Taberî — Câmiü'l-Beyân
[سبأ: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب} [سبأ: 54] يقول تعالى ذكره: وحيل بين هؤلاء المشركين حين فزعوا، فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب، فقالوا آمنا به {وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] حينئذ من الإيمان بما كانوا به في الدنيا قبل ذلك يكفرون ولا سبيل لهم إليه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني إسماعيل بن حفص الأبلي، قال: ثنا المعتمر، عن أبي الأشهب، عن الحسن، في قوله: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «حيل بينهم وبين الإيمان بالله» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عبد الصمد، قال: سمعت الحسن، وسئل عن هذه الآية {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «حيل بينهم وبين الإيمان» حدثني ابن أبي زياد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الحسن {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «حيل بينهم وبين الإيمان» حدثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصاري، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «من الرجوع إلى الدنيا ليتوبوا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] «كان القوم يشتهون طاعة الله أن يكونوا عملوا بها في الدنيا حين عاينوا ما عاينوا» حدثنا الحسن بن واضح، قال: ثنا الحسن بن حبيب، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الحسن، في قوله: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «حيل بينهم وبين الإيمان» وقال آخرون: معنى ذلك: وحيل بينهم وبين ما يشتهون من مال وولد وزهرة الدنيا ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: ثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «من مال أو ولد أو زهرة» حدثني يونس، قال: قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وحيل 19P323 بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] قال: «في الدنيا التي كانوا فيها والحياة» وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك، لأن القوم إنما تمنوا حين عاينوا من عذاب الله ما عاينوا، ما أخبر الله عنهم أنهم تمنوه، وقالوا آمنا به، فقال الله: وأنى لهم تناوش ذلك من مكان بعيد، وقد كفروا من قبل ذلك في الدنيا فإذا كان ذلك كذلك، فلأن يكون قوله: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} [سبأ: 54] خبرا عن أنه لا سبيل لهم إلى ما تمنوه أولى من أن يكون خبرا عن غيره وقوله: {كما فعل بأشياعهم من قبل} [سبأ: 54] يقول فعلنا بهؤلاء المشركين، فحلنا بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان بالله عند نزول سخط الله بهم، ومعاينتهم بأسه كما فعلنا بأشياعهم على كفرهم بالله من قبلهم من كفار الأمم، فلم نقبل منهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما لم نقبل في مثل ذلك الوقت من ضربائهم.
والأشياع: جمع شيع، وشيع: جمع شيعة، فأشياع جمع الجمع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح {كما فعل بأشياعهم من قبل} [سبأ: 54] قال: «الكفار من قبلهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {كما فعل بأشياعهم من قبل} [سبأ: 54] «أي في الدنيا كانوا إذا عاينوا العذاب لم يقبل منهم إيمان» وقوله: {إنهم كانوا في شك مريب} [سبأ: 54] يقول تعالى ذكره: وحيل بين هؤلاء المشركين حين عاينوا بأس الله، وبين الإيمان: إنهم كانوا قبل في الدنيا في شك من نزول العذاب الذي نزل بهم وعاينوه، وقد أخبرهم نبيهم أنهم إن لم ينيبوا مما هم عليه مقيمون من الكفر بالله، وعبادة الأوثان أن الله مهلكهم، ومحل بهم عقوبته في عاجل الدنيا، وآجل الآخرة قبل نزوله بهم {مريب} [هود: 62] يقول: موجب لصاحبه الذي هو به ما يريبه من مكروه، من قولهم: قد أراب الرجل: إذا أتى ريبة وركب فاحشة؛ كما قال الراجز: [+البحر الرجز] يا قوم مالي وأبا ذؤيب؟ 19P325 كنت إذا أتوته من غيب يشم عطفي ويبز ثوبي كأنما أربته بريب يقول: كأنما أتيت إليه ريبة
[035] سورة فاطر مكية وآياتها خمس وأربعون بسم الله الرحمن الرحيم 19P326 [فاطر: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} يقول تعالى ذكره: الشكر الكامل للمعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغي أن تكون لغيره خالق السموات السبع والأرض {جاعل الملائكة رسلا} [فاطر: 1] إلى من يشاء من عباده، وفيما شاء من أمره ونهيه {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} [فاطر: 1] يقول أصحاب أجنحة: يعني ملائكة، فمنهم من له اثنان من الأجنحة، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} [فاطر: 1] قال " بعضهم: له جناحان، وبعضهم: ثلاثة، وبعضهم أربعة " واختلف أهل العربية في علة ترك إجراء مثنى وثلاث ورباع، وهي ترجمة عن أجنحة، وأجنحة نكرة، فقال بعض نحويي البصرة ترك إجراؤهن لأنهن مصروفات عن وجوههن، وذلك أن مثنى مصروف عن اثنين، وثلاث عن ثلاثة، ورباع عن أربعة، فصرف نظير عمر، وزفر، إذ صرف هذا عن عامر إلى عمر، وهذا عن زافر إلى زفر، وأنشد بعضهم في ذلك: [+البحر الكامل] ولقد قتلتكم ثناء وموحدا وتركت مرة مثل أمس المدبر وقال آخر منهم: لم يصرف ذلك لأنه يوهم به الثلاثة والأربعة، قال: وهذا لا يستعمل إلا في حال العدد وقال بعض نحويي الكوفة: هن مصروفات عن المعارف، لأن الألف واللام لا تدخلها، والإضافة لا تدخلها؛ قال: ولو دخلتها الإضافة والألف واللام لكانت نكرة، وهي ترجمة عن النكرة؛ قال: وكذلك ما كان في القرآن، مثل: {أن تقوموا لله مثنى وفرادى} [سبأ: 46] ، وكذلك وحاد وأحاد، وما أشبهه من مصروف العدد وقوله: {يزيد في الخلق ما يشاء} [فاطر: 1] وذلك زيادته تبارك وتعالى في خلق هذا الملك من الأجنحة على الآخر ما يشاء، ونقصانه عن الآخر ما أحب، وكذلك ذلك في جميع خلقه يزيد ما يشاء في خلق ما شاء منه، وينقص ما شاء من خلق ما شاء، له الخلق والأمر، وله القدرة والسلطان {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] يقول: إن الله تعالى ذكره قدير على زيادة ما شاء من ذلك فيما شاء، ونقصان ما شاء منه ممن شاء، وغير ذلك من الأشياء كلها، لا يمتنع عليه فعل شيء أراده سبحان ه وتعالى 19P327 [فاطر: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} [فاطر: 2] 19P328 يقول تعالى ذكره: مفاتيح الخير ومغالقه كلها بيده؛ فما يفتح الله للناس من خير فلا مغلق له، ولا ممسك عنهم، لأن ذلك أمره لا يستطيع أمره أحد، وكذلك ما يغلق من خير عنهم فلا يبسطه عليهم، ولا يفتحه لهم، فلا فاتح له سواه، لأن الأمور كلها إليه وله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما يفتح الله للناس من رحمة} [فاطر: 2] " أي من خير {فلا ممسك لها} [فاطر: 2] فلا يستطيع أحد حبسها {وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر: 2] وقال تعالى ذكره: {فلا ممسك لها} [فاطر: 2] فأنث ما لذكر الرحمة من بعده، وقال: {وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر: 2] فذكر للفظ ما؛ لأن لفظه لفظ مذكر، ولو أنث في موضع التذكير للمعنى، وذكر في موضع التأنيث للفظ جاز، ولكن الأفصح من الكلام التأنيث إذا ظهر بعد ما يدل على تأنيثها والتذكير إذا لم يظهر ذلك وقوله: {وهو العزيز الحكيم} [إبراهيم: 4] يقول: وهو العزيز في نقمته ممن انتقم منه من خلقه بحبس رحمته عنه وخيراته، الحكيم في تدبير خلقه، وفتحه لهم الرحمة إذا كان فتح ذلك صلاحا، وإمساكه إياه عنهم إذا كان إمساكه حكمة 19P328
