Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V20/P226–V20/P235

[الزمر: 54_55] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون} [الزمر: 54_55] يقول تعالى ذكره: وأقبلوا أيها الناس إلى ربكم بالتوبة، وارجعوا إليه بالطاعة له، واستجيبوا له إلى ما دعاكم إليه من توحيده، وإفراد الألوهة له، وإخلاص العبادة له كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأنيبوا إلى ربكم} [الزمر: 54] : «أي أقبلوا إلى ربكم» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي {وأنيبوا} [الزمر: 54] قال: «أجيبوا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأنيبوا إلى ربكم} [الزمر: 54] قال: " الإنابة: الرجوع إلى الطاعة، والنزوع عما كانوا عليه، ألا تراه يقول ": {منيبين إليه واتقوه} [الروم: 31] وقوله: {وأسلموا له} [الزمر: 54] يقول: واخضعوا له بالطاعة والإقرار بالدين الحنيفي {من قبل أن يأتيكم العذاب} [الزمر: 54] من عنده على كفركم به {ثم لا 20P232 تنصرون} [هود: 113] يقول: ثم لا ينصركم ناصر، فينقذكم من عذابه النازل بكم وقوله: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: 55] يقول تعالى ذكره: واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه، وذلك هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا فإن قال قائل: ومن القرآن شيء وهو أحسن من شيء؟ قيل له: القرآن كله حسن، وليس معنى ذلك ما توهمت، وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر والمثل والقصص والجدل والوعد والوعيد أحسنه، أن تأتمروا لأمره، وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه، فذلك وجهه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: 55] يقول: «ما أمرتم به في الكتاب» {من قبل أن يأتيكم العذاب} [الزمر: 54] وقوله: {من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة} [الزمر: 55] يقول: «من قبل أن يأتيكم عذاب الله فجأة» {وأنتم لا تشعرون} [الزمر: 55] يقول: «وأنتم لا تعلمون به حتى يغشاكم فجأة» 20P232 [الزمر: 56] القول في تأويل قوله تعالى: {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين} [الزمر: 56] 20P233 يقول تعالى ذكره: وأنيبوا إلى ربكم، وأسلموا له {أن تقول نفس} [الزمر: 56] بمعنى لئلا تقول نفس {يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} ، وهو نظير قوله: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} [النحل: 15] بمعنى: أن لا تميد بكم، فأن إذ كان ذلك معناه في موضع نصب وقوله {يا حسرتا} يعني أن تقول: يا ندما كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {يا حسرتا} قال: «الندامة» والألف في قوله {يا حسرتا} هي كناية المتكلم، وإنما أريد: يا حسرتي؛ ولكن العرب تحول الياء في كناية اسم المتكلم في الاستغاثة ألفا، فتقول: يا ويلتا، ويا ندما، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربما قيل: يا حسرة على العباد، كما قيل: يا لهف، ويا لهفا عليه، وذكر الفراء أن أبا ثروان أنشده: [+البحر الطويل] تزورونها ولا أزور نساءكم ألهف لأولاد الإماء الحواطب خفضا كما يخفض في النداء إذا أضافه المتكلم إلى نفسه، وربما أدخلوا الهاء بعد هذه الألف، فيخفضونها أحيانا، ويرفعونها أحيانا؛ وذكر الفراء أن بعض بني أسد أنشد: [+البحر الرجز] يا رب يا رباه إياك أسل عفراء يا رباه من قبل الأجل خفضا، قال: والخفض أكثر في كلامهم، إلا في قولهم: يا هناه، ويا هنتاه، فإن الرفع فيها أكثر من الخفض، لأنه كثير في الكلام، حتى صار كأنه حرف واحد وقوله: {على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] يقول على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به، وقصرت في الدنيا في طاعة الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله {يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} يقول: «في أمر الله» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] قال: «في أمر الله» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] قال: «تركت من أمر الله» وقوله: {وإن كنت لمن الساخرين} [الزمر: 56] يقول: وإن كنت لمن المستهزئين بأمر الله وكتابه ورسوله والمؤمنين به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين} قال: " فلم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله، قال: هذا قول صنف منهم " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال ثنا أسباط، عن السدي، {وإن كنت لمن الساخرين} [الزمر: 56] يقول: «من المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالكتاب، وبما جاء به» 20P235

Section V20/P235

[الزمر: 57_58] القول في تأويل قوله تعالى: {أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} [الزمر: 57_58] يقول تعالى ذكره: وأنيبوا إلى ربكم أيها الناس، وأسلموا له، أن لا تقول نفس يوم القيامة: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، في أمر الله، وأن لا تقول نفس لأخرى: لو أن الله هداني للحق، فوفقني للرشاد لكنت ممن اتقاه بطاعته واتباع رضاه، أو 20P236 أن لا تقول أخرى حين ترى عذاب الله فتعاينه {لو أن لي كرة} [الزمر: 58] تقول لو أن لي رجعة إلى الدنيا {فأكون من المحسنين} [الزمر: 58] الذين أحسنوا في طاعة ربهم، والعمل بما أمرتهم به الرسل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} الآية، قال: «هذا قول صنف منهم» {أو تقول لو أن الله هداني} [الزمر: 57] الآية، قال: «هذا قول صنف آخر» : {أو تقول حين ترى العذاب} [الزمر: 58] الآية، يعني بقوله {لو أن لي كرة} [الزمر: 58] " رجعة إلى الدنيا، قال: هذا صنف آخر " حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} قال: " أخبر الله ما العباد قائلوه قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، قال: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14] {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله أو تقول لو أن الله هداني} إلى قوله: {فأكون من المحسنين} [الزمر: 58] يقول: من المهتدين، فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى، وقال {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] وقال: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} [الأنعام: 110] كما لم يؤمنوا به أول مرة، قال: ولو ردوا إلى الدنيا 20P237 لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا " وفي نصب قوله {فأكون} [الزمر: 58] وجهان: أحدهما: أن يكون نصبه على أنه جواب لو والثاني: على الرد على موضع الكرة وتوجيه الكرة في المعنى إلى: لو أن لي أن أكر، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] فما لك منها غير ذكرى وحسرة وتسأل عن ركبانها أين يمموا؟ فنصب تسأل عطفا بها على موضع الذكرى، لأن معنى الكلام: فما لك غير أن تذكر وتسأل 20P236

