Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V04/P404–V04/P406

ثم قرأ حتى أتى على هذه الآية: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} [البقرة: 234] إلى قوله: {غير إخراج} [البقرة: 240] فقال: وهذه " وقال آخرون: هذه الآية ثابتة الحكم لم ينسخ منها شيء ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] قال: كانت هذه للمعتدة تعتد عند أهل زوجها واجبا ذلك عليها، فأنزل الله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} [البقرة: 240] إلى قوله: {من معروف} [البقرة: 240] قال: جعل الله لهم تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى ذكره: {غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم} [البقرة: 240] قال: والعدة كما هي واجبة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه قال: " نسخت هذه الآية عدتها عند أهله تعتد حيث شاءت، وهو قول الله: {غير إخراج} [البقرة: 240] قال عطاء: " إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصية، وإن شاءت خرجت لقول الله تعالى ذكره: {فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن} [البقرة: 240] قال عطاء: جاء الميراث بنسخ السكنى تعتد حيث شاءت، ولا سكنى لها " وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره كان جعل لأزواج من مات من الرجال بعد موتهم سكنى حول في منزله، ونفقتها في مال زوجها الميت إلى انقضاء السنة. ووجب على ورثة الميت أن لا يخرجوهن قبل تمام الحول من المسكن الذي يسكنه، وإن هن تركن حقهن من ذلك وخرجن لم تكن ورثة الميت من خروجهن في حرج. ثم إن الله تعالى ذكره نسخ النفقة بآية الميراث، وأبطل مما كان جعل لهن من سكنى حول سبعة أشهر وعشرين ليلة، وردهن إلى أربعة أشهر وعشر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا 04P407 حجاج، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، عن ابن عجلان، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، وأخبره عن عمته زينب ابنة كعب بن عجرة، عن فريعة، أخت أبي سعيد الخدري: " أن زوجها، خرج في طلب عبد له، فلحقه بمكان قريب، فقاتله وأعانه عليه أعبد معه، فقتلوه. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجها خرج في طلب عبد له، فلقيه علوج فقتلوه، وإني في مكان ليس فيه أحد غيري، وإن أجمع لأمري أن أنتقل إلى أهلي. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل امكثي مكانك حتى يبلغ الكتاب أجله» وأما قوله: {متاعا} [البقرة: 236] فإن معناه: جعل ذلك لهن متاعا، أي الوصية التي كتبها الله لهن. وإنما نصب «المتاع» لأن في قوله: {وصية لأزواجهم} [البقرة: 240] معنى متعهن الله، فقيل: «متاعا» مصدر من معناه، لا من لفظه. وقوله: {غير إخراج} [البقرة: 240] فإن معناه أن الله تعالى ذكره جعل ما جعل لهن من الوصية متاعا منه لهن إلى الحول لا إخراجا من مسكن زوجها، يعني لا إخراج فيه منه حتى ينقضي الحول، فنصب «غير» على النعت للمتاع كقول القائل: هذا قيام غير قعود، بمعنى: هذا قيام لا قعود معه، أو لا قعود فيه. 04P408 وقد زعم بعضهم أنه منصوب بمعنى: لا تخرجوهن إخراجا. وذلك خطأ من القول؛ لأن ذلك إذا نصب على هذا التأويل كان نصبه من كلام آخر غير الأول، وإنما هو منصوب بما نصب المتاع على النعت له 04P406

Section V04/P406–V04/P409

[البقرة: 240] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم} [البقرة: 240] يعني تعالى ذكره بذلك : أن المتاع الذي جعله الله لهن إلى الحول في مال أزواجهن بعد وفاتهم وفي مساكنهم ونهى ورثته عن إخراجهن، إنما هو لهن ما أقمن في مساكن أزواجهن، وأن حقوقهن من ذلك تبطل بخروجهن إن خرجن من منازل أزواجهن قبل الحول من قبل أنفسهن بغير إخراج من ورثة الميت. ثم أخبر تعالى ذكره أنه لا حرج على أولياء الميت في خروجهن وتركهن الحداد على أزواجهن؛ لأن المقام حولا في بيوت أزواجهن والحداد عليه تمام حول كامل لم يكن فرضا عليهن، وإنما كان ذلك إباحة من الله تعالى ذكره لهن إن أقمن تمام الحول محدات، فأما إن خرجن فلا جناح على أولياء الميت ولا عليهن فيما فعلن في أنفسهن من معروف، وذلك ترك الحداد. يقول: فلا حرج عليكم في التزين إن تزين وتطيبن وتزوجن؛ لأن ذلك لهن. وإنما قلنا: لا حرج عليهن في خروجهن، وإن كان إنما قال تعالى ذكره: {فلا جناح عليكم} [البقرة: 233] لأن ذلك لو كان عليهن فيه جناح، لكان على أولياء الرجل فيه جناح بتركهم إياهن، والخروج مع قدرتهم على منعهن من ذلك. ولكن لما لم يكن عليهن جناح في خروجهن وترك الحداد، وضع عن أولياء الميت وغيرهم الحرج فيما فعلن من معروف، وذلك في أنفسهن. وقد مضت الرواية عن أهل التأويل بما قلناه. في ذلك قبل وأما قوله: {والله عزيز حكيم} [البقرة: 228] فإنه يعني تعالى ذكره: والله عزيز في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده من الرجال والنساء، فمنع من كان من الرجال نساءهم وأزواجهم ما فرض لهن عليهم في الآيات التي مضت قبل من المتعة، والصداق، والوصية وإخراجهن قبل انقضاء الحول وترك المحافظة على الصلوات وأوقاتها، ومنع من كان من النساء ما ألزمهن الله من التربص عند وفاة أزواجهن عن الأزواج وخالف أمره في المحافظة على أوقات الصلوات {حكيم} [البقرة: 209] فيما قضى بين عباده من قضاياه التي قد تقدمت في الآيات قبل قوله. {والله عزيز حكيم} [البقرة: 228] وفي غير ذلك من أحكامه وأقضيته 04P409

