نبذ ذلك العهد فريق منهم.

Section V02/P308

والفريق الجماعة لا واحد له من لفظه بمنزلة الجيش والرهط الذي لا واحد له من لفظه. والهاء والميم اللتان في قوله: {فريق منهم} [البقرة: 75] من ذكر اليهود من بني إسرائيل وأما قوله: {بل أكثرهم لا يؤمنون} [البقرة: 100] فإنه يعني جل ثناؤه: بل أكثر هؤلاء الذين كلما عاهدوا الله عهدا وواثقوه موثقا نقضه فريق منهم لا يؤمنون. ولذلك وجهان من التأويل: أحدهما: أن يكون الكلام دلالة على الزيادة والتكثير في عدد المكذبين الناقضين عهد الله على عدد الفريق، فيكون الكلام حينئذ معناه: أوكلما عاهدت اليهود من بني إسرائيل ربها عهدا نقض فريق منهم ذلك العهد؟ لا ما ينقض ذلك فريق منهم، ولكن الذي ينقض ذلك فيكفر بالله أكثرهم لا القليل منهم. فهذا أحد وجهيه. والوجه الآخر: أن يكون معناه: أوكلما عاهدت اليهود ربها عهدا نبذ ذلك العهد فريق منهم؟ لا ما ينبذ ذلك العهد فريق منهم فينقضه على الإيمان منهم بأن ذلك غير جائز لهم، ولكن أكثرهم لا يصدقون بالله ورسله، ولا وعده ووعيده. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على معنى الإيمان وأنه التصديق 02P310

Section V02/P308–V02/P312

[البقرة: 101] القول في تأويل قوله تعالى: {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} [البقرة: 101] يعني جل ثناؤه بقوله: {ولما جاءهم} [البقرة: 89] أحبار اليهود وعلماؤها من بني إسرائيل {رسول} [البقرة: 87] يعني بالرسول محمدا صلى الله عليه وسلم كما حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " في قوله: {ولما جاءهم رسول} [البقرة: 101] قال: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم " وأما قوله: {مصدق لما معهم} [البقرة: 89] فإنه يعني به أن محمدا صلى الله عليه وسلم يصدق التوراة، والتوراة تصدقه في أنه لله نبي مبعوث إلى خلقه. وأما تأويل قوله: {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم} [البقرة: 101] فإنه للذي هو مع اليهود، وهو التوراة. فأخبر الله جل ثناؤه أن اليهود لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بتصديق ما في أيديهم من التوراة أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي الله {نبذ فريق} [البقرة: 101] يعني بذلك أنهم جحدوه ورفضوه بعد أن كانوا به مقرين حسدا منهم له وبغيا عليه وقوله: {من الذين أوتوا الكتاب} [البقرة: 101] وهم علماء اليهود الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة وما فيها ويعني بقوله: {كتاب الله} [البقرة: 101] التوراة. وقوله: {وراء ظهورهم} [البقرة: 101] جعلوه وراء ظهورهم؛ وهذا مثل يقال لكل رافض أمرا 02P312 كان منه على بال: قد جعل فلان هذا الأمر منه بظهر وجعله وراء ظهره، يعني به أعرض عنه وصد وانصرف كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم} [البقرة: 101] قال: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت؛ فذلك قول الله: {كأنهم لا يعلمون} [البقرة: 101] " ومعنى قوله: {كأنهم لا يعلمون} [البقرة: 101] كأن هؤلاء الذين نبذوا كتاب الله من علماء اليهود فنقضوا عهد الله بتركهم العمل بما واثقوا الله على أنفسهم العمل بما فيه لا يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه. وهذا من الله جل ثناؤه إخبار عنهم أنهم جحدوا الحق على علم منهم به ومعرفة، وأنهم عاندوا أمر الله فخالفوا على علم منهم بوجوبه عليهم كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب} [البقرة: 101] يقول: نقض فريق {من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} [البقرة: 101] أي أن القوم كانوا يعلمون. ولكنهم أفسدوا علمهم وجحدوا وكفروا وكتموا " 02P312