[فاطر: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} [فاطر: 3] يقول تعالى ذكره للمشركين به من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله} التي أنعمها {عليكم} [البقرة: 40] بفتحه لكم من خيراته ما فتح وبسطه لكم من العيش ما بسط وفكروا فانظروا هل من خالق سوى فاطر السموات والأرض الذي بيده مفاتيح أرزاقكم ومغالقها {يرزقكم من السماء والأرض} [يونس: 31] فتعبدوه دونه {لا إله إلا هو} [البقرة: 163] يقول: لا معبود تنبغي له العبادة إلا الذي فطر السموات والأرض، القادر على كل شيء، الذي بيده مفاتح الأشياء وخزائنها، ومغالق ذلك كله، فلا تعبدوا أيها الناس شيئا سواه، فإنه لا يقدر على نفعكم وضركم سواه، فله فأخلصوا العبادة، وإياه فأفردوا بالألوهة {فأنى تؤفكون} [الأنعام: 95] يقول: فأي وجه عن خالقكم ورازقكم الذي بيده نفعكم وضركم تصرفون كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأنى تؤفكون} [فاطر: 3] " يقول الرجل: إنه ليوفك عني كذا وكذا " وقد بينت معنى الإفك، وتأويل قوله: {تؤفكون} [فاطر: 3] فيما مضى بشواهده المغنية عن تكريره 19P329 [فاطر: 4_5] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} [فاطر: 4_5] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله من قومك فلا يحزننك ذاك، ولا يعظم عليك، فإن ذلك سنة أمثالهم من كفرة الأمم بالله من قبلهم، وتكذيبهم رسل الله التي أرسلها إليهم من قبلك، ولن يعدو مشركو قومك أن يكونوا مثلهم، فيتبعوا في تكذيبك منهاجهم، ويسلكوا سبيلهم {وإلى الله ترجع الأمور} [البقرة: 210] يقول تعالى ذكره: وإلى الله مرجع أمرك وأمرهم، فمحل بهم العقوبة، إن هم لم ينيبوا إلى طاعتنا في اتباعك، والإقرار بنبوتك، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة، نظير ما أحللنا بنظرائهم من الأمم المكذبة رسلها قبلك، ومنجيك وأتباعك من ذلك سنتنا بمن قبلك في رسلنا وأوليائنا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك} [فاطر: 4] «يعزي نبيه كما تسمعون» وقوله: {يا أيها الناس إن وعد الله حق} [فاطر: 5] يقول تعالى ذكره لمشركي قريش، المكذبي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس إن وعد الله إياكم بأسه على إصراركم على الكفر به، وتكذيب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وتحذيركم نزول سطوته بكم على ذلك حق، فأيقنوا بذلك، وبادروا حلول عقوبتكم بالتوبة والإنابة إلى طاعة الله والإيمان به وبرسوله {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} [لقمان: 33] يقول: فلا يغرنكم ما أنتم فيه من العيش في هذه الدنيا ورياستكم التي تترأسون بها في ضعفائكم فيها عن اتباع محمد والإيمان {ولا يغرنكم بالله الغرور} [لقمان: 33] يقول: ولا يخدعنكم بالله الشيطان، فيمنيكم الأماني، ويعدكم من الله العدات الكاذبة، ويحملكم على الإصرار على كفركم بالله كما: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {ولا يغرنكم بالله الغرور} [لقمان: 33] يقول: «الشيطان» 19P331
[فاطر: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] يقول تعالى ذكره: {إن الشيطان} [الأعراف: 22] الذي نهيتكم أيها الناس أن تغتروا بغروره إياكم بالله {لكم عدو فاتخذوه عدوا} [فاطر: 6] يقول: فأنزلوه من أنفسكم منزل العدو منكم، واحذروه بطاعة الله واستغشاشكم إياه، حذركم من عدوكم الذي تخافون غائلته على أنفسكم، فلا تطيعوه ولا تتبعوا خطواته، فإنه إنما يدعو حزبه، يعني شيعته، ومن أطاعه إلى طاعته والقبول منه، والكفر بالله {ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] يقول: ليكونوا من المخلدين في نار جهنم التي تتوقد على أهلها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} [فاطر: 6] «فإنه لحق على كل مسلم عداوته، وعداوته أن يعاديه بطاعة الله» {إنما يدعو حزبه} [فاطر: 6] " وحزبه: أولياؤه " {ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] «أي ليسوقهم إلى النار، فهذه عداوته» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] وقال: " هؤلاء حزبه من الإنس، يقول: أولئك حزب الشيطان، والحزب: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه " وقرأ: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196] 19P332 [فاطر: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير} [فاطر: 7] يقول تعالى ذكره: {الذين كفروا} [البقرة: 6] بالله ورسوله {لهم عذاب} [آل عمران: 4] من الله {شديد} [البقرة: 165] ، وذلك عذاب النار وقوله: {والذين آمنوا} [البقرة: 9] يقول: والذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما 19P333 أمرهم الله، وانتهوا عما نهاهم عنه {لهم مغفرة} [المائدة: 9] من الله لذنوبهم {وأجر كبير} [هود: 11] وذلك الجنة كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لهم مغفرة وأجر كبير} [هود: 11] «وهي الجنة» 19P333 [فاطر: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون} [فاطر: 8] يقول تعالى ذكره: أفمن حسن له الشيطان أعماله السيئة من معاصي الله والكفر به، وعبادة ما دونه من الآلهة والأوثان، فرآه حسنا، فحسب سيئ ذلك حسنا، وظن أن قبحه جميل، لتزيين، الشيطان ذلك له، ذهبت نفسك عليهم حسرات؛ وحذف من الكلام: ذهبت نفسك عليهم حسرات، اكتفاء بدلالة قوله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] منه وقوله: {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [فاطر: 8] يقول: فإن الله يخذل من يشاء عن الإيمان به واتباعك وتصديقك، فيضله عن الرشاد إلى الحق في ذلك، {ويهدي من يشاء} [يونس: 25] يقول: ويوفق من يشاء للإيمان به واتباعك، والقبول منك، فتهديه إلى سبيل الرشاد {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] 19P334 يقول: فلا تهلك نفسك حزنا على ضلالتهم وكفرهم بالله، وتكذيبهم لك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [فاطر: 8] قال قتادة والحسن: «الشيطان زين لهم» {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] «لا يحزنك ذلك عليهم، فإن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] قال: " الحسرات: الحزن، وقرأ قول الله: {يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} ووقع قوله: {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [فاطر: 8] موضع الجواب، وإنما هو منبع الجواب، لأن الجواب هو المتروك الذي ذكرت، فاكتفى به من الجواب لدلالته على الجواب ومعنى الكلام 19P335 واختلفت القراء في قراءة قوله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] فقرأته قراء الأمصار سوى أبي جعفر المدني {فلا تذهب نفسك} [فاطر: 8] بفتح التاء من {تذهب} [فاطر: 8] ، ونفسك برفعها وقرأ ذلك أبو جعفر: (فلا تذهب) بضم التاء من {تذهب} [فاطر: 8] ، ونفسك بنصبها، بمعنى: لا تذهب أنت يا محمد نفسك والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة من القراء عليه وقوله: {إن الله عليم بما يصنعون} [فاطر: 8] يقول تعالى ذكره: إن الله يا محمد ذو علم بما يصنع هؤلاء الذين زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وهو محصيه عليهم، ومجازيهم به جزاءهم 19P335