Section V20/P235–V20/P239

[الزمر: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين} [الزمر: 59] يقول تعالى ذكره مكذبا القائل: {لو أن الله هداني لكنت من المتقين} [الزمر: 57] ، وللقائل: {لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} [الزمر: 58] : ما القول كما تقولون {بلى قد جاءتك} [الزمر: 59] أيها المتمني على الله الرد إلى الدنيا لتكون فيها من المحسنين {آياتي} [الأنعام: 130] يقول: قد جاءتك حججي من بين رسول أرسلته إليك، وكتاب أنزلته يتلى عليك ما فيه من الوعد والوعيد والتذكير {فكذبت} [يوسف: 27] 20P238 بآياتي {واستكبرت} [الزمر: 59] عن قبولها واتباعها {وكنت من الكافرين} [الزمر: 59] يقول: وكنت ممن يعمل عمل الكافرين، ويستن بسنتهم، ويتبع منهاجهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " يقول الله ردا لقولهم، وتكذيبا لهم، يعني لقول القائلين: {لو أن الله هداني} [الزمر: 57] ، والصنف الآخر: {بلى قد جاءتك آياتي} [الزمر: 59] الآية " وبفتح الكاف والتاء من قوله {قد جاءتك آياتي فكذبت} [الزمر: 59] على وجه المخاطبة للذكور، قرأه القراء في جميع أمصار الإسلام وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ذلك بكسر جميعه على وجه الخطاب للنفس، كأنه قال: أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، بلى قد جاءتك أيتها النفس آياتي، فكذبت بها، أجرى الكلام كله على النفس، إذ كان ابتداء الكلام بها جرى، والقراءة التي لا أستجيز خلافها، ما جاءت به قراء الأمصار مجمعة عليه، نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الفتح في جميع ذلك 20P238 [الزمر: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} [الزمر: 60] يقول تعالى ذكره: {ويوم القيامة ترى} [الزمر: 60] يا محمد هؤلاء {الذين كذبوا على الله} [الزمر: 60] من قومك فزعموا أن له ولدا، وأن له شريكا، وعبدوا آلهة من دونه {وجوههم مسودة} [الزمر: 60] ؛ والوجوه وإن كانت مرفوعة بمسودة، فإن فيها معنى نصب، لأنها مع خبرها تمام ترى ولو تقدم قوله مسودة قبل الوجوه، كان نصبا، ولو نصب الوجوه المسودة ناصب في الكلام لا في القرآن، إذا كانت المسودة مؤخرة كان جائزا، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] ذريني إن أمرك لن يطاعا وما ألفيتني حلمي مضاعا فنصب الحلم والمضاع على تكرير ألفيتني، وكذلك تفعل العرب في كل ما احتاج إلى اسم وخبر، مثل ظن وأخواتها؛ وفي مسودة للعرب لغتان: مسودة، ومسوادة، وهي في أهل الحجاز يقولون فيما ذكر عنهم: قد اسواد وجهه، واحمار، واشهاب وذكر بعض نحويي البصرة عن بعضهم أنه قال: لا يكون افعال إلا في ذي اللون الواحد نحو الأشهب، قال: ولا يكون في نحو الأحمر؛ لأن الأشهب لون يحدث، والأحمر لا يحدث وقوله: {أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} [الزمر: 60] يقول: أليس في جهنم مأوى ومسكن لمن تكبر على الله، فامتنع من توحيده، والانتهاء إلى طاعته فيما أمره ونهاه عنه 20P239

Section V20/P239–V20/P242

[الزمر: 61_62] القول في تأويل قوله تعالى: {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} [الزمر: 61_62] يقول تعالى ذكره: وينجي الله من جهنم وعذابها، الذين اتقوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في الدنيا، بمفازتهم: يعني بفوزهم، وهي مفعلة منه وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل، وإن خالفت ألفاظ بعضهم اللفظة التي قلناها في ذلك ذكر من قال ذلك: حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم} [الزمر: 61] قال: «بفضائلهم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم} [الزمر: 61] قال: " بأعمالهم، قال: والآخرون يحملون أوزارهم يوم القيامة " {ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون} [النحل: 25] واختلفت القراء في ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة، وبعض قراء مكة والبصرة: {بمفازتهم} [الزمر: 61] على التوحيد، وقرأته عامة قراء الكوفة : (بمفازاتهم) على الجماع والصواب عندي من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، لاتفاق معنييهما؛ والعرب توحد مثل ذلك أحيانا وتجمع بمعنى واحد، فيقول أحدهم: سمعت صوت القوم، وسمعت أصواتهم، كما قال جل ثناؤه: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} [لقمان: 19] ، ولم يقل: أصوات الحمير، ولو جاء ذلك كذلك كان صوابا وقوله: {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} [الزمر: 61] يقول تعالى ذكره: لا يمس المتقين من أذى جهنم شيء، وهو السوء الذي أخبر جل ثناؤه أنه لن يمسهم، ولا هم يحزنون؛ يقول: ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آراب الدنيا، إذ صاروا إلى كرامة الله ونعيم الجنان وقوله: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} [الزمر: 62] يقول تعالى ذكره: الله الذي له الألوهة من كل خلقه الذي لا تصلح العبادة إلا له، خالق كل شيء، لا ما لا يقدر على خلق شيء {وهو على كل شيء وكيل} [الأنعام: 102] ؛ يقول: وهو على كل شيء قيم بالحفظ والكلاءة 20P241 [الزمر: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {له مقاليد السموات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون} [الزمر: 63] يقول تعالى ذكره: له مفاتيح خزائن السموات والأرض، يفتح منها على من 20P242 يشاء، ويمسكها عمن أحب من خلقه؛ واحدها: مقليد. وأما الإقليد: فواحد الأقاليد وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {مقاليد السموات والأرض} «مفاتيحها» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {له مقاليد السموات والأرض} «أي مفاتيح السموات والأرض» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {له مقاليد السموات والأرض} قال: «خزائن السموات والأرض» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {له مقاليد السموات والأرض} قال: " المقاليد: المفاتيح، قال: له مفاتيح خزائن السموات والأرض " وقوله: {والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون} [الزمر: 63] يقول تعالى ذكره: والذين كفروا بحجج الله فكذبوا بها وأنكروها، أولئك هم المغبونون 20P243 حظوظهم من خير السموات التي بيده مفاتيحها، لأنهم حرموا ذلك كله في الآخرة بخلودهم في النار، وفي الدنيا بخذلانهم عن الإيمان بالله عز وجل 20P242

