Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الفاتحة: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] قال أبو جعفر: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. وكذلك ذلك في لغة جميع العرب؛ فمن ذلك قول جرير بن عطية بن الخطفى: [+البحر . ] أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم يريد على طريق الحق. ومنه قول الهذلي أبي ذؤيب: [+البحر الوافر] صبحنا أرضهم بالخيل حتى تركناها أدق من الصراط ومنه قول الراجز: [+البحر الرجز] فصد عن نهج الصراط القاصد والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرنا غنى عما تركنا. ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل وصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه. والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي، أعني: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] أن يكون معنيا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قول وعمل. وذلك هو الصراط المستقيم، لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء، فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمر الله به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وكل عبد لله صالح. وكل ذلك من الصراط المستقيم. وقد اختلفت تراجمة القرآن في المعني بالصراط المستقيم، يشمل معاني جميعهم في ذلك ما اخترنا من التأويل فيه ومما قالته في ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وذكر القرآن فقال: «هو الصراط المستقيم» حدثنا بذلك، موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال: حدثنا حسين الجعفي، عن حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث، عن الحارث، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحدثنا عن إسماعيل بن أبي كريمة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن الحارث، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن علي، قال: «الصراط المستقيم كتاب الله تعالى» حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، ح. وحدثنا محمد بن حميد الرازي، قال.
حدثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: «الصراط المستقيم كتاب الله» حدثني محمود بن خداش الطالقاني، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي، قال: حدثنا علي، والحسن، ابنا صالح، جميعا عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله: " {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] قال: الإسلام، قال: هو أوسع مما بين السماء والأرض " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا 01P174 بشر بن عمار، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريل لمحمد: " قل يا محمد: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] يقول ألهمنا الطريق الهادي وهو دين الله الذي لا عوج له " وحدثنا موسى بن سهل الرازي، قال: حدثنا يحيى بن عوف، عن الفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، في قوله: " {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] قال: ذلك الإسلام " وحدثني محمود بن خداش، قال: حدثنا محمد بن ربيعة الكلابي، عن إسماعيل الأزرق، عن أبي عمر البزار، عن ابن الحنفية، في قوله: " {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره " وحدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن طلحة القناد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] قال: هو الإسلام " وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس في قوله: " {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] قال: الطريق " حدثنا عبد الله بن كثير أبو صديف الآملي، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا حمزة بن أبي المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية، في قوله: " {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده: أبو بكر وعمر " قال: فذكرت ذلك للحسن، فقال: «صدق أبو العالية ونصح» وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: " {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] قال: الإسلام " حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير، حدثه عن أبيه، عن نواس بن سمعان الأنصاري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، والصراط: الإسلام " 01P176 حدثنا المثنى، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا الليث عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه عن نواس بن سمعان الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله قال أبو جعفر: وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه. وقد زعم بعض أهل الغباء أنه سماه مستقيما لاستقامته بأهله إلى الجنة، وذلك تأويل لتأويل جميع أهل التفسير خلاف، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلا على خطئه 01P175
[الفاتحة: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] وقوله {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] إبانة عن الصراط المستقيم، أي الصراط هو إذ كان كل طريق من طرق الحق صراطا مستقيما؟ فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: اهدنا يا ربنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، بطاعتك وعبادتك من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين. وذلك نظير ما قال ربنا جل ثناؤه في تنزيله: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 67] . قال أبو جعفر: فالذي أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمته أن يسألوه ربهم من الهداية للطريق المستقيم، هي الهداية للطريق الذي وصف الله جل ثناؤه صفته. وذلك الطريق هو طريق الذي وصفهم الله بما وصفهم به في تنزيله، ووعد من سلكه فاستقام فيه طائعا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أن يورده مواردهم، والله لا يخلف الميعاد. وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس وغيره حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمار، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] يقول: طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك " وحدثني أحمد بن حازم الغفاري، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن ربيع: " {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] قال: النبيون " وحدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] قال: المؤمنين " وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: قال وكيع: " {أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] المسلمين " وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله: " {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] قال: النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه " قال أبو جعفر: وفي هذه الآية دليل واضح على أن طاعة الله جل ثناؤه لا ينالها المطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم وتوفيقه إياهم لها. أولا يسمعونه يقول: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] فأضاف كل ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبادة إلى أنه إنعام منه عليهم؟ فإن قال قائل: وأين تمام هذا الخبر، وقد علمت أن قول القائل لآخر: أنعمت عليك، مقتض الخبر عما أنعم به عليه، فأين ذلك الخبر في قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] وما تلك النعمة التي أنعمها عليهم؟ قيل له: قد قدمنا البيان فيما مضى من كتابنا هذا عن اجتزاء العرب في منطقها ببعض من بعض إذا كان البعض الظاهر دالا على البعض الباطن وكافيا منه، فقوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] من ذلك؛ لأن أمر الله جل ثناؤه عباده بمسألته المعونة وطلبهم منه الهداية للصراط المستقيم لما كان متقدما قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم } [الفاتحة: 7] الذي هو إبانة عن الصراط المستقيم، وإبدال منه، كان معلوما أن النعمة التي أنعم الله بها على من أمرنا بمسألته الهداية لطريقهم هو المنهاج القويم والصراط المستقيم الذي قد قدمنا البيان عن تأويله آنفا، فكان ظاهر ما ظهر من ذلك مع قرب تجاور الكلمتين مغنيا عن تكراره كما قال نابغة بني ذبيان: [+البحر الوافر] كأنك من جمال بني أقيش يقعقع خلف رجليه بشن يريد كأنك من جمال بني أقيش جمل يقعقع خلف رجليه بشن، فاكتفى بما ظهر من ذكر الجمال الدال على المحذوف من إظهار ما حذف. وكما قال الفرزدق بن غالب: [+البحر الوافر] ترى أرباقهم متقلديها إذا صدئ الحديد على الكماة يريد: متقلديها هم، فحذف هم إذ كان الظاهر من قوله: أرباقهم دالا عليها.
