Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V21/P149–V21/P154

[الأحقاف: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} [الأحقاف: 21] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد لقومك الرادين عليك ما جئتهم به من الحق هودا أخا عاد، فإن الله بعثك إليهم كالذي بعثه إلى عاد، فخوفهم أن يحل بهم من نقمة الله على كفرهم ما حل بهم إذ كذبوا رسولنا هودا إليهم، إذ أنذر قومه عادا بالأحقاف والأحقاف: جمع حقف وهو من الرمل ما استطال، ولم يبلغ أن يكون جبلا، وإياه عنى الأعشى: فبات إلى أرطاة حقف تلفه خريق شمال يترك الوجه أقتما واختلف أهل التأويل في الموضع الذي به هذه الأحقاف، فقال بعضهم: هي جبل بالشام ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 21P151 أبيه، عن ابن عباس: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف} [الأحقاف: 21] قال: " الأحقاف: جبل بالشام " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله {إذ أنذر قومه بالأحقاف} [الأحقاف: 21] «جبل يسمى الأحقاف» وقال آخرون: بل هي واد بين عمان ومهرة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف} [الأحقاف: 21] قال: فقال: «الأحقاف الذي أنذر هود قومه واد بين عمان ومهرة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " كانت منازل عاد وجماعتهم حيث بعث الله إليهم هودا الأحقاف: الرمل فيما بين عمان إلى حضرموت، فاليمن كله، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض كلها، قهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله " وقال آخرون: هي أرض ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: " الأحقاف: الأرض " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {إذ أنذر قومه بالأحقاف} [الأحقاف: 21] قال: «حشاف» أو كلمة تشبهها، قال أبو موسى: يقولون مستحشف حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {إذ أنذر قومه بالأحقاف} [الأحقاف: 21] «حشاف من حسمى» وقال آخرون: هي رمال مشرفة على البحر بالشحر ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف} [الأحقاف: 21] «ذكر لنا أن عادا كانوا حيا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف} [الأحقاف: 21] قال: «بلغنا أنهم كانوا على أرض يقال 21P153 لها الشحر، مشرفين على البحر، وكانوا أهل رمل» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عمرو بن عبد الله، عن قتادة، أنه قال: «كان مساكن عاد بالشحر» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى أخبر أن عادا أنذرهم أخوهم هود بالأحقاف، والأحقاف ما وصفت من الرمال المستطيلة المشرفة، كما قال العجاج: بات إلى أرطاة حقف أحقفا وكما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف} [الأحقاف: 21] قال: " الأحقاف: الرمل الذي يكون كهيئة الجبل تدعوه العرب الحقف، ولا يكون أحقافا إلا من الرمل، قال: وأخو عاد هود وجائز أن يكون ذلك جبلا بالشأم وجائز أن يكون واديا بين عمان وحضرموت وجائز أن يكون الشحر وليس في العلم به أداء فرض، ولا في الجهل به تضييع واجب، وأين كان فصفته ما وصفنا من أنهم كانوا قوما منازلهم الرمال المستعلية المستطيلة " وقوله: {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله} [الأحقاف: 21] يقول تعالى ذكره: وقد مضت الرسل بإنذار أممها {من بين يديه} [الرعد: 11] يعني: من 21P154 قبل هود ومن خلفه، يعني: ومن بعد هود وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله «وقد خلت النذر من بين يديه ومن بعده» {ألا تعبدوا إلا الله} [هود: 2] يقول: لا تشركوا مع الله شيئا في عبادتكم إياه، ولكن أخلصوا له العبادة، وأفردوا له الألوهة، إنه لا إله غيره، وكانوا فيما ذكر أهل أوثان يعبدونها من دون الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله} [الأحقاف: 21] قال: «لن يبعث الله رسولا إلا بأن يعبد الله» وقوله: {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} [الأعراف: 59] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه: إني أخاف عليكم أيها القوم بعبادتكم غير الله عذاب الله في يوم عظيم وذلك يوم يعظم هوله، وهو يوم القيامة 21P154

Section V21/P154–V21/P158

[الأحقاف: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} [الأحقاف: 22] يقول تعالى ذكره: قالت عاد لهود، إذ قال لهم لا تعبدوا إلا الله إني أخاف 21P155 عليكم عذاب يوم عظيم: أجئتنا يا هود لتصرفنا عن عبادة آلهتنا إلى عبادة ما تدعونا إليه، وإلى اتباعك على قولك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا،} [الأحقاف: 22] قال: «لتزيلنا» ، وقرأ {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها} [الفرقان: 42] قال: «تضلنا وتزيلنا وتأفكنا» {فأتنا بما تعدنا} [الأحقاف: 22] من العذاب على عبادتنا ما نعبد من الآلهة {إن كنت} [المائدة: 116] من أهل الصدق في قوله وعداته 21P155 [الأحقاف: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون} [الأحقاف: 23] يقول تعالى ذكره: قال هود لقومه عاد: {إنما العلم} [الأحقاف: 23] بوقت مجيء ما أعدكم به من عذاب الله على كفركم به عند الله، لا أعلم من ذلك إلا ما علمني {وأبلغكم ما أرسلت به} [الأحقاف: 23] يقول: وإنما أنا رسول إليكم من الله، مبلغ أبلغكم عنه ما أرسلني به من الرسالة {ولكني أراكم قوما تجهلون} [هود: 29] مواضع حظوظ أنفسكم، فلا تعرفون ما عليها من المضرة بعبادتكم غير الله، وفي استعجال عذابه 21P155 [الأحقاف: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} [الأحقاف: 24] 21P156 يقول تعالى ذكره: فلما جاءهم عذاب الله الذي استعجلوه، فرأوه سحابا عارضا في ناحية من نواحي السماء {مستقبل أوديتهم} [الأحقاف: 24] والعرب تسمي السحاب الذي يرى في بعض أقطار السماء عشيا، ثم يصبح من الغد قد استوى، وحبا بعضه إلى بعض عارضا، وذلك لعرضه في بعض أرجاء السماء حين نشأ، كما قال الأعشى: يا من يرى عارضا قد بت أرمقه كأنما البرق في حافاته الشعل {قالوا هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24] ظنا منهم برؤيتهم إياه أن غيثا قد أتاهم يحيون به ، فقالوا: هذا الذي كان هود يعدنا، وهو الغيث كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم} [الأحقاف: 24] الآية، " وذكر لنا أنهم حبس عنهم المطر زمانا، فلما رأوا العذاب مقبلا {قالوا هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24] وذكر لنا أنهم قالوا: كذب هود كذب هود؛ فلما خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فشامه، قال: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} [الأحقاف: 24] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " ساق الله السحابة السوداء التي اختار قيل ابن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرج عليهم من واد لهم يقال له المغيث، فلما رأوها استبشروا {قالوا هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24] : يقول الله عز وجل: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} [الأحقاف: 24] " وقوله: {بل هو ما استعجلتم به} [الأحقاف: 24] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه صلى الله عليه وسلم هود لقومه لما قالوا له عند رؤيتهم عارض العذاب، قد عرض لهم في السماء هذا عارض ممطرنا نحيا به، ما هو بعارض غيث، ولكنه عارض عذاب لكم، بل هو ما استعجلتم به: أي هو العذاب الذي استعجلتم به، فقلتم: {ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} ريح فيها عذاب أليم والريح مكررة على ما في قوله: {هو ما استعجلتم به} [الأحقاف: 24] كأنه قيل: بل هو ريح فيها عذاب أليم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: «كان هود جلدا في قومه، وإنه كان قاعدا في قومه، فجاء سحاب مكفهر» ، ف {قالوا هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24] فقال: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} [الأحقاف: 24] قال: «فجاءت ريح فجعلت تلقي الفسطاط، وتجيء بالرجل الغائب فتلقيه» حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، قال: قال سليمان، ثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: «لقد كانت الريح تحمل الظعينة فترفعها حتى ترى كأنها جرادة» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم} [الأحقاف: 24] إلى آخر الآية، 21P158 قال: «هي الريح إذا أثارت سحابا» ، {قالوا: هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24] فقال نبيهم: «بل ريح فيها عذاب أليم» 21P157