Section V20/P242–V20/P243

[الزمر: 64_65] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 64_65] يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لمشركي قومك، الداعيك إلى عبادة الأوثان: {أفغير الله} [الأنعام: 114] أيها الجاهلون بالله {تأمروني} [الزمر: 64] أن {أعبد} [الأنعام: 56] ولا تصلح العبادة لشيء سواه واختلف أهل العربية في العامل، في قوله {أفغير} [آل عمران: 83] النصب، فقال بعض نحويي البصرة: قل أفغير الله تأمروني، يقول: أفغير الله أعبد تأمروني، كأنه أراد الإلغاء، والله أعلم، كما تقول: ذهب فلأن يدري، جعله على معنى فما يدري وقال بعض نحويي الكوفة: غير منتصبة بأعبد، وأن تحذف وتدخل، لأنها علم للاستقبال، كما تقول: أريد أن أضرب، وأريد أضرب، وعسى أن أضرب، وعسى أضرب، فكانت في طلبها الاستقبال، كقولك: زيدا سوف أضرب، فلذلك حذفت وعمل ما بعدها فيما قبلها، ولا حاجة بنا إلى اللغو وقوله: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك} [الزمر: 65] يقول تعالى ذكره: ولقد أوحى إليك يا محمد ربك، وإلى الذين من قبلك من الرسل {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] يقول: لئن أشركت بالله شيئا يا محمد، ليبطلن عملك، ولا تنال به ثوابا، ولا تدرك جزاء إلا جزاء من أشرك بالله، وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم؛ ومعنى الكلام: ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن من الخاسرين، وإلى الذين من قبلك، بمعنى: وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك، مثل الذي أوحي إليك منه، فاحذر أن تشرك بالله شيئا فتهلك ومعنى قوله: {ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65] ولتكونن من الهالكين بالإشراك بالله إن أشركت به شيئا 20P244

Section V20/P243–V20/P246

[الزمر: 66_67] القول في تأويل قوله تعالى: {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر: 66_67] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بعبادته، بل الله فاعبد دون كل ما سواه من الآلهة والأوثان والأنداد {وكن من الشاكرين} [الأعراف: 144] لله على نعمته عليك بما أنعم من الهداية لعبادته، والبراءة من عبادة الأصنام والأوثان ونصب اسم الله بقوله {فاعبد} [الزمر: 2] وهو بعده، لأنه رد الكلام، ولو نصب بمضمر قبله، إذا كانت العرب تقول: زيد فليقم وزيدا فليقم رفعا ونصبا، الرفع على فلينظر زيد، فليقم، والنصب على انظروا زيدا فليقم كان صحيحا جائزا وقوله: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] يقول تعالى ذكره: وما عظم الله حق عظمته هؤلاء المشركون بالله، الذين يدعونك إلى عبادة الأوثان وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] قال: «هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك، فلم يقدر الله حق قدره» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد،. قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] : «ما عظموا الله حق عظمته» وقوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} [الزمر: 67] يقول تعالى ذكره: والأرض كلها قبضته في يوم القيامة {والسموات} كلها {مطويات بيمينه} [الزمر: 67] فالخبر عن الأرض متناه عند قوله: يوم القيامة، والأرض مرفوعة بقوله {قبضته} [الزمر: 67] ، ثم استأنف الخبر عن السموات، فقال: {والسموات مطويات بيمينه} وهي مرفوعة بمطويات 20P246 وروي عن ابن عباس وجماعة غيره أنهم كانوا يقولون: الأرض والسموات جميعا في يمينه يوم القيامة ذكر الرواية بذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} [الزمر: 67] يقول: «قد قبض الأرضين والسموات جميعا بيمينه ألم تسمع أنه قال» : {مطويات بيمينه} [الزمر: 67] يعني: الأرض والسموات بيمينه جميعا " قال ابن عباس: وإنما يستعين بشماله المشغولة يمينه " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام،.

Section V20/P246–V20/P249

قال: ثني أبي عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: «ما السموات السبع والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم» قال ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي، عن قتادة، قال: ثنا النضر بن أنس، عن ربيعة الجرسي، قال: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} قال: «ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء» حدثني علي بن الحسن الأزدي، قال ثنا يحيى بن يمان، عن عمار بن عمرو، عن الحسن، في قوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} [الزمر: 67] قال: «كأنها 20P247 جوزة بقضها وقضيضها» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} [الزمر: 67] يقول: «السموات والأرض مطويات بيمينه جميعا» وكان ابن عباس يقول: إنما يستعين بشماله المشغولة يمينه، وإنما الأرض والسموات كلها بيمينه، وليس في شماله شيء حدثنا الربيع، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمر، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المنبر يخطب الناس، فمر بهذه الآية: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} [الزمر: 67] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يأخذ السموات والأرضين السبع فيجعلها في كفه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله الواحد، أنا الله العزيز «حتى لقد رأينا المنبر وإنه ليكاد أن يسقط به» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، قال: ثني منصور وسليمان، 20P248 عن إبراهيم، عن عبيدة السلماني، عن عبد الله، قال: جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يقول: أنا الملك؛ قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، قال: «فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن منصور، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين جاءه حبر من أحبار اليهود، فجلس إليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حدثنا» ، قال: إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة، جعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والماء والشجر على أصبع، وجميع الخلائق على أصبع ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك، قال: " فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لما قال، ثم قرأ هذه الآية: وما قدروا الله حق قدره الآية " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، نحو ذلك حدثني سليمان بن عبد الجبار، وعباس بن أبي طالب، قالا: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس، فقال: «يا يهودي حدثنا» ، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء على ذه، والأرض على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، فأنزل الله {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] الآية " حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله يحمل الخلائق على أصبع، والسموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع؟

