Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V03/P079–V03/P084

قال: عارية الذلول، وطروق الفحل، والحلب " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، ذكره عن مرة الهمداني في: {وآتى المال على حبه} [البقرة: 177] قال: قال عبد الله بن مسعود «تعطيه وأنت صحيح شحيح تطيل الأمل وتخاف الفقر» وذكر أيضا عن السدي «أن هذا شيء واجب في المال حق على صاحب المال أن يفعله سوى الذي عليه من الزكاة» حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سويد بن عبد الله، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في المال حق سوى الزكاة» وتلا هذه الآية: {ليس البر} [البقرة: 177] إلى آخر الآية " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن زبيد اليامي، عن مرة بن شراحيل، عن عبد الله في قوله: {وآتى المال على حبه} [البقرة: 177] قال «أن يعطي الرجل وهو صحيح شحيح به يأمل العيش ويخاف الفقر» فتأويل الآية: وأعطى المال وهو له محب حريص على جمعه، شحيح به ذوي قرابته فوصل به أرحامهم وإنما قلت: عنى بقوله: {ذوي القربى} [البقرة: 177] ذوي قرابة مؤدي المال على 03P082 حبه للخبر الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره فاطمة بنت قيس، وقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل على ذي القرابة الكاشح» وأما اليتامى والمساكين فقد بينا معانيهما فيما مضى. وأما ابن السبيل فإنه المجتاز بالرجل. ثم اختلف أهل العلم في صفته، فقال بعضهم: هو الضيف من ذلك ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وابن السبيل} [البقرة: 177] قال: هو الضيف قال: قد ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت» قال: وكان يقول: «حق الضيافة ثلاث ليال، فكل شيء 03P083 أضافه بعد ذلك صدقة» وقال بعضهم: هو المسافر يمر عليك ذكر من قال ذلك حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن أبي جعفر: {وابن السبيل} [البقرة: 177] قال «المجتاز من أرض إلى أرض» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وقتادة، في قوله " {وابن السبيل} [البقرة: 177] قال: الذي يمر عليك وهو مسافر. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عمن ذكره، عن ابن جريج، عن مجاهد، وقتادة مثله وإنما قيل للمسافر ابن السبيل لملازمته الطريق، والطريق هو السبيل، فقيل لملازمته إياه في سفره ابنه كما يقال لطير الماء ابن الماء لملازمته إياه، وللرجل الذي أتت عليه الدهور ابن الأيام والليالي والأزمنة، ومنه قول 03P084 ذي الرمة: [+البحر الطويل] وردت اعتسافا، والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماء محلق وأما قوله {والسائلين} [البقرة: 177] فإنه يعني به: المستطعمين الطالبين كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن عكرمة، في قوله " {والسائلين} [البقرة: 177] قال: الذي يسألك " وأما قوله: {وفي الرقاب} [البقرة: 177] فإنه يعني بذلك: وفي فك الرقاب من العبودة، وهم المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودة بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها ساداتهم 03P084

Section V03/P084–V03/P085

[البقرة: 177] القول في تأويل قوله تعالى: {وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177] يعني تعالى ذكره بقوله: {وأقام الصلاة} [البقرة: 177] أدام العمل بها بحدودها، وبقوله: {وآتى الزكاة} [البقرة: 177] أعطاها على ما فرضها الله عليه. فإن قال قائل: وهل من حق يجب في مال إيتاؤه فرضا غير الزكاة؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: فيه حقوق تجب سوى الزكاة واعتلوا لقولهم ذلك بهذه الآية، وقالوا: لما قال الله تبارك وتعالى: {وآتى المال على حبه ذوي القربى} [البقرة: 177] ومن سمى الله معهم، ثم قال بعد: {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} [البقرة: 177] علمنا أن المال الذي وصف المؤمنين به أنهم يؤتونه ذوي القربى، ومن سمى معهم غير الزكاة التي ذكر أنهم يؤتونها؛ لأن ذلك لو كان مالا واحدا لم يكن لتكريره معنى مفهوم. قالوا: فلما كان غير جائز أن يقول تعالى ذكره قولا لا معنى له، علمنا أن حكم المال الأول غير الزكاة، وأن الزكاة التي ذكرها بعد غيره. قالوا: وبعد فقد أبان تأويل أهل التأويل صحة ما قلنا في ذلك. وقال آخرون: بل المال الأول هو الزكاة، ولكن الله وصف إيتاء المؤمنين من أتوه ذلك في أول الآية، فعرف عباده بوصفه ما وصف من أمرهم المواضع التي يجب عليهم أن يضعوا فيها زكواتهم ثم دلهم بقوله بعد ذلك: {وآتى الزكاة} [البقرة: 177] أن المال الذي آتاه القوم هو الزكاة المفروضة كانت عليهم، إذ كان أهل سهمانهم الذين أخبر في أول الآية أن القوم أتوهم أموالهم وأما قوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} [البقرة: 177] فإن يعني تعالى ذكره: والذين لا ينقضون عهد الله بعد المعاهدة، ولكن يوفون به ويتمونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه كما حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} [البقرة: 177] قال «فمن أعطى عهد الله ثم نقضه فالله ينتقم منه، ومن أعطى ذمة النبي صلى الله عليه وسلم ثم غدر بها فالنبي صلى الله عليه وسلم خصمه يوم القيامة» 03P086 وقد بينت العهد فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا 03P085