[فاطر: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور} [فاطر: 9] يقول تعالى ذكره: والله الذي أرسل الرياح فتثير السحاب للحيا والغيث {فسقناه إلى بلد ميت} [فاطر: 9] يقول: فسقناه إلى بلد مجدب الأهل، محل الأرض، داثر لا نبت فيه ولا زرع {فأحيينا به الأرض بعد موتها} [فاطر: 9] يقول: فأخصبنا بغيث ذلك السحاب الأرض التي سقناه إليها بعد جدوبها، وأنبتنا فيها الزرع بعد المحل {كذلك النشور} [فاطر: 9] يقول تعالى ذكره: هكذا ينشر الله الموتى بعد بلائهم في قبورهم، 19P336 فيحييهم بعد فنائهم، كما أحيينا هذه الأرض بالغيث بعد مماتها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله، قال: " يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم إلا وفي الأرض منه شيء قال: فيرسل الله ماء من تحت العرش منيا كمني الرجل، فتنبت أجسادهم ولحمانهم من ذلك، كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت} [فاطر: 9] إلى قوله: {كذلك النشور} [فاطر: 9] قال: ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها، فتدخل فيه " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا} [فاطر: 9] قال: «يرسل الرياح فتسوق السحاب، فأحيا الله به هذه الأرض الميتة بهذا الماء، فكذلك يبعثه يوم القيامة» 19P336
[فاطر: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] 19P337 اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [فاطر: 10] فقال بعضهم: معنى ذلك: من كان يريد العزة بعبادة الآلهة والأوثان، فإن العزة لله جميعا ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {من كان يريد العزة} [فاطر: 10] يقول: «من كان يريد العزة بعبادته الآلهة» {فإن العزة لله جميعا} [النساء: 139] وقال آخرون: معنى ذلك: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [فاطر: 10] يقول: «فليتعزز بطاعة الله» وقال آخرون: بل معنى ذلك: من كان يريد علم العزة لمن هي، فإنه لله جميعا كلها: أي كل وجه من العزة فلله والذي هو أولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال: من كان يريد العزة، فبالله فليتعزز، فلله العزة جميعا، دون كل ما دونه من الآلهة والأوثان 19P338 وإنما قلت: ذلك أولى بالصواب، لأن الآيات التي قبل هذه الآية، جرت بتقريع الله المشركين على عبادتهم الأوثان، وتوبيخه إياهم، ووعيده لهم عليها، فأولى بهذه أيضا أن تكون من جنس الحث على فراق ذلك، فكانت قصتها شبيهة بقصتها، وكانت في سياقها وقوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] يقول تعالى ذكره: إلى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه عليه {والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] يقول: ويرفع ذكر العبد ربه إليه عمله الصالح، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه، والانتهاء إلى ما أمر به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: أخبرني جعفر بن عون، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه المخارق بن سليم، قال: قال لنا عبد الله: " إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله. إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده، الحمد لله لا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن ملك، فجعلهن تحت جناحيه، ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بهن وجه الرحمن، ثم قرأ عبد الله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، قال: قال كعب: «إن لسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لدويا حول العرش كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن» حدثني يونس، قال: ثنا سفيان، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب الأشعري، قول: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] قال: «العمل الصالح يرفع الكلم الطيب» حدثني علي، ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] قال: " الكلام الطيب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه؛ فمن ذكر الله سبحانه في أداء فرائضه، حمل عليه ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله، ولم يؤد فرائضه، رد كلامه على عمله، فكان أولى به " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 19P340 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] قال: «العمل الصالح يرفع الكلام الطيب» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] قال: قال الحسن وقتادة: «لا يقبل الله قولا إلا بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه» وقوله: {والذين يمكرون السيئات} [فاطر: 10] يقول تعالى ذكره: والذين يكسبون السيئات لهم عذاب جهنم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثني سعيد، عن قتادة، قوله: {والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد} [فاطر: 10] قال: «هؤلاء أهل الشرك» وقوله: {ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] يقول: وعمل هؤلاء المشركين يبور، فيبطل فيذهب، لأنه لم يكن لله، فلم ينفع عامله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] «أي يفسد» حدثني يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب {ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] قال: «هم أصحاب الرياء» حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا سهل بن أبي عامر، قال: ثنا جعفر الأحمر، عن شهر بن حوشب، في قوله {ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] قال: «هم أصحاب الرياء» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10] قال: «بار فلم ينفعهم، ولم ينتفعوا به، وضرهم» 19P341
[فاطر: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص 19P342 من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير} [فاطر: 11] يقول تعالى ذكره: {والله خلقكم} [النحل: 70] أيها الناس {من تراب} [آل عمران: 59] يعني بذلك أنه خلق أباهم آدم من تراب، فجعل خلق أبيهم منه لهم خلقا {ثم من نطفة} [الكهف: 37] يقول: ثم خلقكم من نطفة الرجل والمرأة {ثم جعلكم أزواجا} [فاطر: 11] يعني أنه زوج منهم الأنثى من الذكر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {والله خلقكم من تراب} [فاطر: 11] «يعني آدم» {ثم من نطفة} [الكهف: 37] «يعني ذريته» {ثم جعلكم أزواجا} [فاطر: 11] «فزوج بعضكم بعضا» وقوله: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} [فاطر: 11] يقول تعالى ذكره: وما تحمل من أنثى منكم أيها الناس من حمل ولا نطفة إلا وهو عالم بحملها إياه ووضعها، وما هو؟ ذكر أو أنثى؟ لا يخفى عليه شيء من ذلك وقوله: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [فاطر: 11] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وما يعمر من معمر فيطول عمره، ولا ينقص من عمر آخر غيره عن عمر هذا الذي عمر عمرا طويلا {إلا في 19P343 كتاب} [الأنعام: 59] عنده، مكتوب قبل أن تحمل به أمه، وقبل أن تضعه، قد أحصى ذلك كله وعلمه قبل أن يخلقه، لا يزاد فيما كتب له ولا ينقص ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وما يعمر من معمر} [فاطر: 11] إلى {يسير} [فاطر: 11] يقول: «ليس أحد قضيت له طول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، وإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له، لا يزاد عليه؛ وليس أحد قضيت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه» فذلك قوله: {ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [فاطر: 11] يقول: «كل ذلك في كتاب عنده» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: «من قضيت له أن يعمر حتى يدركه الكبر، أو يعمر أنقص من ذلك، فكل بالغ أجله الذي قد قضى له، كل ذلك في كتاب» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [فاطر: 11] قال: «ألا ترى الناس الإنسان يعيش مائة سنة، وآخر يموت حين يولد؟