Section V04/P409–V04/P411

[البقرة: 241] القول في تأويل قوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] يعني تعالى ذكره بذلك: ولمن طلق من النساء على مطلقها من الأزواج متاع، يعني بذلك. ما تستمتع به من ثياب، وكسوة، ونفقة، أو خادم وغير ذلك مما يستمتع به. وقد بينا فيما مضى قبل معنى ذلك، واختلاف أهل العلم فيه والصواب من القول من ذلك عندنا بما فيه الكفاية من إعادته. 04P410 وقد اختلف أهل العلم في المعنية بهذه الآية من المطلقات، فقال بعضهم: عني بها الثييات اللواتي قد جومعن. قالوا: وإنما قلنا ذلك لأن غير المدخول بهن في المتعة قد بينها الله تعالى ذكره في الآيات قبلها، فعلمنا بذلك أن في هذه الآية بيان أمر المدخول بهن في ذلك ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، في قوله: " {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] قال: المرأة الثيب يمتعها زوجها إذا جامعها بالمعروف " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، وزاد فيه: ذكره شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء وقال آخرون: بل في هذه الآية دلالة على أن لكل مطلقة متعة. وإنما أنزلها الله تعالى ذكره على نبيه صلى الله عليه وسلم لما فيها من زيادة المعنى الذي فيها على ما سواها من آي المتعة، إذ كان ما سواها من آي المتعة إنما فيه بيان حكم غير الممسوسة إذا طلقت، وفي هذه بيان حكم جميع المطلقات في المتعة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، في 04P411 هذه الآية: " {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] قال: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقا على المتقين " حدثنا المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري " في الأمة يطلقها زوجها وهي حبلى، قال: تعتد في بيتها، وقال: لم أسمع في متعة المملوكة شيئا أذكره، وقد قال الله تعالى ذكره: {متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] ولها المتعة حتى تضع " حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت له: أللأمة من الحر متعة؟ قال: لا. قلت: فالحرة عند العبد؟ قال: لا " وقال عمرو بن دينار: نعم {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] " وقال آخرون: إنما نزلت هذه الآية؛ لأن الله تعالى ذكره لما أنزل قوله: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} [البقرة: 236] قال رجل من المسلمين: فإنا لا نفعل إن لم نرد أن نحسن. فأنزل الله: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] فوجب ذلك عليهم ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} [البقرة: 236] فقال رجل: فإن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل. فأنزل الله: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] " والصواب من القول في ذلك ما قاله سعيد بن جبير، من أن الله تعالى ذكره. أنزلها دليلا لعباده على أن لكل مطلقة متعة؛ لأن الله تعالى ذكره ذكر في سائر آي القرآن التي فيها ذكر متعة النساء خصوصا من النساء، فبين في الآية التي قال فيها: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236] وفي قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [الأحزاب: 49] ما لهن من المتعة إذا طلقن قبل المسيس، وبقوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن} [الأحزاب: 28] حكم المدخول بهن.

