Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V17/P251–V17/P253

وقرأ: {فيها متاع لكم} [النور: 29] متاع للناس، ولبني آدم " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عم بقوله: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] كل بيت لا ساكن به لنا فيه متاع ندخله بغير إذن؛ لأن الإذن إنما يكون ليؤنس المأذون عليه قبل الدخول، أو ليأذن للداخل إن كان له مالكا، أو كان فيه ساكنا. فأما إن كان لا مالك له، فيحتاج إلى إذنه لدخوله ولا ساكن فيه، فيحتاج الداخل إلى إيناسه، والتسليم عليه، لئلا يهجم على ما لا يحب رؤيته منه، فلا معنى للاستئذان فيه فإذا كان ذلك، فلا وجه لتخصيص بعض ذلك دون بعض، فكل بيت لا مالك له ولا ساكن: من بيت مبني ببعض الطرق للمارة والسابلة ليأووا إليه، أو بيت خراب قد باد أهله ولا ساكن فيه، حيث كان ذلك، فإن لمن أراد دخوله أن يدخل بغير استئذان، لمتاع له يؤويه إليه، أو للاستمتاع به لقضاء حقه من بول أو غائط أو غير ذلك. وأما بيوت التجار، فإنه ليس لأحد دخولها إلا بإذن أربابها وسكانها. فإن ظن ظان أن التاجر إذا فتح دكانه، وقعد للناس، فقد أذن لمن أراد الدخول عليه في دخوله، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن؛ وذلك أنه ليس لأحد دخول ملك غيره بغير ضرورة ألجأته إليه، أو بغير سبب أباح له دخوله إلا بإذن ربه، لا سيما إذا كان فيه متاع؛ فإن كان التاجر قد عرف منه أن فتحه حانوته إذن منه لمن أراد دخوله في الدخول، فذلك بعد رجع إلى ما قلنا من أنه لم يدخله من دخله إلا بإذنه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن من معنى قوله: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] في شيء، وذلك أن التي وضع الله عنا الجناح في دخولها بغير إذن من البيوت، هي ما لم يكن مسكونا، إذ حانوت التاجر لا سبيل إلى دخوله إلا بإذنه، وهو مع ذلك مسكون، فتبين أنه مما عنى الله من هذه الآية بمعزل. وقال جماعة من أهل التأويل: هذه الآية مستثناة من قوله: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم} [النور: 27] ثم نسخ واستثنى فقال: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة: {حتى تستأنسوا} [النور: 27] . الآية، فنسخ من ذلك، واستثنى فقال: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] " وليس في قوله: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] دلالة على أنه استثناء من قوله: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا} [النور: 27] ؛ لأن قوله: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] حكم من الله في البيوت التي لها سكان وأرباب. وقوله: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] حكم منه في 17P254 البيوت التي لا سكان لها ولا أرباب معروفون، فكل واحد من الحكمين حكم في معنى غير معنى الآخر، وإنما يستثنى الشيء من الشيء إذا كان من جنسه أو نوعه في الفعل أو النفس، فأما إذا لم يكن كذلك فلا معنى لاستثنائه منه وقوله: {والله يعلم ما تبدون} [المائدة: 99] يقول تعالى ذكره: والله يعلم ما تظهرون أيها الناس بألسنتكم من الاستئذان إذا استأذنتم على أهل البيوت المسكونة، {وما تكتمون} [المائدة: 99] يقول: وما تضمرونه في صدوركم عند فعلكم ذلك ما الذي تقصدون به: إطاعة الله والانتهاء إلى أمره، أم غير ذلك؟ 17P254

Section V17/P253–V17/P255

[النور: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون} [النور: 30] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل للمؤمنين} [النور: 30] بالله وبك يا محمد {يغضوا من أبصارهم} [النور: 30] يقول: يكفوا من نظرهم إلى ما يشتهون النظر إليه مما قد نهاهم الله عن النظر إليه. {ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] أن يراها من لا يحل له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم. {ذلك أزكى لهم} [النور: 30] يقول: فإن غضها من النظر عما لا يحل النظر إليه وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار الناظرين أطهر لهم عند الله وأفضل {إن الله خبير بما يصنعون} [النور: 30] يقول: إن الله ذو خبرة بما تصنعون أيها الناس فيما أمركم به من غض أبصاركم عما أمركم بالغض عنه وحفظ فروجكم عن إظهارها لمن نهاكم عن إظهارها له وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي بن سهل الرملي، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] قال: " كل فرج ذكر حفظه في القرآن فهو من الزنا، إلا هذه: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} [النور: 31] فإنه يعني الستر " حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] {وقل للمؤمنات يغضضن} [النور: 31] من أبصارهن ويحفظن فروجهن قال: «يغضوا أبصارهم عما يكره الله» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور: 30] قال: " يغض من بصره: أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل له غض من بصره، لا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله، إنما قال الله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور: 30] " {ذلك أزكى لهم} [النور: 30] يقول: فإن غضها من النظر عما لا يحل النظر إليه، وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار الناظرين، أطهر لهم عند الله وأفضل {إن الله خبير بما يصنعون} [النور: 30] يقول: إن الله ذو خبرة بما تصنعون أيها الناس فيما أمركم به من غض أبصاركم عما أمركم بالغض عنه، وحفظ فروجكم عن إظهارها لمن نهاكم عن إظهارها له 17P255