فهذا هذا» فالهاء التي في قوله {ولا ينقص من عمره} [فاطر: 11] على هذا التأويل وإن كانت في الظاهر أنها كناية عن اسم المعمر الأول، فهي كناية عن اسم آخر غيره، وإنما حسن ذلك لأن صاحبها لو أظهر لظهر بلفظ الأول، وذلك كقولهم: عندي ثوب ونصفه، والمعنى: ونصف الآخر وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره بفناء ما فني من أيام حياته، فذلك هو نقصان عمره والهاء على هذا التأويل للمعمر الأول، لأن معنى الكلام: ما يطول عمر أحد، ولا يذهب من عمره شيء فينقص إلا وهو في كتاب عبد الله مكتوب قد أحصاه وعلمه ذكر من قال ذلك: حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر ، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك، في هذه الآية: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [فاطر: 11] قال: «ما يقضي من أيامه التي عددت له إلا في كتاب» 19P345 وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب التأويل الأول؛ وذلك أن ذلك هو أظهر معنييه، وأشبههما بظاهر التنزيل وقوله: {إن ذلك على الله يسير} [الحج: 70] يقول تعالى ذكره: إن إحصاء أعمار خلقه عليه يسير سهل، طويل ذلك وقصيره، لا يتعذر عليه شيء منه 19P345
[فاطر: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} [فاطر: 12] يقول تعالى ذكره: وما يعتدل البحران فيستويان، أحدهما عذب فرات؛ والفرات: هو أعذب العذب، {وهذا ملح أجاج} [الفرقان: 53] يقول: والآخر منهما ملح أجاج، وذلك هو ماء البحر الأخضر؛ والأجاج: المر، وهو أشد المياه ملوحة كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وهذا 19P346 ملح أجاج} [فاطر: 12] " والأجاج: المر " وقوله: {ومن كل تأكلون لحما طريا} [فاطر: 12] يقول: ومن كل البحار تأكلون لحما طريا، وذلك السمك من عذبهما الفرات، وملحهما الأجاج {وتستخرجون حلية تلبسونها} [فاطر: 12] يعني: الدر والمرجان تستخرجونها من الملح الأجاج. وقد بينا قبل وجه {تستخرجون حلية} [فاطر: 12] ، وإنما يستخرج من الملح فيما مضى بما أغنى عن إعادته {وترى الفلك فيه مواخر} [فاطر: 12] يقول تعالى ذكره: وترى السفن في كل تلك البحار مواخر، تمخر الماء بصدورها، وذلك خرقها إياه إذا مرت واحدتها ماخرة يقال منه: مخرت تمخر، وتمخر مخرا، وذلك إذا شقت الماء بصدورها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن كل تأكلون لحما طريا} [فاطر: 12] " أي منهما جميعا {وتستخرجون حلية تلبسونها} [فاطر: 12] هذا اللؤلؤ، {وترى الفلك فيه مواخر} [فاطر: 12] فيه السفن مقبلة ومدبرة بريح واحدة " حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 19P347 قوله: {وترى الفلك فيه مواخر} [فاطر: 12] يقول: «جواري» وقوله: {لتبتغوا من فضله} [الإسراء: 66] يقول: لتطلبوا بركوبكم في هذه البحار في الفلك من معايشكم، ولتتصرفوا فيها في تجاراتكم، وتشكروا الله على تسخيره ذلك لكم، وما رزقكم منه من طيبات الرزق، وفاخر الحلي 19P347 [فاطر: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] يقول تعالى ذكره: يدخل الليل في النهار، وذلك ما نقص من الليل أدخله في النهار فزاده فيه، ويولج النهار في الليل، وذلك ما نقص من أجزاء النهار زاد في أجزاء الليل، فأدخله فيها كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل «زيادة هذا في نقصان هذا، ونقصان هذا في زيادة هذا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} [فاطر: 13] يقول: «هو انتقاص أحدهما من الآخر» وقوله: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} [الرعد: 2] يقول: وأجرى لكم الشمس والقمر نعمة منه عليكم، ورحمة منه بكم، لتعلموا عدد السنين والحساب، وتعرفوا الليل من النهار وقوله: {كل يجري لأجل مسمى} [الرعد: 2] يقول: كل ذلك يجري لوقت معلوم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} [الرعد: 2] «أجل معلوم وحد لا يقصر دونه ولا يتعداه» وقوله: {ذلكم الله ربكم} [الأنعام: 102] 19P348 يقول: الذي يفعل هذه الأفعال معبودكم أيها الناس الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الله ربكم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ذلكم الله ربكم له الملك} [فاطر: 13] «أي هو الذي يفعل هذا» وقوله: {له الملك} [البقرة: 247] يقول تعالى ذكره: له الملك التام الذي لا شيء إلا وهو في ملكه وسلطانه وقوله {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] يقول تعالى ذكره: والذين تعبدون أيها الناس من دون ربكم الذي هذه الصفة التي ذكرها في هذه الآيات الذي له الملك الكامل، الذي لا يشبهه ملك، صفته {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] يقول: ما يملكون قشر نواة فما فوقها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عمن حدثه عن ابن عباس، في قوله: {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] قال: «هو جلد النواة» حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {من قطمير} [فاطر: 13] يقول: «الجلد الذي يكون على ظهر النواة» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] " يعني: قشر النواة " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 19P350 في قول الله: {من قطمير} [فاطر: 13] قال: «لفافة النواة كسحاة البيضة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] والقطمير: القشرة التي على رأس النواة " حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جويبر، عن بعض أصحابه، في قوله: {ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] قال: «هو القمع الذي يكون على التمرة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا مرة، عن عطية، قال: " القطمير: قشر النواة " 19P350