Section V04/P411–V04/P412

وبقي حكم الصبايا إذا طلقن بعد الابتناء بهن، وحكم الكوافر، والإماء. فعم الله تعالى ذكره بقوله: {وللمطلقات متاع بالمعروف} [البقرة: 241] ذكر جميعهن، وأخبر بأن لهن المتاع، كما أبان المطلقات الموصوفات بصفاتهن في سائر آي القرآن، ولذلك كرر ذكر جميعهن في هذه الآية وأما قوله: {حقا على المتقين} [البقرة: 180] فإنا قد بينا معنى قوله «حقا» ، ووجه نصبه، والاختلاف من أهل العربية في قوله: {حقا على المحسنين} [البقرة: 236] ففي ذلك مستغنى عن إعادته في هذا الموضع. فأما المتقون، فهم الذين اتقوا الله في أمره، ونهيه، وحدوده، فقاموا بها على 04P413 ما كلفهم القيام به خشية منهم له، ووجلا منهم من عقابه. وقد تقدم بيان تأويل ذلك نصا بالرواية 04P412

Section V04/P412

[البقرة: 242] القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون} [البقرة: 242] يقول تعالى ذكره: كما بينت لكم ما يلزمكم لأزواجكم ويلزم أزواجكم لكم أيها المؤمنون، وعرفتكم أحكامي والحق الواجب لبعضكم على بعض في هذه الآيات، فكذلك أبين لكم سائر الأحكام في آياتي التي أنزلتها على نبيي محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب، لتعقلوا أيها المؤمنون بي وبرسولي حدودي، فتفهموا اللازم لكم من فرائضي، وتعرفوا بذلك ما فيه صلاح دينكم ودنياكم، وعاجلكم وآجلكم، فتعلموا به، ليصلح ذات بينكم، وتنالوا به الجزيل من ثوابي في معادكم 04P413

Section V04/P412–V04/P415

[البقرة: 243] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} يعني تعالى ذكره: {ألم تر} [البقرة: 243] ألم تعلم يا محمد وهو من رؤية القلب لا رؤية العين؛ لأن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدرك الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر ورؤية القلب: ما رآه وعلمه به. فمعنى ذلك: ألم تعلم يا محمد الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف. ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وهم ألوف} [البقرة: 243] فقال بعضهم: في العدد بمعنى جماع ألف ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، وحدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن ميسرة النهدي، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: " {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} [البقرة: 243] كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا: نأتي أرضا ليس فيها موت. حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله: موتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم، فأحياهم. فتلا هذه الآية: {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [البقرة: 243] " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن ميسرة النهدي، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} [البقرة: 243] قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون، فأماتهم الله، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه، فأحياهم " حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد أنه سمع وهب بن منبه، يقول: " أصاب ناسا من بني إسرائيل بلاء وشدة من الزمان، فشكوا ما أصابهم، وقالوا: يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه فأوحى الله إلى حزقيل: إن قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا، وأي راحة لهم في الموت أيظنون أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت؟ فانطلق إلى جبانة كذا وكذا، فإن فيها أربعة آلاف قال وهب: وهم الذين قال 04P415 الله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} [البقرة: 243] فقم فيهم فنادهم وكانت عظامهم قد تفرقت، فرقتها الطير والسباع. فناداهم حزقيل، فقال: يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كل إنسان منهم معا. ثم نادى ثانية حزقيل، فقال: أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم فاكتست اللحم، وبعد اللحم جلدا، فكانت أجسادا. ثم نادى حزقيل الثالثة فقال: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن تعودي إلى أجسادك، فقاموا بإذن الله، وكبروا تكبيرة واحدة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال : ثني عمي، قل: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} [البقرة: 243] يقول: عدد كثير خرجوا فرارا من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله، ثم أحياهم، وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم؛ فذلك قوله: {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم} [البقرة: 244] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أشعث بن أسلم البصري، قال: " بينما عمر يصلي ويهوديان خلفه وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى فقال أحدهم لصاحبه: أهو هو؟ فلما انفتل عمر قال: رأيت قول أحدكما لصاحبه أهو هو فقالا: إنا نجد في كتابنا قرنا من حديد يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله. فقال عمر: ما نجد في كتاب الله حزقيل، ولا أحيا الموتى بإذن الله إلا عيسى. فقالا: أما تجد في كتاب {ورسلا لم نقصصهم عليك} [النساء: 164] فقال عمر: بلى.