Section V17/P255–V17/P257

[النور: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو 17P256 أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن} [النور: 31] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وقل} [آل عمران: 20] يا محمد {للمؤمنات} [النور: 31] من أمتك {يغضضن من أبصارهن} [النور: 31] عما يكره الله النظر إليه مما نهاكم عن النظر إليه؛ {ويحفظن فروجهن} [النور: 31] يقول: ويحفظن فروجهن عن أن يراها من لا يحل له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم وقوله: {ولا يبدين زينتهن} [النور: 31] يقول تعالى ذكره: ولا يظهرن للناس الذين ليسوا لهن بمحرم زينتهن، وهما زينتان: إحداهما: ما خفي، وذلك كالخلخال والسوارين والقرطين والقلائد والأخرى: ما ظهر منها، وذلك مختلف في المعنى منه بهذه الآية، فكان بعضهم يقول: زينة الثياب الظاهرة ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال: " الزينة زينتان: فالظاهرة منها الثياب، وما خفي: الخلخالان، والقرطان، والسواران " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الثوري، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أنه قال: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «هي الثياب» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «الثياب» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، مثله قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن زيد، عن عبد الله، مثله قال: ثنا سفيان، عن علقمة، عن إبراهيم، في قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «الثياب» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا بعض، أصحابنا إما يونس، وإما غيره عن الحسن، في قوله: {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «الثياب» حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «الثياب» قال أبو إسحاق: ألا ترى أنه قال: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31] ؟

Section V17/P257–V17/P260

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: ثنا محمد بن الفضل، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن زيد، عن ابن 17P258 مسعود: {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «هو الرداء» وقال آخرون: الظاهر من الزينة التي أبيح لها أن تبديه: الكحل، والخاتم، والسواران، والوجه ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان، قال: ثنا مسلم الملائي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «الكحل والخاتم» حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان، عن مسلم الملائي، عن سعيد بن جبير، مثله، ولم يذكر ابن عباس حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن أبي عبد الله نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " الظاهر منها: الكحل والخدان " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير، في قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «الوجه والكف» حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال: ثنا مروان بن معاوية، عن عبد الله بن مسلم 17P259 بن هرمز المكي، عن سعيد بن جبير، مثله حدثني علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا أبو عمرو، عن عطاء، في قول الله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «الكفان والوجه» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، قال: «الكحل، والسوران والخاتم» حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: " والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم؛ فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «المسكتان والخاتم والكحل» قال قتادة: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى هاهنا» . وقبض نصف الذراع " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن 17P260 رجل، عن المسور بن مخرمة، في قوله: {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: " القلبين، والخاتم، والكحل: يعني السوار " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «الخاتم والمسكة» قال ابن جريج، وقالت عائشة: القلب والفتخة، قالت عائشة: دخلت علي ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية. فقال: «إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها، وإلا ما دون هذا» وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى.

Section V17/P260–V17/P263

وأشار به أبو علي قال ابن جريج، وقال مجاهد: قوله: {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «الكحل، والخضاب والخاتم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عاصم، عن عامر: {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال «الكحل، والخضاب، والثياب» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] من الزينة الكحل، والخضاب والخاتم؛ هكذا كانوا يقولون، وهذا يراه الناس " حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمر بن أبي سلمة، قال: " سئل الأوزاعي عن: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «الكفين والوجه» حدثنا عمرو بن بندق، قال: ثنا مروان، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {ولا يبدين زينتهن} [النور: 31] قال «الكف والوجه» وقال آخرون: عنى به الوجه والثياب ذكر من قال ذلك حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر ، قال: قال يونس {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال الحسن: «الوجه والثياب» حدثنا ابن بشار قال: ثنا ابن أبي عدي، وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] قال: «الوجه والثياب» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عني بذلك الوجه والكفان، يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل، والخاتم، والسوار، والخضاب 17P262 وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعا، كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال؛ لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره. وإذا كان لها إظهار ذلك، كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره بقوله: {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] لأن كل ذلك ظاهر منها وقوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31] يقول تعالى ذكره: وليلقين خمرهن، وهي جمع خمار، على جيوبهن، ليسترن بذلك شعورهن، وأعناقهن وقرطهن حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن إبراهيم بن نافع، قال: ثنا الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: " لما نزلت هذه الآية: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31] قال شققن البرد مما يلي الحواشي، فاختمرن به " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن قرة بن عبد الرحمن، أخبره عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: " يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31] شققن 17P263 أكثف مروطهن، فاختمرن به " وقوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} [النور: 31] يقول تعالى ذكره: {ولا يبدين زينتهن } [النور: 31] التي هي غير ظاهرة بل الخفية منها، وذلك الخلخال والقرط والدملج، وما أمرت بتغطيته بخمارها من فوق الجيب، وما وراء ما أبيح لها كشفه، وإبرازه في الصلاة وللأجنبيين من الناس، والذراعين إلى فوق ذلك، إلا لبعولتهن.