Section V20/P249–V20/P251

قال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فأنزل الله {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته} [الزمر: 67] إلى آخر الآية " وقال آخرون: بل السموات في يمينه، والأرضون في شماله ذكر من قال ذلك: حدثنا علي بن داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا ابن أبي حازم، قال: ثني أبو حازم، عن عبيد الله بن مقسم، أنه سمع عبد الله بن عمرو، يقول: رأيت 20P250 رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: «يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيديه» وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، وجعل يقبضهما ويبسطهما، قال: " ثم يقول: أنا الرحمن أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون " وتمايل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ " حدثني أبو علقمة الفروي عبد الله بن محمد، قال: ثني عبد الله بن نافع، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده» ، وقبض يده فجعل يقبضها ويبسطها، ثم يقول: «أنا الجبار، أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون؟ » قال: ويميل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ " حدثني الحسن بن علي بن عياش الحمصي، قال: ثنا بشر بن شعيب، قال: أخبرني أبي قال: ثنا محمد بن مسلم بن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقبض الله عز وجل الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك 20P251 الأرض؟ " حدثت عن حرملة بن يحيى، قال: ثنا إدريس بن يحيى القائد، قال: أخبرنا حيوة، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يقبض الأرض يوم القيامة بيده، ويطوي السماء بيمينه ويقول: أنا الملك " حدثني محمد بن عون، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حبر من اليهود، قال: أرأيت إذ يقول الله في كتابه: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} فأين الخلق عند ذلك؟ قال: «هم فيها كرقم الكتاب» حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا عمرو بن حمزة، قال: ثني سالم، عن أبيه، أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يطوي الله السموات فيأخذهن بيمينه ويطوي الأرض فيأخذها بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون " وقيل: إن هذه الآية نزلت من أجل يهودي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة الرب ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن محمد، عن سعيد، قال: " أتى رهط من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضبا لربه؛ فجاءه جبريل فسكنه، وقال: اخفض عليك جناحك يا محمد، وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه، قال: يقول الله تبارك وتعالى: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 2] فلما تلاها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: صف لنا ربك؛ كيف خلقه، وكيف عضده، وكيف ذراعه؟

Section V20/P251–V20/P253

فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول، ثم ساورهم، فأتاه جبريل فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد ، قال: " تكلمت اليهود في صفة الرب، فقالوا ما لم يعلموا ولم يروا، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] ثم بين للناس عظمته فقال: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} «فجعل صفتهم التي وصفوا الله بها شركا» 20P253 وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} يقول في قدرته، نحو قوله: {وما ملكت أيمانكم} [النساء: 36] أي وما كانت لكم عليه قدرة وليس الملك لليمين دون سائر الجسد، قال: وقوله {قبضته} [الزمر: 67] نحو قولك للرجل: هذا في يدك وفي قبضتك والأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وغيرهم، تشهد علي بطول هذا القول حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن عائشة، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قوله {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} [الزمر: 67] فأين الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط» وقوله {سبحانه وتعالى عما يشركون} [يونس: 18] يقول تعالى ذكره تنزيها وتبرئة لله، وعلوا وارتفاعا عما يشرك به هؤلاء المشركون من قومك يا محمد، القائلون لك: اعبد الأوثان من دون الله، واسجد لآلهتنا 20P253

Section V20/P253–V20/P255

[الزمر: 68] القول في تأويل قوله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68] 20P254 يقول تعالى ذكره: ونفخ إسرافيل في القرن، وقد بينا معنى الصور فيما مضى بشواهده، وذكرنا اختلاف أهل العلم فيه، والصواب من القول فيه بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع وقوله {فصعق من في السموات ومن في الأرض} يقول: مات، وذلك في النفخة الأولى كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي {ونفخ في الصور} فصعق من في السموات ومن في الأرض قال: «مات» وقوله: {إلا من شاء الله} [النمل: 87] اختلف أهل التأويل في الذي عنى الله بالاستثناء في هذه الآية، فقال بعضهم عنى به جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ونفخ في الصور} فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله قال «جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت» حدثني هارون بن إدريس الأصم، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا الفضل بن عيسى، عن عمه يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} فقيل: من هؤلاء الذين استثنى الله يا رسول الله؟ قال: " جبرائيل وميكائيل، وملك الموت، فإذا قبض أرواح الخلائق قال: 20P255 يا ملك الموت من بقي؟ وهو أعلم؛ قال: يقول: سبحانك تباركت ربي ذا الجلال والإكرام، بقي جبريل وميكائيل وملك الموت؛ قال: يقول يا ملك الموت خذ نفس ميكائيل؛ قال: فيقع كالطود العظيم، قال: ثم يقول: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك ربي يا ذا الجلال والإكرام، بقي جبريل وملك الموت، قال: فيقول: يا ملك الموت مت، قال: فيموت؛ قال: ثم يقول: يا جبريل من بقي؟ قال: فيقول جبريل: سبحانك ربي يا ذا الجلال والإكرام، بقي جبريل، وهو من الله بالمكان الذي هو به؛ قال: فيقول يا جبريل لا بد من موتة؛ قال: فيقع ساجدا يخفق بجناحيه يقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، أنت الباقي وجبريل الميت الفاني: قال: ويأخذ روحه في الحلقة التي خلق منها، قال: فيقع على ميكائيل أن فضل خلقه على خلق ميكائيل كفضل الطود العظيم على الظرب من الظراب " وقال آخرون: عنى بذلك الشهداء حدثني محمد بن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عمارة، عن ذي حجر اليحمدي، عن سعيد بن جبير، في قوله: فصعق من في 20P256 السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله قال: «الشهداء ثنية الله حول العرش، متقلدين السيوف» وقال آخرون: عنى بالاستثناء في الفزع: الشهداء، وفي الصعق: جبريل، وملك الموت، وحملة العرش ذكر من قال ذلك، والخبر الذي جاء فيه عن رسول الله صلى الله ليه وسلم: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل، من الأنصار، عن أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ينفخ في الصور ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين تبارك وتعالى؛ يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع، فتفزع أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله "؛ قال أبو هريرة: يا رسول الله، فمن استثنى حين يقول: {ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} قال: " أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وأمنهم، ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فيقول: انفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل 20P257 السموات والأرض إلا من شاء الله فإذا هم خامدون، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار تبارك وتعالى فيقول: يا رب قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت، فيقول له وهو أعلم: فمن بقي؟