[فاطر: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14] قوله: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} [فاطر: 14] يقول تعالى ذكره: إن تدعوا أيها الناس هؤلاء الآلهة التي تعبدونها من دون الله لا يسمعوا دعاءكم، لأنها جماد لا تفهم عنكم ما تقولون {ولو سمعوا ما استجابوا لكم} [فاطر: 14] يقول: ولو سمعوا دعاءكم إياهم، وفهموا عنكم أنها قولكم، بأن جعل لهم سمع يسمعون به، ما استجابوا لكم؛ لأنها ليست ناطقة، وليس كل 19P351 سامع قولا متيسرا له الجواب عنه يقول تعالى ذكره للمشركين به الآلهة والأوثان: فكيف تعبدون من دون الله من هذه صفته، وهو لا نفع لكم عنده، ولا قدرة له على ضركم، وتدعون عبادة الذي بيده نفعكم وضركم، وهو الذي خلقكم وأنعم عليكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} [فاطر: 14] «أي ما قبلوا ذلك عنكم، ولا نفعوكم فيه» وقوله: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} [فاطر: 14] يقول تعالى ذكره للمشركين من عبدة الأوثان: ويوم القيامة تتبرأ آلهتكم التي تعبدونها من دون الله من أن تكون كانت لله شريكا في الدنيا كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} [فاطر: 14] «إياهم، ولا يرضون، ولا يقرون به» وقوله: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14] يقول تعالى ذكره: ولا يخبرك يا محمد عن آلهة هؤلاء المشركين وما يكون من أمرها وأمر عبدتها يوم القيامة، من تبرئها منهم، وكفرها بهم، مثل ذي خبرة بأمرها وأمرهم؛ وذلك الخبير هو الله الذي لا 19P352 يخفى عليه شيء كان أو يكون سبحانه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14] «والله هو الخبير أنه سيكون هذا منهم يوم القيامة» 19P352 [فاطر: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15] يقول تعالى ذكره : يا أيها الناس أنتم أولو الحاجة والفقر إلى ربكم، فإياه فاعبدوا، وفي رضاه فسارعوا، يغنكم من فقركم، وتنجح لديه حوائجكم {والله هو الغني} [فاطر: 15] عن عبادتكم إياه، وعن خدمتكم، وعن غير ذلك من الأشياء منكم ومن غيركم {الحميد} [إبراهيم: 1] يعني: المحمود على نعمه، فإن كل نعمة بكم وبغيركم فمنه، فله الحمد والشكر بكل حال 19P352
[فاطر: 16_17_18] القول في تأويل قوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير} [فاطر: 16_17_18] يقول تعالى ذكره: إن يشأ يهلككم أيها الناس ربكم، لأنه أنشأكم من غير ما حاجة به إليكم {ويأت بخلق جديد} [إبراهيم: 19] يقول: ويأت بخلق سواكم يطيعونه، 19P353 ويأتمرون لأمره، وينتهون عما نهاهم عنه كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} [إبراهيم: 19] «أي ويأت بغيركم» وقوله: {وما ذلك على الله بعزيز} [إبراهيم: 20] يقول: وما إذهابكم والإتيان بخلق سواكم على الله بشديد، بل ذلك عليه يسير سهل، يقول: فاتقوا الله أيها الناس، وأطيعوه قبل أن يفعل بكم ذلك وقوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] يقول تعالى ذكره: ولا تحمل آثمة إثم أخرى غيرها {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} [فاطر: 18] يقول تعالى: وإن تسأل ذات ثقل من الذنوب من يحمل عنها ذنوبها، وتطلب ذلك لم تجد من يحمل عنها شيئا منها، ولو كان الذي سألته ذا قرابة من أب أو أخ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} [فاطر: 18] يقول: «يكون عليه وزر لا يجد أحدا يحمل 19P354 عنه من وزره شيئا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} [فاطر: 18] كنحو: {لا تزر وازرة وزر أخرى} [فاطر: 18] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وإن تدع مثقلة إلى حملها} [فاطر: 18] " إلى ذنوبها {لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} [فاطر: 18] أي قريب القرابة منها، لايحمل من ذنوبها شيئا، ولا تحمل على غيرها من ذنوبها شيئا {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [فاطر: 18] ونصب ذا قربى على تمام كان لأن معنى الكلام: ولو كان الذي تسأله أن يحمل عنها ذنوبها ذا قربى لها؛ وأنثت مثقلة، لأنه ذهب بالكلام إلى النفس، كأنه قيل: وإن تدع نفس مثقلة من الذنوب إلى حمل ذنوبها وإنما قيل كذلك لأن النفس تؤدي عن الذكر والأنثى، كما قيل: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] يعني بذلك: كل ذكر وأنثى وقوله: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} [فاطر: 18] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنما تنذر يا محمد الذين يخافون عقاب الله يوم القيامة من غير معاينة منهم لذلك، ولكن لإيمانهم بما أتيتهم به، وتصديقهم لك فيما أنبأتهم عن الله؛ فهؤلاء الذين ينفعهم إنذارك، ويتعظون بمواعظك، لا الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} [فاطر: 18] «أي يخشون النار» وقوله: {وأقاموا الصلاة} [البقرة: 277] يقول: وأدوا الصلاة المفروضة بحدودها على ما فرضها الله عليهم وقوله: {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه} [فاطر: 18] يقول تعالى ذكره: ومن يتطهر من دنس الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله، والإيمان به، والعمل بطاعته، فإنما يتطهر لنفسه، وذلك أنه يثيبها به رضا الله، والفوز بجنانه، والنجاة من عقابه، الذي أعده لأهل الكفر به كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه} [فاطر: 18] «أي من يعمل صالحا فإنما يعمله لنفسه» وقوله: {وإلى الله المصير} [آل عمران: 28] يقول: وإلى الله مصير كل عامل منكم أيها الناس، مؤمنكم وكافركم، وبركم وفاجركم، وهو مجاز جميعكم بما قدم من خير أو شر على ما أهل منه 19P356
[فاطر: 19_20_21_22_23] القول في تأويل قوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير} [فاطر: 19_20_21_22_23] يقول تعالى ذكره: {وما يستوي الأعمى} [فاطر: 19] عن دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم {والبصير} [الأنعام: 50] الذي قد أبصر فيه رشده، فاتبع محمدا وصدقه، وقبل عن الله ما ابتعثه به {ولا الظلمات ولا النور} [فاطر: 20] يقول: وما تستوي ظلمات الكفر، ونور الإيمان، {ولا الظل} [فاطر: 21] قيل: ولا الجنة {ولا الحرور} [فاطر: 21] قيل: النار، كأن معناه عندهم: وما تستوي الجنة والنار؛ والحرور بمنزلة السموم، وهي الرياح الحارة وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى، عن رؤبة بن العجاج، أنه كان يقول: الحرور بالليل، والسموم بالنهار وأما أبو عبيدة فإنه قال: الحرور في هذا الموضع والنهار مع الشمس وأما الفراء فإنه كان يقول: الحرور يكون بالليل والنهار، والسموم لا يكون بالليل إنما يكون بالنهار القول في ذلك عندي، أن الحرور يكون بالليل والنهار، غير أنه في هذا الموضع بأن يكون كما قال أبو عبيدة: أشبه مع الشمس، لأن الظل إنما يكون في يوم شمس، فذلك يدل على أنه أريد بالحرور: الذي يوجد في حال وجود الظل وقوله: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} [فاطر: 22] يقول: وما يستوي الأحياء القلوب بالإيمان بالله ورسوله، ومعرفة تنزيل الله، والأموات القلوب لغلبة الكفر عليها، حتى صارت لا تعقل عن الله أمره ونهيه، ولا تعرف الهدى من الضلال؛ وكل هذه أمثال ضربها الله للمؤمن والإيمان، والكافر والكفر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وما يستوي الأعمى والبصير} [فاطر: 19] الآية، قال: " هو مثل ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية. يقول: وما يستوي الأعمى والظلمات والحرور، ولا الأموات، فهو مثل أهل المعصية ولا يستوي البصير ولا النور، ولا الظل والأحياء، فهو مثل أهل الطاعة " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما يستوي 19P358 الأعمى} [فاطر: 19] «الآية خلقا، فضل بعضه على بعض؛ فأما المؤمن فعبد حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل وأما الكافر فعبد ميت، ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات} [فاطر: 20] قال: " هذا مثل ضربه الله؛ فالمؤمن بصير في دين الله، والكافر أعمى، كما لا يستوي الظل ولا الحرور، ولا الأحياء ولا الأموات، فكذلك لا يستوي هذا المؤمن الذي يبصر دينه، ولا هذا الأعمى، وقرأ: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} قال: الهدى الذي هداه الله به ونور له هذا مثل ضربه الله لهذا المؤمن الذي يبصر دينه، وهذا الكافر الأعمى، فجعل المؤمن حيا، وجعل الكافر ميتا، ميت القلب {أومن كان ميتا فأحييناه} قال: هديناه إلى الإسلام كمن مثله في الظلمات أعمى القلب، وهو في الظلمات، أهذا وهذا سواء؟