Section V17/P263–V17/P265

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن طلحة بن مصرف، عن إبراهيم: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن} [النور: 31] قال: «هذه ما فوق الذراع» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت رجلا، يحدث عن طلحة، عن إبراهيم، قال في هذه الآية {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن} [النور: 31] قال: ما فوق الجيب قال شعبة: كتب به منصور إلي، وقرأته عليه " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} [النور: 31] قال «تبدي لهؤلاء الرأس» حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} [النور: 31] . إلى قوله: {عورات النساء} [النور: 31] قال: الزينة التي يبدينها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسوارها، فأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها، وشعرها فإنه لا تبديه إلا لزوجها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال ابن مسعود، في قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} [النور: 31] قال: " الطوق والقرطين، يقول الله تعالى ذكره: قل للمؤمنات الحرائر لا يظهرن هذه الزينة الخفية التي ليست بالظاهرة إلا لبعولتهن، وهم أزواجهن، واحدهم: بعل، أو لآبائهن، أو لأبناء بعولتهن، أو لإخوانهن، أو لبني إخوانهن " ويعني بقوله: {أو إخوانهن} [النور: 31] أو لإخوانهن، أو لبني إخوانهن، أو بني أخواتهن، أو نسائهم. قيل: عني بذلك نساء المسلمين ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {أو نسائهن} [النور: 31] قال: " بلغني أنهن نساء المسلمين، لا يحل لمسلمة أن ترى مشركة عريتها إلا أن تكون أمة لها، فذلك قوله: {أو ما ملكت أيمانهن} [النور: 31] " قال: ثني الحسين قال: ثني عيسى بن يونس، عن هشام بن الغازي، عن عبادة بن نسي: أنه " كره أن تقبل النصرانية المسلمة، أو ترى عورتها، ويتأول: {أو نسائهن} [النور: 31] " قال: ثنا عيسى بن يونس، عن هشام، عن عبادة، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح رحمة الله عليهما: أما بعد، فقد " بلغني أن نساء يدخلن الحمامات ومعهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك، وحل دونه قال: ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك المقام مبتهلا: اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة ولا سقم تريد البياض لوجهها، فسود وجهها يوم تبيض الوجوه " وقوله: {أو ما ملكت أيمانهن} [النور: 31] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: أو مماليكهن، فإنه لا بأس عليها أن تظهر لهم من زينتها ما تظهره لهؤلاء ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمر بن دينار، عن مخلد التميمي، أنه قال، في قوله: {أو ما ملكت أيمانهن} [النور: 31] قال: في القراءة الأولى: «أيمانكم» وقال: آخرون: بل معنى ذلك: أو ما ملكت أيمانهن من إماء المشركين، كما قد ذكرنا عن ابن جريج قبل من أنه لما قال: {أو نسائهن} [النور: 31] عنى بهن النساء المسلمات دون المشركات، ثم قال: أو ما ملكت أيمانهن من الإماء المشركات 17P266

Section V17/P265–V17/P269

[النور: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31] يقول تعالى ذكره: والذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم، ممن لا أرب له في النساء من الرجال، ولا حاجة إليهن، ولا يريدهن وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} [النور: 31] قال: «كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الأول لا يغار عليه ، ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده، وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء» حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} [النور: 31] فهذا الرجل يتبع القوم، وهو مغفل في عقله، لا يكترث للنساء، ولا يشتهيهن، فالزينة التي تبديها لهؤلاء: قرطاها، وقلادتها، وسواراها؛ وأما خلخالاها ومعضداها ونحرها وشعرها، فإنها لا تبديه إلا لزوجها " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {أو التابعين} [النور: 31] قال: «هو التابع يتبعك، يصيب من طعامك» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسماعيل ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} [النور: 31] قال: «الذي يريد الطعام ولا يريد النساء» قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} [النور: 31] الذين لا يهمهم إلا بطونهم، ولا يخافون على النساء " 17P268 حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا إسماعيل بن موسى السدي، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {غير أولي الإربة} [النور: 31] قال: «الأبله» حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، قوله: {غير أولي الإربة} [النور: 31] قال: «هو الأبله، الذي لا يعرف شيئا من النساء» حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {غير أولي الإربة من الرجال} [النور: 31] «الذي لا أرب له بالنساء ، مثل فلان» حدثنا أبو كريب ، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عمن حدثه عن ابن عباس: {غير أولي الإربة} [النور: 31] قال: «هو الذي لا تستحيي منه النساء» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: {غير أولي الإربة} [النور: 31] قال: «من تبع الرجل وحشمه؛ الذي لم يبلغ إربه أن يطلع على عورة النساء» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، {غير أولي الإربة} [النور: 31] قال: «الذي لا أرب له في النساء» قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: «المعتوه» حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} [النور: 31] قال: «هو الأحمق، الذي لا همة له بالنساء ولا أرب» وبه: عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، في قوله: {غير أولي الإربة من الرجال} [النور: 31] يقول: «الأحمق، الذي ليست له همة في النساء» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: «الذي لا حاجة له في النساء» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} [النور: 31] قال: «هو الذي يتبع القوم، حتى كأنه كان منهم ونشأ فيهم، وليس يتبعهم لإربة نسائهم، وليس له في نسائهم إربة، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إياه» حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: " كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث، فكانوا 17P270 يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان.

