Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V16/P598–V16/P599

[الحج: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} [الحج : 48] يقول تعالى ذكره: {وكأين من قرية أمليت لها} [الحج: 48] يقول: أمهلتهم، وأخرت عذابهم، وهم بالله مشركون، ولأمره مخالفون وذلك كان ظلمهم الذي وصفهم الله به جل ثناؤه فلم أعجل بعذابهم. {ثم أخذتها} [الحج: 48] يقول: ثم أخذتها بالعذاب، فعذبتها في الدنيا بإحلال عقوبتنا بهم. {وإلي المصير} [الحج: 48] يقول: وإلي مصيرهم أيضا بعد هلاكهم، فيلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له؛ يقول تعالى ذكره: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب من مشركي قومك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم التي أجلتها لهم، فإني آخذهم بالعذاب، فقاتلهم بالسيف، ثم إلي مصيرهم بعد ذلك ، فموجعهم إذن عقوبة على ما قدموا من آثامهم 16P599

Section V16/P599–V16/P601

[الحج: 49_40_51] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم} [الحج: 49_40_51] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يجادلونك في الله بغير علم، اتباعا منهم لكل شيطان مريد: {يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين} [الحج: 49] أنذركم عقاب الله أن ينزل بكم في الدنيا، وعذابه في الآخرة أن تصلوه {مبين} [البقرة: 168] يقول: أبين لكم إنذاري ذلك، وأظهره، لتنيبوا من شرككم، وتحذروا ما أنذركم من ذلك، لا أملك لكم غير ذلك، فأما تعجيل العقاب، وتأخيره الذي تستعجلونني به فإلى الله، ليس ذلك إلي، ولا أقدر عليه. ثم وصف نذارته، وبشارته، ولم يجر للبشارة ذكر، ولما ذكرت النذارة على عمل، علم أن البشارة على خلافه، فقال: {فالذين آمنوا} [الأعراف: 157] بالله ورسوله {وعملوا الصالحات} [البقرة: 25] منكم أيها الناس ومن غيركم. {لهم مغفرة} [المائدة: 9] يقول: لهم من الله ستر ذنوبهم التي سلفت منهم في الدنيا عليهم في الآخرة. {ورزق كريم} [الأنفال: 4] يقول: ورزق حسن في الجنة؛ كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج، قوله: {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم} [الحج: 50] قال: «الجنة» وقوله: {والذين سعوا في آياتنا معاجزين} [الحج: 51] يقول : والذين عملوا في حججنا، فصدوا عن اتباع رسولنا، والإقرار بكتابنا الذي أنزلناه. وقال {في آياتنا} [الأنعام: 68] فأدخلت فيه (في) كما يقال: سعى فلان في أمر فلان. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {معاجزين} [الحج: 51] فقال بعضهم: معناه: مشاقين ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن عثمان بن 16P601 عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، أنه قرأها: { «معاجزين» } [الحج: 51] في كل القرآن، يعني بألف، وقال: «مشاقين» وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم ظنوا أنهم يعجزون الله، فلا يقدر عليهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {في آياتنا معاجزين} [الحج: 51] قال: «كذبوا بآيات الله فظنوا أنهم يعجزون الله، ولن يعجزوه» حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. وهذان الوجهان من التأويل في ذلك على قراءة من قرأه: { «في آياتنا معاجزين» } [الحج: 51] بالألف، وهي قراءة عامة قراء المدينة والكوفة. وأما بعض قراء أهل مكة والبصرة فإنه قرأه: (معجزين) بتشديد الجيم، بغير ألف، بمعنى أنهم عجزوا الناس، وثبطوهم عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان بالقرآن ذكر من قال ذلك كذلك من قراءته حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {معاجزين} [الحج: 51] قال: «مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم» 16P602 حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، متقاربتا المعنى؛ وذلك أن من عجز عن آيات الله، فقد عاجز الله، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله، والعمل بمعاصيه، وخلاف أمره. وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فيهم أنهم كانوا يبطئون الناس عن الإيمان بالله، واتباع رسوله، ويغالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحسبون أنهم يعجزونه، ويغلبونه، وقد ضمن الله له نصره عليهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك. وأما المعاجزة فإنها المفاعلة، من العجز، ومعناه: مغالبة اثنين أحدهما صاحبه، أيهما يعجزه فيغلبه الآخر ويقهره.

Section V16/P601

وأما التعجيز: فإنه التضعيف، وهو التفعيل من العجز وقوله: {أولئك أصحاب الجحيم} [المائدة: 10] يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان جهنم يوم القيامة، وأهلها الذين هم أهلها 16P602

Section V16/P601–V16/P602

[الحج: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} [الحج: 52] قيل: إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الشيطان كان ألقى على لسانه في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن ما لم 16P603 ينزله الله عليه، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واغتم به، فسلاه الله مما به من ذلك بهذه الآيات ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، قالا: " جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى} [النجم: 2]، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا بلغ: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19] ألقى عليه الشيطان كلمتين: «تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترجى» ، فتكلم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود. فرضوا بما تكلم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذ جعلت لها نصيبا، فنحن معك قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل عليهما السلام، فعرض عليه السورة؛ فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل: " فأوحى الله إليه: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك، لتفتري علينا غيره} [الإسراء: 73] . إلى قوله: {ثم لا تجد لك علينا 16P604 نصيرا} [الإسراء: 75] . فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} [الحج: 52] . قال: فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا: هم أحب إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي، قال: " لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولي قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه. وكان يسره، مع حبه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم، حين حدث بذلك نفسه وتمنى وأحبه، فأنزل الله: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى} [النجم: 2] فلما انتهى إلى قول الله: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 19]، ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه: «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتضى» . فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطإ، ولا وهم ولا زلل. فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة، سجد فيها. فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به واتباعا لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن 16P605 ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها.