Section V21/P158–V21/P159

[الأحقاف: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين} [الأحقاف: 25] وقوله {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25] : يقول تعالى ذكره: تخرب كل شيء، وترمي بعضه على بعض فتهلكه، كما قال جرير: وكان لكم كبكر ثمود لما رغا ظهرا فدمرهم دمارا يعني بقوله: دمرهم: ألقى بعضهم على بعض صرعى هلكى وإنما عنى بقوله: {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25] مما أرسلت بهلاكه، لأنها لم تدمر هودا ومن كان آمن به حدثنا أبو كريب، قال: ثنا طلق، عن زائدة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «ما أرسل الله على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا، فنزع خاتمه» وقوله: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25] يقول: فأصبح قوم هود وقد هلكوا وفنوا، فلا يرى في بلادهم شيء إلا مساكنهم التي كانوا يسكنونها واختلفت القراء في قراءة قوله {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة (لا ترى إلا مساكنهم) بالتاء نصبا، بمعنى: فأصبحوا لا ترى أنت يا محمد إلا مساكنهم وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة {لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25] بالياء في {يرى} [البقرة: 165] ورفع المساكن، بمعنى ما وصفت قبل أنه لا يرى في بلادهم شيء إلا مساكنهم وروى الحسن البصرى (لا ترى) بالتاء، وبأي القراءتين اللتين ذكرت من قراءة أهل المدينة والكوفة قرأ ذلك القارئ فمصيب وهو القراءة برفع المساكن إذا قرئ قوله {يرى} [البقرة: 165] بالياء وضمها. وبنصب المساكن إذا قرئ قوله: (ترى) بالتاء وفتحها ، وأما التي حكيت عن الحسن فهي قبيحة في العربية وإن كانت جائزة، وإنما قبحت لأن العرب تذكر الأفعال التي قبل إلا، وإن كانت الأسماء التي بعدها أسماء إناث، فتقول: ما قام إلا أختك، ما جاءني إلا جاريتك، ولا يكادون يقولون: ما جاءتني إلا جاريتك، وذلك أن المحذوف قبل إلا أحد، أو شيء واحد، وشيء يذكر فعلهما العرب، وإن عني بهما المؤنث، فتقول: إن جاءك منهن أحد فأكرمه، ولا يقولون: إن جاءتك، وكان الفراء يجيزها على الاستكراه، ويذكر أن المفضل أنشده: ونارنا لم تر نارا مثلها قد علمت ذاك معد أكرما فأنث فعل مثل لأنه للنار، قال: وأجود الكلام أن تقول: ما رؤي مثلها وقوله: {كذلك نجزي القوم المجرمين} [يونس: 13] يقول تعالى ذكره: كما جزينا عادا بكفرهم بالله من العقاب في عاجل الدنيا، فأهلكناهم بعذابنا، كذلك نجزي القوم الكافرين بالله من خلقنا، إذ تمادوا في غيهم وطغوا على ربهم 21P159

Section V21/P159–V21/P162

[الأحقاف: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون} [الأحقاف: 26] يقول تعالى ذكره لكفار قريش: ولقد مكنا أيها القوم عادا الذين أهلكناهم بكفرهم فيما لم نمكنكم فيه من الدنيا، وأعطيناهم منها الذي لم نعطكم منهم من كثرة الأموال، وبسطة الأجسام، وشدة الأبدان وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثني أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} [الأحقاف: 26] يقول: «لم نمكنكم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} [الأحقاف: 26] : «أنبأكم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم» وقوله: {وجعلنا لهم سمعا} [الأحقاف: 26] يسمعون به مواعظ ربهم، وأبصارا يبصرون بها حجج الله، وأفئدة يعقلون بها ما يضرهم وينفعهم {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} [الأحقاف : 26] يقول: فلم ينفعهم ما أعطاهم من السمع والبصر والفؤاد إذ لم يستعملوها فيما أعطوها له، ولم يعملوها فيما ينجيهم من عقاب الله، ولكنهم استعملوها فيما يقربهم من سخطه {إذ كانوا يجحدون بآيات الله} [الأحقاف: 26] يقول: إذ كانوا يكذبون بحجج الله وهم رسله، وينكرون نبوتهم {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] يقول: وعاد عليهم ما استهزءوا به، ونزل بهم ما سخروا به، فاستعجلوا به من العذاب، وهذا وعيد من الله جل ثناؤه لقريش، يقول لهم: فاحذروا أن يحل بكم من العذاب على كفركم بالله وتكذيبكم رسله، ما حل بعاد، وبادروا بالتوبة قبل النقمة 21P161 [الأحقاف: 27_28] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} [الأحقاف: 27_28] يقول تعالى ذكره لكفار قريش محذرهم بأسه وسطوته، أن يحل بهم على كفرهم {ولقد أهلكنا} [يونس: 13] أيها القوم من القرى ما حول قريتكم، كحجر ثمود وأرض سدوم ومأرب ونحوها، فأنذرنا أهلها بالمثلات، وخربنا ديارها، فجعلناها خاوية على عروشها وقوله: {وصرفنا الآيات} [الأحقاف: 27] يقول: ووعظناهم بأنواع العظات، وذكرناهم بضروب من الذكر والحجج، وبينا لهم ذلك كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وصرفنا الآيات} [الأحقاف: 27] قال " بيناها {لعلهم يرجعون} [الأحقاف: 27] يقول ليرجعوا عما كانوا عليه مقيمين من الكفر بالله وآياته " وفي الكلام متروك ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام عليه، وهو: فأبوا إلا الإقامة على كفرهم، والتمادي في غيهم، فأهلكناهم، فلن ينصرهم منا ناصر يقول جل ثناؤه: فلولا نصر هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم الخالية قبلهم أوثانهم وآلهتهم التي اتخذوا عبادتها قربانا يتقربون بها فيما زعموا إلى ربهم منا إذ جاءهم بأسنا، فتنقذهم من عذابنا إن كانت تشفع لهم عند ربهم كما يزعمون، وهذا احتجاج من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي قومه، يقول لهم: لو كانت آلهتكم التي تعبدون من دون الله تغني عنكم شيئا، أو تنفعكم عند الله كما تزعمون أنكم إنما تعبدونها لتقربكم إلى الله زلفى، لأغنت عمن كان قبلكم من الأمم التي أهلكتها بعبادتهم إياها، فدفعت عنها العذاب إذا نزل، أو لشفعت لهم عند ربهم، فقد كانوا من عبادتها على مثل الذي عليه أنتم، ولكنها ضرتهم ولم تنفعهم: يقول تعالى ذكره: {بل ضلوا عنهم} [الأحقاف: 28] يقول: بل تركتهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها، فأخذت غير طريقهم، لأن عبدتها هلكت، وكانت هي حجارة أو نحاسا، فلم يصبها ما أصابهم ودعوها، فلم تجبهم، ولم تغثهم، وذلك ضلالها عنهم، وذلك إفكهم، يقول عز وجل هذه الآلهة التي ضلت عن هؤلاء الذين كانوا يعبدونها من دون الله عند نزول بأس الله بهم، وفي حال طمعهم فيها أن تغيثهم، فخذلتهم، هو إفكهم: يقول: هو كذبهم الذي كانوا يكذبون، ويقولون به هؤلاء آلهتنا وما كانوا يفترون، يقول: وهو الذي كانوا يفترون، فيقولون: هي تقربنا إلى الله زلفى، وهي شفعاؤنا عند الله وأخرج الكلام مخرج الفعل، والمعني المفعول به، فقيل: وذلك إفكهم، والمعني فيه: المأفوك به لأن الإفك إنما هو فعل الآفك، والآلهة مأفوك بها وقد مضى البيان عن نظائر ذلك قبل، قال: وكذلك قوله: {وما كانوا يفترون} [الأحقاف: 28] واختلفت القراء في قراءة قوله {وذلك إفكهم} [الأحقاف: 28] فقرأته عامة قراء الأمصار: {وذلك إفكهم} [الأحقاف: 28] بكسر الألف وسكون الفاء وضم الكاف بالمعنى الذي بينا وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك ما: حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عوف، عمن حدثه، عن ابن عباس، «أنه كان يقرأها» وذلك «أفكهم» يعني بفتح الألف والكاف وقال: أضلهم " فمن قرأ القراءة الأولى التي عليها قراء الأمصار، فالهاء والميم في موضع خفض ومن قرأ هذه القراءة التي ذكرناها عن ابن عباس فالهاء والميم في موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام على ذلك، وذلك صرفهم عن الإيمان بالله والصواب من القراءة في ذلك عندنا القراءة التي عليها قرأة الأمصار لإجماع الحجة عليها 21P163