«واختلف أهل العربية في وجه دخول» لا " مع حرف العطف في قوله : {ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور} [فاطر: 20] فقال بعض نحويي البصرة: قال: ولا الظل ولا الحرور، فيشبه أن تكون لا زائدة، لأنك لو قلت: لا يستوي عمرو ولا زيد في هذا المعنى لم يجز إلا أن تكون «لا» زائدة؛ وكان غيره يقول: إذا لم تدخل «لا» مع الواو، فإنما لم تدخل اكتفاء بدخولها في أول الكلام، فإذا أدخلت فإنه يراد بالكلام أن كل واحد منهما لا يساوي صاحبه، فكان معنى الكلام إذا أعيدت «لا» مع الواو عند صاحب هذا القول: لا يساوي الأعمى البصير ولا يساوي البصير الأعمى، فكل واحد منهما لا يساوي صاحبه وقوله: {إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور} [فاطر: 22] يقول تعالى ذكره: كما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله، فيهديهم به إلى سبيل الرشاد، فكذلك لا يقدر أن ينفع بمواعظ الله، وبيان حججه، من كان ميت القلب من أحياء عباده، عن معرفة الله، وفهم كتابه وتنزيله، وواضح حججه كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {إن الله يسمع 19P360 من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور} [فاطر: 22] «كذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع» وقوله: {إن أنت إلا نذير} [فاطر: 23] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ما أنت إلا نذير تنذر هؤلاء المشركين بالله، الذين طبع الله على قلوبهم، ولم يرسلك ربك إليهم إلا لتبلغهم رسالته، ولم يكلفك من الأمر ما لا سبيل لك إليه؛ فأما اهتداؤهم وقبولهم منك ما جئتهم به، فإن ذلك بيد الله لا بيدك، ولا بيد غيرك من الناس، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن هم لم يستجيبوا لك 19P360
[فاطر: 24_25_26] القول في تأويل قوله تعالى: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير} [فاطر: 24_25_26] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {إنا أرسلناك} [البقرة: 119] يا محمد {بالحق} [البقرة: 71] وهو الإيمان بالله وشرائع الدين التي افترضها على عباده {بشيرا} [البقرة: 119] يقول: مبشرا بالجنة من صدقك وقبل منك ما جئت به من عند الله من النصيحة {ونذيرا} [البقرة: 119] تنذر الناس من كذبك ورد عليك ما جئت به من عند الله من النصيحة {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] يقول: وما من أمة من الأمم الدائنة بملة إلا خلا فيها من قبلك نذير ينذرهم بأسنا على كفرهم بالله كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] «كل أمة كان لها رسول» وقوله: {وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} [فاطر: 25] يقول تعالى ذكره مسليا نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يلقى من مشركي قومه من التكذيب: وإن يكذبك يا محمد مشركو قومك، فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم الذين جاءتهم رسلهم بالبينات؛ يقول: بحجج من الله واضحة {وبالزبر} [فاطر: 25] يقول: وجاءتهم بالكتب من عند الله كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {بالبينات وبالزبر} [فاطر: 25] «أي الكتب» وقوله: {وبالكتاب المنير} [فاطر: 25] يقول: وجاءهم من الله الكتاب المنير لمن تأمله وتدبره أنه الحق كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وبالكتاب المنير} [فاطر: 25] «يضعف الشيء وهو واحد» وقوله: {ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير} [فاطر: 26] يقول تعالى ذكره: ثم أهلكنا الذين جحدوا رسالة رسلنا، وحقيقة ما دعوهم إليه من آياتنا، وأصروا على جحودهم {فكيف كان نكير} [الحج: 44] يقول: فانظر يا محمد كيف كان تغييري بهم، وحلول عقوبتي بهم 19P362 [فاطر: 27_28] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور} [فاطر: 27_28] يقول تعالى ذكره: ألم تر يا محمد أن الله أنزل من السماء غيثا، فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها؛ يقول: فسقيناه أشجارا في الأرض، فأخرجنا به من تلك الأشجار ثمرات مختلفا ألوانها، منها الأحمر، ومنها الأسود والأصفر، وغير ذلك من ألوانها {ومن الجبال جدد بيض وحمر} [فاطر: 27] يقول تعالى ذكره: ومن الجبال طرائق، وهي الجدد، وهي الخطط تكون في الجبال بيض وحمر وسود، كالطرق؛ واحدتها جدة؛ ومنه قول امرئ القيس في صفة حمار: [+البحر الطويل] كأن سراته وجدة متنه كنائن يجري فوقهن دليص يعني بالجدة: الخطة السوداء تكون في متن الحمار وقوله: {مختلف ألوانها} [فاطر: 27] يعني: مختلف ألوان الجدد {وغرابيب سود} [فاطر: 27] ، وذلك من المقدم الذي هو بمعنى التأخير؛ وذلك أن العرب تقول: هو أسود غربيب، إذا وصفوه بشدة السواد، وجعل السواد ها هنا صفة للغرابيب وقوله: {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه} [فاطر: 28] كما من الثمرات والجبال مختلف ألوانه بالحمرة والبياض والسواد والصفرة، وغير ذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها} [فاطر: 27] " أحمر وأخضر وأضفر {ومن الجبال جدد بيض} [فاطر: 27] أي طرائق بيض {وحمر مختلف ألوانها} [فاطر: 27] أي جبال حمر وبيض {وغرابيب سود} [فاطر: 27] هو الأسود، يعني لونه كما اختلف ألوان هذه اختلف ألوان الناس والدواب والأنعام كذلك " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ومن الجبال جدد بيض} [فاطر: 27] «طرائق بيض، وحمر وسود، وكذلك الناس مختلف ألوانهم» حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان، عن جويبر، عن الضحاك قوله {ومن الجبال جدد بيض} [فاطر: 27] قال: «هي طرائق حمر وسود» وقوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] يقول تعالى ذكره: إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء، بقدرته على ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته، فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] قال: «الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] قال: " كان يقال: كفى بالرهبة علما " وقوله: {إن الله عزيز غفور} [فاطر: 28] يقول تعالى ذكره: إن الله عزيز في انتقامه ممن كفر به، غفور لذنوب من آمن به وأطاعه 19P365