Section V04/P415–V04/P416

قالا: وأما إحياء الموتى فسنحدثك أن بني إسرائيل وقع عليهم الوباء، فخرج منهم قوم، حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله، فبنوا عليهم حائطا، حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل، فقام عليهم ما شاء الله، فبعثهم الله له، فأنزل الله في ذلك: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} [البقرة: 243] الآية " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الحجاج بن أرطأة، قال: «كانوا أربعة آلاف» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} [البقرة: 243] إلى قوله: {ثم أحياهم} [البقرة: 243] قال: كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط، وقع بها الطاعون، فهرب عامة أهلها، فنزلوا ناحية منها، فهلك من بقي في القرية وسلم الآخرون، فلم يمت منهم كبير. فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم فوقع في قابل فهربوا، وهم بضعة وثلاثون ألفا، حتى نزلوا ذلك المكان، وهو واد أفيح، فناداهم ملك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه: أن موتوا فماتوا، حتى إذا هلكوا وبليت أجسادهم، مر بهم نبي يقال له حزقيل؛ فلما رآهم وقف عليهم، فجعل يتفكر فيهم، ويلوي شدقيه، وأصابعه، فأوحى الله إليه: يا حزقيل، أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم؟ قال: وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم فقال: نعم. فقيل له: ناد فنادى: يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت تطير العظام بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادا من عظام. ثم أوحى الله إليه أن ناد يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي لحما فاكتست لحما، ودما، وثيابها التي ماتت فيها وهي عليها. ثم قيل له: ناد فنادى يا أيتها الأجساد، إن الله يأمرك أن تقومي، فقاموا " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، فزعم منصور بن المعتمر، عن مجاهد، " أنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك ربنا وبحمدك، لا إله إلا أنت فرجعوا إلى قومهم أحياء، يعرفون أنهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوبا إلا عاد كفنا دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم 04P418 التي كتبت لهم " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد الرحمن بن عوسجة، عن عطاء الخراساني: " {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} [البقرة: 243] قال: كانوا ثلاثة آلاف أو أكثر " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " كانوا أربعين ألفا، أو ثمانية آلاف حظر عليهم حظائر، وقد أروحت أجسادهم وأنتنوا، فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح، وهم ألوف فرارا من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله، ثم أحياهم، فأمرهم بالجهاد، فذلك قوله: {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة: 190] الآية " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: " أن كالب بن يوقنا، لما قبضه الله بعد يوشع، خلف فيهم يعني في بني إسرائيل حزقيل بن بوزي، وهو ابن العجوز . وإنما سمي ابن العجوز، أنها سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله لها، فلذلك قيل له ابن العجوز. وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد صلى الله عليه وسلم كما بلغنا: {ألم تر إلى الذين 04P419 خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [البقرة: 243] " حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: " بلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارا من بعض الأوباء من الطاعون، أو من سقم كان يصيب الناس حذرا من الموت، وهم ألوف.

Section V04/P416–V04/P420

حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد، قال لهم الله: موتوا فماتوا جميعا، فعمد أهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع، ثم تركوهم فيها، وذلك أنهم كثروا عن أن يغيبوا. فمرت بهم الأزمان، والدهور، حتى صاروا عظاما نخرة. فمر بهم حزقيل بن بوزي، فوقف عليهم، فتعجب لأمرهم، ودخله رحمة لهم، فقيل له: أتحب أن يحييهم الله؟ فقال: نعم. فقيل له: نادهم فقال: أيها العظام الرميم التي قد رمت، وبليت، ليرجع كل عظم إلى صاحبه فناداهم بذلك، فنظر إلى العظام تواثب يأخذ بعضها بعضا. ثم قيل له: قل أيها: اللحم، والعصب، والجلد اكس العظام بإذن ربك قال: فنظر إليها والعصب يأخذ العظام ثم اللحم، والجلد، والأشعار، حتى استووا خلقا ليست فيهم الأرواح، ثم دعا لهم بالحياة، فتغشاهم من السماء كدية حتى غشي عليه منه. ثم أفاق والقوم جلوس يقولون: سبحان الله، سبحان الله قد أحياهم الله " وقال آخرون: معنى قوله {وهم ألوف} [البقرة: 243] وهم مؤتلفون ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، في قول الله: " {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} [البقرة: 243] قال: قرية كانت نزل بها الطاعون، فخرجت طائفة منهم، وأقامت طائفة. فألح الطاعون بالطائفة التي أقامت، والتي خرجت لم يصبها شيء . ثم ارتفع، ثم نزل العام القابل، فخرجت طائفة أكثر من التي خرجت أولا. فاستحر الطاعون بالطائفة التي أقامت. فلما كان العام الثالث نزل، فخرجوا بأجمعهم وتركوا ديارهم، فقال الله تعالى ذكره: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} [البقرة: 243] ليست الفرقة أخرجتهم كما يخرج للحرب والقتال. قلوبهم مؤتلفة، إنما خرجوا فرارا، فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة، قال لهم الله: موتوا في المكان الذي ذهبوا إليه يبتغون فيه الحياة، فماتوا. ثم أحياهم الله؛ {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [البقرة: 243] قال: ومر بها رجل وهي عظام تلوح، فوقف ينظر، فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام} ذكر الأخبار عمن قال: كان خروج هؤلاء القوم من ديارهم فرارا من الطاعون: حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن الأشعث، عن الحسن، 04P421 في قوله: " {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} [البقرة: 243] قال. خرجوا فرارا من الطاعون، فأماتهم قبل آجالهم، ثم أحياهم إلى آجالهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: " {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} [البقرة: 243] قال: فروا من الطاعون، فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عمرو بن دينار، في قول الله تعالى ذكره: " {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} [البقرة: 243] قال: وقع الطاعون في قريتهم، فخرج أناس وبقي أناس. فهلك الذين بقوا في القرية وبقي الآخرون. ثم وقع الطاعون في قريتهم الثانية، فخرج أناس، وبقي أناس ومن خرج أكثر ممن بقي، فنجى الله الذين خرجوا، وهلك الذين بقوا. فلما كانت الثالثة خرجوا بأجمعهم إلا قليلا، فأماتهم الله، ودوابهم ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وكثروا بها، حتى يقول بعضهم لبعض: من أنتم؟ " 04P422 حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، قال: سمعت عمرو بن دينار، يقول: وقع الطاعون في قريتهم، ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا سويد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} [البقرة: 243] الآية.