Section V16/P602–V16/P606

ثم تفرق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتخلف آخرون. وأتى جبرائيل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يقل لك فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، وخاف من الله خوفا كبيرا، فأنزل الله تبارك وتعالى عليه وكان به رحيما يعزيه ويخفض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبي تمنى كما تمنى ولا أحب كما أحب إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم، فنسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم آياته، أي: فأنت كبعض الأنبياء والرسل؛ فأنزل الله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] . الآية. فأذهب الله عن نبيه الحزن، وأمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم أنها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، إلى قوله: {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} أي: فكيف تمنع شفاعة آلهتكم عنده. فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه قالت قريش: ندم محمد على ما كان من منزلة آلهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فم كل مشرك، فازدادوا شرا إلى ما كانوا 16P606 عليه " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن أبي العالية، قال: " قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما جلساؤك عبد بني فلان، ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشراف العرب، فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك قال: فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الآية: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 20]، قال: فأجرى الشيطان على لسانه. «تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا ينسى» . قال: فسجد النبي حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون. فلما علم الذي أجري على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله. {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] . إلى قوله: {والله عليم حكيم} [الحج: 52] " حدثنا ابن المثنى قال: ثنا أبو الوليد قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: " قالت قريش: يا محمد، إنما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس، فلو ذكرت آلهتنا بخير لجالسناك فإن الناس يأتونك من الآفاق فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم؛ فلما انتهى على هذه الآية {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 20] ، فألقى الشيطان على لسانه: «وهي الغرانقة العلى، وشفاعتهن ترتجى» . فلما فرغ منها سجد رسول الله والمسلمون والمشركون، إلا أبا أحيحة سعيد بن العاص، أخذ كفا من تراب وسجد عليه؛ وقال: قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير، حتى بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن قريشا قد أسلمت، فاشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله.

Section V16/P606–V16/P608

{وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} [الحج: 52] إلى آخر الآية " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير، قال: " لما نزلت هذه الآية: {أفرأيتم اللات والعزى} [النجم: 19] قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» . فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال المشركون: إنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير فسجد المشركون معه، فأنزل الله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] . إلى قوله: {عذاب يوم عقيم} [الحج: 55] " حدثنا ابن المثنى قال: ثني عبد الصمد قال: ثنا شعبة قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: {أفرأيتم اللات والعزى} [النجم: 19] ، ثم ذكر نحوه حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] إلى قوله: {والله عليم حكيم} [الحج: 52] " وذلك أن نبي 16P608 الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي، إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها؛ فسمعه المشركون فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير فدنوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 20] ألقى الشيطان: «إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى» . فجعل يتلوها، فنزل جبرائيل عليه السلام فنسخها، ثم قال له: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] . إلى قوله: {والله عليم حكيم} [الحج: 52] " حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} [الحج: 52] الآية؛ " أن نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزى، ويكثر ترديدها. فسمع أهل مكة نبي الله يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى» . فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، فأنزل الله عليه: {وما أرسلنا من قبلك من رسول} [الأنبياء: 25] . إلى: {والله عليم حكيم} [الحج: 52] " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، " أنه سئل عن قوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} [الحج: 52] . الآية ، قال ابن شهاب: ثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قرأ 16P609 عليهم: {والنجم إذا هوى} [النجم: 1] ، فلما بلغ: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 20] قال: «إن شفاعتهن ترتجى» . وسها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض، فسلموا عليه، وفرحوا بذلك، فقال لهم: «إنما ذلك من الشيطان» . فأنزل الله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} [الحج: 52] . حتى بلغ: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} [الحج: 52] " فتأويل الكلام: ولم يرسل يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم ولا نبي محدث ليس بمرسل، إلا إذا تمنى واختلف أهل التأويل في معنى قوله {تمنى} [الحج: 52] في هذا الموضع، وقد ذكرت قول جماعة ممن قال: ذلك التمني من النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثته نفسه من محبته مقاربة قومه في ذكر آلهتهم ببعض ما يحبون، ومن قال: ذلك محبة منه في بعض الأحوال أن لا تذكر بسوء.