Section V20/P255–V20/P259

فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقي حملة عرشك، وبقي جبريل وميكائيل؛ فيقول الله له: اسكت إني كتبت الموت على من كان تحت عرشي؛ ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل؛ فيقول الله وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقي حملة عرشك، وبقيت أنا، فيقول الله: فليمت حملة العرش، فيموتون؛ ويأمر الله تعالى العرش فيقبض الصور، فيقول: أي رب قد مات حملة عرشك؛ فيقول: من بقي؟ وهو أعلم، فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا قال: فيقول الله: أنت من خلقي خلقتك لما رأيت، فمت لا تحيى، فيموت " وهذا القول الذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالصحة، لأن الصعقة في هذا الموضع: الموت والشهداء وإن كانوا عند الله أحياء كما أخبر الله تعالى ذكره فإنهم قد ذاقوا الموت قبل ذلك وإنما عنى جل ثناؤه بالاستثناء في هذا الموضع الاستثناء من الذين صعقوا عند نفخة الصعق، لا من الذين قد ماتوا قبل ذلك بزمان ودهر طويل؛ وذلك أنه لو جاز 20P258 أن يكون المراد بذلك من قد هلك، وذاق الموت قبل وقت نفخة الصعق، وجب أن يكون المراد بذلك من قد هلك، فذاق الموت من قبل ذلك، لأنه ممن لا يصعق في ذلك الوقت إذا كان الميت لا يجدد له موت آخر في تلك الحال وقال آخرون في ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} قال الحسن: يستثني الله وما يدع أحدا من أهل السموات ولا أهل الأرض إلا أذاقه الموت؟ قال قتادة: قد استثنى الله، والله أعلم إلى ما صارت ثنيته، قال: ذكر لنا أن نبي الله قال: " أتاني ملك فقال: يا محمد اختر نبيا ملكا، أو نبيا عبدا؛ فأومأ إلي أن تواضع، قال: نبيا عبدا، قال فأعطيت خصلتين: أن جعلت أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، فأرفع رأسي فأجد موسى آخذا بالعرش، فالله أعلم أصعق بعد الصعقة الأولى أم لا؟ " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال يهودي بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، قال: فرفع رجل من الأنصار يده، فصك بها وجهه، فقال: تقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام 20P259 ينظرون، فأكون أنا أول من يرفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن الحسن، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كأني أنفض رأسي من التراب أول خارج، فألتفت فلا أرى أحدا إلا موسى متعلقا بالعرش، فلا أدري أممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة أو بعث قبلي» وقوله: {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68] يقول تعالى ذكره: ثم نفخ في الصور نفخة أخرى؛ والهاء التي في فيه من ذكر الصور كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ثم نفخ فيه أخرى} [الزمر: 68] قال: «في الصور، وهى نفخة البعث» وذكر أن بين النخفتين أربعين سنة ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين النفختين أربعون» قالوا: يا أبا 20P260 هريرة أربعون يوما؟ قال: أبيت؛ قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت؛ قالوا: أربعون سنة؟

Section V20/P259–V20/P261

قال: أبيت؛ " ثم ينزل الله من السماء ماء فتنبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة " حدثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا البلخي بن إياس، قال: سمعت عكرمة، يقول في قوله {فصعق من في السموات ومن في الأرض} الآية، قال: الأولى من الدنيا، والأخيرة من الآخرة " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68] قال نبي الله: «بين النفختين أربعون» قال أصحابه: فما سألناه عن ذلك، ولا زادنا على ذلك، غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها أربعون سنة، وذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له مطر الحياة، حتى تطيب الأرض وتهتز، وتنبت أجساد الناس نبات البقل، ثم ينفخ فيه الثانية {فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68] [ص : 261] قال: ذكر لنا أن معاذ بن جبل، سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم: كيف يبعث المؤمنون يوم القيامة؟ قال: «يبعثون جردا مردا مكحلين بني ثلاثين سنة» وقوله: {فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68] يقول: فإذا من صعق عند النفخة التي قبلها وغيرهم من جميع خلق الله الذين كانوا أمواتا قبل ذلك قيام من قبورهم وأماكنهم من الأرض أحياء كهيئتهم قبل مماتهم ينظرون أمر الله فيهم كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {فإذا هم قيام ينظرون} [الزمر: 68] قال: «حين يبعثون» 20P261

Section V20/P261–V20/P263

[الزمر: 69] القول في تأويل قوله تعالى: {وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون} [الزمر: 69] يقول تعالى ذكره: فأضاءت الأرض بنور ربها، يقال: أشرقت الشمس، إذا صفت وأضاءت، وأشرقت: إذا طلعت، وذلك حين يبرز الرحمن لفصل القضاء بين خلقه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر،. قال. ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأشرقت الأرض بنور ربها} [الزمر: 69] قال: «فما يتضارون في نوره إلا كما يتضارون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه» حدثنا محمد، قال ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي {وأشرقت الأرض بنور ربها} [الزمر: 69] قال: «أضاءت» وقوله {ووضع الكتاب} [الكهف: 49] يعني: كتاب أعمالهم لمحاسبتهم ومجازاتهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة {ووضع الكتاب} [الزمر: 69] قال: «كتاب أعمالهم» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي {ووضع الكتاب} [الزمر: 69] قال: «الحساب» وقوله: {وجيء بالنبيين والشهداء} [الزمر: 69] يقول: وجيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابتهم به أممهم، وردت عليهم في الدنيا، حين أتتهم رسالة الله؛ والشهداء، يعني بالشهداء: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يستشهدهم ربهم على الرسل، فيما ذكرت من تبليغها رسالة الله التي أرسلهم بها ربهم إلى أممها، إذ جحدت أممهم أن يكونوا أبلغوهم رسالة الله، والشهداء: جمع شهيد، وهذا نظير قول الله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] وقيل: عني بقوله: {الشهداء} [البقرة: 282] : الذين قتلوا في سبيل الله؛ وليس لما قالوا من ذلك في هذا الموضع كبير معنى، لأن عقيب قوله: {وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق} [الزمر: 69] ، وفي ذلك دليل واضح على صحة ما قلنا من أنه إنما دعى بالنبيين والشهداء للقضاء بين الأنبياء وأممها، وأن الشهداء إنما هي جمع شهيد، الذين يشهدون للأنبياء على أممهم كما ذكرنا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {وجيء بالنبيين والشهداء} [الزمر: 69] «فإنهم ليشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وبتكذيب الأمم إياهم» ذكر من قال ما حكينا قوله من القول الآخر: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وجيء بالنبيين والشهداء} [الزمر: 69] : «الذين استشهدوا في طاعة الله» وقوله: {وقضي بينهم بالحق} [الزمر: 69] يقول تعالى ذكره: وقضي بين النبيين وأممهم بالحق، وقضاؤه بينهم بالحق، أن لا يحمل على أحد ذنب غيره، ولا يعاقب نفسا إلا بما كسبت 20P263