Section V03/P085–V03/P086

[البقرة: 177] القول في تأويل قوله تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء} [البقرة: 177] قد بينا تأويل الصبر فيما مضى قبل فمعنى الكلام: والمانعين أنفسهم في البأساء، والضراء، وحين البأس مما يكرهه الله لهم الحابسيها على ما أمرهم به من طاعته. ثم قال أهل التأويل في معنى البأساء والضراء بما حدثني به الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: حدثني أبي، وحدثني موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قالا جميعا: ثنا أسباط، عن السدي، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، أنه قال «أما البأساء فالفقر، وأما الضراء فالسقم» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، وحدثني المثنى قال: ثنا الحماني، قالا جميعا: ثنا شريك، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، في قوله: {والصابرين في البأساء والضراء} [البقرة: 177] قال «البأساء الجوع، والضراء المرض» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، قال " البأساء: الحاجة، والضراء: المرض " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال " كنا نحدث أن البأساء: البؤس والفقر، وأن الضراء: السقم، وقد قال النبي أيوب صلى الله عليه وسلم: {أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} [الأنبياء: 83] " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {والصابرين في البأساء والضراء} [البقرة: 177] قال " البؤس: الفاقة، والفقر، والضراء في النفس من وجع أو مرض يصيبه في جسده " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {البأساء والضراء} [البقرة: 177] قال " البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك، قال " البأساء والضراء: المرض " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: {والصابرين في البأساء والضراء} [البقرة: 177] قال " البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم، والوجع " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبيد بن الطفيل، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول في هذه الآية: {والصابرين في البأساء 03P088 والضراء} [البقرة: 177] " أما البأساء: الفقر، والضراء: المرض " وأما أهل العربية: فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: البأساء، والضراء مصدر جاء على فعلاء ليس له أفعل لأنه اسم، كما قد جاء أفعل في الأسماء ليس له فعلاء نحو أحمد، وقد قالوا في الصفة أفعل ولم يجئ له فعلاء، فقالوا: أنت من ذلك أوجل، ولم يقولوا وجلاء. وقال بعضهم: هو اسم للفعل، فإن البأساء البؤس، والضراء الضر، وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث وإن شئت لمذكر كما قال زهير: [+البحر الطويل] فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم يعني فتنتج لكم غلمان شؤم. وقال بعضهم: لو كان ذلك اسما يجوز صرفه إلى مذكر ومؤنث لجاز إجراء أفعل في النكرة، ولكنه اسم قام مقام المصدر؛ والدليل على ذلك قولهم: «لئن طلبت نصرتهم لتجدنهم غير أبعد» بغير إجراء؛ وقال: إنما كان اسما للمصدر لأنه إذا ذكر علم أنه يراد به المصدر. وقال غيره: لو كان ذلك مصدرا فوقع بتأنيث لم يقع بتذكير، ولو وقع بتذكير لم يقع بتأنيث؛ لأن من سمي بأفعل لم يصرف إلى فعلى، ومن سمي بفعلى لم يصرف إلى أفعل، لأن كل اسم يبقى بهيئته لا يصرف إلى غيره، ولكنهما لغتان، فإذا وقع بالتذكير كان بأمر أشأم، وإذا وقع البأساء، 03P089 والضراء، وقع الخلة البأساء، والخلة الضراء، وإن كان لم يبن على الضراء الأضر ولا على الأشأم الشأماء، لأنه لم يرد من تأنيثه التذكير ولا من تذكيره التأنيث، كما قالوا: امرأة حسناء، ولم يقولوا: رجل أحسن، وقالوا: رجل أمرد، ولم يقولوا: امرأة مرداء فإذا قيل الخصلة الضراء والأمر الأشأم دل على المصدر، ولم يحتج إلى أن يكون اسما، وإن كان قد كفي من المصدر.

Section V03/P086

وهذا قول مخالف تأويل من ذكرنا تأويله من أهل العلم في تأويل البأساء، والضراء، وإن كان صحيحا على مذهب العربية وذلك أن أهل التأويل تأولوا البأساء بمعنى البؤس، والضراء بمعنى الضر في الجسد، وذلك من تأويلهم مبني على أنهم وجهوا البأساء والضراء إلى أسماء الأفعال دون صفات الأسماء ونعوتها. فالذي هو أولى بالبأساء والضراء على قول أهل التأويل أن تكون البأساء والضراء أسماء أفعال، فتكون البأساء اسما للبؤس، والضراء اسما للضر. وأما الصابرين فنصب، وهو من نعت «من» على وجه المدح، لأن من شأن العرب إذا تطاولت صفة الواحد الاعتراض بالمدح، والذم بالنصب أحيانا وبالرفع أحيانا، كما قال الشاعر: [+البحر المتقارب] إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم وذا الرأي حين تغم الأمور بذات الصليل، وذات اللجم فنصب ليث الكتيبة وذا الرأي على المدح، والاسم قبلهما 03P090 مخفوض؛ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر: [+البحر الطويل] فليت التي فيها النجوم تواضعت على كل غث منهم وسمين غيوث الورى في كل محل وأزمة أسود الشرى يحمين كل عرين وقد زعم بعضهم أن قوله: {والصابرين في البأساء} [البقرة: 177] نصب عطفا على السائلين، كأن معنى الكلام كان عنده: وآتى المال على حبه ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والسائلين، والصابرين في البأساء، والضراء، وظاهر كتاب الله يدل على خطأ هذا القول، وذلك أن الصابرين في البأساء، والضراء هم أهل الزمانة في الأبدان، وأهل الإقتار في الأموال، وقد مضى وصف القوم بإيتاء من كان ذلك صفته المال في قوله: {والمساكين، وابن السبيل، والسائلين} [البقرة: 177] وأهل الفاقة والفقر هم أهل البأساء والضراء؛ لأن من لم يكن من أهل الضراء ذا بأساء لم يكن ممن له قبول الصدقة وإنما له قبولها إذا كان جامعا إلى ضرائه بأساء، وإذا جمع إليها بأساء كان من أهل المسكنة الذين قد دخلوا في جملة المساكين الذين قد مضى ذكرهم قبل قوله: {والصابرين في البأساء} [البقرة: 177] وإذا كان كذلك ثم نصب الصابرين في البأساء بقوله: {وآتى المال على حبه} [البقرة: 177] كان الكلام تكريرا بغير فائدة معنى، كأنه قيل: وآتى المال على حبه ذوي القربى، واليتامى والمساكين، والله يتعالى عن أن يكون ذلك في 03P091 خطابه عباده؛ ولكن معنى ذلك: ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء والموفون رفع لأنه من صفة «من» ، و «من» رفع فهو معرب بإعرابه والصابرين نصب وإن كان من صفته على وجه المدح الذي وصفنا قبل 03P087