Section V16/P608–V16/P611

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا قرأ وتلا أو حدث ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] يقول: «إذا حدث ألقى الشيطان في 16P610 حديثه» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إذا تمنى} [الحج: 52] قال: «إذا قال» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك، يقول في قوله: {إلا إذا تمنى} [الحج: 52] " يعني بالتمني: التلاوة والقراءة " وهذا القول أشبه بتأويل الكلام، بدلالة قوله: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته} [الحج: 52] على ذلك؛ لأن الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه أنه يحكمها، لا شك أنها آيات تنزيله، فمعلوم أن الذي ألقى فيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالى ذكره أنه نسخ ذلك منه وأبطله ثم أحكمه بنسخه ذلك منهفتأويل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله، وقرأ، أو حدث وتكلم، ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه أو في حديثه الذي حدث وتكلم. يقول تعالى: فيذهب الله ما يلقي الشيطان من ذلك على لسان نبيه ويبطله كما: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} [الحج: 52] «فيبطل الله ما ألقى الشيطان» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} [الحج: 52] «نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وأحكم الله آياته» وقوله: {ثم يحكم الله آياته} [الحج: 52] يقول: ثم يخلص الله آيات كتابه من الباطل الذي ألقى الشيطان على لسان نبيه. {والله عليم} [البقرة: 95] بما يحدث في خلقه من حدث، لا يخفى عليه منه شيء. {حكيم} [البقرة: 209] في تدبيره إياهم وصرفه لهم فيما شاء وأحب 16P611

Section V16/P611–V16/P613

[الحج: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} [الحج: 53] يقول تعالى ذكره: فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته، كي يجعل ما يلقي الشيطان في أمنية نبيه من الباطل، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» . {فتنة} [البقرة: 102] يقول: اختبارا يختبر به الذين في قلوبهم مرض من النفاق؛ وذلك الشك في صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحقيقة ما 16P612 يخبرهم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين، فألقى الشيطان في أمنيته، فقال: «إن الآلهة التي تدعي أن شفاعتها لترتجى وإنها للغرانيق العلى» . فنسخ الله ذلك، وأحكم الله آياته: {أفرأيتم اللات والعزى} [النجم: 19] حتى بلغ: {من سلطان} [الأعراف: 71] قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى قال المشركون: قد ذكر الله آلهتهم بخير ففرحوا بذلك، فذكر قوله: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض} [الحج: 53] " حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، بنحوه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض} [الحج: 53] يقول: «وللذين قست قلوبهم عن الإيمان بالله، فلا تلين ولا ترعوي، وهم المشركون بالله» وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {والقاسية قلوبهم} [الحج: 53] قال: «المشركون» وقوله: {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} [الحج: 53] يقول تعالى ذكره: وإن مشركي قومك يا محمد لفي خلاف الله في أمره، بعيد من الحق 16P613 [الحج: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} [الحج: 54] يقول تعالى ذكره: وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها لرسوله ونسخ ما ألقى الشيطان فيه، أنه الحق من عند ربك يا محمد {فيؤمنوا به} [الحج: 54] يقول: فيصدقوا به. {فتخبت له قلوبهم} [الحج: 54] يقول: فتخضع للقرآن قلوبهم، وتذعن بالتصديق به، والإقرار بما فيه. {وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} [الحج: 54] وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحق القاصد ، والحق الواضح، بنسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسوله، فلا يضرهم كيد الشيطان وإلقاؤه الباطل على لسان نبيهموبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وليعلم 16P614 الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك} [الحج: 54] قال: «يعني القرآن» 16P613

Section V16/P613–V16/P616

[الحج: 55] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم} [الحج: 55] يقول تعالى ذكره: ولا يزال الذين كفروا بالله في شك. ثم اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: {منه} [البقرة: 60] من ذكر ما هي؟ فقال بعضهم: هي من ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: " {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه} [الحج: 55] من قوله: «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه} [الحج: 55] قال: «مما جاء به إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة» وقال آخرون: بل هي من ذكر سجود النبي صلى الله عليه وسلم في النجم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن 16P615 سعيد بن جبير: {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه} [الحج: 55] قال: «في مرية من سجودك» وقال آخرون: بل هي من ذكر القرآن ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه} [الحج: 55] قال: «من القرآن» وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته؛ وذلك أن ذلك من ذكر قوله: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك} [الحج: 54] أقرب منه من ذكر قوله: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} [الحج: 52] والهاء من قوله {أنه} [الحج: 54] من ذكر القرآن، فإلحاق الهاء في قوله: {في مرية منه} [هود: 17] بالهاء من قوله: {أنه الحق من ربك} [الحج: 54] أولى من إلحاقها ب (ما) التي في قوله {ما يلقي الشيطان} [الحج: 52] مع بعد ما بينهما وقوله: {حتى تأتيهم الساعة} [الحج: 55] يقول: لا يزال هؤلاء الكفار في شك من أمر هذا القرآن إلى أن تأتيهم الساعة {بغتة} [الأنعام: 31] وهي ساعة حشر الناس لموقف الحساب بغتة، يقول: فجأة. {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم} [الحج: 55] اختلف أهل التأويل في هذا اليوم، أي يوم هو؟ فقال بعضهم: هو يوم القيامة ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا شيخ من أهل خراسان من الأزد يكنى أبا ساسان قال: سألت الضحاك، عن قوله: {عذاب يوم عقيم} [الحج: 55] قال: «عذاب يوم لا ليلة بعده» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة عن جابر، عن عكرمة «أن يوم القيامة لا ليلة له» وقال آخرون: بل عني به يوم بدر. وقالوا: إنما قيل له يوم عقيم، أنهم لم ينظروا إلى الليل، فكان لهم عقيما ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، قال: {عذاب يوم عقيم} [الحج: 55] «يوم بدر» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم} [الحج: 55] قال ابن جريج: " يوم ليس فيه ليلة، لم ينظروا إلى الليل.