Section V20/P263–V20/P264

[الزمر: 70_71] القول في تأويل قوله تعالى: {ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها 20P264 وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 70_71] يقول تعالى ذكره: ووفى الله حينئذ كل نفس جزاء عملها من خير وشر، وهو أعلم بما يفعلون في الدنيا من طاعة أو معصية، ولا يعزب عنه علم شيء من ذلك، وهو مجازيهم عليه يوم القيامة، فمثيب المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء وقوله: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم} [الزمر: 71] يقول: وحشر الذين كفروا بالله إلى ناره التي أعدها لهم يوم القيامة جماعات، جماعة جماعة، وحزبا حزبا كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {زمرا} [الزمر: 71] قال: «جماعات» وقوله : {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} السبعة {وقال لهم خزنتها} [الزمر: 71] قوامها: {ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم} [الزمر: 71] يعني: كتاب الله المنزل على رسله وحججه التي بعث بها رسله إلى أممهم {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} [الأنعام: 130] يقول: وينذرونكم ما تلقون في يومكم هذا؛ وقد يحتمل أن يكون معناه: وينذرونكم مصيركم إلى هذا اليوم قالوا: بلى: يقول: قال الذين كفروا مجيبين لخزنة جهنم: بلى قد أتتنا الرسل منا، فأنذرتنا لقاءنا هذا اليوم {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] يقول: قالوا: 20P265 ولكن وجبت كلمة الله أن عذابه لأهل الكفر به علينا بكفرنا به كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] «بأعمالهم» 20P265 [الزمر: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} [الزمر: 72] يقول تعالى ذكره: فتقول خزنة جهنم للذين كفروا حينئذ: {ادخلوا أبواب جهنم} [الزمر: 72] السبعة على قدر منازلكم فيها {خالدين فيها} [البقرة: 162] يقول: ماكثين فيها لا ينقلون عنها إلى غيرها. {فبئس مثوى المتكبرين} [الزمر: 72] يقول: فبئس مسكن المتكبرين على الله في الدنيا أن يوحدوه ويفردوا له الألوهة جهنم يوم القيامة 20P265

Section V20/P264–V20/P266

[الزمر: 73_74] القول في تأويل قوله تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين} [الزمر: 73_74] يقول تعالى ذكره: وحشر الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في الدنيا، وأخلصوا له فيها الألوهة، وأفردوا له العبادة، فلم يشركوا في عبادتهم إياه شيئا {إلى الجنة زمرا} [الزمر: 73] يعني جماعات، فكان سوق هؤلاء إلى منازلهم من الجنة وفدا على ما قد بينا قبل في سورة مريم على نجائب من نجائب الجنة، وسوق الآخرين إلى النار دعا ووردا، كما قال الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وقد ذكر ذلك في أماكنه من هذا الكتاب وقد: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا} [الزمر: 71] ، وفي قوله: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا} [الزمر: 73] قال: «كان سوق أولئك عنفا وتعبا ودفعا» وقرأ: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا} [الطور: 13] قال: «يدفعون دفعا» وقرأ: {فذلك الذي يدع اليتيم} [الماعون: 2] ، قال: «يدفعه» وقرأ {ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} [مريم: 86] و {نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} [مريم: 85] ثم قال: «فهؤلاء وفد الله» حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قوله: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا} [الزمر: 73] " حتى إذا انتهوا إلى بابها، إذا هم بشجرة يخرج من أصلها عينان، فعمدوا إلى إحداهما، فشربوا منها كأنما أمروا بها، فخرج ما في بطونهم من قذر أو اذى أو قذى، ثم عمدوا إلى الأخرى، فتوضئوا منها كأنما أمروا به، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رءوسهم بعدها أبدا ولن تبلى ثيابهم بعدها، ثم دخلوا الجنة، فتلقتهم الولدان كأنهم اللؤلؤ 20P267 المكنون، فيقولون: أبشر، أعد الله لك كذا، وأعد لك كذا وكذا، ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه جندل اللؤلؤ الأحمر والأصفر والأخضر، يتلألأ كأنه البرق، فلولا أن الله قضى أن لا يذهب بصره لذهب، ثم يأتي بعضهم إلى بعض أزواجه، فيقول: أبشري قد قدم فلان ابن فلان، فيسميه باسمه واسم أبيه، فتقول: أنت رأيته، أنت رأيته فيستخفها الفرح حتى تقوم، فتجلس على أسكفة بابها، فيدخل فيتكئ على سريره، ويقرأ هذه الآية: {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} [الأعراف: 43] الآية " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: ذكر أبو إسحاق عن الحارث، عن علي، رضي الله عنه قال: " يساقون إلى الجنة، فينتهون إليها، فيجدون عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان تجريان، فيعمدون إلى إحداهما، فيغتسلون منها، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رءوسهم بعدها أبدا، ولن تغبر جلودهم بعدها أبدا، كأنما دهنوا بالدهان؛ ويعمدون إلى الأخرى، فيشربون منها، فيذهب ما في بطونهم من قذى أو أذى، ثم يأتون باب الجنة فيستفتحون، فيفتح لهم، فتتلقاهم خزنة الجنة فيقولون {سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} [النحل: 32] " قال: وتتلقاهم الولدان المخلدون، يطيفون بهم كما تطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم إذا جاء من الغيبة، 20P268 يقولون: أبشر أعد الله لك كذا، وأعد لك كذا، فينطلق أحدهم إلى زوجته، فيبشرها به، فيقول: قدم فلان باسمه الذي كان يسمى به في الدنيا، وقال: فيستخفها الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها، وتقول: أنت رأيته، أنت رأيته؟