والشواهد على ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تحصى، فكذلك ذلك في قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] 01P180
[الفاتحة: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] قال أبو جعفر: والقراء مجمعة على قراءة غير بجر الراء منها. والخفض يأتيها من وجهين: أحدهما أن يكون غير صفة للذين ونعتا لهم فتخفضها، إذ كان الذين خفضا وهي لهم نعت وصفة؛ وإنما جاز أن يكون غير نعتا لالذين، والذين معرفة وغير نكرة؛ لأن الذين بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة كالأسماء التي هي أمارات بين الناس، مثل: زيد وعمرو، وما أشبه ذلك؛ وإنما هي كالنكرات المجهولات، مثل: الرجل والبعير، وما أشبه ذلك؛ فما كان الذين كذلك صفتها، وكانت غير مضافة إلى مجهول من الأسماء نظير الذين في أنه معرفة غير مؤقتة كما الذين معرفة غير مؤقتة، جاز من أجل ذلك أن يكون: {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] نعتا ل {الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] كما يقال: لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل، يراد: لا أجلس إلا إلى من يعلم، لا إلى من يجهل. ولو كان {الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] معرفة مؤقتة كان غير جائز أن يكون {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] لها نعتا، وذلك أنه خطأ في كلام العرب إذا وصفت معرفة مؤقتة بنكرة أن تلزم نعتها النكرة إعراب المعرفة المنعوت بها، إلا على نية تكرير ما أعرب المنعت بها. خطأ في كلامهم أن يقال: مررت بعبد الله غير العالم، فتخفض غير إلا على نية تكرير الباء التي أعربت (عبد الله) فكان معنى ذلك لو قيل كذلك: مررت (بعبد الله) مررت بغير العالم. فهذا أحد وجهي الخفض في: {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] والوجه الآخر من وجهي الخفض فيها أن يكون الذين بمعنى المعرفة المؤقتة. وإذا وجه إلى ذلك، كانت غير مخفوضة بنية تكرير الصراط الذي خفض الذين عليها، فكأنك قلت: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] صراط غير المغضوب عليهم. وهذان التأويلان في {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] ، وإن اختلفا باختلاف معربيهما، فإنهما يتقارب معناهما؛ من أجل أن من أنعم الله عليه فهداه لدينه الحق فقد سلم من غضب ربه ونجا من الضلال في دينه، فسواء إذ كان سامع قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] غير جائز أن يرتاب مع سماعه ذلك من تاليه في أن الذين أنعم الله عليهم بالهداية للصراط، غير غاضب ربهم عليهم مع النعمة التي قد عظمت منته بها عليهم في دينهم، ولا أن يكونوا ضلالا وقد هداهم للحق ربهم، إذ كان مستحيلا في فطرهم اجتماع الرضا من الله جل ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة واجتماع الهدى والضلال له في وقت واحد، أوصف القوم مع وصف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم وإنعامه عليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم بأنهم غير مغضوب عليهم ولا هم ضالون، أم لم يوصفوا بذلك؛ لأن الصفة الظاهرة التي وصفوا بها قد أنبأت عنهم أنهم كذلك وإن لم يصرح وصفهم به. هذا إذا وجهنا غير إلى أنها مخفوضة على نية تكرير الصراط الخافض الذين، ولم نجعل {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] من صفة {الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] بل إذا جعلناهم غيرهم؛ وإن كان الفريقان لا شك منعما عليهما في أديانهم. فأما إذا وجهنا: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] إلى أنها من نعت {الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] فلا حاجة بسامعه إلى الاستدلال، إذ كان الصريح من معناه قد أغنى عن الدليل، وقد يجوز نصب غير في {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] وإن كنت للقراءة بها كارها لشذوذها عن قراءة القراء. وإن ما شذ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلا ظاهرا مستفيضا، فرأي للحق مخالف وعن سبيل الله وسبيل رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل المسلمين متجانف، وإن كان له، لو كانت القراءة جائزة به، في الصواب مخرج.
وتأويل وجه صوابه إذا نصبت: أن يوجه إلى أن يكون صفة للهاء والميم اللتين في عليهم العائدة على الذين، لأنها وإن كانت مخفوضة بعلى، فهي في محل نصب بقوله: أنعمت فكأن تأويل الكلام إذا نصبت غير التي مع المغضوب عليهم: صراط الذين هديتهم إنعاما منك عليهم غير مغضوب عليهم، أي لا مغضوبا عليهم ولا ضالين. فيكون النصب في ذلك حينئذ كالنصب في غير في قولك: مررت بعبد الله غير الكريم ولا الرشيد، فتقطع غير الكريم من عبد الله، إذ كان عبد الله معرفة مؤقتة وغير الكريم نكرة مجهولة. وقد كان بعض نحويي البصريين يزعم أن قراءة من نصب غير في {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] على وجه استثناء {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] من معاني صفة {الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] كأنه كان يرى أن معنى الذين قرءوا ذلك نصبا: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] إلا المغضوب عليهم الذين لم تنعم عليهم في أديانهم ولم تهدهم للحق، فلا تجعلنا منهم؛ كما قال نابغة بني ذبيان: [+البحر البسيط] وقفت فيها أصيلالا أسائلها أعيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد والأواري معلوم أنها ليست من عداد أحد في شيء. فكذلك عنده استثنى {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] من {الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] وإن لم يكونوا من معانيهم في الدين في شيء. وأما نحويو الكوفيين فأنكروا هذا التأويل واستخطئوه، وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة لكان خطأ أن يقال: {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] لأن لا نفي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد؛ وقالوا: لم نجد في شيء من كلام العرب استثناء يعطف عليه بجحد، وإنما وجدناهم يعطفون على الاستثناء بالاستثناء، وبالجحد على الجحد فيقولون في الاستثناء: قام القوم إلا أخاك وإلا أباك؛ وفي الجحد: ما قام أخوك، ولا أبوك؛ وأما قام القوم إلا أباك ولا أخاك، فلم نجده في كلام العرب؛ قالوا: فلما كان ذلك معدوما في كلام العرب وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزوله، علمنا إذ كان قوله: {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] معطوفا على قوله: {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] أن غير بمعنى الجحد لا بمعنى الاستثناء، وأن تأويل، من وجهها إلى الاستثناء خطأ. فهذه أوجه تأويل {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] باختلاف أوجه إعراب ذلك. وإنما اعترضنا بما اعترضنا في ذلك من بيان وجوه إعرابه، وإن كان قصدنا في هذا الكتاب الكشف عن تأويل آي القرآن، لما في اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله، فاضطرتنا الحاجة إلى كشف وجوه إعرابه، لتنكشف لطالب تأويله وجوه تأويله على قدر اختلاف المختلفة في تأويله وقراءته. والصواب من القول في تأويله وقراءته عندنا القول الأول، وهو قراءة: {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] بخفض الراء من غير بتأويل أنها صفة ل {الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] ونعت لهم؛ لما قد قدمنا من البيان إن شئت، وإن شئت فبتأويل تكرار صراط كل ذلك صواب حسن. فإن قال لنا قائل: فمن هؤلاء المغضوب عليهم الذين أمرنا الله جل ثناؤه بمسألته أن لا يجعلنا منهم؟ قيل: هم الذين وصفهم الله جل ثناؤه في تنزيله فقال: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل} [المائدة: 60] فأعلمنا جل ذكره بمنه ما أحل بهم من عقوبته بمعصيتهم إياه، ثم علمنا، منة منه علينا ، وجه السبيل إلى النجاة، من أن يحل بنا مثل الذي حل بهم من المثلات، ورأفة منه بنا. فإن قيل: وما الدليل على أنهم أولاء الذين وصفهم الله وذكر نبأهم في تنزيله على ما وصفت؟
قيل حدثني أحمد بن الوليد الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المغضوب عليهم: اليهود " وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المغضوب عليهم: اليهود " وحدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مري بن قطري، عن عدي بن حاتم قال: " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله جل وعز: {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] قال: «هم اليهود» وحدثنا حميد بن مسعدة الشامي، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا الجريري، عن عبد الله بن شقيق: " أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر وادي القرى فقال: من هؤلاء الذين تحاصر يا رسول الله؟ قال: " هؤلاء المغضوب عليهم: اليهود " وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد الجريري، عن عروة، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلي، قال: أخبرني عبد الله بن شقيق: " أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القين، فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: «المغضوب عليهم» وأشار إلى اليهود 01P188 وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي ، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمار، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] يعني اليهود الذين غضب الله عليهم " وحدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن طلحة، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] هم اليهود " وحدثنا ابن حميد الرازي، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد، قال: " {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] قال: هم اليهود " حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر، عن ربيع: " {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] قال: اليهود " وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] قال: اليهود " وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب،. قال: قال ابن زيد: " {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] اليهود " وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن زيد، عن أبيه، قال: " {المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] اليهود " قال أبو جعفر: واختلف في صفة الغضب من الله جل ذكره؛ فقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من خلقه إحلال عقوبته بمن غضب عليه، إما في دنياه، وإما في آخرته، كما وصف به نفسه جل ذكره في كتابه فقال: {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} [الزخرف: 55] وكما قال: {قل 01P189 هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير} [المائدة: 60] وقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من عباده ذم منه لهم ولأفعالهم، وشتم منه لهم بالقول. وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم، كالذي يعرف من معاني الغضب.