Section V03/P086–V03/P091

[البقرة: 177] القول في تأويل قوله تعالى: {وحين البأس} [البقرة: 177] يعني تعالى ذكره بقوله: {وحين البأس} [البقرة: 177] والصابرين في وقت البأس، وذلك وقت شدة القتال في الحرب كما حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، في قول الله " {وحين البأس} [البقرة: 177] قال: حين القتال " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله مثله حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {وحين البأس} [البقرة: 177] القتال " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله " {وحين البأس} [البقرة: 177] أي عند مواطن القتال " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة " {وحين البأس} [البقرة: 177] القتال " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، " {وحين البأس} [البقرة: 177] عند لقاء العدو " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك، " {وحين البأس} [البقرة: 177] القتال " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبيد بن الطفيل أبو سيدان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول في قوله " {وحين البأس} [البقرة: 177] قال: القتال " 03P092 [البقرة: 177] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] يعني تعالى ذكره بقوله: {أولئك الذين صدقوا} [البقرة: 177] من آمن بالله واليوم الآخر، ونعتهم النعت الذي نعتهم به في هذه الآية، يقول: فمن فعل هذه الأشياء فهم الذين صدقوا الله في إيمانهم وحققوا قولهم بأفعالهم، لا من ولى وجهه قبل المشرق، والمغرب وهو يخالف الله في أمره وينقض عهده، وميثاقه ويكتم الناس بيان ما أمره الله ببيانه ويكذب رسله. وأما قوله: {وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] فإنه يعني: وأولئك الذين اتقوا 03P093 عقاب الله فتجنبوا عصيانه وحذروا وعده فلم يتعدوا حدوده وخافوه، فقاموا بأداء فرائضه. وبمثل الذي قلنا في قوله: {أولئك الذين صدقوا} [البقرة: 177] كان الربيع بن أنس يقول حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {أولئك الذين صدقوا} [البقرة: 177] قال «فتكلموا بكلام الإيمان، فكانت حقيقته العمل صدقوا الله» قال: وكان الحسن يقول: هذا كلام الإيمان وحقيقته العمل، فإن لم يكن مع القول عمل فلا شيء 03P093

Section V03/P091–V03/P094

[البقرة: 178] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] يعني تعالى ذكره بقوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] فرض عليكم. فإن قال قائل: أفرض على ولي القتيل القصاص من قاتل وليه؟ قيل: لا؛ ولكنه مباح له ذلك، والعفو، وأخذ الدية. فإن قال قائل: وكيف قال: {كتب عليكم القصاص} [البقرة: 178] قيل: إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبت إليه، وإنما معناه: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. أي أن الحر إذا قتل الحر، فدم القاتل كفء لدم القتيل، والقصاص منه دون غيره من الناس، فلا تجاوزوا بالقتل إلى غيره ممن لم يقتل فإنه حرام عليكم أن تقتلوا بقتيلكم غير قاتله. والفرض الذي فرض الله علينا في القصاص هو ما وصفت من ترك المجاوزة بالقصاص قتل القاتل بقتيله إلى غيره لا أنه وجب علينا القصاص فرضا وجوب فرض الصلاة والصيام حتى لا يكون لنا تركه، ولو كان ذلك فرضا لا يجوز لنا تركه لم يكن لقوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] معنى مفهوم، لأنه لا عفو بعد القصاص فيقال: فمن عفي له من أخيه شيء. وقد قيل: إن معنى القصاص في هذه الآية مقاصة ديات بعض القتلى بديات بعض؛ وذلك أن الآية عندهم نزلت في حزبين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل بعضهم بعضا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم، بأن تسقط ديات نساء أحد الحزبين بديات نساء الآخرين، وديات رجالهم بديات رجالهم، وديات عبيدهم بديات عبيدهم قصاصا، فذلك عندهم معنى القصاص في هذه الآية. فإن قال قائل: فإنه تعالى ذكره قال: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] فما لنا أن نقتص للحر إلا من الحر، ولا للأنثى إلا من الأنثى؟ قيل: بل لنا أن نقتص للحر من العبد وللأنثى من الذكر، بقول الله تعالى ذكره: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] وبالنقل المستفيض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» . فإن قال: فإذ كان ذلك، فما وجه تأويل هذه الآية؟

Section V03/P094–V03/P098

قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم كانوا إذا قتل الرجل منهم عبد قوم آخرين لم يرضوا من قتيلهم بدم قاتله من أجل أنه عبد حتى يقتلوا به سيده، وإذا قتلت المرأة من غيرهم رجلا لم يرضوا من دم صاحبهم بالمرأة القاتلة، حتى يقتلوا رجلا من رهط المرأة وعشيرتها، فأنزل الله هذه الآية، فأعلمهم أن الذي فرض لهم من القصاص أن يقتلوا بالرجل الرجل القاتل دون غيره، وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال، وبالعبد العبد القاتل دون غيره من الأحرار، فنهاهم أن يتعدوا القاتل إلى غيره في القصاص ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، وحدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قالا: ثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، في قوله: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] قال " نزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عمية، فقالوا: نقتل بعبدنا فلان ابن فلان، وبفلانة فلان ابن فلان فأنزل الله: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] قال " كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبد قوم آخرين عبدا لهم، قالوا: لا نقتل به إلا حرا؛ تعززا لفضلهم على غيرهم في أنفسهم، وإذا قتلت لهم امرأة قتلتها امرأة قوم آخرين، قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا. فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أن العبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي. ثم أنزل الله تعالى ذكره في سورة المائدة بعد ذلك فقال: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} [المائدة: 45] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] قال " لم يكن لمن قبلنا دية إنما هو القتل أو العفو إلى أهله، فنزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثر من غيرهم، فكانوا إذا قتل من الحي الكثير عبد، قالوا: لا نقتل به إلا حرا، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا، فأنزل الله: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] " حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن عامر، في هذه الآية: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] قال «إنما ذلك في قتال عمية إذا أصيب من هؤلاء عبد، ومن هؤلاء عبد 03P097 تكافأ، وفي المرأتين كذلك، وفي الحرين كذلك، هذا معناه إن شاء الله» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال " دخل في قول الله تعالى ذكره: {الحر بالحر} [البقرة: 178] الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل «وقال عطاء، ليس بينهما فضل» وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في فريقين كان بينهم قتال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل من كلا الفريقين جماعة من الرجال والنساء، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النساء من كل واحد من الفريقين قصاصا بديات النساء من الفريق الآخر، وديات الرجال بالرجال، وديات العبيد بالعبيد؛ فذلك معنى قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] ذكر من قال ذلك حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] قال «اقتتل أهل ملتين من العرب أحدهما مسلم والآخر معاهد في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا قتلوا الأحرار، والعبيد، والنساء على أن يؤدي الحر دية الحر، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى، فقاصهم بعضهم من بعض» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، قال " كان بين حيين من الأنصار قتال، كان لأحدهما على الآخر الطول، فكأنهم طلبوا الفضل، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم، فنزلت هذه الآية: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى " حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت الشعبي، يقول في هذه الآية: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] قال «نزلت في قتال عمية» قال شعبة: كأنه في صلح قال: اصطلحوا على هذا حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت الشعبي، يقول في هذه الآية: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] قال " نزلت في قتال عمية، قال: كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم " وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره بمقاصة دية الحر، ودية العبد، ودية الذكر، ودية الأنثى في قتل العمد إن اقتص للقتيل من القاتل، والتراجع بالفضل والزيادة بين ديتي القتيل والمقتص منه ذكر من قال ذلك، حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] قال: حدثنا عن علي بن أبي طالب، أنه كان يقول: «أيما حر قتل عبدا فهو قود به، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه، وقاصوهم بثمن العبد من دية الحر، وأدوا إلى أولياء الحر بقية ديته.