[فاطر: 29_30] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور} [فاطر: 29_30] يقول تعالى ذكره: إن الذين يقرؤون كتاب الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم {وأقاموا الصلاة} [البقرة: 277] يقول: وأدوا الصلاة المفروضة لمواقيتها بحدودها وقال: وأقاموا الصلاة بمعنى: ويقيموا الصلاة وقوله: {وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية} [الرعد: 22] يقول: وتصدقوا بما أعطيناهم من الأموال سرا في خفاء وعلانية: جهارا وإنما معنى ذلك أنهم يؤدون الزكاة المفروضة، ويتطوعون أيضا بالصدقة منه بعد أداء الفرض الواجب عليهم فيه وقوله: {يرجون تجارة لن تبور} [فاطر: 29] يقول تعالى ذكره: يرجون بفعلهم ذلك تجارة لن تبور: لن تكسد ولن تهلك؛ من قولهم: بارت السوق: إذا كسدت وبار الطعام وقوله: {تجارة} [البقرة: 282] جواب لأول الكلام وقوله: {ليوفيهم أجورهم} [فاطر: 30] يقول: ويوفيهم الله على فعلهم ذلك ثواب أعمالهم التي عملوها في الدنيا {ويزيدهم من فضله} [النساء: 173] يقول: وكي يزيدهم على الوفاء من فضله ما هو له أهل وكان مطرف بن عبد الله 19P366 يقول: هذه آية القراء حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عمرو بن عاصم، قال: ثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة، قال: كان مطرف إذا مر بهذه الآية: {إن الذين يتلون كتاب الله} [فاطر: 29] يقول: «هذه آية القراء» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يزيد، عن مطرف بن عبد الله، أنه قال في هذه الآية: {إن الذين يتلون كتاب الله} [فاطر: 29] إلى آخر الآية، قال: «هذه آية القراء» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء {ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} [فاطر: 30] وقوله: {إنه غفور شكور} [فاطر: 30] يقول: إن الله غفور لذنوب هؤلاء القوم الذين هذه صفتهم، شكور لحسناتهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنه غفور شكور} [فاطر: 30] «إنه غفور لذنوبهم، شكور لحسناتهم» 19P366 [فاطر: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير} [فاطر: 31] 19P367 يقول تعالى ذكره: {والذي أوحينا إليك من الكتاب} [فاطر: 31] يا محمد، وهو هذا القرآن الذي أنزله الله عليه {هو الحق} [الأنفال: 32] يقول: هو الحق عليك وعلى أمتك أن تعمل به، وتتبع ما فيه دون غيره من الكتب التي أوحيت إلى غيرك {مصدقا لما بين يديه} [البقرة: 97] يقول: هو يصدق ما مضى بين يديه، فصار أمامه من الكتب التي أنزلتها إلى من قبلك من الرسل كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه} [فاطر: 31] «للكتب التي خلت قبله» وقوله: {إن الله بعباده لخبير بصير} [فاطر: 31] يقول تعالى ذكره: إن الله بعباده لذو علم وخبرة بما يعملون بصير بما يصلحهم من التدبير 19P367
[فاطر: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} [فاطر: 32] اختلف أهل التأويل في معنى الكتاب الذي ذكر الله في هذه الآية أنه أورثه الذين اصطفاهم من عباده، ومن المصطفون من عباده، والظالم لنفسه، فقال بعضهم: الكتاب: هو الكتب التي أنزلها الله من قبل الفرقان، والمصطفون من عباده: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والظالم لنفسه: أهل الإجرام منهم ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ثم أورثنا الكتاب} [فاطر: 32] إلى قوله: {الفضل الكبير} [فاطر: 32] «هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن عبد الله بن عيسى، عن يزيد بن الحارث، عن شقيق أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: " هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام، حتى يقول: ما هؤلاء؟ وهو أعلم تبارك وتعالى، فتقول الملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك، فيقول الرب: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي وتلا عبد الله هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا عون، قال: ثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: ثنا كعب الأحبار، " أن الظالم، لنفسه من هذه الأمة، 19P369 والمقتصد، والسابق بالخيرات: كلهم في الجنة؛ ألم تر أن الله قال: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] إلى قوله: {كل كفور} [فاطر: 36] حدثني علي بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن عوف، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: سمعت كعبا يقول: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} [فاطر: 32] قال: " كلهم في الجنة، وتلا هذه الآية: {جنات عدن يدخلونها} [فاطر: 33] حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عوف بن أبي جبلة، قال: ثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: ثنا كعب، أن الظالم من هذه الأمة، والمقتصد، والسابق بالخيرات كلهم في الجنة؛ ألم تر أن الله قال: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] إلى قوله: {لغوب} [فاطر: 35] والذين كفروا لهم نار جهنم، قال: قال كعب: «فهؤلاء أهل النار» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن عوف، قال: سمعت عبد الله بن الحارث يقول: قال كعب: " إن الظالم لنفسه، والمقتصد ، والسابق بالخيرات من هذه الأمة كلهم في الجنة، ألم تر أن الله يقول: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] حتى بلغ قوله: {جنات عدن يدخلونها} [فاطر: 33] حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، أن ابن عباس، سأل كعبا عن قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] إلى قوله: {بإذن الله} [فاطر: 32] فقال: «تماست مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق السبيعي، في هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا} [فاطر: 32] قال: قال أبو إسحاق: «أما ما سمعت منذ ستين سنة، فكلهم ناج» قال: ثنا عمرو، عن محمد ابن الحنفية، قال: «إنها أمة مرحومة؛ الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنات عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله» وقال آخرون: الكتاب الذي أورث هؤلاء القوم، هو شهادة أن لا إله إلا الله؛ والمصطفون هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ والظالم لنفسه منهم هو المنافق، وهو في النار؛ والمقتصد، والسابق بالخيرات في الجنة ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن عبد الله {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] قال: «اثنان في الجنة، وواحد في النار» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] إلى آخر الآية، قال: «جعل أهل الإيمان على ثلاثة منازل» كقوله: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} [الواقعة: 41] ، {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين} [الواقعة: 27] ، {والسابقون السابقون أولئك المقربون} [الواقعة: 11] «فهم على هذا المثال» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد} [فاطر: 32] الآية ، قال: " الاثنان في الجنة، وواحد في النار، وهي بمنزلة التي في الواقعة: {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين} [الواقعة: 27] ، {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} [الواقعة: 41] ، {والسابقون السابقون} [الواقعة: 10] حدثنا سهل بن موسى، قال: ثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه} [فاطر: 32] 19P372 قال: " هم أصحاب المشأمة {ومنهم مقتصد} [فاطر: 32] قال: «هم أصحاب الميمنة» {ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] قال: «هم السابقون من الناس كلهم» حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: قال عوف، قال الحسن: «أما الظالم لنفسه فإنه هو المنافق، سقط هذا وأما المقتصد والسابق بالخيرات، فهما صاحبا الجنة» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن عوف، قال: قال الحسن: " الظالم لنفسه: المنافق " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] «شهادة أن لا إله إلا الله» {فمنهم ظالم لنفسه} [فاطر: 32] «هذا المنافق» في قول قتادة والحسن {ومنهم مقتصد} [فاطر: 32] قال: هذا صاحب اليمين {ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] قال: هذا المقرب قال قتادة: " كان الناس ثلاث منازل في الدنيا، وثلاث منازل عند الموت، وثلاث منازل في الآخرة.