غير أنه وإن كان كذلك من جهة الإثبات، فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم؛ لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة كما العلم له صفة، والقدرة له صفة على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد التي هي معارف القلوب وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها.
[الفاتحة: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] قال أبو جعفر: كان بعض أهل البصرة يزعم أن لا مع الضالين أدخلت تتميما للكلام والمعنى إلغاؤها، يستشهد على قيله ذلك ببيت العجاج: [+البحر الرجز] في بئر لا حور سرى وما شعر 01P190 ويتأوله بمعنى: في بئر حور سرى، أي في بئر هلكة، وأن لا بمعنى الإلغاء والصلة. ويعتل أيضا لذلك بقول أبي النجم: [+البحر الرجز] فما ألوم البيض أن لا تسخرا لما رأين الشمط القفندرا وهو يريد: فما ألوم البيض أن تسخر وبقول الأحوص: [+البحر الطويل] ويلحينني في اللهو أن لا أحبه وللهو داع دائب غير غافل يريد: ويلحينني في اللهو أن أحبه. وبقوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد} [الأعراف: 12] يريد أن تسجد. وحكي عن قائل هذه المقالة أنه كان يتأول غير التي مع المغضوب عليهم أنها بمعنى سوى، فكان معنى الكلام كان عنده: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] الذين هم سوى المغضوب عليهم والضالين. وكان بعض نحويي الكوفة يستنكر ذلك من قوله، ويزعم أن غير التي مع المغضوب عليهم لو كانت بمعنى سوى لكان خطأ أن يعطف عليها ب لا، إذ كانت لا لا يعطف بها إلا على جحد قد تقدمها. كما كان خطأ قول القائل: عندي سوى أخيك، ولا أبيك؛ لأن سوى ليست من 01P191 حروف النفي والجحود؛ ويقول: لما كان ذلك خطأ في كلام العرب، وكان القرآن بأفصح اللغات من لغات العرب. كان معلوما أن الذي زعمه القائل أن غير مع المغضوب عليهم بمعنى: سوى المغضوب عليهم خطأ، إذ كان قد كر عليه الكلام بلا. وكان يزعم أن غير هنالك إنما هي بمعنى الجحد. إذ كان صحيحا في كلام العرب وفاشيا ظاهرا في منطقها توجيه غير إلى معنى النفي ومستعملا فيهم: أخوك غير محسن ولا مجمل، يراد بذلك أخوك لا محسن، ولا مجمل، ويستنكر أن تأتي لا بمعنى الحذف في الكلام مبتدأ ولما يتقدمها جحد، ويقول: لو جاز مجيئها بمعنى الحذف مبتدأ قبل دلالة تدل، على ذلك من جحد سابق، لصح قول قائل قال: أردت أن لا أكرم أخاك، بمعنى: أردت أن أكرم أخاك. وكان يقول: ففي شهادة أهل المعرفة بلسان العرب على تخطئة قائل ذلك دلالة واضحة على أن لا تأتي مبتدأة بمعنى الحذف، ولما يتقدمها جحد. وكان يتأوله في لا التي في بيت العجاج الذي ذكرنا أن البصري استشهد به بقوله إنها جحد صحيح، وأن معنى البيت: سرى في بئر لا تحير عليه خيرا، ولا يتبين له فيها أثر عمل، وهو لا يشعر بذلك ولا يدري به. من قولهم: طحنت الطاحنة فما أحارت شيئا؛ أي لم يتبين لها أثر عمل. ويقول في سائر الأبيات الأخر، أعني مثل بيت أبي النجم: [البحر . ] فما ألوم البيض أن لا تسخرا 01P192 إنما جاز أن تكون لا بمعنى الحذف، لأن الجحد قد تقدمها في أول الكلام، فكان الكلام الآخر مواصلا للأول، كما قال الشاعر: [+البحر البسيط] ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر فجاز ذلك، إذ كان قد تقدم الجحد في أول الكلام. قال أبو جعفر: وهذا القول الآخر أولى بالصواب من الأول، إذ كان غير موجود في كلام العرب ابتداء الكلام من غير جحد تقدمه بلا التي معناها الحذف، ولا جائز العطف بها على سوى، ولا على حرف الاستثناء.