Section V03/P098–V03/P100

وإن عبد قتل حرا فهو به قود، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وقاصوهم بثمن العبد وأخذوا بقية دية الحر، وإن شاءوا أخذوا الدية كلها واستحيوا العبد. وأي حر قتل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا نصف الدية إلى أولياء الحر. وإن امرأة قتلت حرا فهي به قود، فإن شاء أولياء الحر قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا الدية كلها واستحيوها وإن شاءوا عفوا» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، أن عليا، قال «في رجل قتل امرأته، قال» إن شاءوا قتلوه وغرموا نصف الدية " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سعيد، عن عوف، عن الحسن، قالا «لا يقتل الرجل بالمرأة حتى يعطوا نصف الدية» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، عن الشعبي، قال في رجل قتل امرأته عمدا، فأتوا به عليا، فقال «إن شئتم فاقتلوه، وردوا فضل دية الرجل على دية المرأة» وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في حال ما نزلت والقوم لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكنهم كانوا يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة حتى سوى الله بين حكم جميعهم بقوله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] فجعل جميعهم قود بعضهم ببعض ذكر من قال ذلك حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله {والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، فأنزل الله تعالى: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وما دون النفس، وجعل العبيد مستوين فيما بينهم في العمد في النفس وما دون النفس، رجالهم، ونساؤهم " فإذ كان مختلفا الاختلاف الذي وصفت فيما نزلت فيه هذه الآية، فالواجب علينا استعمالها فيما دلت عليه من الحكم بالخبر القاطع العذر. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقل العام أن نفس الرجل الحر قود قصاصا 03P101 بنفس المرأة الحرة، فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأمة مختلفة في التراجع بفضل ما بين دية الرجل، والمرأة على ما قد بينا من قول علي وغيره وكان واضحا فساد قول من قال بالقصاص في ذلك والتراجع بفضل ما بين الديتين بإجماع جميع أهل الإسلام على أن حراما على الرجل أن يتلف من جسده عضوا بعوض يأخذه على إتلافه فدع جميعه، وعلى أن حراما على غيره إتلاف شيء منه مثل الذي حرم من ذلك بعوض يعطيه عليه، فالواجب أن تكون نفس الرجل الحر بنفس المرأة الحرة قودا. وإذا كان ذلك كذلك كان بينا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى ذكره: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] أن لا يقاد العبد بالحر، وأن لا تقتل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى. وإذا كان ذلك كذلك كان بينا أن الآية معني بها أحد المعنيين الآخرين: إما قولنا من أن لا يتعدى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر، وبالعبد الحر. وإما القول الآخر وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ديات قتلاهم قصاصا بعضها من بعض، كما قاله السدي ومن ذكرنا قوله، وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم على أن المقاصة في الحقوق غير واجبة، وأجمعوا على أن الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نسخه، وإذا كان 03P102 كذلك، وكان قوله تعالى ذكره: {كتب عليكم القصاص } [البقرة: 178] ينبئ عن أنه فرض كان معلوما أن القول خلاف ما قاله قائل هذه المقالة، لأن ما كان فرضا على أهل الحقوق أن يفعلوه فلا خيار لهم فيه، والجميع مجمعون على أن لأهل الحقوق الخيار في مقاصتهم حقوقهم بعضها من بعض، فإذا تبين فساد هذا الوجه الذي ذكرنا، فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا.

Section V03/P100

فإن قال قائل إذ ذكرت أن معنى قوله: {كتب عليكم القصاص} [البقرة: 178] بمعنى: فرض عليكم القصاص: لا يعرف لقول القائل «كتب» معنى إلا معنى خط ذلك فرسم خطا وكتابا، فما برهانك على أن معنى قوله «كتب» فرض؟ قيل: إن ذلك في كلام العرب موجود، وفي أشعارهم مستفيض، ومنه قول الشاعر: [+البحر الخفيف] كتب القتل والقتال علينا وعلى المحصنات جر الذيول وقول نابغة بني جعدة: [+البحر البسيط] يا بنت عمي كتاب الله أخرجني عنكم فهل أمنعن الله ما فعلا وذلك أكثر في أشعارهم وكلامهم من أن يحصى. غير أن ذلك وإن كان بمعنى فرض، فإنه عندي مأخوذ من الكتاب الذي هو رسم وخط، وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميع ما فرض على عباده وما هم عاملوه 03P103 في اللوح المحفوظ، فقال تعالى ذكره في القرآن: {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} [البروج: 22] وقال: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} [الواقعة: 77] فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا ففي اللوح المحفوظ مكتوب، فمعنى قول إذ كان ذلك كذلك: {كتب عليكم القصاص} [البقرة: 178] كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصاص في القتلى فرضا أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله. وأما القصاص فإنه من قول القائل: قاصصت فلانا حقي قبله من حقه قبلي قصاصا، ومقاصة، فقتل القاتل بالذي قتله قصاص، لأنه مفعول به مثل الذي فعل بمن قتله، وإن كان أحد الفعلين عدوانا والآخر حقا فهما وإن اختلفا من هذا الوجه، فهما متفقان في أن كل واحد قد فعل بصاحبه مثل الذي فعل صاحبه به، وجعل فعل ولي القتيل الأول إذا قتل قاتل وليه قصاصا ، إذ كان بسبب قتله استحق قتل من قتله، فكأن وليه المقتول هو الذي ولي قتل قاتله فاقتص منه. وأما القتلى فإنها جمع قتيل، كما الصرعى جمع صريع، والجرحى جمع جريح. وإنما يجمع الفعيل على الفعلى، إذا كان صفة للموصوف به بمعنى الزمانة، والضرر الذي لا يقدر معه صاحبه على البراح من موضعه، ومصرعه، نحو القتلى في 03P104 معاركهم، والصرعى في مواضعهم، والجرحى وما أشبه ذلك فتأويل الكلام إذن: فرض عليكم أيها المؤمنون القصاص في القتلى أن يقتص الحر بالحر والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. ثم ترك ذكر أن يقتص اكتفاء بدلالة قوله: {كتب عليكم القصاص} [البقرة: 178] عليه 03P100