Section V02/P312–V02/P313

[البقرة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] يعني بقوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} [البقرة: 102] الفريق من أحبار اليهود وعلمائها الذين وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله على موسى وراء ظهورهم، تجاهلا منهم وكفرا بما هم به عالمون، كأنهم لا يعلمون. فأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابه الذي يعلمون أنه منزل من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقضوا عهده الذي أخذه عليهم في العمل بما فيه، وآثروا السحر الذي تلته الشياطين في ملك سليمان بن داود فاتبعوه؛ وذلك هو الخسار والضلال المبين. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] . فقال بعضهم: عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة، فوجدوا التوراة للقرآن موافقة، تأمره من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه بمثل الذي يأمر به القرآن، فخاصموا بالكتب التي كان الناس اكتتبوها من الكهنة على عهد سليمان ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] على عهد سليمان. قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، 02P314 فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيث أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا. حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، فأدخلوا فيه غيره فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة. فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحدا يذكر أن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف بعد ذلك خلف، تمثل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفرا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان. فقام ناحية، فقالوا له: فادن. قال: لا ولكني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني. فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر. ثم طار فذهب. وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب. فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم خاصموه بها، فذلك حين يقول: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " في قوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] قالوا: إن اليهود سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم زمانا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه فيخصمهم. فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل إلينا منا. وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله جل وعز: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] .

Section V02/P313–V02/P315

وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان، وكان سليمان لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر، وخدعوا به الناس وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه. فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث. فرجعوا من عنده، وقد حزنوا وأدحض الله حجتهم " وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] قال: لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب} [البقرة: 101] الآية. قال: اتبعوا السحر، وهم أهل الكتاب. فقرأ حتى بلغ: {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] " وقال آخرون: بل عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: «تلت الشياطين السحر على اليهود على ملك سليمان فاتبعته اليهود على ملكه؛ يعني اتبعوا السحر على ملك سليمان» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: " عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليه السلام، فكتبوا أصناف السحر: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا، فليفعل كذا وكذا. حتى إذا صنعوا أصناف السحر، جعلوه في كتاب. ثم ختموا عليه بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه، فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: ما كان سليمان بن داود إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس وتعلموه وعلموه، فليس في أحد أكثر منه في يهود. فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نزل عليه من الله سليمان بن داود وعده فيمن عده من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود: ألا تعجبون لمحمد صلى الله عليه وسلم يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا. والله ما كان إلا ساحرا. فأنزل الله في ذلك من قولهم على محمد صلى الله عليه وسلم: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك 02P317 سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] قال: كان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات. فلما رجع الله إلى سليمان ملكه، قام الناس على الدين كما كانوا. وإن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه. وتوفي سليمان حدثان ذلك، فظهرت الجن والإنس على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان أخفاه منا. فأخذوا به فجعلوه دينا، فأنزل الله: {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين} [البقرة: 102] وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله " والصواب من القول في تأويل قوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] أن ذلك توبيخ من الله لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجحدوا نبوته وهم يعلمون أنه لله رسول مرسل، وتأنيب منه لهم في رفضهم تنزيله، وهجرهم العمل به وهو في أيديهم يعلمونه ويعرفون أنه كتاب الله، واتباعهم واتباع أوائلهم وأسلافهم ما تلته الشياطين في عهد سليمان. وقد بينا وجه جواز إضافة أفعال أسلافهم إليهم فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا 02P318 الموضع. وإنما اخترنا هذا التأويل لأن المتبعة ما تلته الشياطين في عهد سليمان وبعده إلى أن بعث الله نبيه بالحق وأمر السحر لم يزل في اليهود، ولا دلالة في الآية أن الله تعالى أراد بقوله: {واتبعوا} [البقرة: 102] بعضا منهم دون بعض ، إذ كان جائزا فصيحا في كلام العرب إضافة ما وصفنا من اتباع أسلاف المخبر عنهم بقوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} [البقرة: 102] إلى أخلافهم بعدهم.

Section V02/P315

ولم يكن بخصوص ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر منقول، ولا حجة تدل عليه، فكان الواجب من القول في ذلك أن يقال: كل متبع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من اليهود داخل في معنى الآية، على النحو الذي قلنا 02P316