Section V16/P616

16P617 قال مجاهد: عذاب يوم عظيم " قال: ثنا الحسين قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة عن جابر قال: قال مجاهد: «يوم بدر» حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جبير، في قوله: {عذاب يوم عقيم} [الحج: 55] قال: «يوم بدر» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: {عذاب يوم عقيم} [الحج: 55] قال: هو «يوم بدر» ذكره عن أبي بن كعب " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {عذاب يوم عقيم} [الحج: 55] قال: " هو يوم بدر عن أبي بن كعب وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية؛ لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة؛ وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحهما معنى، وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرنا في 16P618 معناه. فتأويل الكلام إذن: ولا يزال الذين كفروا في مرية منه، حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب العقيم، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له، فلا ينظروا فيه إلى الليل، ولا يؤخروا فيه إلى المساء، لكنهم يقتلون قبل المساء 16P617

Section V16/P616–V16/P619

[الحج: 56_57] القول في تأويل قوله تعالى: {الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين} [الحج: 57] يقول تعالى ذكره: السلطان والملك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له، ولا ينازعه يومئذ منازع، وقد كان في الدنيا ملوك يدعون بهذا الاسم، ولا أحد يومئذ يدعى ملكا سواه. {يحكم بينهم} [البقرة: 113] يقول: يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين. {فالذين آمنوا} [الأعراف: 157] بهذا القرآن، وبمن أنزله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلاله، وحرامه، وحدوده وفرائضه {في جنات النعيم} [يونس: 9] يومئذ. {والذين كفروا} [البقرة: 39] بالله ورسوله، {وكذبوا} [البقرة: 39] بآيات كتابه وتنزيله، وقالوا: ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفك افتراه محمد ، وأعانه عليه قوم آخرون {فأولئك لهم عذاب مهين} [الحج: 57] . يقول: فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين، يعني عذاب مذل في جهنم 16P618 [الحج: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين} [الحج: 58] يقول تعالى ذكره : والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته، وجهاد أعدائه، ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك، {ليرزقنهم الله} [الحج: 58] يوم القيامة في جناته {رزقا حسنا} [هود: 88] يعني بالحسن: الكريم؛ وإنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: سواء المقتول منهم والميت، وقال آخرون: المقتول أفضل. فأنزل الله هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم، يعلمهم استواء أمر الميت في سبيله، والمقتول فيها في الثواب عنده وقد: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر، قال: كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل، والآخر متوفى؛ فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته، فقال: " أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل، وتفضلونه على أخيه المتوفى؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله. فقال: فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت اقرءوا قول الله تعالى: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا} [الحج: 58] . إلى قوله: {وإن الله لعليم حليم} [الحج: 59] يقول: وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم 16P619 [الحج: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله 16P620 لعليم حليم} [الحج: 59] يقول تعالى ذكره: ليدخلن الله المقتول في سبيله من المهاجرين والميت منهم {مدخلا يرضونه} [الحج: 59] وذلك المدخل هو الجنة. {وإن الله لعليم} [الحج: 59] بمن يهاجر في سبيله ممن يخرج من داره طلب الغنيمة أو عرض من عروض الدنيا. {حليم} [البقرة: 225] عن عصاة خلقه، بتركه معاجلتهم بالعقوبة والعذاب 16P619