Section V21/P162–V21/P166

[الأحقاف: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين} [الأحقاف: 29] يقول تعالى ذكره مقرعا كفار قريش بكفرهم بما آمنت به الجن {وإنما صرفنا إليك} يا محمد {نفرا من الجن يستمعون القرآن} [الأحقاف: 29] ذكر أنهم صرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحادث الذي حدث من رجمهم بالشهب ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد، عن سعيد بن جبير، قال: " كانت الجن تستمع، فلما رجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء لشيء حدث في الأرض، فذهبوا يطلبون حتى رأوا النبي صلى الله عليه وسلم خارجا من سوق عكاظ يصلي بأصحابه الفجر، فذهبوا إلى قومهم " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: " لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم حرست السماء، فقال الشيطان: ما حرست إلا لأمر قد حدث في الأرض فبعث سراياه في الأرض، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي صلاة الفجر بأصحابه بنخلة، وهو يقرأ فاستمعوا حتى إذا فرغ {ولوا إلى قومهم منذرين} [الأحقاف: 29] إلى قوله {مستقيم} [البقرة: 142] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} [الأحقاف: 29] إلى آخر الآية، قال: " لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا يقعدون مقاعد للسمع؛ فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حرست السماء حرسا شديدا، ورجمت الشياطين، فأنكروا ذلك، وقالوا: {لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن: 10] فقال إبليس: لقد حدث في الأرض حدث، واجتمعت إليه الجن، فقال: تفرقوا في الأرض، فأخبروني ما هذا الخبر الذي حدث في السماء، وكان أول بعث ركب من أهل نصيبين، وهي أشراف الجن وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، فاندفعوا حتى بلغوا الوادي، وادي نخلة، فوجدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة، فاستمعوا؛ فلما سمعوه يتلو القرآن، قالوا: أنصتوا، ولم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن؛ فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين " واختلف أهل التأويل في مبلغ عدد النفر الذين قال الله {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} [الأحقاف: 29] فقال بعضهم: كانوا سبعة نفر ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الحميد، قال: ثنا النضر بن عربي، عن عكرمة، عن ابن عباس، {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} [الأحقاف: 29] الآية، قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم " وقال آخرون: بل كانوا تسعة نفر ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} [الأحقاف: 29] قال: «كانوا تسعة نفر فيهم زوبعة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: " أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ببطن نخلة، {فلما حضروه} [الأحقاف: 29] قال: كانوا تسعة أحدهم زوبعة " وقوله: {فلما حضروه} [الأحقاف: 29] يقول: فلما حضر هؤلاء النفر من الجن الذين صرفهم الله إلى رسوله نبي الله صلى الله عليه وسلم 21P166 واختلف أهل العلم في صفة حضورهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: حضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعرفون الأمر الذي حدث من قبله ما حدث في السماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشعر بمكانهم، كما قد ذكرنا عن ابن عباس قبل وكما: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} [الأحقاف: 29] قال: ما شعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءوا، فأوحى الله عز وجل إليه فيهم، وأخبر عنهم " وقال آخرون: بل أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليهم القرآن، وأنهم جمعوا له بعد أن تقدم الله إليه بإنذارهم، وأمره بقراءة القرآن عليهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} [الأحقاف: 29] قال: ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى، قال: فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن، فأيكم يتبعني؟

Section V21/P166–V21/P167

» فأطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا "، فقال رجل: يا رسول الله إنك لذو ندبة، فاتبعه عبد الله بن مسعود، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له شعب الحجون قال: وخط نبي الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله خطا ليثبته به، قال: فجعلت تهوي بي وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها، وسمعت 21P167 لغطا شديدا، حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلا القرآن؛ فلما رجع نبي الله قلت: يا نبي الله ما اللغط الذي سمعت؟ قال: «اجتمعوا إلي في قتيل كان بينهم، فقضي بينهم بالحق» وذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخا شمطا من الزط، فراعوه، قال: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء نفر من الأعاجم، قال: ما أريت للذين قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام من الجن شبها أدنى من هؤلاء حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ذهب وابن مسعود ليلة دعا الجن، فخط النبي صلى الله عليه وسلم على ابن مسعود خطا، ثم قال له: «لا تخرج منه» ثم ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجن، فقرأ عليهم القرآن، ثم رجع إلى ابن مسعود فقال: «هل رأيت شيئا؟ » قال: سمعت لغطا شديدا، قال: «إن الجن تدارأت في قتيل قتل بينها، فقضي بينهم بالحق» ، وسألوه الزاد، فقال: «كل عظم لكم عرق، وكل روث لكم خضرة» قالوا: يا رسول الله تقذرها الناس علينا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بأحدهما " فلما قدم ابن مسعود الكوفة رأى الزط، وهم قوم طوال سود، فأفزعوه، فقال: أظهروا؟ فقيل له: إن هؤلاء قوم من الزط، فقال: ما أشبههم بالنفر الذين صرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، أنه قال لابن مسعود: حدثت أنك كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد 21P168 الجن، قال: أجل، قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث كله وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خط عليه خطا وقال: «لا تبرح منها» ، فذكر أن مثل العجاجة السوداء غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريبا من الصبح، أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أنمت؟ » قلت: لا والله، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: «اجلسوا» ، قال: «لو خرجت لم آمن أن يختطفك بعضهم» ، ثم قال: «هل رأيت شيئا؟ » قال: نعم رأيت رجالا سودا مستشعري ثياب بيض، قال: «أولئك جن نصيبين، سألوني المتاع، والمتاع الزاد، فمتعتهم بكل عظم حائل أو بعرة أو روثة» ، فقلت: يا رسول الله، وما يغني ذلك عنهم؟ قال: «إنهم لن يجدوا عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة» حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: أخبرنا أبو زرعة وهب بن راشد، قال: قال يونس، قال ابن شهاب: أخبرني أبو عثمان بن شبة الخزاعي، وكان، من أهل الشام أن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو بمكة: «من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل» فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة، خط لي برجله خطا، ثم أمرني أن أجلس فيه، 21P169 ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فغشيته أسودة كبيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر، فانطلق متبرزا، ثم أتاني فقال: «ما فعل الرهط؟

Section V21/P167–V21/P171

» قلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عظما أو روثا أو جمجمة فأعطاهم إياه زادا، ثم نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث " حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن شبة الخزاعي، وكان من أهل الشأم، أن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله سواء، إلا أنه قال: فأعطاهم روثا أو عظما زادا، ولم يذكر الجمجمة حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثني عمي، قال: أخبرني يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بت الليلة أقرأ على الجن ربعا بالحجون» واختلفوا في الموضع الذي تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه القرآن، فقال عبد الله 21P170 بن مسعود: قرأ عليهم بالحجون، وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك. وقال آخرون: قرأ عليهم بنخلة، وقد ذكرنا بعض من قال ذلك، ونذكر من لم نذكره حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خلاد، عن زهير بن معاوية، عن جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن عباس، «أن النفر الذين، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من جن نصيبين أتوه وهو بنخلة» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} [الأحقاف: 29] قال: لقيهم بنخلة ليلتئذ " وقوله: {فلما حضروه قالوا أنصتوا} [الأحقاف: 29] يقول تعالى ذكره: فلما حضروا القرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قال بعضهم لبعض: أنصتوا لنستمع القرآن كما: حدثنا ابن بشار ، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، {فلما حضروه قالوا أنصتوا} [الأحقاف: 29] قالوا: صه " قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زر بن حبيش، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {فلما حضروه قالوا أنصتوا} [الأحقاف: 29] «قد علم القوم أنهم لن يعقلوا حتى ينصتوا» وقوله: {فلما قضي} [الأحقاف: 29] يقول: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراءة وتلاوة القرآن 21P171 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {فلما قضي} [الأحقاف: 29] يقول: " فلما فرغ من الصلاة {ولوا إلى قومهم منذرين} [الأحقاف: 29] " وقوله: {ولوا إلى قومهم منذرين} [الأحقاف: 29] يقول: انصرفوا منذرين عذاب الله على الكفر به وذكر عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلهم رسلا إلى قومهم " حدثنا بذلك أبو كريب، قال: ثنا عبد الحميد الحماني، قال: ثنا النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس وهذا القول خلاف القول الذي روي عنه، أنه قال: لم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن، لأنه محال أن يرسلهم إلى آخرين إلا بعد علمه بمكانهم، إلا أن يقال: لم يعلم بمكانهم في حال استماعهم للقرآن، ثم علم بعد قبل انصرافهم إلى قومهم، فأرسلهم رسلا حينئذ إلى قومهم، وليس ذلك في الخبر الذي روي 21P171