Section V02/P315–V02/P320

[البقرة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {ما تتلوا الشياطين} [البقرة: 102] يعني جل ثناؤه بقوله: {ما تتلوا الشياطين} [البقرة: 102] الذي تتلو. فتأويل الكلام إذا: واتبعوا الذي تتلو الشياطين. واختلف في تأويل قوله: {تتلوا} [البقرة: 102] فقال بعضهم: يعني بقوله: {تتلوا} [البقرة: 102] تحدث وتروي وتتكلم به وتخبر، نحو تلاوة الرجل للقرآن وهي قراءته. ووجه قائلو هذا القول تأويلهم ذلك إلى أن الشياطين هي التي علمت الناس السحر وروته لهم ذكر من قال ذلك حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن عمرو، عن مجاهد: " في قول الله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] قال: كانت الشياطين تسمع الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها، فأرسل سليمان إلى ما كتبوا من ذلك فجمعه. فلما توفي سليمان وجدته الشياطين فعلمته الناس؛ وهو السحر " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] من الكهانة والسحر؛ وذكر لنا والله أعلم أن الشياطين ابتدعت كتابا فيه سحر وأمر عظيم، ثم أفشوه في الناس وعلموهم إياه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: " قوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} [البقرة: 102] قال: نراه ما تحدث " حدثني سلم بن جنادة السوائي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «انطلقت الشياطين في الأيام التي ابتلي فيها سليمان، فكتبت فيها كتبا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي 02P320 سليمان، ثم أخرجوها فقرءوها على الناس» وقال آخرون: معنى قوله: {ما تتلوا} [البقرة: 102] ما تتبعه وترويه وتعمل به ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن عمرو العنقزي، قال: حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: " {تتلوا} [البقرة: 102] قال: تتبع " حدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن إبراهيم، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن أبي رزين، مثلهقال أبوجعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عن الذين أخبر عنهم أنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين على عهد سليمان باتباعهم ما تلته الشياطين. ولقول القائل: هو يتلو كذا في كلام العرب معنيان: أحدهما الاتباع، كما يقال: تلوت فلانا إذا مشيت خلفه وتبعت أثره، كما قال جل ثناؤه: {هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت} [يونس: 30] يعني بذلك تتبع. والآخر: القراءة والدراسة، كما تقول: فلان يتلو القرآن، بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه، كما قال حسان بن ثابت: [+البحر الطويل] نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد ولم يخبرنا الله جل ثناؤه بأي معنى التلاوة كانت تلاوة الشياطين الذين تلوا ما تلوه من السحر على عهد سليمان بخبر يقطع العذر. وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة ورواية وعملا، فتكون كانت متبعته بالعمل، ودراسته بالرواية، فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك وعملت به وروته 02P321 [البقرة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {على ملك سليمان} [البقرة: 102] يعني بقوله جل ثناؤه: {على ملك سليمان} [البقرة: 102] في ملك سليمان؛ وذلك أن العرب تضع في موضع على وعلى في موضع في، من ذلك قول الله جل ثناؤه: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: 71] يعني به: على جذوع النخل، وكما قال: فعلت كذا في عهد كذا وعلى عهد كذا، بمعنى واحد. وبما قلنا من ذلك كان ابن جريج وابن إسحاق يقولان في تأويله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، قال قال ابن جريج: " {على ملك سليمان} [البقرة: 102] يقول: في ملك سليمان " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: " في قوله: {على ملك سليمان} [البقرة: 102] أي في ملك سليمان " 02P321

Section V02/P320–V02/P323

[البقرة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] إن قال لنا قائل: وما هذا الكلام من قوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] ولا خبر معنا قبل عن أحد أنه أضاف الكفر إلى سليمان، بل إنما ذكر اتباع من اتبع من اليهود ما تلته الشياطين؟ فما وجه نفي الكفر عن سليمان بعقب الخبر عن اتباع من اتبعت الشياطين في العمل بالسحر وروايته من اليهود؟ قيل: وجه ذلك أن الذين أضاف الله جل ثناؤه إليهم اتباع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من السحر والكفر من اليهود، نسبوا ما أضافه الله تعالى ذكره إلى الشياطين من ذلك إلى سليمان بن داود، وزعموا أن ذلك كان من علمه وروايته، وأنه إنما كان يستعبد من يستعبد من الإنس والجن والشياطين وسائر خلق الله بالسحر. فحسنوا بذلك، من ركوبهم ما حرم الله عليهم من السحر، أنفسهم عند من كان جاهلا بأمر الله ونهيه، وعند من كان لا علم له بما أنزل الله في ذلك من التوراة، وتبرأ، بإضافة ذلك إلى سليمان، من سليمان، وهو نبي الله صلى الله عليه وسلم منهم، بشر، وأنكروا أن يكون كان لله رسولا، وقالوا: بل كان ساحرا. فبرأ الله سليمان بن داود من السحر والكفر عند من كان منهم ينسبه إلى السحر والكفر لأسباب ادعوها عليه قد ذكرنا بعضها، وسنذكر باقي ما حضرنا ذكره منها. وأكذب الآخرين الذين كانوا يعملون بالسحر، متزينين عند أهل الجهل في عملهم ذلك بأن سليمان كان يعمله. فنفى الله عن سليمان عليه السلام أن يكون كان ساحرا أو كافرا، وأعلمهم أنهم إنما اتبعوا في عملهم السحر ما تلته الشياطين في عهد سليمان، دون ما كان سليمان يأمرهم من طاعة الله واتباع ما أمرهم به في كتابه الذي أنزله على موسى صلوات الله عليه ذكر الدلائل على صحة ما قلنا من الأخبار والآثار حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: " كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر، فيأخذه فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته. فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدنت إلى الإنس، فقالوا لهم: أتريدون العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه. فاستثارته الإنس فاستخرجوه فعملوا به. فقال أهل الحجاز: كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر، فأنزل الله جل ثناؤه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم براءة سليمان، فقال: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] الآية، فأنزل الله براءة سليمان على لسان نبيه عليهما السلام " حدثني أبو السائب السوائي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " كان الذي أصاب سليمان بن داود في سبب أناس من أهل امرأة يقال لها: جرادة، وكانت من أكرم نسائه عليه، قال: فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدا. قال: وكان سليمان بن داود إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئا من نسائه أعطى الجرادة خاتمه. فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي. فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس. قال: فجاءها سليمان فقال: هاتي خاتمي. فقالت: كذبت، لست بسليمان. قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبا فيها سحر وكفر ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها فقرءوها على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب.