Section V17/P269–V17/P273

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلن هذا عليكم» فحجبوه " حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، في قوله: {أو التابعين غير أولي الإربة} [النور: 31] قال: «هو المخنث الذي لا يقوم زبه» واختلف القراء في قوله: {غير أولي الإربة} [النور: 31] فقرأ ذلك بعض أهل الشام وبعض أهل المدينة والكوفة: (غير أولي الإربة) بنصب «غير» ولنصب غير هاهنا وجهان: أحدهما على القطع من {التابعين} [النور: 31] ، لأن {التابعين} [النور: 31] معرفة وغير نكرة، والآخر على الاستثناء، وتوجيه غير إلى معنى إلا، فكأنه قيل: إلا. وقرأ غير من ذكرت بخفض {غير} [النور: 31] على أنها نعت للتابعين، وجاز نعت التابعين ب «غير» و «التابعون» معرفة وغير نكرة، لأن التابعين معرفة غير مؤقتة. فتأويل الكلام على هذه القراءة: أو الذين هذه 17P271 صفتهم. والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، مستفيضة القراءة بهما في الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن الخفض في «غير» أقوى في العربية، فالقراءة به أعجب إلي. والإربة: الفعلة من الأرب، مثل الجلسة من الجلوس، والمشية من المشي، وهي الحاجة؛ يقال: لا أرب لي فيك: لا حاجة لي فيك؛ وكذا أربت لكذا وكذا، إذا احتجت إليه، فأنا آرب له إربا. فأما الأربة، بضم الألف: فالعقدة وقوله: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} [النور: 31] يقول تعالى ذكره: أو الطفل الذين لم يكشفوا عن عورات النساء بجماعهن فيظهروا عليهن لصغرهن وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {على عورات النساء} [النور: 31] قال: «لم يدروا ما ثم، من الصغر قبل الحلم» 17P272 حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقوله: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} [النور: 31] يقول تعالى ذكره: ولا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس الذين مشين بينهم ما يخفين من ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن امرأة، اتخذت برتين من فضة، واتخذت جزعا، فمرت على قوم، فضربت برجلها، فوقع الخلخال على الجزع، فصوت؛ فأنزل الله {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} [النور: 31] " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} [النور: 31] قال: «كان في أرجلهن خرز، فكن إذا مررن بالمجالس حركن أرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن» حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {ولا يضربن بأرجلهن} [النور: 31] «فهو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، ويكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال، فنهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك ، لأنه من عمل الشيطان» حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} [النور: 31] قال: «هو الخلخال، لا تضرب امرأة برجلها، ليسمع صوت خلخالها» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} [النور: 31] قال: «الأجراس من حليهن يجعلنها في أرجلهن في مكان الخلاخل، فنهاهن الله أن يضربن بأرجلهن لتسمع تلك الأجراس» وقوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون} [النور: 31] يقول تعالى ذكره: وارجعوا أيها المؤمنون إلى طاعة الله فيما أمركم ونهاكم، من غض البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غير بيوتكم من غير استئذان ولا تسليم، وغير ذلك من أمره ونهيه {لعلكم تفلحون} [البقرة: 189] يقول: لتفلحوا وتدركوا طلباتكم لديه، إذا أنتم أطعتموه فيما أمركم ونهاكم 17P273

Section V17/P273–V17/P276

[النور: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم} [النور: 32] يقول تعالى ذكره: وزوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم ، ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم. والأيامى: جمع أيم، وإنما جمع أيامى، لأنها فعيلة في المعنى، فجمعت كذلك كما جمعت اليتيمة: يتامى؛ ومنه قول جميل: [+البحر الطويل] أحب الأيامى إذ بثينة أيم وأحببت لما أن غنيت الغوانيا ولو جمعت أيائم كان صوابا. والأيم يوصف به الذكر والأنثى، يقال: رجل أيم، وامرأة أيم وأيمة: إذا لم يكن لها زوج؛ ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى منكم أتأيم {إن يكونوا فقراء} [النور: 32] يقول: إن يكن هؤلاء الذين تنكحونهم من أيامى رجالكم ونسائكم وعبيدكم وإمائكم أهل فاقة وفقر، فإن الله يغنيهم من فضله، فلا يمنعنكم فقرهم من إنكاحهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 17P275 قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] قال: " أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} [النور: 32] " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن أبو الحسن، وكان إسماعيل بن صبيح مولى هذا قال: سمعت القاسم بن الوليد، عن عبد الله بن مسعود، قال: " التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} [النور: 32] " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] قال: " أيامى النساء: اللاتي ليس لهن أزواج " وقوله: {والله واسع عليم} [البقرة: 247] يقول جل ثناؤه: والله واسع الفضل، جواد بعطاياه، فزوجوا إماءكم، فإن الله واسع يوسع عليهم من فضله إن كانوا فقراء. {عليم} [البقرة: 29] يقول: هو ذو علم بالفقير منهم والغني، لا يخفى عليه حال خلقه في شيء وتدبيرهم 17P275 [النور: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور : 33] يقول تعالى ذكره: {وليستعفف الذين لا يجدون} [النور: 33] ما ينكحون به النساء عن إتيان 17P276 ما حرم الله عليهم من الفواحش، {حتى يغنيهم الله من} [النور: 33] سعة {فضله} [البقرة: 90] ويوسع عليهم من رزقه وقوله: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم} [النور: 33] يقول جل ثناؤه: والذين يلتمسون المكاتبة منكم من مماليككم، {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] . واختلف أهل العلم في وجه مكاتبة الرجل عبده الذي قد علم فيه خيرا، وهل قوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] على وجه الفرض