Section V16/P619–V16/P622

[الحج: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور} [الحج: 60] يعني تعالى ذكره بقوله: {ذلك} [البقرة: 2] لهذا، لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله، ثم قتلوا أو ماتوا، ولهم مع ذلك أيضا أن الله يعدهم النصر على المشركين الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به} [الحج: 60] قال: «هم المشركون بغوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فوعده الله أن ينصره، وقالا في القصاص أيضا» وكان بعضهم يزعم أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، وكان المسلمون يكرهون القتال يومئذ في الأشهر الحرم، فسأل المسلمون المشركين أن يكفوا عن قتالهم من أجل حرمة الشهر، فأبى المشركون ذلك، وقاتلوهم فبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم، فنصروا عليهم، 16P621 فأنزل الله هذه الآية: {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه} [الحج: 60] بأن بدئ بالقتال وهو له كاره، {لينصرنه الله} [الحج: 60] وقوله: {إن الله لعفو غفور} [الحج: 60] يقول تعالى ذكره: إن الله لذو عفو، وصفح لمن انتصر ممن ظلمه من بعد ما ظلمه الظالم بحق، غفور لما فعل ببادئه بالظلم مثل الذي فعل به، غير معاقبه عليه 16P621 [الحج: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} [الحج: 61] يعني تعالى ذكره بقوله: {ذلك} [البقرة: 2] هذا النصر الذي أنصره على من بغي عليه على الباغي، لأني القادر على ما أشاء. فمن قدرته أن الله {يولج الليل في النهار} [الحج: 61] يقول: يدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار، فما نقص من هذا زاد في هذا {ويولج النهار في الليل} [الحج: 61] ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا زاد في طول هذا، وبالقدرة التي يفعل ذلك ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الذين بغوا عليهم، فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم. يقول: وفعل ذلك أيضا بأنه ذو سمع لما يقولون من قول، لا يخفى عليه منه شيء، بصير بما يعملون، لا يغيب عنه منه شيء، كل ذلك معه بمرأى ومسمع، وهو الحافظ لكل ذلك، حتى يجازي جميعهم على ما قالوا وعملوا من قول وعملجزاءه 16P621 [الحج: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير} [الحج: 62] 16P622 يعني تعالى ذكره بقوله {ذلك} [البقرة: 2] هذا الفعل الذي فعلت من إيلاجي الليل في النهار، وإيلاجي النهار في الليل؛ لأني أنا الحق الذي لا مثل لي ، ولا شريك، ولا ند، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلها من دونه هو الباطل الذي لا يقدر على صنعة شيء، بل هو المصنوع، يقول لهم تعالى ذكره: أفتتركون أيها الجهال عبادة من منه النفع، وبيده الضر، وهو القادر على كل شيء، وكل شيء دونه، وتعبدون الباطل الذي لا تنفعكم عبادته. وقوله: {وأن الله هو العلي الكبير} [الحج: 62] يعني بقوله: {العلي} [البقرة: 255] ذو العلو على كل شيء، هو فوق كل شيء، وكل شيء دونه {الكبير} [الرعد: 9] يعني العظيم، الذي كل شيء دونه، ولا شيء أعظم منه وكان ابن جريج يقول في قوله: {وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج: 62] ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج، في قوله: {وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج: 62] قال: «الشيطان» واختلفت القراء في قراءة قوله: {وأن ما يدعون من دونه} [الحج: 62] فقرأته عامة قراء العراق والحجاز: (تدعون) بالتاء على وجه الخطاب؛ وقرأته عامة قراء العراق غير عاصم بالياء على وجه الخبر، والياء أعجب القراءتين إلي، لأن 16P623 ابتداء الخبر على وجه الخطاب 16P622

Section V16/P622–V16/P624

[الحج: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير} [الحج: 63] يقول تعالى ذكره: {ألم تر} [البقرة: 243] يا محمد {أن الله أنزل من السماء ماء} [الحج: 63] يعني مطرا، {فتصبح الأرض مخضرة} [الحج: 63] بما ينبت فيها من النبات. قال: {فتصبح الأرض} [الحج: 63] فرفع، وقد تقدمه قوله: {ألم تر} [البقرة: 243] وإنما قيل ذلك كذلك لأن معنى الكلام الخبر، كأنه قيل: اعلم يا محمد أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض؛ ونظير ذلك قول الشاعر: [+البحر الطويل] ألم تسأل الربع القديم فينطق؟ وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق؟ لأن معناه: قد سألته فنطق. {إن الله لطيف} [الحج: 63] باستخراج النبات من الأرض بذلك الماء وغير ذلك من ابتداع ما شاء أن يبتدعه. {خبير} [البقرة: 234] بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وبه 16P623 [الحج: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد} [الحج: 64] يقول تعالى ذكره: له ملك ما في السماوات وما في الأرض من شيء ، هم 16P624 عبيده ومماليكه وخلقه، لا شريك له في ذلك ولا في شيء منه، وأن الله هو الغني عن كل ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهم المحتاجون إليه، الحميد عند عباده في إفضاله عليهم، وأياديه عندهم 16P623 [الحج: 65] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم} [الحج: 65] يقول تعالى ذكره: ألم تر أن الله سخر لكم أيها الناس ما في الأرض من الدواب والبهائم، فذلك كله لكم، تصرفونه فيما أردتم من حوائجكم. {والفلك تجري في البحر بأمره} [الحج: 65] يقول: وسخر لكم السفن تجري في البحر بأمره، يعني بقدرته، وتذليله إياها لكم كذلك. واختلفت القراء في قراءة قوله: {والفلك تجري} [الحج: 65] فقرأته عامة قراء الأمصار: (والفلك) نصبا، بمعنى سخر لكم ما في الأرض، والفلك عطفا على (ما) ، وعلى تكرير (أن) وأن الفلك تجري. وروي عن الأعرج أنه قرأ ذلك رفعا على الابتداء. والنصب هو القراءة عندنا في ذلك لإجماع الحجة من القراء عليه. {ويمسك السماء أن تقع على الأرض} [الحج: 65] يقول: ويمسك السماء بقدرته كي لا تقع على الأرض إلا بإذنه. ومعنى قوله: {أن تقع} [الحج: 65] أن لا تقع {إن الله بالناس لرءوف رحيم} بمعنى: أنه بهم لذو رأفة ورحمة؛ فمن رأفته بهم، ورحمته لهم، أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وسخر لكم ما وصف في هذه الآية تفضلا منه عليكم بذلك 16P625