Section V02/P323

قال: فبرئ الناس من سليمان وأكفروه، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل جل ثناؤه: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] ، يعني الذي كتب الشياطين من السحر والكفر، {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] ، فأنزل الله جل وعز وعذره " حدثني محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: " أخذ سليمان من كل دابة عهدا، 02P325 فإذا أصيب رجل فسئل بذلك العهد خلي عنه، فرأى الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا كان يعمل به سليمان؛ فقال الله جل ثناؤه: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] " حدثنا أبو حميد، قال: ثنا جرير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران بن الحارث، قال: بينا نحن عند ابن عباس إذ جاءه رجل، فقال له ابن عباس: من أين جئت؟ قال: من العراق، قال: من أيه؟ قال: من الكوفة. قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون عليا خارج إليهم. ففزع فقال: ما تقول لا أبا لك. لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني أحدثكم من ذلك أنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء فيأتي أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا حدث منه صدق كذب معها سبعين كذبة، قال: فيشربها قلوب الناس؛ فأطلع الله عليها سليمان فدفنها تحت كرسيه. فلما توفي سليمان بن داود قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز مثله؟ 02P326 تحت الكرسي. فأخرجوه، فقالوا: هذا سحر. فتناسخها الأمم، حتى بقاياهم ما يتحدث به أهل العراق. فأنزل الله عذر سليمان: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " ذكر لنا، والله أعلم: أن الشياطين ابتدعت كتابا فيه سحر وأمر عظيم، ثم أفشوه في الناس وأعلموهم إياه. فلما سمع بذلك سليمان نبي الله صلى الله عليه وسلم تتبع تلك الكتب، فأتى بها فدفنها تحت كرسيه كراهية أن يتعلمها الناس. فلما قبض الله نبيه سليمان عمدت الشياطين فاستخرجوها من مكانها الذي كانت فيه فعلموها الناس، فأخبروهم أن هذا علم كان يكتمه سليمان ويستأثر به، فعذر الله نبيه سليمان وبرأه من ذلك، فقال جل ثناؤه: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: " كتبت الشياطين كتبا فيها سحر وشرك، ثم دفنت تلك الكتب تحت كرسي سليمان. فلما مات سليمان استخرج الناس تلك الكتب، فقالوا: هذا علم كتمناه سليمان. فقال الله جل وعز: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] " حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، ثنا حجاج قال: عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] قال: كانت الشياطين تستمع الوحي من السماء، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مثلها. وإن سليمان أخذ ما كتبوا من ذلك فدفنه تحت كرسيه؛ فلما توفي وجدته الشياطين فعلمته الناس " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن شهر بن حوشب، قال: " لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان، فكتبت: من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا، ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا. فكتبته وجعلت عنوانه: «هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم» ثم دفنته تحت كرسيه. فلما مات سليمان قام إبليس خطيبا، فقال: يا أيها الناس إن سليمان لم يكن نبيا، وإنما كان ساحرا، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه، فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرا، هذا سحره، بهذا تعبدنا، وبهذا قهرنا.