Section V17/P276–V17/P277

، أم هو على وجه الندب؟ فقال بعضهم: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيرا إذا سأله العبد ذلك ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: " أواجب علي إذا علمت مالا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا. وقالها عمرو بن دينار قال: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، «أن سيرين، أراد أن يكاتبه فتلكأ عليه» فقال له عمر: «لتكاتبنه» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: «لا ينبغي لرجل إذا كان عنده المملوك الصالح الذي له 17P277 المال يريد أن يكاتب ألا يكاتبه» وقال آخرون: ذلك غير واجب على السيد، وإنما قوله: {فكاتبوهم} [النور: 33] ندب من الله سادة العبيد إلى كتابة من علم فيه منهم خير، لا إيجاب ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال مالك بن أنس: " الأمر عندنا أن ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع بأحد من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده. وقد سمعت بعض أهل العلم إذا سئل عن ذلك فقيل له: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] يتلو هاتين الآيتين {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] ، {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] "، قال مالك: «فإنما ذلك أمر أذن الله فيه للناس، وليس بواجب على الناس ولا يلزم أحدا» وقال الثوري: «إذا أراد العبد من سيده أن يكاتبه، فإن شاء السيد أن يكاتبه كاتبه، ولا يجبر السيد على ذلك» حدثني بذلك، علي، عن زيد، عنه؛ وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: «ليس بواجب عليه أن يكاتبه، إنما هذا أمر أذن الله فيه ودليل» 17P278 وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: واجب على سيد العبد أن يكاتبه إذا علم فيه خيرا، وسأله العبد الكتابة؛ وذلك أن ظاهر قوله: {فكاتبوهم} [النور: 33] ظاهر أمر، وأمر الله فرض الانتهاء إليه، ما لم يكن دليل من كتاب أو سنة على أنه ندب، لما قد بينا من العلة في كتابنا المسمى: البيان عن أصول الأحكام. وأما الخير الذي أمر الله تعالى ذكره عباده بكتابة عبيدهم إذا علموه فيهم، فهو القدرة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتبوا عليه ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الكريم الجزري، عن نافع، عن ابن عمر، أنه «كره أن يكاتب، مملوكه إذا لم تكن له حرفة»، قال: «تطعمني أوساخ الناس؟

Section V17/P277–V17/P282

» حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] يقول: «إن علمتم لهم حيلة، ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أشهب، قال: سئل مالك بن أنس، عن قوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] فقال: " إنه ليقال: الخير 17P279 القوة على الأداء " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد، عن أبيه، قول الله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: " الخير: القوة على ذلك " وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن علمتم فيهم صدقا ووفاء وأداء ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: «صدقا ووفاء وأداء وأمانة» قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وطاوس، أنهما قالا في قوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قالا: «مالا وأمانة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: «أداء وأمانة» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة، 17P280 قال: كان إبراهيم يقول في هذه الآية: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: «صدقا ووفاء، أو أحدهما» حدثنا أبو بكر، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، في قوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: «أداء ومالا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال: عمرو بن دينار: " أحسبه كل ذلك: المال والصلاح " حدثني علي بن سهل، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان: {إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] يعني: «صدقا ووفاء وأمانة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: «إن علمت فيه خيرا لنفسك، يؤدي إليك، ويصدقك ما حدثك، فكاتبه» وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن علمتم لهم مالا حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] يقول: «إن علمتم لهم مالا» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: {إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: «مالا» حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: «مالا» حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: «لهم مالا، فكاتبوهم» حدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: «إن علمتم لهم مالا، كائنة أخلاقهم وأديانهم ما كانت» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن عطاء بن أبي رباح: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] 17P282 قال: «مالا» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد قال: «إن علمتم عندهم مالا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني محمد بن عمرو اليافعي، عن ابن جريج، أن عطاء بن أبي رباح، كان يقول: «ما نراه إلا المال» ، يعني قوله: {إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] قال: ثم تلا: " {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا} [البقرة: 180] " وأولى هذه الأقوال في معنى ذلك عندي قول من قال: معناه فكاتبوهم إن علمتم فيهم قوة على الاحتراف والاكتساب ، ووفاء بما أوجب على نفسه وألزمها، وصدق لهجة وذلك أن هذه المعاني هي الأسباب التي بمولى العبد الحاجة إليها إذا كاتب عبده مما يكون في العبد؛ فأما المال وإن كان من الخير، فإنه لا يكون في العبد، وإنما يكون عنده أو له، لا فيه، والله إنما أوجب علينا مكاتبة العبد إذا علمنا فيه خيرا، لا إذا علمنا عنده أو له، فلذلك لم نقل: إن الخير في هذا الموضع معني به المال وقوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] يقول تعالى ذكره: وأعطوهم من مال الله الذي أعطاكم.

Section V17/P282–V17/P284

17P283 ثم اختلف أهل التأويل في المأمور بإعطائه من مال الله الذي أعطاه من هو؟ وفي المال: أي الأموال هو؟ فقال: بعضهم: الذي أمر الله بإعطاء المكاتب من مال الله هو مولى العبد المكاتب، ومال الله الذي أمر بإعطائه منه هو مال الكتابة، والقدر الذي أمر أن يعطيه منه: الربع. وقال آخرون: بل ما شاء من ذلك المولى ذكر من قال ذلك حدثني عمرو بن علي، قال: ثنا عمران بن عيينة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، في قول الله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: ربع «المكاتبة» حدثنا الحسن بن عرفة قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، في قول الله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: «ربع الكتابة يحطها عنه» حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه، في قول الله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: الربع «من أول نجومه» قال: أخبرنا ابن علية قال: ثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، في قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: «الربع من مكاتبته» حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثني عبد الملك بن أبي سليمان عن عبد الملك بن أعين، قال: " كاتب أبو عبد الرحمن غلاما في أربعة آلاف درهم، ثم وضع له الربع، ثم قال: لولا أني رأيت عليا رضوان الله عليه كاتب غلاما له، ثم وضع له الربع، ما وضعت لك شيئا " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن السلمي: " أنه كاتب غلاما له على ألف ومئتين، فترك الربع ، وأشهدني، فقال لي: كان صديقك يفعل هذا، يعني عليا رضوان الله عليه، يتأول: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك، قال: ثني فضالة بن أبي أمية، عن أبيه، قال: " كاتبني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستقرض لي من حفصة مئتي درهم. قلت: ألا تجعلها في مكاتبتي؟ قال: إني لا أدري: أدرك ذاك أم لا؟