Section V16/P624–V16/P627

[الحج: 66_67] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم} [الحج: 66_67] يقول تعالى ذكره: والله الذي أنعم عليكم هذه النعم، هو الذي جعل لكم أجساما أحياء، بحياة أحدثها فيكم، ولم تكونوا شيئا، ثم هو يميتكم من بعد حياتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم، ثم يحييكم بعد مماتكم عند بعثكم لقيام الساعة {إن الإنسان لكفور} [الحج: 66] يقول: إن ابن آدم لجحود لنعم الله التي أنعم بها عليه من حسن خلقه إياه، وتسخيره له ما سخر مما في الأرض والبر والبحر، وتركه إهلاكه بإمساكه السماء أن تقع على الأرض بعبادته غيره من الآلهة والأنداد، وتركه إفراده بالعبادة، وإخلاص التوحيد له وقوله: {لكل أمة جعلنا منسكا} [الحج: 67] يقول: لكل جماعة قوم هي خلت من قبلك، جعلنا مألفا يألفونه، ومكانا يعتادونه لعبادتي فيه، وقضاء فرائضي ، وعملا يلزمونه. وأصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر؛ يقال: إن لفلان منسكا يعتاده: يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شر. وإنما سميت مناسك الحج بذلك، لتردد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحج والعمرة. وفيه لغتان: (منسك) : بكسر السين وفتح الميم، وذلك من لغة أهل الحجاز، و: (منسك) : بفتح الميم والسين جميعا، وذلك من لغة أسد وقد قرئ باللغتين جميعا. وقد اختلف أهل التأويل في المعني بقوله: {لكل أمة جعلنا منسكا} [الحج: 67] أي المناسك عني به؟ فقال بعضهم: عني به: عيدهم الذي يعتادونه ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، " قوله: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه} [الحج: 67] يقول: عيدا " وقال آخرون: عني به ذبح يذبحونه، ودم يهريقونه ذكر من قال ذلك: حدثني أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه} [الحج : 67] قال: «إراقة الدم بمكة» حدثنا محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {هم ناسكوه} [الحج: 67] قال: «إهراق دماء الهدي» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {منسكا} [الحج: 34] قال: «ذبحا وحجا» والصواب من القول في ذلك أن يقال: عني بذلك إراقة الدم أيام النحر بمنى؛ لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت إراقة الدم في هذه الأيام، على أنهم قد كانوا جادلوه في إراقة الدماء التي هي دماء ذبائح الأنعام، بما قد أخبر الله عنهم في سورة الأنعام. غير أن تلك لم تكن مناسك، فأما التي هي مناسك فإنما هي هدايا أو ضحايا؛ ولذلك قلنا: عني بالمنسك في هذا الموضع الذبح ، الذي هو بالصفة التي وصفنا وقوله: {فلا ينازعنك في الأمر} [الحج: 67] يقول تعالى ذكره: فلا ينازعنك هؤلاء المشركون بالله يا محمد في ذبحك ومنسكك بقولهم: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتة التي قتلها الله؟ فإنك أولى بالحق منهم، لأنك محق وهم مبطلون.

Section V16/P627–V16/P628

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن 16P628 مجاهد: " {فلا ينازعنك في الأمر} [الحج: 67] قال: الذبح " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {فلا ينازعنك في الأمر} [الحج: 67] فلا تتحام لحمك " وقوله: {وادع إلى ربك} [الحج: 67] يقول تعالى ذكره: وادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك في ذلك بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعد اتباعك، وبعد التصديق بما جئتهم به من عند الله، وتجنبوا الذبح للآلهة والأوثان، وتبروا منها، إنك لعلى طريق مستقيم غير زائل عن محجة الحق، والصواب في نسكك الذي جعله لك ولأمتك ربك، وهم الضلال على قصد السبيل، لمخالفتهم أمر الله في ذبائحهم ومطاعمهم وعبادتهم الآلهة 16P628