Section V02/P323

فقال المؤمنون: بل كان نبيا مؤمنا، فلما بعث الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم جعل يذكر الأنبياء حتى ذكر داود وسليمان، فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، وإنما كان ساحرا يركب الريح. فأنزل الله عذر سليمان: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] الآية " حدثنا ابن حميد ، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق: " {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لما ذكر سليمان بن داود في المرسلين، قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد يزعم أن ابن داود كان نبيا، والله ما كان إلا ساحرا. فأنزل الله في ذلك من قولهم: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] أي باتباعهم السحر وعملهم به {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] " قال أبو جعفر: فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، وتأويل قوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] ما ذكرنا؛ فتبين أن في الكلام متروكا ترك ذكره اكتفاء بما ذكر منه، وأن معنى الكلام: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} [البقرة: 102] من السحر {على ملك سليمان} [البقرة: 102] فتضيفه إلى سليمان {وما كفر سليمان} [البقرة: 102] فيعمل بالسحر {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] . وقد كان قتادة يتأول قوله: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] على ما قلنا حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن 02P329 قتادة، قوله: " {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] يقول: ما كان عن مشورته، ولا عن رضا منه؛ ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه " وقد دللنا فيما مضى على اختلاف المختلفين في معنى تتلو وتوجيه من وجه ذلك إلى أن تتلوا بمعنى تلت، إذ كان الذي قبله خبرا ماضيا وهو قوله: {واتبعوا} [البقرة: 102] وتوجيه الذين وجهوا ذلك إلى خلاف ذلك. وبينا فيه وفي نظيره الصواب من القول، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. وأما معنى قوله: {ما تتلوا} [البقرة: 102] فإنه بمعنى الذي تتلو وهو السحر حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] أي السحر " قال أبو جعفر: ولعل قائلا أن يقول: أوما كان السحر إلا أيام سليمان؟ قيل له: بلى قد كان ذلك قبل ذلك، وقد أخبر الله عن سحرة فرعون ما أخبر عنهم، وقد كانوا قبل سليمان، وأخبر عن قوم نوح أنهم قالوا لنوح إنه ساحر؛ قال: فكيف أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا ما تلته الشياطين على عهد 02P330 سليمان؟ قيل: لأنهم أضافوا ذلك إلى سليمان على ما قد قدمنا البيان عنه، فأراد الله تعالى ذكره تبرئة سليمان مما نحلوه وأضافوا إليه مما كانوا وجدوه، إما في خزائنه وإما تحت كرسيه، على ما جاءت به الآثار التي قد ذكرناها من ذلك. فحصر الخبر عما كانت اليهود اتبعته فيما تلته الشياطين أيام سليمان دون غيره لذلك السبب. وإن كان الشياطين قد كانت تالية للسحر والكفر قبل ذلك 02P329

Section V02/P323–V02/P332

[البقرة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] اختلف أهل العلم في تأويل ما التي في قوله: {وما أنزل على الملكين} [البقرة: 102] فقال بعضهم: معناه الجحد وهي بمعنى لم ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " قوله: {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] فإنه يقول: لم ينزل الله السحر " حدثنا ابن حميد، قال: حدثني حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: " {وما أنزل على الملكين} [البقرة: 102] قال: ما أنزل الله عليهما السحر " فتأويل الآية على هذا المعنى الذي ذكرناه عن ابن عباس والربيع من توجيههما معنى قوله: {وما أنزل على الملكين} [البقرة: 102] إلى: ولم ينزل على الملكين، واتبعوا الذي تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] ببابل هاروت وماروت، فيكون حينئذ قوله: {ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] من المؤخر الذي معناه التقديم. فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. فيكون معنيا بالملكين: جبريل وميكائيل؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود. فأكذبها الله بذلك وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر قط، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت؛ فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة على الناس وردا عليهم. وقال آخرون: بل تأويل ما التي في قوله: {وما أنزل على الملكين} [البقرة: 102] الذي ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال معمر، قال قتادة والزهري، عن عبد الله: " {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] كانا ملكين من الملائكة فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من أحكام بني آدم، قال: فحاكمت إليهما امرأة فحافا لها، ثم ذهبا يصعدان، فحيل بينهما وبين ذلك وخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب 02P333 الدنيا " قال معمر: قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " أما قوله: {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] فهذا سحر آخر خاصموه به أيضا؛ يقول: خاصموه بما أنزل على الملكين، وإن كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الإنس فصنع وعمل به كان سحرا " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] فالسحر سحران: سحر تعلمه الشياطين، وسحر يعلمه هاروت وماروت " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " قوله: {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] قال: التفريق بين المرء وزوجه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين} [البقرة: 102] فقرأ حتى بلغ: {فلا تكفر} [البقرة: 102] قال: الشياطين والملكان يعلمون الناس 02P334 السحر " قال أبو جعفر: فمعنى الآية على تأويل هذا القول الذي ذكرنا عمن ذكرناه عنه: واتبعت اليهود الذي تلت الشياطين في ملك سليمان الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت. وهما ملكان من ملائكة الله، سنذكر ما روي من الأخبار في شأنهما إن شاء الله تعالى.