وإنما لغير في كلام العرب معان ثلاثة: أحدها الاستثناء، والآخر الجحد، والثالث سوى، فإذا ثبت خطأ لا أن يكون بمعنى الإلغاء مبتدأ وفسد أن يكون عطفا على غير التي مع {المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] لو كانت بمعنى إلا التي هي استثناء، ولم يجز أيضا أن يكون عطفا عليها لو كانت بمعنى سوى، وكانت لا موجودة عطفا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قبلها، صح وثبت أن لا وجه لغير التي مع {المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] يجوز توجيهها إليه على صحة إلا بمعنى الجحد والنفي، وأن لا وجه لقوله: {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] إلا العطف على {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] . فتأويل الكلام إذا إذ كان صحيحا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] لا المغضوب عليهم ولا الضالين. فإن قال لنا قائل: ومن هؤلاء الضالون الذين أمرنا الله بالاستعاذة بالله أن يسلك بنا سبيلهم، أو نضل ضلالهم؟ قيل: هم الذين وصفهم الله في تنزيله، فقال: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77] فإن قال: وما برهانك على أنهم أولاء؟ قيل حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] قال: النصارى " حدثنا محمد بن المثنى، أنبأنا محمد بن جعفر، أنبأنا شعبة عن سماك، قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الضالين: النصارى " وحدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم وعبد الرحمن، قالا: حدثنا محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن مري بن قطري، عن عدي بن حاتم، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله {ولا 01P195 الضالين} [الفاتحة: 7] قال: «النصارى هم الضالون» وحدثنا حميد بن مسعدة الشامي، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا الجريري، عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر وادي القرى قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: " هؤلاء الضالون: النصارى " وحدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد الجريري، عن عروة يعني ابن عبد الله بن قيس، عن عبد الله بن شقيق، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن بديل العقيلي، قال: أخبرني عبد الله بن شقيق، أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القين فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: «هؤلاء الضالون» يعني النصارى وحدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محاصر وادي القرى وهو على فرس من هؤلاء؟ قال: «الضالون» يعني النصارى وحدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد: " {ولا 01P196 الضالين} [الفاتحة: 7] قال: النصارى " وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمار، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] قال: وغير طريق النصارى الذين أضلهم الله بفريتهم عليه. قال: يقول: فألهمنا دينك الحق، وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حتى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود ولا تضلنا كما أضللت النصارى فتعذبنا بما تعذبهم به.
يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك وقدرتك " وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: «الضالين النصارى» وحدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن محمد الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] : هم النصارى " وحدثني أحمد بن حازم الغفاري، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن ربيع: " {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] : النصارى " وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال 01P197 عبد الرحمن بن زيد: " {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] النصارى " وحدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، قال: " {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] النصارى " قال أبو جعفر: وكل حائد عن قصد السبيل وسالك غير المنهج القويم فضال عند العرب لإضلاله وجه الطريق، فلذلك سمى الله جل ذكره النصارى ضلالا لخطئهم في الحق منهج السبيل، وأخذهم من الدين في غير الطريق المستقيم. فإن قال قائل: أوليس ذلك أيضا من صفة اليهود؟ قيل: بلى. فإن قال: كيف خص النصارى بهذه الصفة، وخص اليهود بما وصفهم به من أنهم مغضوب عليهم؟ قيل: إن كلا الفريقين ضلال مغضوب عليهم، غير أن الله جل ثناؤه وسم كل فريق منهم من صفته لعباده بما يعرفونه به إذا ذكره لهم، أو أخبرهم عنه، ولم يسم واحدا من الفريقين إلا بما هو له صفة على حقيقته، وإن كان له من صفات الذم زيادات عليه. وقد ظن بعض أهل الغباء من القدرية أن في وصف الله جل ثناؤه النصارى بالضلال بقوله: {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] وإضافته الضلال إليهم دون إضافة إضلالهم إلى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم المضللون كالذي وصف به اليهود أنهم المغضوب عليهم، دلالة على صحة ما قاله إخوانه من جهلة القدرية جهلا منه بسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه. ولو كان الأمر على ما ظنه الغبي الذي وصفنا شأنه لوجب أن يكون شأن كل موصوف بصفة أو مضاف إليه فعل لا يجوز أن يكون فيه سبب لغيره، وأن يكون كل ما كان فيه من ذلك لغيره سبب فالحق فيه أن يكون مضافا إلى مسببه، ولو وجب ذلك لوجب أن يكون خطأ قول القائل: تحركت الشجرة إذا حركتها الرياح، واضطربت الأرض، إذا حركتها الزلزلة، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول بإحصائه الكتاب. وفي قول الله جل ثناؤه: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} [يونس: 22] بإضافته الجري إلى الفلك، وإن كان جريها بإجراء غيرها إياها، ما يدل على خطأ التأويل الذي تأوله من وصفنا قوله في قوله: {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] وادعائه أن في نسبة الله جل ثناؤه الضلالة إلى من نسبها إليه من النصارى تصحيحا لما ادعى المنكرون أن يكون لله جل ثناؤه في أفعال خلقه سبب من أجله وجدت أفعالهم، مع إبانة الله عز ذكره نصا في آي كثيرة من تنزيله أنه المضل الهادي؛ فمن ذلك قوله جل ثناؤه: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} [الجاثية: 23] فأنبأ جل ذكره أنه المضل الهادي دون غيره. ولكن القرآن نزل بلسان العرب، على ما قد قدمنا البيان عنه في أول الكتاب. ومن شأن العرب إضافة الفعل إلى من وجد منه، وإن كان مسببه غير الذي وجد منه أحيانا، وأحيانا إلى مسببه، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيره. فكيف بالفعل الذي يكتسبه العبد كسبا ويوجده الله جل ثناؤه عينا منشأة؟ بل ذلك أحرى أن يضاف إلى مكتسبه كسبا له بالقوة منه عليه والاختيار منه له، وإلى الله جل ثناؤه بإيجاد عينه وإنشائها تدبيرا.