Section V16/P628–V16/P631

[الحج: 68_69] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} [الحج: 68_69] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن جادلك يا محمد هؤلاء المشركون بالله في نسكك، فقل: الله أعلم بما تعملون ونعمل كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {وإن جادلوك} [الحج: 68] قال: " قول أهل الشرك: أما ما ذبح الله 16P629 بيمينه. {فقل الله أعلم بما تعملون} [الحج: 68] لنا أعمالنا ولكم أعمالكم وقوله: {الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} [الحج: 69] يقول تعالى ذكره: والله يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه من أمر دينكم تختلفون، فتعلمون حينئذ أيها المشركون المحق من المبطل 16P629 [الحج: 70] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} [الحج: 70] يقول تعالى ذكره: ألم تعلم يا محمد أن الله يعلم كل ما في السماوات السبع والأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو حاكم بين خلقه يوم القيامة، على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فمجازي المحسن منهم بإحسانه ، والمسيء بإساءته. {إن ذلك في كتاب} [الحج: 70] يقول تعالى ذكره: إن علمه بذلك في كتاب، وهو أم الكتاب الذي كتب فيه ربنا جل ثناؤه قبل أن يخلق خلقه ما هو كائن إلى يوم القيامة كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا مبشر بن إسماعيل 16P630 الحلبي، عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، قال: " علم الله ما هو خالق وما الخلق عاملون، ثم كتبه، ثم قال لنبيه: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} [الحج: 70] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني ميسر، عن أرطأة بن المنذر، قال: سمعت ضمرة بن حبيب، يقول: «إن الله كان على عرشه على الماء، وخلق السماوات والأرض بالحق ، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام، قبل أن يبدأ شيئا من الخلق» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن سيار، عن ابن عباس، " أنه سأل كعب الأحبار عن أم الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتابا " وكان ابن جريج يقول في قوله: {إن ذلك في كتاب} [الحج: 70] ما حدثنا به القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {إن ذلك في كتاب} [الحج: 70] قال: قوله: {الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} [الحج: 69] " وإنما اخترنا القول الذي قلنا في ذلك، لأن قوله: {إن ذلك} [الحج: 70] إلى قوله 16P631 : {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض} [الحج: 70] أقرب منه إلى قوله: {الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} [الحج: 69] فكان إلحاق ذلك بما هو أقرب إليه أولى منه بما بعد وقوله: {إن ذلك على الله يسير} [الحج: 70] اختلف في ذلك، فقال بعضهم: معناه: إن الحكم بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة على الله يسير ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {إن ذلك على الله يسير} [الحج: 70] قال: " حكمه يوم القيامة، ثم قال بين ذلك: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب} [الحج: 70] " وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن على الله يسير، يعني: هين. وهذا القول الثاني أولى بتأويل ذلك، وذلك أن قوله: {إن ذلك على الله يسير} [الحج: 70] . إلى قوله: {إن ذلك في كتاب} [الحج: 70] أقرب وهو له مجاور من قوله: {الله يحكم بينكم يوم القيامة} [الحج: 69] متباعد مع دخول قوله: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض} [الحج: 70] بينهما؛ فإلحاقه بما هو أقرب أولى ما وجد للكلام، وهو كذلك مخرج في التأويل صحيح 16P631

Section V16/P631–V16/P634

[الحج: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير} [الحج: 71] 16P632 يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه ما لم ينزل به جل ثناؤه لهم حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها إلى رسله، بأنها آلهة تصلح عبادتها فيعبدوها، بأن الله أذن لهم في عبادتها، وما ليس لهم به علم أنها آلهة. {وما للظالمين من نصير} [الحج: 71] يقول: وما للكافرين بالله الذين يعبدون هذه الأوثان من ناصر ينصرهم يوم القيامة، فينقذهم من عذاب الله، ويدفع عنهم عقابه إذا أراد عقابهم 16P631 [الحج: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير} [الحج: 72] يقول تعالى ذكره: وإذا تتلى على مشركي قريش العابدين من دون الله ما لم ينزل به سلطانا {آياتنا} [البقرة: 151] يعني: آيات القرآن، {بينات} [البقرة: 99] يقول: واضحات حججها وأدلتها فيما أنزلت فيه. {تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر} [الحج: 72] يقول: تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها، لسماعهم بالقرآن وقوله: {يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا} [الحج: 72] يقول: يكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آيات كتاب الله من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، 16P633 لشدة تكرههم أن يسمعوا القرآن، ويتلى عليهم. وبنحو ما قلنا في تأويل قوله {يسطون} [الحج: 72] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {يكادون يسطون} [الحج: 72] يقول: يبطشون " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يكادون يسطون} [الحج: 72] يقول: «يقعون بمن ذكرهم» حدثنا محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: {يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا} [الحج: 72] قال: «يكادون يقعون بهم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يكادون يسطون} [الحج: 72] قال: «يبطشون كفار قريش» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت 16P634 الضحاك، يقول في قوله: {يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا} [الحج: 72] يقول: «يكادون يأخذونهم بأيديهم أخذا» وقوله: {قل أفأنبئكم بشر من ذلكم} [الحج: 72] يقول: أفأنبئكم أيها المشركون بأكره إليكم من هؤلاء الذين تتكرهون قراءتهم القرآن عليكم، هي {النار} [البقرة: 24] وعدها الله الذين كفروا. وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقول: إن المشركين قالوا: والله إن محمدا وأصحابه لشر خلق الله فقال الله لهم: قل أفأنبئكم أيها القائلون هذا القول بشر من محمد صلى الله عليه وسلم؟ أنتم أيها المشركون الذين وعدهم الله النار. ورفعت (النار) على الابتداء، ولأنها معرفة، لا تصلح أن ينعت بها الشر وهو نكرة، كما يقال: مررت برجلين: أخوك وأبوك، ولو كانت مخفوضة كان جائزا؛ وكذلك لو كان نصبا للعائد من ذكرها في {وعدها} [التوبة: 114] وأنت تنوي بها الاتصال بما قبلها. يقول تعالى ذكره: فهؤلاء هم أشرار الخلق لا محمد وأصحابه وقوله: {وبئس المصير} [البقرة: 126] يقول: وبئس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون بالله يوم القيامة 16P634