Section V21/P171–V21/P173

[الأحقاف: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} [الأحقاف: 30] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء الذين صرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجن لقومهم لما انصرفوا إليهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا قومنا} [الأحقاف: 30] من الجن {إنا 21P172 سمعنا كتابا أنزل من بعد} [الأحقاف: 30] كتاب {موسى مصدقا لما بين يديه} [الأحقاف : 30] يقول: يصدق ما قبله من كتب الله التي أنزلها على رسله وقوله: {يهدي إلى الحق} [يونس: 35] يقول: يرشد إلى الصواب، ويدل على ما فيه لله رضا {وإلى طريق مستقيم} [الأحقاف: 30] يقول: وإلى طريق لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أنه قرأ {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} [الأحقاف: 30] فقال: ما أسرع ما عقل القوم، ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى " 21P172 [الأحقاف: 31_32] القول في تأويل قوله تعالى: {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين} [الأحقاف: 31_32] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء النفر من الجن {يا قومنا} [الأحقاف: 30] من الجن {أجيبوا داعي الله} [الأحقاف: 31] قالوا: أجيبوا رسول الله محمدا إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله {وآمنوا به} [الأحقاف: 31] يقول: وصدقوه فيما جاءكم به وقومه من أمر الله ونهيه، وغير ذلك مما دعاكم إلى التصديق به {يغفر لكم} [الأحقاف: 31] يقول: يتغمد لكم ربكم من ذنوبكم فيسترها لكم ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته إياكم عليها {ويجركم من عذاب أليم} [الأحقاف: 31] يقول: وينقذكم من عذاب موجع إذا أنتم تبتم من ذنوبكم، وأنبتم من كفركم إلى الإيمان بالله وبداعيه وقوله: {ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض} [الأحقاف: 32] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء النفر لقومهم: ومن لا يجب أيها القوم رسول الله صلى الله عليه وسلم محمدا، وداعيه إلى ما بعثه بالدعاء إليه من توحيده، والعمل بطاعته {فليس بمعجز في الأرض} [الأحقاف: 32] يقول: فليس بمعجز ربه بهربه، إذا أراد عقوبته على تكذيبه داعيه، وتركه تصديقه وإن ذهب في الأرض هاربا، لأنه حيث كان فهو في سلطانه وقبضته {وليس له من دونه أولياء} [الأحقاف: 32] يقول: وليس لمن لم يجب داعي الله من دون ربه نصراء ينصرونه من الله إذا عاقبه ربه على كفره به وتكذيبه داعيه وقوله: {أولئك في ضلال مبين} [الزمر: 22] يقول: هؤلاء الذين لم يجيبوا داعي الله فيصدقوا به، وبما دعاهم إليه من توحيد الله والعمل بطاعته في جور عن قصد السبيل، وأخذ على غير استقامة {مبين} [البقرة: 168] يقول: يبين لمن تأمله أنه ضلال وأخذ على غير قصد 21P173

Section V21/P173–V21/P175

[الأحقاف: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] يقول تعالى ذكره: أولم ينظر هؤلاء المنكرون إحياء الله خلقه من بعد وفاتهم وبعثه إياهم من قبورهم بعد بلائهم، القائلون لآبائهم وأمهاتهم {أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي} [الأحقاف: 17] فلم يبعثوا بأبصار قلوبهم، فيروا ويعلموا أن الله الذي خلق السماوات السبع والأرض، فابتدعهن من غير شيء، ولم يعي بإنشائهن، فيعجز عن اختراعهن وإحداثهن {بقادر على أن يحيي الموتى} [الأحقاف: 33] فيخرجهم من بعد بلائهم في قبورهم أحياء كهيئتهم قبل وفاتهم. واختلف أهل العربية في وجه دخول الباء في قوله: {بقادر} [يس: 81] فقال بعض نحويي البصرة: هذه الباء كالباء في قوله: {كفى بالله} [الرعد: 43] وهو مثل {تنبت بالدهن} [المؤمنون: 20] وقال بعض نحويي الكوفة: دخلت هذه الباء للم؛ قال: والعرب تدخلها مع الجحود إذا كانت رافعة لما قبلها، وتدخلها إذا وقع عليها فعل يحتاج إلى اسمين مثل قولك: ما أظنك بقائم، وما أظن أنك بقائم، وما كنت بقائم، فإذا خلعت الباء نصبت الذي كانت تعمل فيه، بما تعمل فيه من الفعل، قال: ولو ألقيت الباء من قادر في هذا الموضع رفع، لأنه خبر لأن، قال: وأنشدني بعضهم: فما رجعت بخائبة ركاب حكيم بن المسيب منتهاها فأدخل الباء في فعل لو ألقيت منه نصب بالفعل لا بالباء، يقاس على هذا ما أشبهه وقال بعض من أنكر قول البصري الذي ذكرنا قوله: هذه الباء دخلت للجحد، لأن المجحود في المعنى وإن كان قد حال بينهما بأن «أولم يروا أن الله قادر على أن يحيي الموتى» قال: فأن اسم يروا وما بعدها في صلتها، ولا تدخل فيه الباء، ولكن معناه جحد، فدخلت للمعنى وحكي عن البصري أنه كان يأبى إدخال إلا، وأن النحويين من أهل الكوفة يجيزونه، ويقولون: ما ظننت أن زيدا إلا قائما، وما ظننت أن زيدا بعالم وينشد: ولست بحالف لولدت منهم على عمية إلا زيادا قال: فأدخل إلا بعد جواب اليمين، قال: فأما «كفى بالله» ، فهذه لم تدخل إلا لمعنى صحيح، وهي للتعجب، كما تقول لظرف بزيد قال: وأما {تنبت بالدهن} [المؤمنون: 20] فأجمعوا على أنها صلة وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: دخلت الباء في قوله {بقادر} [يس: 81] للجحد، لما ذكرنا لقائلي ذلك من العلل واختلفت القراء في قراءة قوله: {بقادر} [يس: 81] فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار، عن أبي إسحاق والجحدري والأعرج {بقادر} [يس: 81] وهي الصحيحة عندنا لإجماع قراء الأمصار عليها وأما الآخرون الذين ذكرتهم فإنهم فيما ذكر عنهم كانوا يقرأون ذلك «يقدر» بالياء وقد ذكر أنه في قراءة عبد الله بن مسعود «أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر» بغير باء، ففي ذلك حجة لمن قرأه «بقادر» بالباء والألف وقوله: {بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] يقول تعالى ذكره: بلى، يقدر الذي خلق السماوات والأرض على إحياء الموتى: أي الذي خلق ذلك على كل شيء شاء خلقه، وأراد فعله، ذو قدرة لا يعجزه شيء أراده، ولا يعييه شيء أراد فعله، 21P176 فيعييه إنشاء الخلق بعد الفناء، لأن من عجز عن ذلك فضعيف، فلا ينبغي أن يكون إلها من كان عما أراد ضعيفا 21P175