مسألة يسأل عنها أهل الإلحاد الطاعنون في القرآنإن سألنا منهم سائل فقال: إنك قد قدمت في أول كتابك هذا في وصف البيان بأن أعلاه درجة وأشرفه مرتبة، أبلغه في الإبانة عن حاجة المبين به عن نفسه وأبينه عن مراد قائله وأقربه من فهم سامعه، وقلت مع ذلك إن أولى البيان بأن يكون كذلك كلام الله جل ثناؤه بفضله على سائر الكلام وبارتفاع درجته على أعلى درجات البيان. فما الوجه إذ كان الأمر على ما وصفت في إطالة الكلام بمثل سورة أم القرآن بسبع آيات؟ وقد حوت معاني جميعها منها آيتان، وذلك قوله: {مالك يوم الدين} {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] إذ كان لا شك أن من عرف: {مالك يوم الدين} فقد عرفه بأسمائه الحسنى وصفاته المثلى. وأن من كان لله مطيعا، فلا شك أنه لسبيل من أنعم الله عليه في دينه متبع، وعن سبيل من غضب عليه وضل منعدل، فما في زيادة الآيات الخمس الباقية من الحكمة التي لم تحوها الآيتان اللتان ذكرنا؟ قيل له: إن الله تعالى ذكره جمع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولأمته بما أنزل إليه من كتابه معاني لم يجمعهن بكتاب أنزله إلى نبي قبله ولا لأمة من الأمم قبلهم. وذلك أن كل كتاب أنزله جل ذكره على نبي من أنبيائه قبله، فإنما أنزل ببعض المعاني التي يحوي جميعها كتابه الذي أنزله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كالتوراة التي هي مواعظ وتفصيل، والزبور الذي هو تحميد وتمجيد، والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير؛ لا معجزة في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق. والكتاب الذي أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يحوي معاني ذلك كله، ويزيد عليه كثيرا من المعاني التي سائر الكتب غيره منها خال، وقد قدمنا ذكرها فيما مضى من هذا الكتاب. ومن أشرف تلك المعاني التي فضل بها كتابنا سائر الكتب قبله: نظمه العجيب، ورصفه الغريب، وتأليفه البديع، الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورة منه الخطباء، وكلت عن وصف شكل بعضه البلغاء، وتحيرت في تأليفه الشعراء، وتبلدت قصورا عن أن تأتي بمثله لديه أفهام الفهماء. فلم يجدوا له إلا التسليم، والإقرار بأنه من عند الواحد القهار، مع ما يحوي مع ذلك من المعاني التي هي ترغيب، وترهيب، وأمر، وزجر، وقصص، وجدل، ومثل، وما أشبه ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء. فمهما يكن فيه من إطالة على نحو ما في أم القرآن، فلما وصفت قبل من أن الله جل ذكره أراد أن يجمع برصفه العجيب، ونظمه الغريب، المنعدل عن أوزان الأشعار، وسجع الكهان، وخطب الخطباء، ورسائل البلغاء، العاجز عن وصف مثله جميع الأنام، وعن نظم نظيره كل العباد الدلالة على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وبما فيه من تحميد وتمجيد وثناء عليه، تنبيها للعباد على عظمته وسلطانه وقدرته وعظم مملكته، ليذكروه بآلائه ويحمدوه على نعمائه، فيستحقوا به منه المزيد ويستوجبوا عليه الثواب الجزيل. وبما فيه من نعت من أنعم عليه بمعرفته، وتفضل عليه بتوفيقه لطاعته، تعريف عباده أن كل ما بهم من نعمة في دينهم ودنياهم فمنه، ليصرفوا رغبتهم إليه، ويبتغوا حاجاتهم من عنده دون ما سواه من الآلهة والأنداد، وبما فيه من ذكره ما أحل بمن عصاه من مثلاته، وأنزل بمن خالف أمره من عقوباته؛ ترهيب عباده عن ركوب معاصيه، والتعرض لما لا قبل لهم به من سخطه، فيسلك بهم في النكال والنقمات سبيل من ركب ذلك من الهلاك.
فذلك وجه إطالة البيان في سورة أم القرآن، وفيما كان نظيرا لها من سائر سور الفرقان، وذلك هو الحكمة البالغة والحجة الكاملة حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي السائب، مولى زهرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: {مالك يوم الدين} قال: مجدني عبدي، فهذا لي. وإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] إلى أن يختم السورة قال: فذاك له " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة، عن ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب، عن أبي هريرة، قال: " إذا قال العبد: الحمد لله، فذكر نحوه، ولم يرفعه حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا الوليد بن كثير، قال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة، عن أبي السائب، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله حدثني صالح بن مسمار المروزي، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا عنبسة بن سعيد، عن مطرف بن طريف، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين وله ما سأل، فإذا قال العبد 01P203 : {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: {مالك يوم الدين} قال: مجدني عبدي، قال: هذا لي وله ما بقي " آخر تفسير سورة فاتحة الكتاب
[002] سورة البقرة وآياتها ست وثمانون ومائتان القول في تأويل السورة التي يذكر فيها البقرة 01P204
[البقرة: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {الم} [البقرة: 1] قال أبو جعفر: اختلفت تراجمة القرآن في تأويل قول الله تعالى ذكره: {الم} [البقرة: 1] فقال بعضهم: هو اسم من أسماء القرآن ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {الم} [البقرة: 1] قال: اسم من أسماء القرآن " حدثني المثنى بن إبراهيم الآملي، قال: حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " {الم} [البقرة: 1] اسم من أسماء القرآن " حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " {الم} [البقرة: 1] اسم من أسماء القرآن " وقال بعضهم: هو فواتح يفتح الله بها القرآن ذكر من قال ذلك حدثني هارون بن إدريس الأصم الكوفي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " {الم} [البقرة: 1] فواتح يفتح الله بها القرآن " حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد، قال: " {الم} [البقرة: 1] فواتح " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: " {الم} [البقرة: 1] و {حم} [غافر: 1] و {المص} [الأعراف: 1] و {ص} [ص: 1] فواتح افتتح الله بها " حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثل حديث هارون بن إدريس وقال بعضهم: هو اسم للسورة ذكر من قال ذلك حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا عبد الله بن وهب، قال: سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن قول الله: " {الم ذلك الكتاب} [البقرة: 2] و {الم تنزيل} [السجدة: 1] و {المر تلك} [الرعد: 1] فقال: قال أبي: إنما هي أسماء السور " وقال بعضهم: هو اسم الله الأعظم ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة، قال: سألت السدي عن {حم} [غافر: 1] و {طسم} [الشعراء: 1] و {الم} [البقرة: 1] فقال: قال ابن عباس: «هو اسم الله الأعظم» حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثني أبو النعمان، قال: حدثنا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن مرة الهمداني، قال: قال عبد الله فذكر نحوه حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل، عن الشعبي، قال: «فواتح السور من أسماء الله» وقال بعضهم: هو قسم أقسم الله به، وهي من أسمائه ذكر من قال ذلك حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: «هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله» حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، قال: " {الم} [البقرة: 1] قسم " وقال بعضهم: هو حروف مقطعة من أسماء وأفعال، كل حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، وحدثنا سفيان عن وكيع، قال: حدثنا ابن أبي شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: " 01P208 {الم} [البقرة: 1] ، قال: أنا الله أعلم " وحدثت عن أبي عبيد، قال: حدثنا أبو اليقظان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: قوله: " {الم} [البقرة: 1] قال: أنا الله أعلم " حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد القناد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس ، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {الم} [البقرة: 1] قال: أما: {الم} [البقرة: 1] فهو حرف اشتق من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه " حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا عباس بن زياد الباهلي، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: " {الم} [البقرة: 1] و {حم} [غافر: 1] و {ن} [القلم: 1] ، قال: اسم مقطع " 01P209 وقال بعضهم: هي حروف هجاء موضوع ذكر من قال ذلك حدثت عن منصور بن أبي نويرة، قال: حدثنا أبو سعيد المؤدب، عن خصيف، عن مجاهد، قال: " فواتح السور كلها {ق} [ق: 1] و {ص} [ص: 1] و {حم} [غافر: 1] و {طسم} [الشعراء: 1] و {الر} [يونس: 1] وغير ذلك، هجاء موضوع " وقال بعضهم: هي حروف يشتمل كل حرف منها على معان شتى مختلفة ذكر من قال ذلك حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي، قال: حدثني أبي، عن الربيع بن أنس، في قول الله تعالى ذكره: " {الم} [البقرة: 1] قال: هذه الأحرف من التسعة والعشرين حرفا، دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو مدة قوم وآجالهم.