Section V17/P284–V17/P286

" قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، بلغني أنه كاتبه على مائة أوقية: قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك قال: ذكرت ذلك لعكرمة، فقال: " هو قول الله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] " حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قول الله {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] يقول: «ضعوا عنهم من مكاتبتهم» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] يقول: «ضعوا عنهم مما قاطعتموهم عليه» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، في قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: «مما أخرج الله لكم منهم» حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: «آتهم مما في يديك» حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، قال: ثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن أبيه، قال: «كاتبتني زينب بنت قيس بن مخرمة من بني المطلب بن عبد مناف على عشرة آلاف، فتركت لي ألفا؛ وكانت زينب قد صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم 17P286 القبلتين جميعا» حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا ابن مسعود الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، مولى أبي أسيد قال: «كاتبني أبو أسيد، على ثنتي عشرة مائة، فجئته بها، فأخذ منها ألفا، ورد علي مئتين» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: «كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحب» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن نافع، قال: «كاتب عبد الله بن عمر غلاما له يقال له شرف على خمسة وثلاثين ألف درهم، فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف. ولم يذكر نافع أنه أعطاه شيئا غير الذي وضع له» قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال مالك: سمعت بعض، أهل العلم يقول: " إن ذلك أن يكاتب الرجل غلامه، ثم يضع عنه من آخر كتابته شيئا مسمى.

Section V17/P286–V17/P289

قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت، وعلى ذلك أهل العلم وعمل الناس عندنا " حدثني علي، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان: «أحب إلي أن يعطيه الربع، أو أقل منه شيئا، وليس بواجب؛ وأن يفعل ذلك حسن» حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عبد الله بن حبيب أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: «هو ربع المكاتبة» وقال آخرون: بل ذلك حض من الله أهل الأموال على أن يعطوهم سهمهم الذي جعله لهم من الصدقات المفروضة لهم في أموالهم بقوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب} [التوبة: 60]، قال: فالرقاب التي جعل فيها أحد سهمان الصدقة الثمانية هم المكاتبون، قال: وإياه عنى جل ثناؤه بقوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] أي سهمهم من الصدقة ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثني يحيى بن واضح قال: ثنا الحسين، عن ابن زيد، عن أبيه، قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: «يحث الله عليه، يعطونه» حدثني يعقوب، قال: ثني ابن علية قال: أخبرنا يونس، عن الحسن: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: «حث الناس عليه؛ مولاه وغيره» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم، في قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } [النور: 33] قال: «يعطي مكاتبه وغيره، حث الناس عليه» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال في قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: «أمر مولاه والناس جميعا أن يعينوه» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: «أمر المسلمين أن يعطوهم مما آتاهم الله» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد، عن أبيه: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: «ذلك في الزكاة على الولاة يعطونهم من الزكاة، يقول الله» {وفي الرقاب} [التوبة: 60] " قال: ثني ابن زيد، عن أبيه: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: " الفيء والصدقات. وقرأ قول الله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] ، وقرأ حتى بلغ: {وفي الرقاب} [التوبة: 60] فأمر الله أن يوفوها منه، فليس ذلك من الكتابة. قال: " وكان أبي يقول: ماله وللكتابة؟ هو من مال الله الذي فرض له فيه نصيبا " وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي القول الثاني، وهو قول من قال: عنى به إيتاءهم سهمهم من الصدقة المفروضة. وإنما قلنا ذلك أولى القولين؛ لأن قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] أمر من الله تعالى ذكره بإيتاء المكاتبين من ماله الذي آتى أهل الأموال، وأمر الله فرض على عباده الانتهاء إليه، ما لم يخبرهم أن مراده الندب، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا. فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن أخبرنا في كتابه ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ندب، ففرض واجب. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحجة قد قامت أن لا حق لأحد في مال أحد غيره من المسلمين إلا ما أوجبه الله لأهل سهمان الصدقة في أموال الأغنياء منهم، وكانت الكتابة التي يقتضيها سيد المكاتب من مكاتبه مالا من مال سيد المكاتب؛ فيفاد أن الحق الذي أوجب الله له على المؤمنين أن يؤتوه من أموالهم هو ما فرض على الأغنياء في أموالهم له من الصدقة المفروضة، إذ كان لا حق في أموالهم لأحد سواها 17P289