Section V02/P332–V02/P336

وقالوا: إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن ينزل الله السحر، أم هل يجوز لملائكته أن تعلمه الناس؟ قلنا له: إن الله عز وجل قد أنزل الخير والشر كله، وبين جميع ذلك لعباده، فأوحاه إلى رسله وأمرهم بتعليم خلقه وتعريفهم ما يحل لهم مما يحرم عليهم؛ وذلك كالزنا والسرقة وسائر المعاصي التي عرفهموها ونهاهم عن ركوبها، فالسحر أحد تلك المعاصي التي أخبرهم بها ونهاهم عن العمل بها. قالوا: ليس في العلم بالسحر إثم، كما لا إثم في العلم بصنعة الخمر ونحت الأصنام والطنابير والملاعب، وإنما الإثم في عمله وتسويته. 02P335 قالوا: وكذلك لا إثم في العلم بالسحر، وإنما الإثم في العمل به وأن يضر به من لا يحل ضره به. قالوا: فليس في إنزال الله إياه على الملكين ولا في تعليم الملكين من علماه من الناس إثم إذا كان تعليمهما من علماه ذلك بإذن الله لهما بتعليمه بعد أن يخبراه بأنهما فتنة وينهاه عن السحر والعمل به والكفر؛ وإنما الإثم على من يتعلمه منهما ويعمل به، إذ كان الله تعالى ذكره قد نهاه عن تعلمه والعمل به. قالوا: ولو كان الله أباح لبني آدم أن يتعلموا ذلك، لم يكن من تعلمه حرجا، كما لم يكونا حرجين لعلمهما به، إذ كان علمهما بذلك عن تنزيل الله إليهما. وقال آخرون: معنى ما معنى الذي، وهي عطف على ما الأولى، غير أن الأولى في معنى السحر والآخرة في معنى التفريق بين المرء وزوجه. فتأويل الآية على هذا القول: واتبعوا السحر الذي تتلو الشياطين في ملك سليمان، والتفريق الذي بين المرء وزوجه الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] وهما يعلمان ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وذلك قول الله جل ثناؤه: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] وكان يقول: أما السحر فإنما يعلمه الشياطين، وأما الذي يعلم الملكان فالتفريق بين المرء وزوجه، كما قال الله تعالى " وقال آخرون: جائز أن تكون ما بمعنى الذي، وجائز أن تكون ما بمعنى لم ذكر من قال ذلك حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسأله، رجل عن قول الله، {يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] فقال الرجل: " يعلمان الناس ما أنزل عليهما، أم يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ قال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا بشر بن عياض، عن بعض أصحابه، أن القاسم بن محمد: " سئل عن قول الله تعالى ذكره: {وما أنزل على الملكين} [البقرة: 102] فقيل له: أنزل أو لم ينزل؟ فقال: لا أبالي أي ذلك كان، إلا أني آمنت به " والصواب من القول في ذلك عندي قول من وجه ما التي في قوله: {وما أنزل على الملكين} [البقرة: 102] إلى معنى الذي دون معنى ما التي هي بمعنى الجحد. وإنما اخترت ذلك من أجل أن ما إن وجهت إلى معنى الجحد، فتنفي عن الملكين أن يكونا منزلا إليهما. ولم يخل الاسمان اللذان بعدهما أعني هاروت وماروت من أن يكونا بدلا منهما وترجمة عنهما، أو بدلا من الناس في قوله: {يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] وترجمة عنهما. فإن جعلا بدلا من الملكين وترجمة عنهما بطل معنى قوله: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} [البقرة: 102] لأنهما إذا لم يكونا عالمين بما يفرق به بين المرء وزوجه، فما الذي يتعلم منهما من يفرق بين المرء وزوجه؟