وقال عيسى ابن مريم: وعجيب ينطقون في أسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون؟ قال: الألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والميم: مفتاح اسمه مجيد؛ والألف: آلاء الله، واللام: لطفه، والميم: مجده؛ الألف: سنة، واللام ثلاثون سنة، والميم: أربعون سنة " حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع بنحوه. وقال بعضهم: هي حروف من حساب الجمل، كرهنا ذكر الذي حكي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممن لا يعتمد على روايته ونقله، وقد مضت الرواية بنظير ذلك من القول عن الربيع بن أنس. وقال بعضهم: لكل كتاب سر، وسر القرآن فواتحه. وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى ذلك، فقال بعضهم: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا، كما استغنى المخبر عمن أخبر عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين بذكر أب ت ث عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين، قال: ولذلك رفع {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] لأن معنى الكلام: الألف واللام والميم من الحروف المقطعة {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] الذي أنزلته إليك مجموعا {لا ريب فيه} [البقرة: 2] . فإن قال قائل: فإن أب ت ث قد صارت كالاسم في حروف الهجاء كما صارت الحمد اسما لفاتحة الكتاب. قيل له: لما كان جائزا أن يقول القائل: ابني في ط ظ، وكان معلوما بقيله ذلك لو قاله أنه يريد الخبر عن ابنه أنه في الحروف المقطعة، علم بذلك أن أب ت ث ليس لها باسم، وإن كان ذلك آثر في الذكر من سائرها. قال: وإنما خولف بين ذكر حروف المعجم في فواتح السور، فذكرت في أوائلها مختلفة، وذكرها إذا ذكرت بأوائلها التي هي أب ت ث مؤتلفة ليفصل بين الخبر عنها، إذا أريد بذكر ما ذكر منها مختلفا الدلالة على الكلام المتصل، وإذا أريد بذكر ما ذكر منها مؤتلفا الدلالة على الحروف المقطعة بأعيانها. واستشهدوا لإجازة قول القائل: ابني في ط ظ، وما أشبه ذلك من الخبر عنه أنه في حروف المعجم، وأن ذلك من قيله في البيان يقوم مقام قوله: ابني في أب ت ث برجز بعض الرجاز من بني أسد: [+البحر الرجز] لما رأيت أمرها في حطي وفنكت في كذب ولط أخذت منها بقرون شمط فلم يزل ضربي بها ومعطي حتى علا الرأس دم يغطي فزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها في أبي جاد، فأقام قوله: لما رأيت أمرها في حطي مقام خبره عنها أنها في أبي جاد، إذ كان ذاك من قوله يدل سامعه على ما يدله عليه قوله: لما رأيت أمرها في أبي جاد. وقال آخرون: بل ابتدئت بذلك أوائل السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين، إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن، حتى إذا استمعوا له تلي عليهم المؤلف منه. وقال بعضهم: الحروف التي هي فواتح السور حروف يستفتح الله بها كلامه. فإن قيل: هل يكون من القرآن ما ليس له معنى؟ فإن معنى هذا أنه افتتح بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت، وأنه قد أخذ في أخرى، فجعل هذا علامة انقطاع ما بينهما، وذلك في كلام العرب ينشد الرجل منهم الشعر فيقول: بل، [+البحر الرجز] وبلدة ما الإنس من آهالها ويقول: لا بل، [+البحر الرجز] ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا وبل ليست من البيت ولا تعد في وزنه، ولكن يقطع بها كلاما ويستأنف الآخر. قال أبو جعفر: ولكل قول من الأقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك وجه معروف. فأما الذين قالوا: {الم} [البقرة: 1] اسم من أسماء القرآن، فلقولهم ذلك وجهان: أحدهما أن يكونوا أرادوا أن: {الم} [البقرة: 1] اسم للقرآن كما الفرقان اسم له. وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك، كان تأويل قوله: {الم} [البقرة: 1] ذلك الكتاب على معنى القسم؛ كأنه قال: والقرآن هذا الكتاب لا ريب فيه.
والآخر منهما أن يكونوا أرادوا أنه اسم من أسماء السورة التي تعرف به كما تعرف سائر الأشياء بأسمائها التي هي لها أمارات تعرف بها، فيفهم السامع من القائل، يقول: قرأت اليوم المص ون أي السورة التي قرأها من سور القرآن، كما يفهم عنه إذا قال: لقيت اليوم عمرا وزيدا، وهما بزيد وعمرو عارفان من الذي لقي من الناس. وإن أشكل معنى ذلك على امرئ فقال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ونظائر {الم} [البقرة: 1] {المر} [الرعد: 1] في القرآن جماعة من السور؟ وإنما تكون الأسماء أمارات، إذا كانت مميزة بين الأشخاص، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات. قيل: إن الأسماء وإن كانت قد صارت لاشتراك كثير من الناس في الواحد منها غير مميزة إلا بمعان أخر معها من ضم نسبة المسمى بها إليها أو نعته أو صفته بما يفرق بينه وبين غيره من أشكالها، فإنها وضعت ابتداء للتمييز لا شك ثم احتيج عند الاشتراك إلى المعاني المفرقة بين المسمى بها. فكذلك ذلك في أسماء السور، جعل كل اسم في قول قائل هذه المقالة أمارة للمسمى به من السور فلما شارك المسمى به فيه غيره من سور القرآن احتاج المخبر عن سورة منها أن يضم إلى اسمها المسمى به من ذلك ما يفرق به للسامع بين الخبر عنها وعن غيرها من نعت وصفة أو غير ذلك، فيقول المخبر عن نفسه إنه تلا سورة البقرة إذا سماها باسمها الذي هو {الم} [البقرة: 1] قرأت الم البقرة، وفي آل عمران: قرأت الم آل عمران، والم ذلك الكتاب والم الله لا إله إلا هو الحي القيوم. كما لو أراد الخبر عن رجلين اسم كل واحد منهما عمرو، غير أن أحدهما تميمي والآخر أزدي، للزمه أن يقول لمن أراد إخباره عنهما: لقيت عمرا التميمي وعمرا الأزدي، إذ كان لا فرق بينهما وبين غيرهما ممن يشاركهما في أسمائهما إلا بنسبتهما كذلك، فكذلك ذلك في قول من تأول في الحروف المقطعة أنها أسماء للسور. وأما الذين قالوا: ذلك فواتح يفتتح الله عز وجل بها كلامه، فإنهم وجهوا ذلك إلى نحو المعنى الذي حكيناه عمن حكينا عنه من أهل العربية أنه قال: ذلك أدلة على انقضاء سورة وابتداء في أخرى وعلامة لانقطاع ما بينهما، كما جعلت بل في ابتداء قصيدة دلالة على ابتداء فيها وانقضاء أخرى قبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداء في إنشاد قصيدة، قالوا: بل ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا وبل ليست من البيت ولا داخلة في وزنه، ولكن ليدل به على قطع كلام وابتداء آخر. وأما الذين قالوا: ذلك حروف مقطعة بعضها من أسماء الله عز وجل، وبعضها من صفاته، ولكل حرف من ذلك معنى غير معنى الحرف الآخر. فإنهم نحوا بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر: [+البحر الرجز] قلنا لها قفي لنا قالت قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف يعني بقوله: قالت قاف: قالت قد وقفت. فدلت بإظهار القاف من وقفت على مرادها من تمام الكلمة التي هي وقفت، فصرفوا قوله: {الم} [البقرة: 1] وما أشبه ذلك إلى نحو هذا المعنى، فقال بعضهم: الألف ألف أنا، واللام لام الله، والميم ميم أعلم، وكل حرف منها دال على كلمة تامة. قالوا: فجملة هذه الحروف المقطعة إذا ظهر مع كل حرف منهن تمام حروف الكلمة أنا الله أعلم. قالوا: وكذلك سائر جميع ما في أوائل سور القرآن من ذلك، فعلى هذا المعنى وبهذا التأويل. قالوا: ومستفيض ظاهر في كلام العرب أن ينقص المتكلم منهم من الكلمة الأحرف إذا كان فيما بقي دلالة على ما حذف منها، ويزيد فيها ما ليس منها إذا لم تكن الزيادة ملبسة معناها على سامعها كحذفهم في النقص في الترخيم من حارث الثاء فيقولون: يا حار، ومن مالك الكاف فيقولون: يا مال، وما أشبه ذلك.