Section V17/P289–V17/P291

[النور: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {. ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} [النور: 33] يقول تعالى ذكره: زوجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم، ولا تكرهوا إماءكم على البغاء، وهو الزنا؛ {إن أردن تحصنا} [النور: 33] يقول: إن أردن تعففا عن الزنا. {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} [النور: 33] يقول: لتلتمسوا بإكراهكم إياهن على الزنا عرض الحياة، وذلك ما تعرض لهم إليه الحاجة من رياشها وزينتها، وأموالها. {ومن يكرههن} [النور: 33] يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهن على ذلك، لهم {غفور رحيم} [البقرة: 173] ووزر ما كان من ذلك عليهم دونهن. وذكر أن هذه الآية أنزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول حين أكره أمته مسيكة على الزنا ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن الصباح، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: " جاءت مسيكة لبعض الأنصار فقالت: إن سيدي يكرهني على الزنا فنزلت في ذلك: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} [النور: 33] " حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: " كانت جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول يقال لها مسيكة، فآجرها أو أكرهها الطبري شك فأتت 17P291 النبي صلى الله عليه وسلم، فشكت ذلك إليه، فأنزل الله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} [النور: 33] يعني بهن " حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن الشعبي، في قوله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} [النور: 33] قال: «رجل كانت له جارية تفجر، فلما أسلمت نزلت هذه» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر قال: " جاءت جارية لبعض الأنصار، فقالت: إن سيدي أكرهني على البغاء فأنزل الله في ذلك: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} [النور: 33] " قال ابن جريج: وأخبرني عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: " أمة لعبد الله بن أبي، أمرها فزنت، فجاءت ببرد، فقال لها: ارجعي فازني قالت: والله لا أفعل، إن يك هذا خيرا فقد استكثرت منه، وإن يك شرا فقد آن لي أن أدعه " قال ابن جريج: وقال مجاهد نحو ذلك، وزاد قال: البغاء الزنا {غفور رحيم} [البقرة: 173] قال: للمكرهات على الزنا، وفيها نزلت هذه الآية حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري: " أن رجلا، من قريش أسر يوم بدر. وكان عبد الله بن أبي أسره، وكان لعبد الله جارية يقال: لها معاذة، فكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان ابن أبي يكرهها على ذلك، ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي، فيطلب فداء ولده، فقال الله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} [النور: 33] قال الزهري: {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} [النور: 33] يقول: غفور لهن ما أكرهن عليه " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، أنه " كان يقرأ: «فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم» حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} [النور: 33] يقول: «ولا تكرهوا إماءكم على الزنا، فإن فعلتم فإن الله سبحانه لهن غفور رحيم ، وإثمهن على من أكرههن» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} [النور: 33] .

Section V17/P291

إلى آخر الآية، قال: " 17P293 كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا، يأخذون أجورهن، فقال الله: لا تكرهوهن على الزنا من أجل المنالة في الدنيا، ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهن؛ يعني: «إذا أكرهن» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} [النور: 33] «على الزنا» . قال: " عبد الله بن أبي ابن سلول أمر أمة له بالزنا، فجاءته بدينار أو ببرد شك أبو عاصم فأعطته، فقال: ارجعي فازني بآخر فقالت: والله ما أنا براجعة، فالله غفور رحيم للمكرهات على الزنا ففي هذا أنزلت هذه الآية " حدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه، إلا أنه قال في حديثه: أمر أمة له بالزنا، فزنت، فجاءته ببرد فأعطته. فلم يشك حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} [النور: 33] يقول: على الزنا. {فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} [النور: 33] يقول: «غفور لهن، للمكرهات على الزنا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ومن 17P294 يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} [النور: 33] قال: «غفور رحيم لهن حين أكرهن وقسرن على ذلك» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: " كانوا يأمرون ولائدهم يباغين، يفعلن ذلك، فيصبن، فيأتينهم بكسبهن، فكانت لعبد الله بن أبي ابن سلول جارية، فكانت تباغي، فكرهت، وحلفت أن لا تفعله، فأكرهها أهلها، فانطلقت، فباغت ببرد أخضر، فأتتهم به، فأنزل الله تبارك وتعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} [النور: 33] . الآية " 17P294

Section V17/P291–V17/P295

[النور: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين} [النور: 34] يقول تعالى ذكره: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس دلالات وعلامات مبينات؛ يقول: مفصلات الحق من الباطل، وموضحات ذلك. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: (مبينات) بفتح الياء: بمعنى مفصلات، وأن الله فصلهن وبينهن لعباده، فهن مفصلات مبينات. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: {مبينات} [النور: 34] بكسر الياء، بمعنى أن الآيات هن تبين الحق والصواب للناس وتهديهم إلى الحق. والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، متقاربتا المعنى. وذلك أن الله إذ فصلها وبينها صارت مبينة بنفسها الحق لمن التمسه من قبلها، وإذا بينت ذلك لمن التمسه من قبلها، فيبين الله ذلك فيها. فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب وقوله: {ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} [النور: 34] من الأمم، وموعظة لمن اتقى الله، فخاف عقابه، وخشي عذابه 17P295

Section V17/P295–V17/P296

[النور: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} [النور: 35] يعني تعالى ذكره بقوله: {الله نور السموات والأرض} هادي من في السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {الله نور السموات والأرض} «يقول الله سبحانه هادي أهل السماوات 17P296 والأرض» حدثني سليمان بن عمر بن خالد الرقي، قال: ثنا وهب بن راشد، عن فرقد، عن أنس بن مالك، قال: " إن إلهي يقول: نوري هداي " وقال آخرون: بل معنى ذلك: الله مدبر السماوات والأرض ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد، وابن عباس في قوله: {الله نور السموات والأرض} " يدبر الأمر فيهما: نجومهما وشمسهما وقمرهما " وقال آخرون: بل عنى بذلك النور الضياء. وقالوا: معنى ذلك: ضياء السماوات والأرض ذكر من قال ذلك حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا أبو جعفر 17P297 الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، في قول الله: {الله نور السموات والأرض} قال: «فبدأ بنور نفسه، فذكره، ثم ذكر نور المؤمن» وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك؛ لأنه عقيب قوله: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين} [النور: 34] فكان ذلك بأن يكون خبرا عن موقع يقع تنزيله من خلقه، ومن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه، أولى وأشبه، ما لم يأت ما يدل على انقضاء الخبر عنه من غيره. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس آيات مبينات الحق من الباطل {ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين} [النور: 34] فهديناكم بها، وبينا لكم معالم دينكم بها، لأني هادي أهل السماوات وأهل الأرض. وترك وصل الكلام باللام، وابتدأ الخبر عن هداية خلقه ابتداء، وفيه المعنى الذي ذكرت، استغناء بدلالة الكلام عليه من ذكره. ثم ابتدأ في الخبر عن مثل هدايته خلقه بالآيات المبينات التي أنزلها إليهم، فقال: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} [النور: 35] يقول: مثل ما أنار من الحق بهذا التنزيل في بيانه كمشكاة. وقد اختلف أهل التأويل في المعني بالهاء في قوله: {مثل نوره} [النور: 35] علام هي عائدة؟ ومن ذكر ما هي؟ فقال بعضهم: هي من ذكر المؤمن. وقالوا: معنى الكلام: مثل نور المؤمن الذي في قلبه من الإيمان والقرآن مثل مشكاة ذكر من قال ذلك حدثنا عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، في قول الله: {مثل نوره} [النور: 35] قال: " ذكر نور المؤمن فقال: مثل نوره، يقول: " مثل نور المؤمن. قال: وكان أبي يقرؤها كذلك: «مثل المؤمن» . قال: هو المؤمن قد جعل الإيمان والقرآن في صدره " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: {الله نور السموات والأرض مثل نوره} قال: " بدأ بنور نفسه فذكره، ثم قال: {مثل نوره} [النور: 35] يقول: مثل نور من آمن به.