Section V21/P175–V21/P178

[الأحقاف: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [الأحقاف: 34] يقول تعالى ذكره: ويوم يعرض هؤلاء المكذبون بالبعث، وثواب الله عباده على أعمالهم الصالحة، وعقابه إياهم على أعمالهم السيئة، على النار، نار جهنم، يقال لهم حينئذ: أليس هذا العذاب الذي تعذبونه اليوم، وقد كنتم تكذبون به في الدنيا بالحق، توبيخا من الله لهم على تكذيبهم به، كان في الدنيا {قالوا بلى وربنا} [الأنعام: 30] يقول: فيجيب هؤلاء الكفرة من فورهم بذلك، بأن يقولوا بلى هو الحق والله {قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [الأنعام: 30] يقول: فقال لهم المقرر بذلك: فذوقوا عذاب النار الآن بما كنتم تجحدونه في الدنيا، وتنكرونه، وتأبون الإقرار إذا دعيتم إلى التصديق به 21P176 [الأحقاف: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} [الأحقاف: 35] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مثبته على المضي لما قلده من عبء الرسالة، وثقل أحمال النبوة صلى الله عليه وسلم، وآمره بالائتساء في العزم على النفوذ لذلك بأولي العزم من قبله من رسله الذين صبروا على عظيم ما لقوا فيه من قومهم من المكاره، ونالهم فيه منهم من الأذى والشدائد {فاصبر} [هود: 49] يا محمد على ما أصابك في الله من أذى مكذبيك من قومك الذين أرسلناك إليهم بالإنذار {كما صبر أولو العزم} على القيام بأمر الله، والانتهاء إلى طاعته من رسله الذين لم ينههم عن النفوذ لأمره، ما نالهم فيه من شدة. وقيل: إن أولي العزم منهم، كانوا الذين امتحنوا في ذات الله في الدنيا بالمحن، فلم تزدهم المحن إلا جدا في أمر الله، كنوح وإبراهيم وموسى ومن أشبههم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ثوابة بن مسعود، عن عطاء الخراساني، أنه قال {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} «كنا نحدث أن إبراهيم كان منهم» وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: حدثني به، يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} قال: «كل الرسل كانوا أولي عزم لم يتخذ الله رسولا إلا كان ذا عزم، فاصبر كما صبروا» حدثنا ابن سنان القزاز، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير، في قوله: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} قال: «سماه الله من شدته العزم» وقوله: {ولا تستعجل لهم} [الأحقاف: 35] يقول: ولا تستعجل عليهم بالعذاب، يقول: لا تعجل بمسألتك ربك ذلك لهم فإن ذلك نازل بهم لا محالة {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} [الأحقاف: 35] يقول: كأنهم يوم يرون عذاب الله الذي يعدهم أنه منزله بهم، لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار؛ لأنه ينسيهم شدة ما ينزل بهم من عذابه، قدر ما كانوا في الدنيا لبثوا، ومبلغ ما فيها مكثوا من السنين والشهور، كما قال جل ثناؤه: {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين} [المؤمنون: 113] وقوله: {بلاغ} [إبراهيم: 52] فيه وجهان: أحدهما أن يكون معناه: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ذلك لبث بلاغ، بمعنى: ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى أجلهم، ثم حذفت ذلك لبث، وهي مرادة في الكلام اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام عليها والآخر: أن يكون معناه: هذا القرآن والتذكير بلاغ لهم وكفاية، إن فكروا واعتبروا فتذكروا وقوله: {فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} [الأحقاف: 35] يقول تعالى ذكره: فهل يهلك الله بعذابه إذا أنزله إلا القوم الذين خالفوا أمره، وخرجوا عن طاعته وكفروا به ومعنى الكلام: وما يهلك الله إلا القوم الفاسقين وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} [الأحقاف: 35] «تعلموا ما يهلك على الله إلا هالك ولى الإسلام ظهره أو منافق صدق بلسانه وخالف بعمله» ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أيما 21P179 عبد من أمتي هم بحسنة كتبت له واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها وأيما عبد هم بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، ثم كان يتبعها، ويمحوها الله ولا يهلك إلا هالك»

Section V21/P178–V21/P182

[047] سورة محمد مدنية وآياتها ثمان وثلاثون بسم الله الرحمن الرحيم 21P180 [محمد: 1_2] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم} [محمد: 1_2] قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين جحدوا توحيد الله وعبدوا غيره وصدوا من أراد عبادته والإقرار بوحدانيته، وتصديق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن الذي أراد من الإسلام والإقرار والتصديق {أضل أعمالهم} [محمد: 1] يقول: جعل الله أعمالهم ضلالا على غير هدى وغير رشاد؛ لأنها عملت في سبيل الشيطان وهي على غير استقامة {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة: 82] يقول تعالى ذكره: والذين صدقوا الله وعملوا بطاعته، واتبعوا أمره ونهيه {وآمنوا بما نزل على محمد} [محمد: 2] يقول: وصدقوا بالكتاب الذي أنزل الله على محمد {وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم} [محمد: 2] يقول: محا الله عنهم بفعلهم ذلك سيئ ما عملوا من الأعمال، فلم يؤاخذهم به، ولم يعاقبهم عليه {وأصلح بالهم} [محمد: 2] يقول: وأصلح شأنهم وحالهم في الدنيا عند أوليائه، وفي الآخرة بأن أورثهم نعيم الأبد والخلود الدائم في جنانه. وذكر أنه عنى بقوله: {الذين كفروا} [البقرة: 6] الآية أهل مكة، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة: 82] الآية، أهل المدينة ذكر من قال ذلك: حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: خبرنا 21P181 إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، في قوله: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} [النساء: 167] قال: " نزلت في أهل مكة {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} [محمد: 2] قال: الأنصار " وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {وأصلح بالهم} [محمد: 2] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، {وأصلح بالهم} [محمد: 2] قال: «أمرهم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {وأصلح بالهم} [محمد: 2] قال: «شأنهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وأصلح بالهم} [محمد: 2] قال: «أصلح حالهم» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وأصلح بالهم} [محمد: 2] قال: «حالهم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأصلح 21P182 بالهم} [محمد: 2] قال «حالهم» والبال: كالمصدر مثل الشأن لا يعرف منه فعل، ولا تكاد العرب تجمعه إلا في ضرورة شعر، فإذا جمعوه قالوا بالات 21P181 [محمد: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} [محمد: 3] يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلنا بهذين الفريقين من إضلالنا أعمال الكافرين، وتكفيرنا عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، جزاء منا لكل فريق منهم على فعله أما الكافرون فأضللنا أعمالهم، وجعلناها على غير استقامة وهدى، بأنهم اتبعوا الشيطان فأطاعوه، وهو الباطل كما: حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، وعباس بن محمد، قالا: ثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني خالد، أنه سمع مجاهدا، يقول {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل} [محمد: 3] قال: " الباطل: الشيطان " وأما المؤمنون فكفرنا عنهم سيئاتهم، وأصلحنا لهم حالهم بأنهم اتبعوا الحق الذي جاءهم من ربهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند ربه من النور والبرهان {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} [محمد: 3] يقول عز وجل: كما بينت لكم أيها الناس فعلي بفريق الكفر والإيمان، كذلك نمثل للناس الأمثال، ونشبه لهم الأشباه، فنلحق بكل قوم من الأمثال أشكالا 21P182