وكقول راجزهم: [+البحر الرجز] ما للظليم عال كيف لا يا ينقد عنه جلده إذا يا كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من يفعل، وكما قال آخر منهم: بالخير خيرات وإن شرا فا يريد فشرا. ولا أريد الشر إلا أن تا يريد إلا أن تشاء. فاكتفى بالتاء والفاء في الكلمتين جميعا من سائر حروفهما، وما أشبه ذلك من الشواهد التي يطول الكتاب باستيعابه وكما حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، وابن عون، عن محمد، قال: " لما مات يزيد بن معاوية، قال لي عبدة: إني لا أراها إلا كائنة فتنة فافزع من ضيعتك والحق بأهلك قلت: فما تأمرني؟ قال: أحب إلي لك أن تا، قال أيوب وابن عون بيده تحت خده الأيمن يصف الاضطجاع، حتى ترى أمرا تعرفه " قال أبو جعفر: يعني ب تا تضطجع، فاجتزأ بالتاء من تضطجع. وكما قال الآخر في الزيادة في الكلام على النحو الذي وصفت [+البحر الرجز] أقول إذ خرت على الكلكال يا ناقتي ما جلت من مجال يريد الكلكل. وكما قال الآخر: [+البحر المديد] إن شكلي وإن شكلك شتى فالزمي الخص واخفضي تبيضضي فزاد ضادا وليست في الكلمة. قالوا: فكذلك ما نقص من تمام حروف كل كلمة من هذه الكلمات التي ذكرنا أنها تتمة حروف {الم} [البقرة: 1] ونظائرها، نظير ما نقص من الكلام الذي حكيناه عن العرب في أشعارها وكلامها. وأما الذين قالوا: كل حرف من {الم} [البقرة: 1] ونظائرها دال على معان شتى نحو الذي ذكرنا عن الربيع بن أنس، فإنهم وجهوا ذلك إلى مثل الذي وجهه إليه من قال هو بتأويل: أنا الله أعلم في أن كل حرف منه بعض حروف كلمة تامة استغنى بدلالته على تمامه عن ذكر تمامه، وإن كانوا له مخالفين في كل حرف من ذلك، أهو من الكلمة التي ادعى أنه منها قائلو القول الأول أم من غيرها؟ فقالوا: بل الألف من {الم} [البقرة: 1] من كلمات شتى هي دالة على معاني جميع ذلك وعلى تمامه. قالوا: وإنما أفرد كل حرف من ذلك وقصر به عن تمام حروف الكلمة أن جميع حروف الكلمة لو أظهرت لم تدل الكلمة التي تظهر بعض هذه الحروف المقطعة بعض لها، إلا على معنى واحد لا على معنيين وأكثر منهما. قالوا: وإذا كان لا دلالة في ذلك لو أظهر جميعها إلا على معناها الذي هو معنى واحد، وكان الله جل ثناؤه قد أراد الدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة لشيء واحد، لم يجز إلا أن يفرد الحرف الدال على تلك المعاني، ليعلم المخاطبون به أن الله عز وجل لم يقصد قصد معنى واحد ودلالة على شيء واحد بما خاطبهم به، وأنه إنما قصد الدلالة به على أشياء كثيرة. قالوا: فالألف من {الم} [البقرة: 1] مقتضية معاني كثيرة، منها: إتمام اسم الرب الذي هو الله، وتمام اسم نعماء الله التي هي آلاء الله، والدلالة على أجل قوم أنه سنة، إذا كانت الألف في حساب الجمل واحدا. واللام مقتضية تمام اسم الله الذي هو لطيف، وتمام اسم فضله الذي هو لطف، والدلالة على أجل قوم أنه ثلاثون سنة. والميم مقتضية تمام اسم الله الذي هو مجيد، وتمام اسم عظمته التي هي مجد، والدلالة على أجل قوم أنه أربعون سنة. فكان معنى الكلام في تأويل قائل القول الأول: أن الله جل ثناؤه افتتح كلامه بوصف نفسه بأنه العالم الذي لا يخفى عليه شيء، وجعل ذلك لعباده منهجا يسلكونه في مفتتح خطبهم ورسائلهم ومهم أمورهم، وابتلاء منه لهم ليستوجبوا به عظيم الثواب في دار الجزاء، كما افتتح بالحمد لله رب العالمين، و {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض} وما أشبه ذلك من السور التي جعل مفاتحها الحمد لنفسه. وكما جعل مفاتح بعضها تعظيم نفسه وإجلالها بالتسبيح كما قال جل ثناؤه {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} [الإسراء: 1] وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن التي جعل مفاتح بعضها تحميد نفسه، ومفاتح بعضها تمجيدها، ومفاتح بعضها تعظيمها وتنزيهها.