Section V04/P420–V04/P424

مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم الله عقوبة ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن هلال بن يساف، في قوله تعالى: " {ألم تر إلى الذين خرجوا} [البقرة: 243] الآية. قال: كان هؤلاء القوم من بني إسرائيل إذا وقع فيهم الطاعون خرج أغنياؤهم وأشرافهم، وأقام فقراؤهم وسفلتهم. قال: فاستحر الموت على المقيمين منهم، ونجا من خرج منهم، فقال الذين خرجوا: لو أقمنا كما أقام هؤلاء لهلكنا كما هلكوا وقال المقيمون: لو ظعنا كما ظعن هؤلاء لنجونا كما نجوا فظعنوا جميعا في عام واحد، أغنياؤهم وأشرافهم، وفقراؤهم 04P423 وسفلتهم، فأرسل عليهم الموت، فصاروا عظاما تبرق. قال: فجاءهم أهل القرى فجمعوهم في مكان واحد، فمر بهم نبي، فقال: يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك قال: أو أحب إليك أن أفعل؟ قال: نعم. قال: فقل كذا وكذا فتكلم به، فنظر إلى العظام، وإن العظم ليخرج من عند العظم الذي ليس منه إلى العظم الذي هو منه. ثم تكلم بما أمر، فإذا العظام تكسى لحما. ثم أمر بأمر فتكلم به، فإذا هم قعود يسبحون ويكبرون، ثم قيل لهم: {قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم} [البقرة: 244] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب. عن حماد بن عثمان، عن الحسن، " أنه قال في الذين أماتهم الله ثم أحياهم، قال: هم قوم فروا من الطاعون، فأماتهم الله عقوبة، ومقتا، ثم أحياهم لآجالهم " وأولى القولين في تأويل قوله: {وهم ألوف} [البقرة: 243] بالصواب ، قول من قال: عنى بالألوف. كثرة العدد، دون قول من قال: عنى به الائتلاف، بمعنى ائتلاف قلوبهم، وأنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم، ولا تباغض، ولكن فرارا، إما من الجهاد، وإما من الطاعون. لإجماع الحجة على أن ذلك تأويل الآية، ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة، والتابعين. وأولى الأقوال في مبلغ عدد القوم الذين وصف الله خروجهم من ديارهم بالصواب، قول من حد عددهم بزيادة عن عشرة آلاف دون من حده بأربعة آلاف وثلاثة آلاف وثمانية آلاف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم كانوا ألوفا، وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم ألوف، وإنما يقال: هم آلاف إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعدا إلى العشرة آلاف، وغير جائز أن يقال: هم خمسة ألوف، أو عشرة ألوف. وإنما جمع قليله على أفعال، ولم يجمع على أفعل مثل سائر الجمع القليل الذي يكون ثاني مفرده ساكنا للألف التي في أوله، وشأن العرب في كل حرف كان أوله ياء أو واوا أو ألفا اختيار جمع قليله على أفعال، كما جمعوا الوقت أوقاتا، واليوم أياما، واليسر أيسارا؛ للواو والياء اللتين في أول ذلك، وقد يجمع ذلك أحيانا على «أفعل» ، إلا أن الفصيح من كلامهم ما ذكرنا، ومنه قول الشاعر: [+البحر الكامل] كانوا ثلاثة آلف وكتيبة ألفين أعجم من بني الفدام وأما قوله: {حذر الموت} [البقرة: 19] فإنه يعني: أنهم خرجوا من حذر الموت فرارا منه كما: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني 04P425 أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {حذر الموت} [البقرة: 243] فرارا من عدوهم، حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه، فأمرهم فرجعوا، وأمرهم أن يقاتلوا في سبيل الله.