Section V21/P182–V21/P189

[محمد: 4] القول في تأويل قوله تعالى : {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا 21P183 أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} [محمد: 4] يقول تعالى ذكره لفريق الإيمان به وبرسوله: {فإذا لقيتم الذين كفروا} [محمد: 4] بالله ورسوله من أهل الحرب، فاضربوا رقابهم وقوله: {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} [محمد: 4] يقول: حتى إذا غلبتموهم وقهرتم من لم تضربوا رقبته منهم، فصاروا في أيديكم أسرى {فشدوا الوثاق} [محمد: 4] يقول: فشدوهم في الوثاق كيلا يقتلوكم، فيهربوا منكم وقوله: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] يقول: فإذا أسرتموهم بعد الإثخان، فإما أن تمنوا عليهم بعد ذلك بإطلاقكم إياهم من الأسر، وتحرروهم بغير عوض ولا فدية، وإما أن يفادوكم فداء بأن يعطوكم من أنفسهم عوضا حتى تطلقوهم، وتخلوا لهم السبيل. واختلف أهل العلم في قوله: {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] فقال بعضهم: هو منسوخ نسخه قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] وقوله {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57] ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، وابن عيسى الدامغاني، قالا: ثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، أنه كان يقول في قوله: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] " نسخها قوله: {فاقتلوا المشركين 21P184 حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] قال: " نسخها {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] " نسخها قوله: {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإذا لقيتم الذين كفروا} [محمد: 4] إلى قوله: {وإما فداء} [محمد: 4] " كان المسلمون إذا لقوا المشركين قاتلوهم، فإذا أسروا منهم أسيرا، فليس لهم إلا أن يفادوه، أو يمنوا عليه، ثم يرسلوه، فنسخ ذلك بعد قوله: {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57] أي عظ بهم من سواهم من الناس لعلهم يذكرون " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، قال: كتب إلى أبي بكر رضي الله عنه في أسير أسر، فذكر أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا، فقال أبو بكر: «اقتلوه لقتل رجل من المشركين أحب إلي من كذا وكذا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} [محمد: 4] إلى آخر الآية، قال: " الفداء منسوخ، نسختها: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} [التوبة: 5] إلى {كل مرصد} [التوبة: 5] قال: فلم يبق لأحد من المشركين عهد ولا حرمة بعد براءة، وانسلاخ الأشهر الحرم " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] هذا منسوخ، نسخه قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] فلم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة بعد براءة " وقال آخرون: هي محكمة وليست بمنسوخة، وقالوا: لا يجوز قتل الأسير، وإنما يجوز المن عليه والفداء ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عتاب سهل بن حماد، قال: ثنا خالد بن جعفر، عن الحسن، قال: أتي الحجاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر رجلا يقتله، فقال ابن عمر: " ليس بهذا أمرنا، قال الله عز وجل {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] " قال: البكاء بين يديه فقال الحسن: لو كان 21P186 هذا وأصحابه لابتدروا إليهم حدثنا ابن حميد، وابن عيسى الدامغاني، قالا: ثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، " أنه كان يكره قتل المشرك صبرا، قال: ويتلو هذه الآية {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: «لا تقتل الأسارى إلا في الحرب يهيب بهم العدو» قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: «كان عمر بن عبد العزيز يفديهم الرجل بالرجل، وكان الحسن يكره أن يفادى بالمال» قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن رجل من أهل الشام ممن كان يحرس عمر بن عبد العزيز، وهو من بني أسد، قال: " ما رأيت عمر رحمه الله قتل أسيرا إلا واحدا من الترك كان جيء بأسارى من الترك، فأمر بهم أن يسترقوا، فقال رجل ممن جاء بهم: يا أمير المؤمنين، لو كنت رأيت هذا لأحدهم وهو يقتل المسلمين لكثر بكاؤك عليهم، فقال عمر: فدونك فاقتله، فقام إليه فقتله " 21P187 والصواب من القول عندنا في ذلك أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، وذلك أن صفة الناسخ والمنسوخ ما قد بينا في غير موضع في كتابنا أنه ما لم يجز اجتماع حكميهما في حال واحدة، أو ما قامت الحجة بأن أحدهما ناسخ الآخر، وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المن والفداء والقتل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى القائمين بعده بأمر الأمة، وإن لم يكن القتل مذكورا في هذه الآية، لأنه قد أذن بقتلهم في آية أخرى، وذلك قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] الآية بل ذلك كذلك، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يفعل فيمن صار أسيرا في يده من أهل الحرب، فيقتل بعضا، ويفادي ببعض، ويمن على بعض، مثل يوم بدر قتل عقبة بن أبي معيط وقد أتي به أسيرا، وقتل بني قريظة، وقد نزلوا على حكم سعد، وصاروا في يده سلما، وهو على فدائهم والمن عليهم قادر، وفادى بجماعة أسارى المشركين الذين أسروا ببدر، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي، وهو أسير في يده، ولم يزل ذلك ثابتا من سيره في أهل الحرب من لدن أذن الله له بحربهم، إلى أن قبضه إليه صلى الله عليه وسلم دائما ذلك فيهم، وإنما ذكر جل ثناؤه في هذه الآية المن والفداء في الأسارى، فخص ذكرهما فيها، لأن الأمر بقتلهما والإذن منه بذلك قد كان تقدم في سائر آي تنزيله مكررا، فأعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بما ذكر في هذه الآية من المن والفداء ما له فيهم مع القتل وقوله: {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] يقول تعالى ذكره: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا رقابهم، وافعلوا بأسراهم ما بينت لكم، حتى تضع الحرب آثامها وأثقال أهلها، المشركين بالله بأن يتوبوا إلى الله من شركهم، فيؤمنوا به وبرسوله، 21P188 ويطيعوه في أمره ونهيه، فذلك وضع الحرب أوزارها، وقيل: {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] والمعنى: حتى تلقي الحرب أوزار أهلها وقيل: معنى ذلك: حتى يضع المحارب أوزاره وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] قال: حتى يخرج عيسى ابن مريم، فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب، ولا تقرض فأرة جرابا، وتذهب العداوة من الأشياء كلها، ذلك ظهور الإسلام على الدين كله، وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دما إذا وضعها " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] «حتى لا يكون شرك» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] قال: «حتى لا يكون شرك» ذكر من قال: عنى بالحرب في هذا الموضع: المحاربون حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {حتى تضع 21P189 الحرب أوزارها} [محمد: 4] قال " الحرب: من كان يقاتلهم سماهم حربا " وقوله: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم} [محمد: 4] يقول تعالى ذكره: هذا الذي أمرتكم به أيها المؤمنون من قتل المشركين إذا لقيتموهم في حرب، وشدهم وثاقا بعد قهرهم، وأسرهم، والمن والفداء {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] هو الحق الذي ألزمكم ربكم ولو يشاء ربكم ويريد لانتصر من هؤلاء المشركين الذين بين هذا الحكم فيهم بعقوبة منه لهم عاجلة، وكفاكم ذلك كله، ولكنه تعالى ذكره كره الانتصار منهم، وعقوبتهم عاجلا إلا بأيديكم أيها المؤمنون {ليبلو بعضكم ببعض} [محمد: 4] يقول: ليختبركم بهم، فيعلم المجاهدين منكم والصابرين، ويبلوهم بكم، فيعاقب بأيديكم من شاء منهم، ويتعظ من شاء منهم بمن أهلك بأيديكم من شاء منهم حتى ينيب إلى الحق.

Section V21/P189–V21/P190

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ولو يشاء الله لانتصر منهم} [محمد: 4] «إي والله بجنوده الكثيرة، كل خلقه له جند، ولو سلط أضعف خلقه لكان جندا» وقوله: (والذين قاتلوا في سبيل الله) اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والكوفة: (والذين قاتلوا) ، بمعنى: حاربوا المشركين، وجاهدوهم، بالألف؛ وكان الحسن البصري فيما ذكر عنه يقرأه (قتلوا) بضم القاف وتشديد التاء، بمعنى: أنه قتلهم المشركون بعضهم بعد بعض، غير أنه لم يسم الفاعلون وذكر عن الجحدري عاصم أنه كان يقرأه «والذين قتلوا» بفتح القاف وتخفيف التاء، بمعنى: والذين قتلوا المشركين بالله وكان أبو عمرو يقرأه {قتلوا} [آل عمران: 156] بضم القاف وتخفيف التاء بمعنى: والذين قتلهم المشركون، ثم أسقط الفاعلين، فجعلهم لم يسم فاعل ذلك بهم وأولى القراءات بالصواب قراءة من قرأه (والذين قاتلوا) لاتفاق الحجة من القراء، وإن كان لجميعها وجوه مفهومة وإذ كان ذلك أولى القراءات عندنا بالصواب، فتأويل الكلام: والذين قاتلوا منكم أيها المؤمنون أعداء الله من الكفار في دين الله، وفي نصرة ما بعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من الهدى، فجاهدوهم في ذلك {فلن يضل أعمالهم} [محمد: 4] فلن يجعل الله أعمالهم التي عملوها في الدنيا ضلالا عليهم كما أضل أعمال الكافرين، وذكر أن هذه الآية عني بها أهل أحد ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {والذين قتلوا في سبيل 21P191 الله فلن يضل أعمالهم} [محمد: 4] ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون يومئذ: أعل هبل، فنادى المسلمون: الله أعلى وأجل، فنادى المشركون: يوم بيوم، إن الحرب سجال، إن لنا عزى، ولا عزى لكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله مولانا ولا مولى لكم، إن القتلى مختلفة، أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} [محمد: 4] قال: «الذين قتلوا يوم أحد» 21P191