أما الدنيا، فكانوا: مؤمن، ومنافق، ومشرك وأما عند الموت، فإن الله قال: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم} [الواقعة: 89] . وأما في الآخرة فكانوا أزواجا ثلاثة، {فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة 19P373 وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون} [الواقعة: 8] حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه} [فاطر: 32] قال: " هم أصحاب المشأمة {ومنهم مقتصد} [فاطر: 32] قال: «أصحاب الميمنة» {ومنهم سابق بالخيرات } [فاطر: 32] قال: «فهم السابقون من الناس كلهم» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه} [فاطر: 32] قال: " سقط هذا {ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} [فاطر: 32] قال: سبق هذا بالخيرات، وهذا مقتصد على أثره " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب تأويل من قال: عنى بقوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] الكتب التي أنزلت من قبل الفرقان فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا يتلون غير كتابهم، ولا يعملون إلا بما فيه من الأحكام والشرائع؟ قيل: إن معنى ذلك على غير الذي ذهبت إليه، وإنما معناه: ثم أورثنا الإيمان بالكتاب الذين اصطفينا، فمنهم مؤمنون بكل كتاب أنزله الله من السماء قبل كتابهم وعاملون به، 19P374 لأن كل كتاب أنزل من السماء قبل الفرقان، فإنه يأمر بالعمل بالفرقان عند نزوله، وباتباع من جاء به، وذلك عمل من أقر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به، وعمل بما دعاه إليه بما في القرآن، وبما في غيره من الكتب التي أنزلت قبله وإنما قيل: عنى بقوله {ثم أورثنا الكتاب} [فاطر: 32] الكتب التي ذكرنا لأن الله جل ثناؤه قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه} [فاطر: 31] ثم أتبع ذلك قوله {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا} [فاطر: 32] فكان معلوما، إذ كان معنى الميراث إنما هو انتقال معنى من قوم إلى آخرين، ولم تكن أمة على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم انتقل إليهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته، أن ذلك معناه وإذ كان ذلك كذلك، فبين أن المصطفين من عباده هم مؤمنو أمته؛ وأما الظالم لنفسه، فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك عندي أشبه بمعنى الآية من أن يكون المنافق أو الكافر، وذلك أن الله تعالى ذكره أتبع هذه الآية قوله: {جنات عدن يدخلونها} [فاطر: 33] فعم بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة فإن قال قائل: فإن قوله {يدخلونها} [فاطر: 33] إنما عنى به المقتصد والسابق؛ قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟
فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد؛ قيل: إنه ليس في الآية خبر 19P375 أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات عدن، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا، وظلمه نفسه فيها بالنار، أو بما شاء من عقابه، ثم يدخله الجنة، فيكون ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله {جنات عدن يدخلونها} [فاطر: 33] وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك أخبار، وإن كان في أسانيدها نظر، مع دليل الكتاب على صحته على النحو الذي بينت ذكر الرواية الواردة بذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثتا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، قال: ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد، فجلس إلى جنب أبي الدرداء، فقال: اللهم آنس وحشتي، وارحم غربتي، ويسر لي جليسا صالحا، فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقا لأنا أسعد به منك سأحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدث به منذ سمعته ذكر هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] " فأما السابق بالخيرات، فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن، فذلك قوله: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الوليد بن المغيرة، أنه سمع رجلا، من ثقيف حدث عن رجل، من كنانة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} [فاطر: 32] قال: «وهؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة» وعني بقوله: {الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] الذين اخترناهم لطاعتنا واجتبيناهم وقوله: {فمنهم ظالم لنفسه} [فاطر: 32] يقول: فمن هؤلاء الذين اصطفينا من عبادنا، من يظلم نفسه بركوبه المآثم، واجترامه المعاصي، واقترافه الفواحش {ومنهم مقتصد} [فاطر: 32] وهو غير المبالغ في طاعة ربه، وغير المجتهد فيما ألزمه من خدمة ربه، حتى يكون عمله في ذلك قصدا {ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر: 32] وهو المبرز الذي قد تقدم المجتهدين في خدمة ربه، وأداء ما لزمه من فرائضه، فسبقهم بصالح الأعمال، وهي الخيرات التي قال الله جل ثناؤه: {بإذن الله} [البقرة: 97] يقول: بتوفيق الله إياه لذلك وقوله: {ذلك هو الفضل الكبير} [فاطر: 32] يقول تعالى ذكره: سبوق هذا السابق من سبقه بالخيرات بإذن الله، هو الفضل الكبير الذي فضل به من كان مقصرا عن منزلته في طاعة الله من المقتصد والظالم لنفسه 19P377
[فاطر: 33_34] القول في تأويل قوله تعالى: {جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور} [فاطر: 33_34] يقول تعالى ذكره: بساتين إقامة يدخلونها هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب، الذين اصطفينا من عبادنا يوم القيامة {يحلون فيها من أساور من ذهب} [الكهف: 31] يلبسون في جنات عدن أسورة من ذهب {ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير} [الحج: 23] يقول: ولباسهم في الجنة حرير وقوله: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] اختلف أهل التأويل في الحزن الذي حمد الله على إذهابه عنهم هؤلاء القوم، فقال بعضهم: ذلك الحزن الذي كانوا فيه قبل دخولهم الجنة من خوف النار، إذ كانوا خائفين أن يدخلوها ذكر من قال ذلك: حدثني قتادة بن سعيد بن قتادة السدوسي، قال: ثنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي، قال: ثنا أبي، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، في قوله: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] قال: «حزن النار» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن يحيى بن المختار، عن 19P378 الحسن {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] قال: " إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] ، والحزن: والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة أبكاهم الخوف من النار، وأنه من لا يتعز بعزاء الله يقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب، فقد قل علمه، وحضر عذابه " وقال آخرون: عنى به الموت " ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية، في قوله: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] قال: «الموت» وقال آخرون: عنى به حزن الخبز ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص يعني ابن حميد، عن شمر، قال: " لما أدخل الله أهل الجنة الجنة، قالوا {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] قال: «حزن الخبز» 19P379 وقال آخرون. عني بذلك: الحزن من التعب الذي كانوا فيه في الدنيا ذكر من قال ذلك.