Section V03/P100–V03/P108

[البقرة: 178] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: فمن ترك له من القتل ظلما من الواجب كان لأخيه عليه من القصاص، وهو الشيء الذي قال الله: فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع من العافي للقاتل بالواجب له قبله من الدية وأداء من المعفو عنه ذلك إليه بإحسان ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، وأحمد بن حماد الدولابي، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس: {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] «فالعفو أن يقبل الدية في العمد، واتباع بالمعروف أن يطلب هذا بمعروف ويؤدي هذا بإحسان» حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج بن المنهال قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس أنه قال في قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] فقال " هو العمد يرضى أهله بالدية {فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178] أمر به الطالب {وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] من المطلوب " حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان، قال: ثنا أبي، وحدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر قالا جميعا: أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس ، قال «الذي يقبل الدية ذلك منه عفو، واتباع بالمعروف، ويؤدي إليه الذي عفي له من أخيه بإحسان» حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] وهي الدية أن يحسن الطالب الطلب {وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] وهو أن يحسن المطلوب الأداء " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن 03P106 أبي نجيح، عن مجاهد، " {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] والعفو الذي يعفو عن الدم، ويأخذ الدية " حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] قال: الدية " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن يزيد، عن إبراهيم، عن الحسن: {وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] قال على هذا الطالب أن يطلب بالمعروف، وعلى هذا المطلوب أن يؤدي بإحسان " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178] والعفو: الذي يعفو عن الدم، ويأخذ الدية " حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، في قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] قال «هو العمد يرضى أهله بالدية» حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن داود، عن الشعبي مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فمن 03P107 عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] يقول " قتل عمدا فعفي عنه، وقبلت منه الدية، يقول: {فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178] فأمر المتبع أن يتبع بالمعروف، وأمر المؤدي أن يؤدي بإحسان والعمد قود إليه قصاص، لا عقل فيه إلا أن يرضوا بالدية، فإن رضوا بالدية فمائة خلفة، فإن قالوا: لا نرضى إلا بكذا وكذا؛ فذاك لهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] قال «يتبع به الطالب بالمعروف، ويؤدي المطلوب بإحسان» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] يقول " فمن قتل عمدا فعفي عنه وأخذت منه الدية، يقول: {فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178] أمر صاحب الدية التي يأخذها أن يتبع بالمعروف، وأمر المؤدي أن يؤدي بإحسان " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء قوله " {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه 03P108 بإحسان} [البقرة: 178] قال: ذلك إذا أخذ الدية فهو عفو " حدثنا الحسن، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، قال " إذا قبل الدية فقد عفا عن القصاص، فذلك قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] " قال ابن جريج: وأخبرني الأعرج، عن مجاهد، مثل ذلك، وزاد فيه «فإذا قبل الدية فإن عليه أن يتبع بالمعروف، وعلى الذي عفي عنه أن يؤدي بإحسان» حدثنا المثنى قال: ثنا مسلم بن إبراهيم؛ قال: ثنا أبو عقيل؛ قال: قال الحسن، «أخذ الدية عفو حسن» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، " {وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] قال: أنت أيها المعفو عنه " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] وهو الدية أن يحسن الطالب، وأداء إليه بإحسان: هو أن يحسن المطلوب الأداء " وقال آخرون معنى قوله: {فمن عفي} [البقرة: 178] فمن فضل له فضل وبقيت له بقية.

Section V03/P108–V03/P110

وقالوا: معنى قوله: {من أخيه شيء} [البقرة: 178] من دية أخيه شيء، أو من أرش جراحته فاتباع منه القاتل أو الجارح الذي بقي ذلك قبله بمعروف وأداء من القاتل أو الجارح إليه ما بقي قبله ه له من ذلك بإحسان. 03P109 وهذا قول من زعم أن الآية نزلت، أعني قوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] في الذين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم فيقاص ديات بعضهم من بعض ويرد بعضهم على بعض بفضل إن بقي لهم قبل الآخرين. وأحسب أن قائلي هذا القول وجهوا تأويل العفو في هذا الموضع إلى الكثرة من قول الله تعالى ذكره: {حتى عفوا} [الأعراف: 95] فكان معنى الكلام عندهم: فمن كثر له قبل أخيه القاتل ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] يقول «بقي له من دية أخيه شيء أو من أرش جراحته، فليتبع بمعروف وليؤد الآخر إليه بإحسان» والواجب على تأويل القول الذي روينا عن علي، والحسن في قوله: {كتب عليكم القصاص} [البقرة: 178] أنه بمعنى مقاصة دية النفس الذكر من دية النفس الأنثى، والعبد من الحر، والتراجع بفضل ما بين ديتي أنفسهما أن يكون معنى قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] فمن عفي له من الواجب لأخيه عليه من قصاص دية أحدهما بدية نفس الآخر إلى الرضا بدية نفس المقتول، فاتباع من الولي بالمعروف، وأداء من القاتل إليه ذلك بإحسان. وأولى الأقوال عندي بالصواب في قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] فمن صفح له من الواجب كان لأخيه عليه من القود عن شيء من الواجب على دية 03P110 يأخذها منه، فاتباع بالمعروف من العافي عن الدم الراضي بالدية من دم وليه، وأداء إليه من القاتل ذلك بإحسان؛ لما قد بينا من العلل فيما مضى قبل من أن معنى قول الله تعالى ذكره: {كتب عليكم القصاص} [البقرة: 178] إنما هو القصاص من النفوس القاتلة أو الجارحة، والشاجة عمدا، كذلك العفو أيضا عن ذلك. وأما معنى قوله: {فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178] فإنه يعني: فاتباع على ما أوجبه الله له من الحق قبل قاتل وليه من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه في أسنان الفرائض أو غير ذلك، أو يكلفه ما لم يوجبه الله له عليه كما حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: بلغنا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من زاد أو ازداد بعيرا» يعني في إبل الديات وفرائضها «فمن أمر الجاهلية» وأما إحسان الآخر في الأداء، فهو أداء ما لزمه بقتله لولي القتيل على ما ألزمه الله وأوجبه عليه من غير أن يبخسه حقا له قبله بسبب ذلك، أو يحوجه إلى اقتضاء ومطالبة. فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: {فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] ولم يقل: فاتباعا بالمعروف وأداء إليه بإحسان كما قال: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} [محمد: 4] قيل: لو كان التنزيل جاء بالنصب، وكان: فاتباعا بالمعروف وأداء إليه بإحسان، كان جائزا في العربية صحيحا على وجه الأمر، كما يقال: ضربا ضربا، وإذا لقيت فلانا فتبجيلا، وتعظيما غير أنه جاء رفعا وهو أفصح في كلام العرب من نصبه، وكذلك ذلك في كل ما كان نظيرا له مما يكون فرضا عاما فيمن قد فعل، وفيمن لم يفعل إذا فعل، لا ندبا وحثا. ورفعه على معنى: فمن عفي له من أخيه شيء فالأمر فيه اتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، أو: فالقضاء والحكم فيه اتباع بالمعروف. وقد قال بعض أهل العربية: رفع ذلك على معنى: فمن عفي له من أخيه شيء فعليه اتباع بالمعروف.