Section V16/P634–V16/P637

[الحج: 73_74] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 73_74] يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس جعل لله مثل وذكر. ومعنى {ضرب} [إبراهيم: 24] في هذا الموضع: جعل، من قولهم: ضرب السلطان على الناس البعث، بمعنى: جعل عليهم. وضرب الجزية على النصارى، بمعنى جعل ذلك عليهم؛ والمثل: الشبه ، يقول جل ثناؤه: جعل لي شبه أيها الناس، يعني بالشبه والمثل: الآلهة، يقول: جعل لي المشركون الأصنام شبها، فعبدوها معي ، وأشركوها في عبادتي. يقول: فاستمعوا حال ما مثلوه وجعلوه لي في عبادتهم إياه شبها وصفته. {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا} [الحج: 73] يقول: إن جميع ما تعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام لو جمعت لم يخلقوا ذبابا في صغره وقلته، لأنها لا تقدر على ذلك ولا تطيقه، ولو اجتمع لخلقه جميعها. والذباب واحد، وجمعه في القلة أذبة، وفي الكثير ذبان، نظير غراب ، يجمع في القلة: أغربة، وفي الكثرة غربان وقوله: {وإن يسلبهم الذباب شيئا} [الحج: 73] يقول: وإن يسلب الآلهة والأوثان الذباب شيئا مما عليها من طيب وما أشبهه من شيء لا يستنقذوه منه: يقول: لا تقدر الآلهة أن تستنقذ ذلك منه. واختلف في معنى قوله: {ضعف الطالب والمطلوب} [الحج: 73] فقال بعضهم: 16P636 عني بالطالب: الآلهة، وبالمطلوب: الذباب ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين،، قال حجاج: عن ابن جريج،، قال ابن عباس، في قوله: {ضعف الطالب} [الحج: 73] قال: " آلهتهم. {والمطلوب} [الحج: 73] الذباب " وكان بعضهم يقول: معنى ذلك: {ضعف الطالب} [الحج: 73] من بني آدم إلى الصنم حاجته، {والمطلوب} [الحج: 73] إليه الصنم أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله، يقول: ضعف عن ذلك وعجز. والصواب من القول في ذلك عندنا ما ذكرته عن ابن عباس من أن معناه: وعجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من الذباب ما سلبها إياه، وهو الطيب وما أشبهه؛ والمطلوب: الذباب. وإنما قلت: هذا القول أولى بتأويل ذلك، لأن ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب؛ فأن يكون ذلك خبرا عما هو به متصل أشبه من أن يكون خبرا عما هو عنه منقطع. وإنما أخبر جل ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها، تقريعا منه بذلك عبدتها من مشركي قريش، يقول تعالى ذكره: كيف يجعل مثلا في العبادة، ويشرك فيها معي، ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئا عليه لم يقدر أن يمتنع منه ولا ينتصر، وأنا الخالق ما في السماوات والأرض، ومالك جميع ذلك، والمحيي من أردت، والمميت ما أردت، ومن أردت. إن فاعل ذلك لا شك أنه في غاية الجهل وقوله: {ما قدروا الله حق قدره} [الحج: 74] يقول: ما عظم هؤلاء الذين جعلوا الآلهة لله شريكا في العبادة حق عظمته حين أشركوا به غيره، فلم يخلصوا له العبادة، ولا عرفوه حق معرفته؛ من قولهم: ما عرفت لفلان قدره، إذا خاطبوا بذلك من قصر بحقه، وهم يريدون تعظيمه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإن يسلبهم الذباب شيئا} [الحج: 73] إلى آخر الآية قال: " هذا مثل ضربه الله لآلهتهم. وقرأ: {ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره} [الحج: 74] حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه " وقوله: {إن الله لقوي} [الحج: 40] يقول: إن الله لقوي على خلق ما يشاء من صغير ما يشاء من خلقه وكبيره.

Section V16/P637

{عزيز} [البقرة: 209] يقول: منيع في ملكه، لا يقدر شيء دونه أن يسلبه من ملكه شيئا، وليس كآلهتكم أيها المشركون الذين تدعون من دونه الذين لا يقدرون على خلق ذباب، ولا على الامتناع من الذباب إذا استلبها 16P638 شيئا ضعفا ومهانة 16P637

Section V16/P637–V16/P638

[الحج: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير} [الحج: 75] يقول تعالى ذكره: الله يختار من الملائكة رسلا كجبريل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم. ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلا، ومن الناس أيضا رسلا. وقد قيل: إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون: أأنزل عليه الذكر من بيننا، فقال الله لهم: ذلك إلي، وبيدي دون خلقي، أختار من شئت منهم للرسالة وقوله: {إن الله سميع بصير} [الحج : 75] يقول: إن الله سميع لما يقول المشركون في محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند ربه، بصير بمن يختاره لرسالته من خلقه 16P638 [الحج: 76] القول في تأويل قوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور} [الحج: 76] يقول تعالى ذكره: الله يعلم ما كان بين أيدي ملائكته ورسله، من قبل أن يخلقهم {وما خلفهم} [البقرة: 255] ، يقول: ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم. {وإلى الله ترجع الأمور} [البقرة: 210] يقول: إلى الله في الآخرة تصير إليه أمور الدنيا، وإليه تعود كما كان منه البدء 16P638 [الحج: 77] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} [الحج: 77] 16P639 يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {اركعوا} [الحج: 77] لله في صلاتكم {واسجدوا} [الحج: 77] له فيها. يقول: وذلوا لربكم، واخضعوا له بالطاعة، {وافعلوا الخير} [الحج: 77] الذي أمركم ربكم بفعله؛ {لعلكم تفلحون} [البقرة: 189] يقول: لتفلحوا بذلك، فتدركوا به طلباتكم عند ربكم 16P638

Questions