Section V20/P266–V20/P270

قال: فيقول: نعم، قال: فيجيء حتى يأتي منزله، فإذا أصوله من جندل اللؤلؤ من بين أصفر وأحمر وأخضر، قال: فيدخل فإذا الأكواب موضوعة، والنمارق مصفوفة، والزرابي مبثوثة قال: ثم يدخل إلى زوجته من الحور العين، فلولا أن الله أعدها له لالتمع بصره من نورها وحسنها؛ قال: فاتكأ عند ذلك ويقول: {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} [الأعراف: 43] قال: فتناديهم الملائكة: {أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} [الأعراف: 43] حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، قال: ذكر السدي نحوه أيضا، غير أنه قال: لهو أهدى إلى منزله في الجنة منه إلى منزله في الدنيا، ثم قرأ السدي: {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 6] واختلف أهل العربية في موضع جواب إذا التي في قوله {حتى إذا جاءوها} فقال بعض نحويي البصرة: يقال إن قوله {وقال لهم خزنتها} [الزمر: 73] في معنى: قال لهم، كأنه يلغي الواو، وقد جاء في الشعر شيء يشبه أن تكون الواو زائدة، كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن إلا توهم حالم بخيال فيشبه أن يكون يريد: فإذا ذلك لم يكن، قال: وقال بعضهم: فأضمر الخبر، وإضمار الخبر أيضا أحسن في الآية، وإضمار الخبر في الكلام كثير. وقال آخر 20P269 منهم: هو مكفوف عن خبره، قال: والعرب تفعل مثل هذا؛ قال عبد مناف بن ربع في آخر قصيدة: [+البحر البسيط] حتى إذا أسلكوهم في قتائده شلا كما تطرد الجمالة الشردا وقال الأخطل في آخر القصيدة: [+البحر الطويل] خلا أن حيا من قريش تفضلوا على الناس أو أن الأكارم نهشلا . وقال بعض نحويي الكوفة: أدخلت في حتى إذا وفي فلما الواو في جوابها وأخرجت، فأما من أخرجها فلا شيء فيه، ومن أدخلها شبه الأوائل بالتعجب، فجعل الثاني نسقا على الأول، وإن كان الثاني جوابا كأنه قال: أتعجب لهذا وهذا وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: الجواب متروك، وإن كان القول الآخر غير مدفوع، وذلك أن قوله: {وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: 73] يدل على أن في الكلام متروكا، إذ كان عقيبه {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده} [الزمر: 74] ؛ وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: حتى إذا جاءوا وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، دخلوها، وقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده وعني بقوله {سلام عليكم} [الزمر: 73] : أمنة من الله لكم أن ينالكم بعد مكروه أو اذى وقوله {طبتم} [الزمر: 73] يقول: طابت أعمالكم في الدنيا، فطاب اليوم مثواكم وكان مجاهد يقول في ذلك ما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم،.

Section V20/P270–V20/P271

قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله {طبتم} [الزمر: 73] قال: «كنتم طيبين في طاعة الله» وقوله: {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده} [الزمر: 74] يقول وقال الذين سيقوا زمرا ودخلوها: الشكر خالص لله الذي صدقنا وعده، الذي كان وعدناه في الدنيا على طاعته، فحققه بإنجازه لنا اليوم، {وأورثنا الأرض} [الزمر: 74] يقول: وجعل أرض الجنة التي كانت لأهل النار لو كانوا أطاعوا الله في الدنيا، فدخلوها، ميراثا لنا عنهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأورثنا الأرض} [الزمر: 74] قال: «أرض الجنة» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وأورثنا الأرض} [الزمر : 74] «أرض الجنة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأورثنا الأرض} [الزمر: 74] قال: «أرض الجنة» وقرأ: {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] وقوله: {نتبوأ من الجنة حيث نشاء} [الزمر: 74] يقول: نتخذ من الجنة بيتا، ونسكن منها حيث نحب ونشتهي كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {نتبوأ من الجنة حيث نشاء} [الزمر: 74] «ننزل منها حيث نشاء» وقوله: {فنعم أجر العاملين} [الزمر: 74] يقول: فنعم ثواب المطيعين لله، العاملين له في الدنيا الجنة لمن أعطاه الله إياها في الآخرة 20P271

Section V20/P271–V20/P274

[الزمر: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} [الزمر: 75] يقول تعالى ذكره: وترى يا محمد الملائكة محدقين من حول عرش الرحمن، ويعني بالعرش: السرير ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وترى الملائكة حافين من حول العرش} [الزمر: 75] محدقين " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وترى الملائكة حافين من حول العرش} [الزمر: 75] قال: " محدقين حول العرش، قال: العرش: السرير " واختلف أهل العربية في وجه دخول من في قوله: {حافين من حول العرش} [الزمر: 75] والمعنى: حافين حول العرش وفي قوله: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت من في هذين الموضعين توكيدا، والله أعلم، كقولك: ما جاءني من أحد؛ وقال غيره: قبل وحول وما أشبههما ظروف تدخل فيها من وتخرج، نحو: أتيتك قبل زيد، ومن قبل زيد، وطفنا حولك ومن حولك، وليس ذلك من نوع ما جاءني من أحد، لأن موضع من في قولهم: ما جاءني من أحد رفع، وهو اسم والصواب من القول في ذلك عندي أن من في هذه الأماكن، أعني في قوله {من حول العرش} [الزمر: 75] ومن قبلك، وما أشبه ذلك، وإن كانت دخلت على الظروف فإنها بمعنى التوكيد وقوله: {يسبحون بحمد ربهم} [الزمر: 75] يقول: يصلون حول عرش الله شكرا له؛ والعرب تدخل الباء أحيانا في التسبيح، وتحذفها أحيانا، فتقول: سبح بحمد الله، وسبح حمد الله، كما قال جل ثناؤه: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] ، وقال في موضع آخر: {فسبح باسم ربك العظيم} [الواقعة: 74] وقوله: {وقضي بينهم بالحق} [الزمر: 69] يقول: وقضى الله بين النبيين الذين جيء بهم، والشهداء وأممها بالعدل، فأسكن أهل الإيمان بالله، وبما جاءت به رسله الجنة، وأهل الكفر به، ومما جاءت به رسله النار {وقيل الحمد لله رب العالمين} [الزمر: 75] يقول: وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر للذي ابتدأ خلقهم الذي له الألوهية، وملك جميع ما في السموات 20P273 والأرض من الخلق من ملك وجن وإنس، وغير ذلك من أصناف الخلق وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يسبحون بحمد ربهم} [الزمر: 75] الآية كلها قال: " فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وختم بالحمد " فقال: {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} [الزمر: 75] [040] سورة غافر مكية وآياتها خمس وثمانون بسم الله الرحمن الرحيم 20P274