Section V02/P336–V02/P339

وبعد، فإن ما التي في قوله: {وما أنزل على الملكين} [البقرة: 102] إن كانت في معنى الجحد عطفا على قوله: {وما كفر سليمان} [البقرة: 102] فإن الله جل ثناؤه نفى بقوله: {وما كفر سليمان} [البقرة: 102] عن سليمان أن يكون السحر من عمله، أو من علمه أو تعليمه. فإن كان الذي نفى عن الملكين من ذلك نظير الذي نفى عن سليمان منه، وهاروت وماروت هما الملكان، فمن المتعلم منه إذا ما يفرق به بين المرء وزوجه؟ وعمن الخبر الذي أخبر عنه بقوله: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة: 102] إن خطأ هذا القول لواضح بين. وإن كان قوله «هاروت وماروت» ترجمة من الناس الذين في قوله: {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] فقد وجب أن تكون الشياطين هي التي تعلم هاروت وماروت السحر، وتكون السحرة إنما تعلمت السحر من هاروت وماروت عن تعليم الشياطين إياهما. فإن يكن ذلك كذلك، فلن يخلو هاروت وماروت عند قائل هذه المقالة من أحد أمرين: إما أن يكونا ملكين، فإن كانا عنده ملكين فقد أوجب لهما من الكفر بالله والمعصية له بنسبته إياهما إلى أنهما يتعلمان من الشياطين السحر ويعلمانه الناس، وإصرارهما على ذلك ومقامهما عليه أعظم مما ذكر عنهما أنهما أتياه من المعصية التي استحقا عليها العقاب، وفي خبر الله عز وجل عنهما أنهما لا يعلمان أحدا ما يتعلم منهما حتى يقولا: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة: 102] ما يغني عن الإكثار في الدلالة على خطأ هذا القول، أو أن يكونا رجلين من بني آدم؛ فإن يكن ذلك كذلك فقد كان يجب أن يكون بهلاكهما قد ارتفع السحر والعلم به والعمل من بني آدم؛ لأنه إذا كان علم ذلك من قبلهما يؤخذ ومنهما يتعلم، فالواجب أن يكون بهلاكهما وعدم وجودهما عدم السبيل إلى الوصول إلى المعنى الذي كان لا يوصل إليه إلا بهما؛ وفي وجود السحر في كل زمان ووقت أبين الدلالة على فساد هذا القول. وقد يزعم قائل ذلك أنهما رجلان من بني آدم، لم يعدما من الأرض منذ خلقت، ولا يعدمان بعد ما وجد السحر في الناس. فيدعي ما لا يخفى بطوله. فإذا فسدت هذه الوجوه التي دللنا على فسادها، فبين أن معنى: {ما} [البقرة: 102] التي في قوله: {وما أنزل على الملكين} [البقرة: 102] بمعنى الذي، وأن هاروت وماروت مترجم بهما عن الملكين؛ ولذلك فتحت أواخر أسمائهما، لأنهما في موضع خفض على الرد على الملكين، ولكنهما لما كانا لا يجران فتحت أواخر أسمائهما. فإن التبس على ذي غباء ما قلنا، فقال: وكيف يجوز لملائكة الله أن تعلم الناس التفريق بين المرء وزوجه؟ أم كيف يجوز أن يضاف إلى الله تبارك وتعالى إنزال ذلك على الملائكة؟ قيل له: إن الله جل ثناؤه عرف عباده جميع ما أمرهم به وجميع ما نهاهم عنه، ثم أمرهم ونهاهم بعد العلم منهم بما يؤمرون به وينهون عنه. ولو كان الأمر على غير ذلك، لما كان للأمر والنهي معنى مفهوم؛ فالسحر مما قد نهى عباده من بني آدم عنه، فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علمه الملكين اللذين سماهما في تنزيله وجعلهما فتنة لعباده من بني آدم كما أخبر عنهما أنهما يقولان لمن يتعلم ذلك منهما: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة: 102] ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن التفريق بين المرء وزوجه وعن السحر، فيمحص المؤمن بتركه التعلم منهما، ويخزي الكافر بتعلمه السحر والكفر منهما، ويكون الملكان في تعليمهما من علما ذلك لله مطيعين، إذ كانا عن إذن الله لهما بتعليم ذلك من علماه يعلمان.