Section V21/P190–V21/P193

[محمد: 5_6_7] القول في تأويل قوله تعالى: {سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد: 5_6_7] يقول تعالى ذكره: سيوفق الله تعالى ذكره للعمل بما يرضى ويحب، هؤلاء الذين قاتلوا في سبيله، {ويصلح بالهم} [محمد: 5] ويصلح أمرهم وحالهم في الدنيا والآخرة {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 6] يقول: ويدخلهم الله جنته عرفها، يقول: عرفها وبينها لهم، حتى إن الرجل ليأتي منزله منها إذا دخلها كما كان يأتي منزله في الدنيا، لا يشكل عليه ذلك كما: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أبي سعيد الخدري، قال: " إذا نجى الله المؤمنين من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة 21P192 والنار، فاقتص بعضهم من بعض مظالم كثيرة كانت بينهم في الدنيا، ثم يؤذن لهم بالدخول في الجنة، قال: فما كان المؤمن بأدل بمنزله في الدنيا منه بمنزله في الجنة حين يدخلها " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 6] قال: «أي منازلهم فيها» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 6] قال: «يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم لا يخطئون، كأنهم سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 6] قال: بلغنا عن غير واحد قال: " يدخل أهل الجنة الجنة، ولهم أعرف بمنازلهم فيها من منازلهم في الدنيا التي يختلفون إليها في عمر الدنيا؛ قال: فتلك قول الله جل ثناؤه {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 6] " وقوله: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم} [محمد: 7] يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، إن تنصروا الله ينصركم بنصركم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر به وجهادكم إياهم معه لتكون كلمته العليا ينصركم عليهم، ويظفركم بهم، فإنه ناصر دينه وأولياءه كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن تنصروا الله ينصركم} [محمد: 7] «لأنه حق على الله أن يعطي من سأله، وينصر من نصره» وقوله: {ويثبت أقدامكم} [محمد: 7] يقول: ويقوكم عليهم، ويجرئكم، حتى لا تولوا عنهم، وإن كثر عددهم، وقل عددكم 21P193

Section V21/P193–V21/P196

[محمد: 8_9] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} [محمد: 8_9] يقول تعالى ذكره: {والذين كفروا} [البقرة: 39] بالله، فجحدوا توحيده {فتعسا لهم} [محمد: 8] يقول: فخزيا لهم وشقاء وبلاء كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {والذين كفروا فتعسا لهم} [محمد: 8] قال: «شقاء لهم» وقوله: {وأضل أعمالهم} [محمد: 8] يقول وجعل أعمالهم معمولة على غير 21P194 هدى ولا استقامة، لأنها عملت في طاعة الشيطان، لا في طاعة الرحمن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأضل أعمالهم} [محمد: 8] قال: " الضلالة التي أضلهم الله لم يهدهم كما هدى الآخرين، فإن الضلالة التي أخبرك الله: يضل من يشاء، ويهدي من يشاء " قال: «وهؤلاء ممن جعل عمله ضلالا» ورد قوله: {وأضل أعمالهم} [محمد: 8] على قوله: {فتعسا لهم} [محمد: 8] وهو فعل ماض، والتعس اسم، لأن التعس وإن كان اسما ففي معنى الفعل لما فيه من معنى الدعاء، فهو بمعنى: أتعسهم الله، فلذلك صلح رد أضل عليه، لأن الدعاء يجري مجرى الأمر والنهي، وكذلك قوله: {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} [محمد: 4] مردودة على أمر مضمر ناصب لضرب وقوله: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله} [محمد: 9] يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلنا بهم من الإتعاس وإضلال الأعمال من أجل أنهم كرهوا كتابنا الذي أنزلناه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسخطوه، فكذبوا به، وقالوا: هو سحر مبين وقوله: {فأحبط أعمالهم} [محمد: 9] يقول: فأبطل أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وذلك عبادتهم الآلهة، لم ينفعهم الله بها في الدنيا ولا في الآخرة، بل أوبقهم بها، فأصلاهم سعيرا، وهذا حكم الله جل جلاله في جميع من كفر به من 21P195 أجناس الأمم، كما قال قتادة حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {فتعسا لهم} [محمد: 8] قال: «هي عامة للكفار» 21P195 [محمد: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها} [محمد: 10] يقول تعالى ذكره: أفلم يسر هؤلاء المكذبون محمدا صلى الله عليه وسلم المنكرو ما أنزلنا عليه من الكتاب في الأرض سفرا، وإنما هذا توبيخ من الله لهم، لأنهم قد كانوا يسافرون إلى الشام، فيرون نقمة الله التي أحلها بأهل حجر ثمود، ويرون في سفرهم إلى اليمن ما أحل الله بسبأ، فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين به: أفلم يسر هؤلاء المشركون سفرا في البلاد فينظروا كيف كان عاقبة تكذيب الذين من قبلهم من الأمم المكذبة رسلها الرادة نصائحها ألم نهلكها فندمر عليها منازلها ونخربها، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن يفعل الله ذلك بهم في تكذيبهم إياه، فينيبوا إلى طاعة الله في تصديقك، ثم توعدهم جل ثناؤه، وأخبرهم إن هم أقاموا على تكذيبهم رسوله، أنه محل بهم من العذاب ما أحل بالذين كانوا من قبلهم من الأمم، فقال: {وللكافرين أمثالها} [محمد: 10] يقول: وللكافرين من قريش المكذبي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب العاجل أمثال عاقبة تكذيب الأمم الذين كانوا من قبلهم رسلهم على تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وللكافرين أمثالها} [محمد: 10] قال: «مثل ما دمرت به القرون الأولى وعيد من الله لهم» 21P196

Section V21/P196–V21/P198

[محمد: 11_12] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} [محمد: 11_12] يقول تعالى ذكره: هذا الفعل الذي فعلنا بهذين الفريقين: فريق الإيمان، وفريق الكفر، من نصرتنا فريق الإيمان بالله، وتثبيتنا أقدامهم، وتدميرنا على فريق الكفر {بأن الله مولى الذين آمنوا} [محمد: 11] يقول: من أجل أن الله ولي من آمن به، وأطاع رسوله كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا} [محمد: 11] قال: «وليهم» وقد ذكر لنا أن ذلك في قراءة عبد الله «وذلك بأن الله ولي الذين آمنوا» 21P197 وأن التي في المائدة التي هي في مصاحفنا {إنما وليكم الله ورسوله} [المائدة: 55] «إنما مولاكم الله» في قراءته وقوله: {وأن الكافرين لا مولى لهم} [محمد: 11] يقول: وبأن الكافرين بالله لا ولي لهم، ولا ناصر وقوله: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} [الحج: 14] يقول تعالى ذكره: إن الله له الألوهة التي لا تنبغي لغيره، يدخل الذين آمنوا بالله وبرسوله بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار، يفعل ذلك بهم تكرمة على إيمانهم به وبرسوله وقوله: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام} [محمد: 12] يقول جل ثناؤه: والذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم يتمتعون في هذه الدنيا بحطامها ورياشها وزينتها الفانية الدارسة، ويأكلون فيها غير مفكرين في المعاد، ولا معتبرين بما وضع الله لخلقه من الحجج المؤدية لهم إلى علم توحيد الله ومعرفة صدق رسله، فمثلهم في أكلهم ما يأكلون فيها من غير علم منهم بذلك وغير معرفة، مثل الأنعام من البهائم المسخرة التي لا همة لها إلا في الاعتلاف دون غيره {والنار مثوى لهم} [محمد: 12] يقول جل ثناؤه: والنار نار جهنم مسكن لهم، ومأوى، إليها يصيرون من بعد مماتهم 21P197 [محمد: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم} [محمد: 13] يقول تعالى ذكره: وكم يا محمد من قرية هي أشد قوة من قريتك، يقول أهلها أشد بأسا، وأكثر جمعا، وأعد عديدا من أهل قريتك، وهي 21P198 مكة، وأخرج الخبر عن القرية، والمراد به أهلها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم} [محمد: 13] قال: «هي مكة» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك} [محمد: 13] قال: «قريته مكة» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حبيش، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، لما خرج من مكة إلى الغار، أراه قال: التفت إلى مكة، فقال: «أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، فلو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك، فأعتى الأعداء من عتا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية» ، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم} [محمد: 13] " وقال جل ثناؤه: أخرجتك، فأخرج الخبر عن القرية، فلذلك أنث، ثم قال: أهلكناهم، لأن المعنى في قوله أخرجتك، ما وصفت من أنه أريد 21P199 به أهل القرية، فأخرج الخبر مرة على اللفظ، ومرة على المعنى وقوله: {فلا ناصر لهم} [محمد: 13] فيه وجهان من التأويل: أحدهما أن يكون معناه، وإن كان قد نصب الناصر بالتبرئة، فلم يكن لهم ناصر، وذلك أن العرب قد تضمر كان أحيانا في مثل هذا والآخر أن يكون معناه: فلا ناصر لهم الآن من عذاب الله ينصرهم 21P199