Section V04/P424

وهم الذين قالوا لنبيهم: {ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] " وإنما حث الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية على المواظبة على الجهاد في سبيل الله والصبر على قتال أعداء دينه، وشجعهم بإعلامه إياهم وتذكيره لهم أن الإماتة والإحياء بيديه وإليه دون خلقه، وأن الفرار من القتال والهرب من الجهاد ولقاء الأعداء إلى التحصن في الحصون والاختباء في المنازل والدور غير منج أحدا من قضائه إذا حل بساحته، ولا دافع عنه أسباب منيته إذا نزل بعقوبته، كما لم ينفع الهاربين من الطاعون الذين وصف الله تعالى ذكره صفتهم في قوله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} [البقرة: 243] فرارهم من أوطانهم، وانتقالهم من منازلهم إلى الموضع الذي أملوا بالمصير إليه السلامة، وبالموئل النجاة من المنية، حتى أتاهم أمر الله، فتركهم جميعا خمودا صرعى وفي الأرض هلكى، ونجا مما حل بهم الذين باشروا كرب الوباء، وخالطوا بأنفسهم عظيم البلاء 04P424

Section V04/P424–V04/P427

[البقرة: 243] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [البقرة: 243] يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله لذو فضل ومن على خلقه بتبصيره إياهم سبيل الهدى وتحذيره لهم طرق الردى، وغير ذلك من نعمه التي ينعمها عليهم في دنياهم ودينهم، وأنفسهم وأموالهم. كما أحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت بعد إماتته إياهم وجعلهم لخلقه مثلا وعظة يعظون بهم عبرة يعتبرون بهم. وليعلموا أن الأمور كلها بيده، فيستسلمون لقضائه، ويصرفون الرغبة كلها، والرهبة إليه. ثم أخبر تعالى ذكره أن أكثر من ينعم عليه من عباده بنعمه الجليلة ويمن عليه بمننه الجسيمة، يكفر به، ويصرف الرغبة والرهبة إلى غيره، ويتخذ إلها من دونه، كفرانا منه لنعمه التي توجب أصغرها عليه من الشكر ما يفدحه ومن الحمد ما يثقله، فقال تعالى ذكره: {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [البقرة: 243] يقول: لا يشكرون نعمتي التي أنعمتها عليهم وفضلي الذي تفضلت به عليهم، بعبادتهم غيري، وصرفهم رغبتهم ورهبتهم إلى من دوني، ممن لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا 04P426 [البقرة: 244] القول في تأويل قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم} [البقرة: 244] يعني تعالى ذكره بذلك: {وقاتلوا} [البقرة: 190] أيها المؤمنون {في سبيل الله} [البقرة: 154] يعني في دينه الذي هداكم له، لا في طاعة الشيطان أعداء دينكم، الصادين عن سبيل ربكم، ولا تجبنوا عن لقائهم، ولا تقعدوا عن حربهم، فإن بيدي حياتكم وموتكم، ولا يمنعن أحدكم من لقائهم وقتالهم حذر الموت، وخوف المنية على نفسه بقتالهم، فيدعوه ذلك إلى التعريد عنهم، والفرار منهم، فتذلوا، ويأتيكم الموت الذي خفتموه في مأمنكم الذي وألتم إليه، كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، الذين قصصت عليكم قصتهم، فلم ينجهم فرارهم منه من نزوله بهم حين جاءهم أمري وحل بهم قضائي، ولا ضر المتخلفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه إذ دافعت عنهم مناياهم، وصرفتها عن حوبائهم، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائي وأعداء ديني، فإن من حيي منكم فأنا أحييه، ومن قتل منكم فبقضائي كان قتله. ثم قال تعالى ذكره لهم: واعلموا أيها المؤمنون أن ربكم سميع لقول من يقول من منافقيكم لمن قتل منكم في سبيلي: لو أطاعونا فجلسوا في منازلهم ما قتلوا، عليم بما تخفيه صدورهم من النفاق والكفر وقلة الشكر لنعمتي عليهم وآلائي لديهم في أنفسهم وأهليهم ولغير ذلك من أمورهم وأمور عبادي. يقول تعالى ذكره لعباده المؤمنين: فاشكروني أنتم بطاعتي فيما أمرتكم من جهاد عدوكم في سبيلي، وغير ذلك من أمري ونهيي، إذ كفر هؤلاء نعمي، واعلموا أن الله سميع لقولهم وعليم بهم وبغيرهم وبما هم عليه مقيمون من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية محيط بذلك كله، حتى أجازي كلا بعمله، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. ولا وجه لقول من زعم أن قوله: {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة: 190] أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال بعد ما أحياهم؛ لأن قوله: {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة: 190] لا يخلو إن كان الأمر على ما تأولوه من أحد أمور ثلاثة: إما أن يكون عطفا على قوله: {فقال لهم الله موتوا} [البقرة: 243] وذلك من المحال أن يميتهم ويأمرهم وهم موتى بالقتال في سبيله. أو يكون عطفا على قوله: {ثم أحياهم} [البقرة: 243] وذلك أيضا مما لا معنى له؛ لأن قوله: {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة: 190] أمر من الله بالقتال، وقوله: {ثم أحياهم} [البقرة: 243] خبر عن فعل قد مضى. وغير فصيح العطف بخبر مستقبل على خبر ماض لو كانا جميعا خبرين لاختلاف معنييهما، فكيف عطف الأمر على خبر ماض؟ أو يكون معناه: ثم أحياهم، وقال لهم: قاتلوا في سبيل الله، ثم أسقط القول، كما قال تعالى ذكره: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا} بمعنى: يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا وذلك أيضا إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر، فأما في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها 04P428