فكذلك جعل مفاتح السور الأخرى التي أوائلها بعض حروف المعجم مدائح نفسه أحيانا بالعلم، وأحيانا بالعدل والإنصاف، وأحيانا بالإفضال والإحسان بإيجاز واختصار، ثم اقتصاص الأمور بعد ذلك. وعلى هذا التأويل يجب أن يكون الألف واللام والميم في أماكن الرفع مرفوعا بعضها ببعض دون قوله: {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] ويكون ذلك الكتاب خبر مبتدأ منقطعا عن معنى {الم} [البقرة: 1] وكذلك ذلك في تأويل قول قائل هذا القول الثاني مرفوع بعضه ببعض، وإن كان مخالفا معناه معنى قول قائل القول الأول. وأما الذين قالوا: هن حروف من حروف حساب الجمل دون ما خالف ذلك من المعاني، فإنهم قالوا: لا نعرف للحروف المقطعة معنى يفهم سوى حساب الجمل وسوى تهجي قول القائل: {الم} [البقرة: 1] وقالوا: غير جائز أن يخاطب الله جل ثناؤه عباده إلا بما يفهمونه ويعقلونه عنه. فلما كان ذلك كذلك وكان قوله: {الم} [البقرة: 1] لا يعقل لها وجه توجه إليه إلا أحد الوجهين اللذين ذكرنا، فبطل أحد وجهيه، وهو أن يكون مرادا بها تهجي {الم} [البقرة: 1] صح وثبت أنه مراد به الوجه الثاني وهو حساب الجمل؛ لأن قول القائل: {الم} [البقرة: 1] لا يجوز أن يليه من الكلام ذلك الكتاب لاستحالة معنى الكلام وخروجه عن المعقول إذا ولي {الم} [البقرة: 1] ذلك الكتاب واحتجوا لقولهم ذلك أيضا بما حدثنا به محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، قال: مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} [البقرة: 2] فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من يهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله عز وجل عليه: {الم ذلك الكتاب} [البقرة: 1] فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك: {الم ذلك الكتاب} [البقرة: 1] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلى» فقالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: «نعم» قالوا: لقد بعث الله جل ثناؤه قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك فقال حيي بن أخطب: وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، قال: فقال لهم: أتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ قال: ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم» قال: ماذا؟ قال: " {المص} [الأعراف: 1] " قال: هذه أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون. فهذه مائة وإحدى وستون سنة؛ هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: «نعم» قال: ماذا؟ قال: " {الر} [يونس: 1] " قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة؛ فقال: هل مع هذا غيره يا محمد؟ قال: " نعم، {المر} [الرعد: 1] " قال: فهذه أثقل وأطول: الألف واحدة واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة. ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد، حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد: إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومائة، ومائتان وإحدى وثلاثون، ومائتان وإحدى وسبعون، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون، فقالوا: لقد تشابه علينا أمره. ويزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] فقالوا: قد صرح هذا الخبر بصحة ما قلنا في ذلك من التأويل وفساد ما قاله مخالفونا فيه.
والصواب من القول عندي في تأويل مفاتح السور التي هي حروف المعجم: أن الله جل ثناؤه جعلها حروفا مقطعة ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف؛ لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة لا على معنى واحد، كما قال الربيع بن أنس، وإن كان الربيع قد اقتصر به على معان ثلاثة دون ما زاد عليها. والصواب في تأويل ذلك عندي أن كل حرف منه يحوي ما قاله الربيع وما قاله سائر المفسرين غيره فيه، سوى ما ذكرت من القول عمن ذكرت عنه من أهل العربية أنه كان يوجه تأويل ذلك إلى أنه حروف هجاء استغنى بذكر ما ذكر منه في مفاتح السور عن ذكر تتمة الثمانية والعشرين حرفا من حروف المعجم بتأويل: أن هذه الحروف، {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] ، مجموعة {لا ريب فيه} [البقرة: 2] ، فإنه قول خطأ فاسد لخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين من أهل التفسير والتأويل، فكفى دلالة على خطئه شهادة الحجة عليه بالخطأ مع إبطال قائل ذلك قوله الذي حكيناه عنه، إذ صار إلى البيان عن رفع {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] بقوله مرة إنه مرفوع كل واحد منهما بصاحبه ومرة أخرى أنه مرفوع بالراجع من ذكره في قوله: {لا ريب فيه} [البقرة: 2] ومرة بقوله: {هدى للمتقين} [البقرة: 2] وذلك ترك منه لقوله إن {الم} [البقرة: 1] رافعة {ذلك الكتاب} [البقرة: 2] وخروج من القول الذي ادعاه في تأويل {الم ذلك الكتاب} [البقرة: 1] وأن تأويل ذلك: هذه الحروف {ذلك الكتاب } [البقرة: 2] . فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون حرف واحد شاملا الدلالة على معان كثيرة مختلفة؟ قيل: كما جاز أن تكون كلمة واحدة تشتمل على معان كثيرة مختلفة كقولهم للجماعة من الناس: أمة، وللحين من الزمان: أمة، وللرجل المتعبد المطيع لله: أمة، وللدين والملة: أمة. وكقولهم للجزاء والقصاص: دين، وللسلطان والطاعة: دين، وللتذلل: دين، وللحساب: دين؛ في أشباه لذلك كثيرة يطول الكتاب بإحصائها مما يكون من الكلام بلفظ واحد، وهو مشتمل على معان كثيرة. وكذلك قول الله جل ثناؤه: {الم} [البقرة: 1] و {المر} [الرعد: 1] و {المص} [الأعراف: 1] وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور، كل حرف منها دال على معان شتى، شامل جميعها من أسماء الله عز وجل وصفاته ما قاله المفسرون من الأقوال التي ذكرناها عنهم؛ وهن مع ذلك فواتح السور كما قاله من قال ذلك. وليس كون ذلك من حروف أسماء الله جل ثناؤه وصفاته بمانعها أن تكون للسور فواتح؛ لأن الله جل ثناؤه قد افتتح كثيرا من سور القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها، وكثيرا منها بتمجيدها وتعظيمها، فغير مستحيل أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها. فالتي ابتدئ أوائلها بحروف المعجم أحد معاني أوائلها أنهن فواتح ما افتتح بهن من سور القرآن، وهن مما أقسم بهن؛ لأن أحد معانيهن أنهن من حروف أسماء الله تعالى ذكره وصفاته على ما قدمنا البيان عنها، ولا شك في صحة معنى القسم بالله وأسمائه وصفاته، وهن من حروف حساب الجمل، وهن للسور التي افتتحت بهن شعار وأسماء. فذلك يحوي معاني جميع ما وصفنا مما بينا من وجوهه، لأن الله جل ثناؤه لو أراد بذلك أو بشيء منه الدلالة على معنى واحد مما يحتمله ذلك دون سائر المعاني غيره، لأبان ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إبانة غير مشكلة ، إذ كان جل ثناؤه إنما أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما اختلفوا فيه. وفي تركه صلى الله عليه وسلم إبانة ذلك أنه مراد به من وجوه تأويله البعض دون البعض أوضح الدليل على أنه مراد به جميع وجوهه التي هو لها محتمل، إذ لم يكن مستحيلا في العقل وجه منها أن يكون من تأويله ومعناه كما كان غير مستحيل اجتماع المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة باللفظ الواحد في كلام واحد.