Section V21/P198–V21/P199

[محمد: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم} [محمد: 14] يقول تعالى ذكره: {أفمن كان} [هود: 17] على برهان وحجة وبيان {من} [البقرة: 4] أمر {ربه} [البقرة: 37] والعلم بوحدانيته، فهو يعبده على بصيرة منه، بأن له ربا يجازيه على طاعته إياه الجنة، وعلى إساءته ومعصيته إياه النار، {كمن زين له سوء عمله} [محمد: 14] يقول: كمن حسن له الشيطان قبيح عمله وسيئه، فأراه جميلا، فهو على العمل به مقيم {واتبعوا أهواءهم} [محمد: 14] يقول: واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم من معصية الله، وعبادة الأوثان من غير أن يكون عندهم بما يعملون من ذلك برهان وحجة وقيل: إن الذي عني بقوله: {أفمن كان على بينة من ربه} [هود: 17] نبينا عليه الصلاة والسلام، وإن الذي عني بقوله: {كمن زين له سوء عمله} [محمد: 14] هم المشركون 21P199

Section V21/P199–V21/P201

[محمد: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} [محمد: 15] يقول تعالى ذكره: صفة الجنة التي وعدها المتقون، وهم الذين اتقوا في الدنيا عقابه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه {فيها أنهار من ماء غير آسن} [محمد: 15] يقول تعالى ذكره في هذه الجنة التي: ذكرها أنهار من ماء غير متغير الريح، يقال منه: قد أسن ماء هذه البئر: إذا تغيرت ريح مائها فأنتنت، فهو يأسن أسنا، وكذلك يقال للرجل إذا أصابته ريح منتنة: قد أسن فهو يأسن وأما إذا أجن الماء وتغير، فإنه يقال له: أسن فهو يأسن، ويأسن أسونا، وماء آسن وبنحو الذي قلنا في معنى قوله {من ماء غير آسن} [محمد: 15] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {فيها أنهار من ماء غير آسن} [محمد: 15] يقول: «غير متغير» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {أنهار من ماء غير آسن} [محمد: 15] قال: «من ماء غير منتن» حدثني عيسى بن عمرو، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: ثنا مصعب بن سلام، عن سعد بن طريف، قال: سألت أبا إسحاق عن {ماء غير آسن} [محمد: 15] قال: سألت عنها الحارث، فحدثني أن " الماء الذي غير آسن تسنيم، قال: بلغني أنه لا تمسه يد، وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل في فيه " وقوله: {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} [محمد: 15] يقول تعالى ذكره: وفيها أنهار من 21P201 لبن لم يتغير طعمه لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه خلقه الله ابتداء في الأنهار، فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه وقوله: {وأنهار من خمر لذة للشاربين} [محمد: 15] يقول: وفيها أنهار من خمر لذة للشاربين يلتذون بشربها كما: حدثني عيسى، قال: ثنا إبراهيم بن محمد، قال: ثنا مصعب، عن سعد بن طريف، قال: سألت عنها الحارث، فقال: «لم تدسه المجوس، ولم ينفخ فيه الشيطان، ولم تؤذها شمس، ولكنها فوحاء» قال: قلت لعكرمة: ما الفوحاء؟

Section V21/P201–V21/P202

قال: الصفراء وكما: حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، في قوله: {من لبن لم يتغير طعمه} [محمد: 15] قال: لم يحلب " وخفضت اللذة على النعت للخمر، ولو جاءت رفعا على النعت للأنهار جاز، أو نصبا على يتلذذ بها لذة، كما يقال: هذا لك هبة كان جائزا؛ فأما القراءة فلا أستجيزها فيها إلا خفضا لإجماع الحجة من القراء عليها وقوله: {وأنهار من عسل مصفى} [محمد: 15] يقول: وفيها أنهار من عسل قد صفي من القذى، وما يكون في عسل أهل الدنيا قبل التصفية، وإنما أعلم تعالى ذكره عباده بوصفه ذلك العسل بأنه مصفى أنه خلق في الأنهار ابتداء سائلا جاريا سيل الماء واللبن المخلوقين فيها، فهو من أجل ذلك مصفى، قد صفاه الله من الأقذاء التي تكون في عسل أهل الدنيا الذي لا يصفو من الأقذاء إلا بعد التصفية، لأنه كان في شمع فصفي منه وقوله: {ولهم فيها من كل الثمرات} [محمد: 15] يقول تعالى ذكره: ولهؤلاء المتقين في هذه الجنة من هذه الأنهار التي ذكرنا من جميع الثمرات التي تكون على الأشجار {ومغفرة من ربهم} [محمد: 15] يقول: وعفو من الله لهم عن ذنوبهم التي أذنبوها في الدنيا، ثم تابوا منها، وصفح منه لهم عن العقوبة عليها وقوله: {كمن هو خالد في النار} [محمد: 15] يقول تعالى ذكره: أمن هو في هذه الجنة التي صفتها ما وصفنا، كمن هو خالد في النار وابتدئ الكلام بصفة الجنة، فقيل: مثل الجنة التي وعد المتقون، ولم يقل: أمن هو في الجنة ثم قيل بعد انقضاء الخبر عن الجنة وصفتها {كمن هو خالد في النار} [محمد: 15] وإنما قيل ذلك كذلك، استغناء بمعرفة السامع معنى الكلام، ولدلالة قوله: {كمن هو خالد في النار} [محمد: 15] على معنى قوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون} [الرعد: 35] وقوله: {وسقوا ماء حميما} [محمد: 15] يقول تعالى ذكره: وسقي هؤلاء الذين هم خلود في النار ماء قد انتهى حره فقطع ذلك الماء من شدة حره أمعاءهم كما: حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا حيوة بن شريح الحمصي، قال: ثنا بقية، عن صفوان بن عمرو، قال: ثني عبيد الله بن بشر، عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {ويسقى من ماء صديد يتجرعه} [إبراهيم: 17] قال: «يقرب إليه فيتكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شرب قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره» قال: يقول الله {وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} [محمد: 15] يقول الله عز وجل {يشوي الوجوه بئس 21P203 الشراب وساءت مرتفقا} [الكهف: 29] 21P202

Section V21/P202–V21/P204

[محمد: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} [محمد: 16] يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء الكفار يا محمد {من يستمع إليك} [الأنعام: 25] وهو المنافق، فيستمع ما تقول فلا يعيه ولا يفهمه، تهاونا منه بما تتلو عليه من كتاب ربك، وتغافلا عما تقوله، وتدعو إليه من الإيمان، {حتى إذا خرجوا من عندك} [محمد: 16] قالوا إعلاما منهم لمن حضر معهم مجلسك من أهل العلم بكتاب الله، وتلاوتك عليهم ما تلوت، وقيلك لهم ما قلت إنهم لن يصغوا أسماعهم لقولك وتلاوتك {ماذا قال} [سبأ: 23] لنا محمد {آنفا} [محمد: 16] ؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك} [محمد: 16] " هؤلاء المنافقون، دخل رجلان: رجل ممن عقل عن الله وانتفع بما سمع ورجل لم يعقل عن الله، فلم ينتفع بما سمع، كان يقال: الناس ثلاثة: فسامع عامل، وسامع غافل، وسامع تارك " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {ومنهم من يستمع إليك} [الأنعام: 25] قال ": هم المنافقون وكان يقال: الناس ثلاثة: سامع فعامل، وسامع فغافل، وسامع فتارك " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا شريك، عن عثمان أبي اليقظان، عن يحيى بن الجزار أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا} [محمد: 16] قال ابن عباس: «أنا منهم، وقد سئلت فيمن سئل» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك} [محمد: 16] إلى آخر الآية، قال: " هؤلاء المنافقون، والذين أوتوا العلم: الصحابة رضي الله عنهم " وقوله: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} [النحل: 108] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم القوم الذين ختم الله على قلوبهم، فهم لا يهتدون للحق الذي بعث الله به رسوله عليه الصلاة والسلام {واتبعوا أهواءهم} [محمد: 14] يقول: ورفضوا أمر الله، واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم، فهم لا يرجعون مما هم عليه إلى حقيقة ولا برهان، وسوى جل ثناؤه بين صفة هؤلاء المنافقين وبين المشركين، في أن جميعهم إنما يتبعون فيما هم عليه من فراقهم دين الله، الذي ابتعث به محمدا صلى الله عليه وسلم أهواءهم، فقال في هؤلاء المنافقين: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا 21P205 أهواءهم} [محمد: 16] وقال في أهل الكفر به من أهل الشرك، {كمن زين له سوء عمله، واتبعوا أهواءهم} [محمد: 14] 21P204

Questions