Section V04/P427–V04/P428

[البقرة: 245] القول في تأويل قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون} [البقرة: 245] يعني تعالى ذكره بذلك: من هذا الذي ينفق في سبيل الله، فيعين مضعفا، أو يقوي ذا فاقة أراد الجهاد في سبيل الله، ويعطي منهم مقترا. وذلك هو القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه. وإنما سماه الله تعالى ذكره قرضا؛ لأن معنى القرض: إعطاء الرجل غيره ماله مملكا له ليقضيه مثله إذا اقتضاه. فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة، والفاقة في سبيل الله إنما يعطيهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة، سماه قرضا، إذ كان معنى القرض في لغة العرب ما وصفنا. وإنما جعله تعالى ذكره حسنا؛ لأن المعطي يعطي ذلك عن ندب الله إياه، وحثه له عليه احتسابا منه، فهو لله طاعة وللشياطين معصية. وليس ذلك لحاجة بالله إلى أحد من خلقه، ولكن ذلك كقول العرب: «عندي لك قرض صدق وقرض سوء» : للأمر يأتي فيه للرجل مسرته أو مساءته، كما قال الشاعر: [+البحر البسيط] كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو سيئا ومدينا بالذي دانا فقرض المرء: ما سلف من صالح عمله أو سيئه. وهذه الآية نظيرة الآية التي قال الله فيها تعالى ذكره: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} ، وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] قال: هذا في سبيل الله، {فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] قال: بالواحد سبعمائة ضعف " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال: لما نزلت: " {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له 04P430 أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] جاء أبو الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، ألا أرى ربنا يستقرضنا مما أعطانا لأنفسنا؟ وإن لي أرضين إحداهما بالعالية، والأخرى بالسافلة، وإني قد جعلت خيرهما صدقة قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كم من عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة» حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " أن رجلا، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بهذه الآية، قال: أنا أقرض الله فعمد إلى خير حائط له، فتصدق به. قال: وقال قتادة: يستقرضكم ربكم كما تسمعون وهو الولي الحميد، ويستقرض عباده " حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي النيسابوري، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، قال: " لما نزلت: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] قال أبو الدحداح: يا رسول الله، أو إن الله يريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» . قال: يدك قبل فناوله يده. قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي حائطا فيه ستمائة نخلة.

Section V04/P428–V04/P431

ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها، فناداها: يا أم الدحداح قالت: لبيك قال: اخرجي قد أقرضت ربي حائطا فيه ستمائة نخلة " أما قوله: {فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] فإنه عدة من الله تعالى ذكره مقرضه ومنفق ماله في سبيل الله من أضعاف الجزاء له على قرضه ونفقته ما لا حد له ولا نهاية كما: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] قال: هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو " وقد حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن عيينة، عن صاحب، له يذكر عن بعض العلماء، قال: «إن الله أعطاكم الدنيا قرضا وسألكموها قرضا، فإن أعطيتموها طيبة بها أنفسكم ضاعف لكم ما بين الحسنة إلى العشر إلى السبعمائة إلى أكثر من ذلك، وإن أخذها منكم وأنتم كارهون فصبرتم وأحسنتم كانت لكم الصلاة والرحمة وأوجب لكم الهدى» وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: (فيضاعفه) بالألف ورفعه، بمعنى: الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له، نسق «يضاعف» على قوله «يقرض» . وقرأه آخرون بذلك المعنى (فيضعفه) غير أنهم قرءوا بتشديد العين وإسقاط الألف. وقرأه آخرون {فيضاعفه له} [البقرة: 245] بإثبات الألف في يضاعف ونصبه بمعنى الاستفهام. فكأنهم تأولوا الكلام: من المقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له؟ فجعلوا قوله: {فيضاعفه} [البقرة: 245] جوابا للاستفهام، وجعلوا: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] اسما؛ لأن الذي وصلته بمنزلة عمرو، وزيد فكأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى قول القائل: من أخوك فنكرمه؟ لأن الأفصح في جواب الاستفهام بالفاء، إذا لم يكن قبله ما يعطف به عليه من فعل مستقبل، نصبه. وأولى هذه القراءات عندنا بالصواب قراءة من قرأ: {فيضاعفه له} [البقرة: 245] بإثبات الألف، ورفع يضاعف؛ لأن في قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه} [البقرة: 245] معنى الجزاء، والجزاء إذا دخل في جوابه الفاء لم يكن جوابه بالفاء لا رفعا؛ فلذلك كان الرفع في «يضاعفه» أولى بالصواب عندنا من النصب. وإنما اخترنا الألف في «يضاعف» من حذفها وتشديد العين؛ لأن ذلك أفصح اللغتين وأكثرهما على ألسنة العرب 04P432