Section V03/P110

وهذا مذهبي، والأول الذي قلناه هو وجه الكلام، وكذلك كل ما كان من نظائر ذلك في القرآن فإن رفعه على الوجه الذي قلناه، وذلك مثل قوله: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] وقوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] وأما قوله: {فضرب الرقاب} [محمد: 4] فإن الصواب فيه النصب، وهو وجه الكلام لأنه على وجه الحث من الله تعالى ذكره عباده على القتل عند لقاء العدو كما يقال: إذا لقيتم العدو فتكبيرا وتهليلا، على وجه الحض على التكبير لا على وجه الإيجاب والإلزام 03P111

Section V03/P110–V03/P111

[البقرة: 178] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة: 178] يعني تعالى ذكره بقوله ذلك: هذا الذي حكمت به وسننته لكم من إباحتي لكم أيتها الأمة العفو عن القصاص من قاتل قتيلكم على دية تأخذونها فتملكونها ملككم سائر أموالكم التي كنت منعتها من قبلكم من الأمم السالفة {تخفيف من ربكم} [البقرة: 178] يقول: تخفيف مني لكم مما كنت ثقلته على 03P112 غيركم بتحريم ذلك عليهم ورحمة مني لكم كما حدثنا أبو كريب، وأحمد بن حماد الدولابي، قالا: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال " كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله في هذه الآية: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر} [البقرة: 178] إلى قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] فالعفو أن يقبل الدية في العمد {ذلك تخفيف من ربكم} [البقرة: 178] يقول: خفف عنكم ما كان على من كان قبلكم أن يطلب هذا بمعروف ويؤدى هذا بإحسان " حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال " كان من قبلكم يقتلون القاتل بالقتيل لا تقبل منهم الدية، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر} [البقرة: 178] إلى آخر الآية {ذلك تخفيف من ربكم} [البقرة: 178] يقول: خفف عنكم وكان على من قبلكم أن الدية لم تكن تقبل، فالذي يقبل الدية ذلك منه عفو " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، " {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة: 178] مما كان على بني إسرائيل، يعني من تحريم الدية عليهم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال " كان على بني إسرائيل قصاص في القتل ليس بينهم دية في نفس، ولا جرح، وذلك قول الله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين} [المائدة: 45] الآية كلها. وخفف الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقبل منهم الدية في النفس وفي الجراحة، وذلك قوله تعالى: {ذلك تخفيف من ربكم} [البقرة: 178] بينكم " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة: 178] وإنما هي رحمة رحم الله بها هذه الأمة أطعمهم الدية، وأحلها لهم، ولم تحل لأحد قبلهم. فكان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو، وليس بينهما أرش.

Section V03/P111

وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا به، فجعل الله لهذه الأمة القود، والعفو والدية إن شاءوا أحلها لهم، ولم تكن لأمة قبلهم " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله سواء، غير أنه قال: ليس بينهما شيء حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] قال «لم يكن لمن قبلنا دية، إنما 03P114 هو القتل أو العفو إلى أهله، فنزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثر من غيرهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: وأخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال «إن بني إسرائيل كان كتب عليهم القصاص، وخفف عن هذه الأمة» وتلا، عمرو بن دينار: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة: 178] وأما على قول من قال: القصاص في هذه الآية معناه: قصاص الديات بعضها من بعض على ما قاله السدي، فإنه ينبغي أن يكون تأويله: هذا الذي فعلت بكم أيها المؤمنون من قصاص ديات قتلى بعضكم بديات بعض وترك إيجاب القود على الباقين منكم بقتيله الذي قتله وأخذه بديته، تخفيف مني عنكم ثقل ما كان عليكم من حكمي عليكم بالقود، أو الدية ورحمة مني لكم 03P114

Section V03/P111–V03/P114

[البقرة: 178] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] يعني تعالى ذكره بقوله: {فمن اعتدى بعد ذلك} [البقرة: 178] فمن تجاوز ما جعله الله له بعد أخذه الدية اعتداء وظلما إلى ما لم يجعل له من قتل قاتل وليه وسفك دمه، فله بفعله ذلك وتعديه إلى ما قد حرمته عليه عذاب أليم. وقد بينت معنى الاعتداء فيما مضى بما أغنى عن إعادته. 03P115 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {فمن اعتدى بعد ذلك} [البقرة: 178] فقتل {فله عذاب أليم} [البقرة: 178] حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، «فمن اعتدى بعد أخذ الدية فله عذاب أليم» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] يقول فمن اعتدى بعد أخذه الدية فقتل فله عذاب أليم. قال: وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا أعافي رجلا قتل بعد أخذه الدية» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 03P116 قتادة في قوله: {فمن اعتدى بعد ذلك} [البقرة: 178] قال " هو القتل بعد أخذ الدية، يقول: من قتل بعد أن يأخذ الدية فعليه القتل لا تقبل منه الدية " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] يقول «فمن اعتدى بعد أخذه الدية فله عذاب أليم» حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثني أبي، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، قال: " كان الرجل إذا قتل قتيلا في الجاهلية فر إلى قومه، فيجيء قومه فيصالحون عنه بالدية. قال: فيخرج الفار وقد أمن على نفسه. قال: فيقتل ثم يرمى إليه بالدية، فذلك الاعتداء " حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبو عقيل قال: سمعت الحسن في هذه الآية: {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] قال «القاتل إذا طلب فلم يقدر عليه، وأخذ من أوليائه الدية، ثم أمن فأخذ فقتل» قال الحسن: ما أكل عدوان حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هارون بن سليمان، قال قلت لعكرمة، «من قتل بعد أخذه الدية؟