Section V20/P274–V20/P276

[غافر: 1_2] القول في تأويل قوله تعالى: {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير} [غافر: 1_2] اختلف أهل التأويل في معنى قوله {حم} [غافر: 1] فقال بعضهم: هو حروف مقطعة من اسم الله الذي هو الرحمن الرحيم، وهو الحاء والميم منه ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، قال: ثنا علي بن الحسن، قال: ثني أبي، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: «الر، وحم، ون، حروف الرحمن مقطعة» وقال آخرون: هو قسم أقسمه الله، وهو اسم من أسماء الله ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: {حم} [غافر: 1] «قسم أقسمه الله، وهو اسم من أسماء الله» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط ، عن 20P275 السدي، قوله {حم} [غافر: 1] «من حروف أسماء الله» وقال آخرون: بل هو اسم من أسماء القرآن ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {حم} [غافر: 1] قال: «اسم من أسماء القرآن» وقال آخرون: هو حروف هجاء وقال آخرون: بل هو اسم، واحتجوا لقولهم ذلك بقول شريح بن أوفى العبسي: [+البحر الطويل] يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلاحم قبل التقدم وبقول الكميت: [+البحر الطويل] وجدنا لكم في آل حاميم آية تأولها منا تقي ومعرب وحدثت عن معمر بن المثنى، أنه قال: قال يونس يعني الجرمي: " ومن قال هذا القول فهو منكر عليه، لأن السورة {حم} [غافر: 1] ساكنة الحروف، فخرجت مخرج التهجي، وهذه أسماء سور خرجت متحركات، وإذا سميت سورة بشيء من هذه الأحرف المجزومة دخله الإعراب " 20P276 والقول في ذلك عندي نظير القول في أخواتها، وقد بينا ذلك، في قوله: {الم} [البقرة: 1] ففي ذلك كفاية عن إعادته في هذا الموضع، إذ كان القول في حم، وجميع ما جاء في القرآن على هذا الوجه، أعني حروف التهجي قولا واحدا وقوله: {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} [غافر: 2] يقول الله تعالى ذكره: من الله العزيز في انتقامه من أعدائه، العليم يما يعملون من الأعمال وغيرها تنزيل هذا الكتاب؛ فالتنزيل مرفوع بقوله: {من الله} [البقرة: 61] وفي قوله: {غافر الذنب} [غافر: 3] وجهان؛ أحدهما: أن يكون بمعنى يغفر ذنوب العباد، وإذا أريد هذا المعنى، كان خفض غافر وقابل من وجهين، أحدهما من نية تكرير من، فيكون معنى الكلام حينئذ: تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، من غافر الذنب، وقابل التوب، لأن غافر الذنب نكرة، وليس بالأفصح أن يكون نعتا للمعرفة، وهو نكرة، والآخر أن يكون أجرى في إعرابه، وهو نكرة على إعراب الأول كالنعت له، لوقوعه بينه وبين قوله: {ذي الطول} [غافر: 3] وهو معرفة. .

Section V20/P276–V20/P279

وقد يجوز أن يكون أتبع إعرابه وهو نكرة إعراب الأول، إذ كان مدحا، وكان المدح يتبع إعرابه ما قبله أحيانا، ويعدل به عن إعراب الأول أحيانا بالنصب والرفع كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبين معاقد الأزر وكما قال جل ثناؤه {وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد} [البروج: 15] فرفع فعال وهو نكرة محضة، وأتبع إعراب الغفور الودود؛ والآخر: أن يكون معناه: أن ذلك من صفته تعالى، إذ كان لم يزل لذنوب العباد غفورا من قبل نزول هذه الآية وفي حال نزولها، ومن بعد ذلك، فيكون عند ذلك معرفة صحيحة ونعتا على الصحة وقال: {غافر الذنب} [غافر: 3] ولم يقل الذنوب، لأنه أريد به الفعل، وأما قوله: {وقابل التوب} [غافر: 3] فإن التوب قد يكون جمع توبة، كما يجمع الدومة دوما والعومة عوما من عومة السفينة، كما قال الشاعر: [+البحر البسيط] عوم السفين فلما حال دونهم وقد يكون مصدر تاب يتوب توبا وقد: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: جاء رجل إلى عمر، فقال: إني قتلت، فهل لي من توبة؟ قال " نعم اعمل ولا تيأس، ثم قرأ: {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب} [غافر: 2] وقوله: {شديد العقاب} [البقرة: 196] يقول تعالى ذكره: شديد عقابه لمن عاقبه من أهل العصيان له، فلا تتكلوا على سعة رحمته، ولكن كونوا منه على حذر، باجتناب معاصيه، وأداء فرائضه، فإنه كما أن لا يؤيس أهل الإجرام والآثام من عفوه وقبول توبة من تاب منهم من جرمه، كذلك لا يؤمنهم من عقابه وانتقامه منهم بما استحلوا من محارمه، وركبوا من معاصيه وقوله: {ذي الطول} [غافر: 3] يقول: ذي الفضل والنعم المبسوطة على من شاء من خلقه؛ يقال منه: إن فلانا لذو طول على أصحابه، إذا كان ذا فضل عليهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ذي الطول} [غافر: 3] يقول: «ذي السعة والغنى» حدثني محمد بن عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ذي الطول} [غافر: 3] «الغنى» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ذي الطول} [غافر: 3] « 20P279 أي ذي النعم» وقال بعضهم: الطول: القدرة ذكر من قال ذلك: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {ذي الطول} [غافر: 3] قال: " الطول: القدرة، ذاك الطول " وقوله: {لا إله إلا هو إليه المصير} [غافر: 3] يقول: لا معبود تصلح له العبادة إلا الله العزيز العليم، الذي صفته ما وصف جل ثناؤه، فلا تعبدوا شيئا سواه {إليه المصير} [غافر: 3] يقول تعالى ذكره: إلى الله مصيركم ومرجعكم أيها الناس، فإياه فاعبدوا، فإنه لا ينفعكم شيء عبدتموه عند ذلك سواه 20P279

Questions

Taberî — Câmiü'l-Beyân · 269 · Qur'an & Sunnah