Section V02/P339–V02/P340

وقد عبد من دون الله جماعة من أولياء الله، فلم يكن ذلك لهم ضائرا إذ لم يكن ذلك بأمرهم إياهم به، بل عبد بعضهم والمعبود عنه ناه، فكذلك الملكان غير ضائرهما سحر من سحر ممن تعلم ذلك منهما بعد نهيهما إياه عنه وعظتهما له بقولهما: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} [البقرة: 102] إذ كانا قد أديا ما أمر به بقيلهما ذلك كما حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عوف، عن الحسن: " في قوله: {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] إلى قوله: {فلا تكفر} [البقرة: 102] أخذ عليهما ذلك " ذكر بعض الأخبار التي في بيان الملكين، ومن قال إن هاروت وماروت هما الملكان اللذان ذكر الله جل ثناؤه في قوله: {ببابل} [البقرة: 102] حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، قال: ثنا أبو شعبة العدوي، في جنازة يونس بن جبير أبي غلاب، عن ابن عباس، قال: " إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون الخطايا، قالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء، يعملون بالخطايا قال: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا، قال: فأمروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض. قال: فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وأحل لهما ما فيها من شيء غير أن لا يشركا بالله شيئا ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق. قال: فما استمرا حتى عرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن يقال لها بيذخت، فلما أبصراها أرادا بها زنا، فقالت: لا إلا أن تشركا بالله وتشربا الخمر وتقتلا النفس وتسجدا لهذا الصنم. فقالا: ما كنا لنشرك بالله شيئا. فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا إلا أن تشربا الخمر. فشربا حتى ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه. فلما وقعا فيه من الشر، أفرج الله 02P342 السماء لملائكته، فقالوا: سبحانك كنت أعلم. قال: فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البخت وجعلا ببابل " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حجاج، عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما، قالا: " لما كثر بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والسماء والجبال: ربنا ألا تهلكهم؟ فأوحى الله إلى الملائكة: إني لو أنزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم ونزلتم لفعلتم أيضا. قال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا. فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس، وكان أهل فارس يسمونها بيذخت قال: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا. {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا} [غافر: 7] . فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض: {ألا إن الله هو الغفور الرحيم} [الشورى: 5] فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا 02P343 عذاب الدنيا " حدثني المثنى، قال: حدثني الحجاج، قال: ثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمرو بن سعيد، قال سمعت عليا، يقول: «كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت فراوداها عن نفسها، فأبت إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به يعرج به إلى السماء.

Section V02/P340–V02/P345

فعلماها فتكلمت فعرجت إلى السماء فمسخت كوكبا» حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا مؤمل بن إسماعيل، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، جميعا، عن الثوري، عن محمد بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب، قال: " ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين وقال الحسن بن يحيى في حديثه: اختاروا ملكين فاختاروا هاروت وماروت، فقيل لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلا، وليس بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئا، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر " قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه إلى الأرض، 02P344 حتى استكملا جميع ما نهيا عنه. وقال الحسن بن يحيى في حديثه: فما استكملا يومهما الذي أنزلا فيه حتى عملا ما حرم الله عليهما حدثني المثنى، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، قال: حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار: " أنه حدث أن الملائكة أنكروا أعمال بني آدم وما يأتون في الأرض من المعاصي، فقال الله لهم: إنكم لو كنتم مكانهم أتيتم ما يأتون من الذنوب، فاختاروا منكم ملكين. فاختاروا هاروت وماروت، فقال الله لهما: إني أرسل رسلي إلى الناس، وليس بيني وبينكما رسول، انزلا إلى الأرض، ولا تشركا بي شيئا، ولا تزنيا. فقال كعب: والذي نفس كعب بيده ما استكملا يومهما الذي نزلا فيه حتى أتيا ما حرم الله عليهما " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " أنه كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم، فقيل لهما: إني أعطيت ابن آدم عشرا من الشهوات فبها يعصونني. قال هاروت وماروت: ربنا لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل. فقال لهما: انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر فاحكما بين الناس. فنزلا ببابل دنباوند، فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا، فإذا أصبحا هبطا. فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما حسنها واسمها بالعربية الزهرة، وبالنبطية بيذخت، واسمها بالفارسية أناهيذ، فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني. فقال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر: هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم، ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا نرجو رحمة الله. فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فقضيا لها على زوجها. ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذي يواقعها، قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء؟ وبأي كلام تنزلان منها؟ فأخبراها فتكلمت فصعدت. فأنساها الله ما تنزل به فبقيت مكانها، وجعلها الله كوكبا فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها وقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يستطيعا فعرفا الهلك، فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا من عذاب الآخرة، فعلقا ببابل فجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا إسحاق، قال، ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " لما وقع الناس من بعد آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: أي رب، هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، وقد ركبوا الكفر، وقتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر. فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم. فقيل لهم: إنهم في غيب، فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري وأنهاهما عن معصيتي. فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وجعل بهما شهوات بني آدم، وأمرا أن يعبدا الله ولا يشركا به شيئا، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة والزنا وشرب الخمر. فلبثا على ذلك في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمان إدريس، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكوكب.

Questions