Section V03/P114–V03/P118

قال» إذا يقتل، أما سمعت الله يقول: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {فمن اعتدى بعد ذلك} [البقرة: 178] بعد ما يأخذ الدية فيقتل {فله عذاب أليم} [البقرة: 178] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {فمن اعتدى بعد ذلك} [البقرة: 178] يقول " فمن اعتدى بعد أخذه الدية {فله عذاب أليم} [البقرة: 178] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] قال «أخذ العقل، ثم قتل بعد أخذ العقل قاتل قتيله فله عذاب أليم» واختلفوا في معنى العذاب الأليم الذي جعله الله لمن اعتدى بعد أخذه الدية من قاتل وليه، فقال بعضهم: ذلك العذاب هو القتل بمن قتله بعد أخذ الدية منه وعفوه عن القصاص منه بدم وليه ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله " {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] قال: يقتل، وهو العذاب الأليم، يقول: العذاب الموجع " حدثني يعقوب، قال: حدثني هشيم، قال: ثنا أبو إسحاق، عن سعيد بن 03P118 جبير، أنه قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا القاسم، قال: حدثنا هارون بن سليمان، عن عكرمة، " {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] قال: القتل " وقال بعضهم: ذلك العذاب عقوبة يعاقبه بها السلطان على قدر ما يرى من عقوبته ذكر من قال ذلك حدثني القاسم بن الحسن، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن الليث، غير أنه لم ينسبه، وقال: ثقة «إن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب بقسم أو غيره أن لا يعفى عن رجل عفا عن الدم وأخذ الدية ثم عدا فقتل» قال ابن جريج، وأخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: في كتاب لعمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والاعتداء» الذي ذكر الله أن الرجل يأخذ العقل، أو يقتص، أو يقضي السلطان فيما بين الجراح، ثم يعتدي بعضهم من بعد أن يستوعب حقه، فمن فعل ذلك فقد اعتدى، والحكم فيه إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة. قال: ولو عفا عنه لم يكن لأحد من طلبة الحق أن يعفو، 03P119 لأن هذا من الأمر الذي أنزل الله فيه قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس، عن الحسن، في رجل قتل فأخذت منه الدية، ثم إن وليه قتل به القاتل، قال الحسن «تؤخذ منه الدية التي أخذ ولا يقتل به» وأولى التأويلين بقوله: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] تأويل من قال: فمن اعتدى بعد أخذه الدية، فقتل قاتل وليه، فله عذاب أليم في عاجل الدنيا وهو القتل؛ لأن الله تعالى جعل لكل ولي قتيل قتل ظلما سلطانا على قاتل وليه، فقال تعالى ذكره: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33] فإذ كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قتل قاتل وليه بعد عفوه عنه وأخذه منه دية قتيله أنه بقتله إياه له ظالم في قتله كان بينا أن لا يولي من قتله ظلما كذلك السلطان عليه في القصاص، والعفو وأخذ الدية أي ذلك شاء. وإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أن ذلك عذابه، لأن من أقيم عليه حده في الدنيا كان ذلك عقوبته من ذنبه ولم يكن به متبعا في الآخرة، على ما قد ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

Section V03/P118

03P120 وأما ما قاله ابن جريج من أن حكم من قتل قاتل وليه بعد عفوه عنه وأخذه دية وليه المقتول إلى الإمام دون أولياء المقتول، فقول خلاف لما دل عليه ظاهر كتاب الله وأجمع عليه علماء الأمة. وذلك أن الله جعل لولي كل مقتول ظلما السلطان دون غيره من غير أن يخص من ذلك قتيلا دون قتيل، فسواء كان ذلك قتيل ولي من قتله أو غيره. ومن خص من ذلك شيئا سئل البرهان عليه من أصل أو نظير وعكس عليه القول فيه، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. ثم في إجماع الحجة على خلافه ما قاله في ذلك مكتف في الاستشهاد على فساده بغيره 03P119

Section V03/P118–V03/P123

[البقرة: 179] القول في تأويل قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} [البقرة: 179] يعني تعالى ذكره بقوله: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} [البقرة: 179] ولكم يا أولي العقول فيما فرضت عليكم وأوجبت لبعضكم على بعض من القصاص في النفوس، والجراح، والشجاج ما منع به بعضكم من قتل بعض وقدع بعضكم عن بعض فحييتم بذلك فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم في ذلك نحو الذي قلنا فيه ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا 03P121 عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله " {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} [البقرة: 179] قال: نكال، تناه " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله " {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] قال: نكال، تناه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] جعل الله هذا القصاص حياة ونكالا وعظة لأهل السفه والجهل من الناس. وكم من رجل قد هم بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها، ولكن الله حجز بالقصاص بعضهم عن بعض. وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والآخرة ولا نهى الله عن أمر قط إلا وهو أمر فساد في الدنيا والدين، والله أعلم بالذي يصلح خلقه " حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} [البقرة: 179] قال «قد جعل الله في القصاص حياة، إذا ذكره الظالم المتعدي كف عن القتل» حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] الآية، يقول «جعل الله هذا القصاص حياة 03P122 وعبرة لكم، كم من رجل قد هم بداهية فمنعه مخافة القصاص أن يقع بها، وإن الله قد حجز عباده بعضهم عن بعض بالقصاص» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله " {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] قال: نكال، تناه " قال ابن جريج. حياة: منعة حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] قال " حياة: بقية؛ إذا خاف هذا أن يقتل بي كف عني، لعله يكون عدوا لي يريد قتلي، فيتذكر أن يقتل في القصاص، فيخشى أن يقتل بي، فيكف بالقصاص الذي خاف أن يقتل لولا ذلك قتل هذا " حدثت عن يعلى بن عبيد، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله " {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] قال: بقاء " وقال آخرون: معنى ذلك: ولكم في القصاص من القاتل بقاء لغيره؛ لأنه لا يقتل بالمقتول غير قاتله في حكم الله. وكانوا في الجاهلية يقتلون بالأنثى الذكر، وبالعبد الحر . ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن 03P123 السدي، " {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] يقول: بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته " وأما تأويل قوله: {يا أولي الألباب} [البقرة: 179] فإنه: يا أولي العقول. والألباب جمع اللب، واللب العقل. وخص الله تعالى ذكره بالخطاب أهل العقول؛ لأنهم هم الذين يعقلون عن الله أمره ونهيه ويتدبرون آياته وحججه دون غيرهم 03P123 [البقرة: 179] القول في تأويل قوله تعالى: {لعلكم تتقون} [البقرة: 179] وتأويل قوله: {لعلكم تتقون} [البقرة: 179] أي تتقون القصاص فتنتهون عن القتل كما حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {لعلكم تتقون} [البقرة: 179] قال: لعلك تتقي أن تقتله فتقتل به " 03P123