Section V17/P296–V17/P300

قال: وكذلك كان يقرأ أبي، قال: «هو عبد جعل الله القرآن والإيمان في صدره» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {مثل نوره} [النور: 35] قال: «مثل نور المؤمن» حدثني علي بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن اليمان، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك، في قوله: {مثل نوره} [النور: 35] قال: «نور المؤمن» وقال آخرون: بل عني بالنور: محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا: الهاء التي قوله: {مثل نوره} [النور: 35] عائدة على اسم الله ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن حفص، عن شمر، قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له: حدثني عن قول الله، عز وجل: {الله نور السموات والأرض} . الآية؟ فقال كعب: «الله نور السماوات والأرض، مثل نوره؛ مثل محمد صلى الله عليه وسلم، كمشكاة» حدثني علي بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن اليمان، عن أشعث، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، في قوله: {مثل نوره} [النور: 35] قال: محمد صلى الله عليه وسلم " وقال آخرون: بل عني بذلك: هدي الله وبيانه، وهو القرآن. قالوا: والهاء من ذكر الله، قالوا: ومعنى الكلام: الله هادي أهل السماوات والأرض بآياته المبينات، وهي النور الذي استنار به السماوات والأرض، مثل هداه وآياته التي هدى بها خلقه، ووعظهم بها في قلوب المؤمنين كمشكاة ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، {مثل نوره} [النور: 35] «مثل هداه في قلب المؤمن» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في 17P300 قوله: {مثل نوره} [النور: 35] قال: «مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {مثل نوره} [النور: 35] " نور القرآن الذي أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم وعباده، هذا مثل القرآن {كمشكاة فيها مصباح} [النور: 35] " قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم، في قول الله تبارك وتعالى {الله نور السموات والأرض مثل نوره} «ونوره الذي ذكر القرآن، ومثله الذي ضرب له» وقال آخرون: بل معنى ذلك مثل نور الله. وقالوا: يعني بالنور: الطاعة ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} [النور: 35] " وذلك أن اليهود قالوا لمحمد: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟

Section V17/P300–V17/P302

فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة} [النور: 35] قال: وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا، ثم سماها أنوارا شتى " وقوله: {كمشكاة} [النور: 35] اختلف أهل التأويل في معنى المشكاة، والمصباح، وما المراد بذلك، وبالزجاجة، فقال بعضهم: المشكاة كل كوة لا منفذ لها، وقالوا: هذا مثل ضربه الله لقلب محمد صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له: " حدثني عن قول الله: {مثل نوره كمشكاة} [النور: 35] " قال: " المشكاة وهي الكوة، ضربها الله مثلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، المشكاة {فيها مصباح المصباح} [النور: 35] قلبه {في زجاجة الزجاجة} [النور: 35] صدره الزجاجة {كأنها كوكب دري} [النور: 35] شبه صدر النبي صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدري، ثم رجع المصباح إلى قلبه ، فقال: {يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] لم تمسها شمس المشرق، ولا شمس المغرب، {يكاد زيتها يضيء} [النور: 35] يكاد محمد يبين للناس وإن لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء {ولو لم تمسسه نار نور على نور} [النور: 35] " حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {كمشكاة} [النور: 35] يقول: «موضع الفتيلة» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {الله نور السموات والأرض} . إلى {كمشكاة} [النور: 35] قال: " المشكاة: كوة البيت " وقال: آخرون عنى بالمشكاة: صدر المؤمن، وبالمصباح: القرآن والإيمان، وبالزجاجة: قلبه ذكر من قال ذلك حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} [النور: 35] قال: «مثل المؤمن قد جعل الإيمان والقرآن في صدره كمشكاة» قال: " المشكاة: صدره ". {فيها مصباح} [النور: 35] قال: «والمصباح القرآن والإيمان الذي جعل في صدره» . {المصباح في زجاجة} [النور: 35] قال: " والزجاجة: قلبه ". {الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد} [النور: 35] قال: " فمثله مما استنار فيه القرآن والإيمان كأنه كوكب دري، يقول: مضيء. {يوقد من شجرة مباركة} [النور: 35] والشجرة المباركة، أصله المباركة: الإخلاص لله وحده، وعبادته، لا شريك له. {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: فمثله مثل شجرة التف بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الغير، وقد ابتلي بها فثبته 17P303 الله فيها، فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق؛ فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات.

Questions