Section V03/P123–V03/P124

[البقرة: 180] القول في تأويل قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 180] يعني بقوله تعالى ذكره {كتب عليكم} [البقرة: 178] فرض عليكم أيها المؤمنون الوصية إذا حضر أحدكم الموت {إن ترك خيرا} [البقرة: 180] والخير: المال {للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] الذين لا يرثونه، {بالمعروف} [البقرة: 178] وهو ما أذن الله فيه وأجازه في الوصية مما لم يجاوز الثلث، ولم يتعمد الموصي ظلم ورثته {حقا على المتقين} [البقرة: 180] يعني بذلك: فرض عليكم هذا وأوجبه، وجعله حقا واجبا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به. فإن قال قائل: أو فرض على الرجل ذي المال أن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه؟ قيل: نعم. فإن قال: فإن هو فرط في ذلك فلم يوص لهم أيكون مضيعا فرضا يحرج بتضييعه؟ قيل: نعم. فإن قال: وما الدلالة على ذلك؟ قيل: قول الله تعالى ذكره: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] فأعلم أنه قد كتبه علينا وفرضه، كما قال: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] ولا خلاف بين الجميع أن تارك الصيام وهو عليه قادر مضيع بتركه فرضا لله عليه، فكذلك هو بترك الوصية لوالديه وأقربيه وله ما يوصي لهم فيه، مضيع فرض الله عز وجل. فإن قال: فإنك قد علمت أن جماعة من أهل العلم قالوا: {الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] منسوخة بآية الميراث؟ قيل له: وخالفهم جماعة غيرهم فقالوا: هي محكمة غير منسوخة: وإذا كان في نسخ ذلك تنازع بين أهل العلم لم يكن لنا القضاء عليه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها، إذ كان غير مستحيل اجتماع حكم هذه الآية وحكم آية المواريث في حال واحدة على صحة بغير مدافعة حكم إحداهما حكم الأخرى وكان الناسخ والمنسوخ هما المعنيان اللذان لا يجوز اجتماع حكمهما على صحة في حالة واحدة لنفي أحدهما صاحبه. وبما قلنا في ذلك قال جماعة من المتقدمين والمتأخرين ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، أنه كان يقول «من مات ولم يوص لذوي قرابته فقد ختم عمله بمعصية» حدثني سلم بن جنادة، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق: أنه حضر رجلا فوصى بأشياء لا تنبغي، فقال له مسروق «إن الله قد قسم بينكم فأحسن القسم، وإنه من يرغب برأيه عن رأي الله يضله، أوص لذي قرابتك ممن لا يرثك، ثم دع المال على ما قسمه الله عليه» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك، قال «لا تجوز وصية لوارث ولا يوصي إلا لذي قرابة، فإن أوصى لغير ذي قرابة فقد عمل بمعصية، إلا أن لا يكون قرابة فيوصي لفقراء المسلمين» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، قال «العجب لأبي العالية أعتقته امرأة من بني رياح وأوصى بماله لبني هاشم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن رجل، عن الشعبي، قال «لم يكن 03P126 له حال ولا كرامة» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن محمد، قال: قال عبد الله بن معمر، في الوصية «من سمى جعلناها حيث سمى، ومن قال حيث أمر الله جعلناها في قرابته» حدثني محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: ثنا المعتمر، قال: ثنا عمران بن حدير، قال: قلت لأبي مجلز «الوصية على كل مسلم واجبة؟ قال على من ترك خيرا» حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا عبد الملك بن الصباح، قال: ثنا عمران بن حدير، قال: قلت للاحق بن حميد " الوصية حق على كل مسلم؟

Section V03/P124–V03/P127

قال: هي حق على من ترك خيرا " واختلف أهل العلم في حكم هذه الآية فقال بعضهم: لم ينسخ الله شيئا من حكمها، وإنما هي آية ظاهرها ظاهر عموم في كل والد ووالدة والقريب، والمراد بها في الحكم البعض منهم دون الجميع، وهو من لا يرث منهم الميت دون من يرث. 03P127 وذلك قول من ذكرت قوله، وقول جماعة آخرين غيرهم معهم. ذكر قول من لم يذكر قوله منهم في ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن جابر بن زيد، «في رجل أوصى لغير ذي قرابة، وله قرابة محتاجون، قال» يرد ثلثا الثلث عليهم، وثلث الثلث لمن أوصى له به " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، وجابر بن زيد، وعبد الملك بن يعلى، أنهم قالوا «في الرجل يوصي لغير ذي قرابته وله قرابة ممن لا يرثه قال» كانوا يجعلون ثلثي الثلث لذوي القرابة، وثلث الثلث لمن أوصى له به " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حميد، عن الحسن، أنه كان يقول «إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثلث الثلث، وثلثا الثلث لقرابته» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال «من أوصى لقوم وسماهم وترك ذوي قرابته محتاجين 03P128 انتزعت منهم وردت إلى ذوي قرابته» وقال آخرون: بل هي آية قد كان الحكم بها واجبا وعمل به برهة ثم نسخ الله منها بآية المواريث الوصية لوالدي الموصي وأقربائه الذين يرثونه، وأقر فرض الوصية لمن كان منهم لا يرثه ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله " {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] فجعلت الوصية للوالدين والأقربين ثم نسخ ذلك بعد ذلك فجعل لهما نصيب مفروض، فصارت الوصية لذوي القرابة الذين لا يرثون، وجعل للوالدين نصيب معلوم، ولا تجوز وصية لوارث " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] قال «نسخ الوالدان منها، وترك الأقربون ممن لا يرث» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله: {إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] 03P129 قال «نسخ من يرث ولم ينسخ الأقربين الذين لا يرثون» حدثنا يحيى بن نصر، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال «كانت الوصية قبل الميراث للوالدين، والأقربين، فلما نزل الميراث نسخ الميراث من يرث وبقي من لا يرث، فمن أوصى لذي قرابته لم تجز وصيته» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إسماعيل المكي، عن الحسن، في قوله: {إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] قال «نسخ الوالدين، وأثبت الأقربين الذين يحرمون فلا يرثون» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، في هذه الآية " {الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] قال: للوالدين منسوخة، والوصية للقرابة وإن كانوا أغنياء " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله " {إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] فكان لا يرث مع الوالدين غيرهم إلا وصية إن كانت للأقربين فأنزل الله بعد هذا: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد 03P130 فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] فبين الله سبحانه ميراث الوالدين ، وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت " حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله " {إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] فنسخ الوصية للوالدين وأثبت الوصية للأقربين الذين لا يرثون " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] بالمعروف.

Questions