Section V04/P431–V04/P433

[البقرة: 245] القول في تأويل قوله تعالى: {والله يقبض ويبسط} [البقرة: 245] عني تعالى ذكره بذلك: أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها دون غيره ممن 04P433 ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة واتخذوه ربا دونه يعبدونه. وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي: حدثنا به محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: ثنا حجاج، وحدثني عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال: ثنا حجاج، وأبو ربيعة، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، وقتادة، عن أنس، قال: " غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم غلا السعر، فأسعر لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله الباسط القابض الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى الله ليس أحد يطلبني بمظلمة في نفس ومال» قال أبو جعفر: يعني بذلك صلى الله عليه وسلم: أن الغلاء، والرخص، والسعة، والضيق بيد الله دون غيره. فكذلك قوله تعالى ذكره: {والله يقبض ويبسط} [البقرة: 245] يعني بقوله: {يقبض} [البقرة: 245] يقتر بقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه، ويعني بقوله: {ويبسط} [البقرة: 245] يوسع ببسطة الرزق على من يشاء منهم. وإنما أراد تعالى ذكره بقيله ذلك حث عباده المؤمنين الذين قد بسط عليهم من فضله، فوسع عليهم من رزقه على تقوية ذوي الإقتار منهم بماله، ومعونته بالإنفاق عليه، وحمولته على النهوض لقتال عدوه من المشركين في سبيله، فقال تعالى ذكره: من يقدم لنفسه ذخرا عندي بإعطائه ضعفاء المؤمنين وأهل الحاجة منهم ما يستعين به على القتال في سبيلي، فأضاعف له من ثوابي أضعافا كثيرة مما أعطاه وقواه به، 04P434 فإني أنا الموسع الذي قبضت الرزق عمن ندبتك إلى معونته وإعطائه، لأبتليه بالصبر على ما ابتليته به، والذي بسطت عليك لأمتحنك بعملك فيما بسطت عليك، فأنظر كيف طاعتك إياي فيه، فأجازي كل واحد منكما على قدر طاعتكما لي فيما ابتليتكما فيه، وامتحنتكما به من غنى وفاقة، وسعة وضيق، عند رجوعكما إلي في آخرتكما ومصيركما إلي في معادكما وبنحو الذي قلنا في ذلك قال من بلغنا قوله من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] الآية. قال: علم أن فيمن يقاتل في سبيله من لا يجد قوة، وفيمن لا يقاتل في سبيله من يجد غنى، فندب هؤلاء، فقال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط} [البقرة: 245] قال: يبسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده، وقبض عن هذا وهو يطيب نفسا بالخروج ويخف له، فقوه مما في يدك يكن لك في ذلك حظ " 04P434 [البقرة: 245] القول في تأويل قوله تعالى: {وإليه ترجعون} [البقرة: 245] يعني تعالى ذكره بذلك: وإلى الله معادكم أيها الناس، فاتقوا الله في أنفسكم أن تضيعوا فرائضه وتتعدوا حدوده، وأن يعمل من بسط عليه منكم من رزقه بغير ما أذن له بالعمل فيه ربه، وأن يحمل المقتر منكم. فقبض عن رزقه إقتاره على 04P435 معصيته، والتقدم على ما نهاه فيستوجب بذلك منه بمصيره إلى خالقه ما لا قبل له به من أليم عقابه. وكان قتادة يتأول قوله: {وإليه ترجعون} [البقرة: 245] وإلى التراب ترجعون حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " {وإليه ترجعون} [البقرة: 245] من التراب خلقهم، وإلى التراب يعودون " 04P435

Section V04/P433–V04/P437

[البقرة: 246] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين} [البقرة: 246] يعني تعالى ذكره بقوله: {ألم تر} [البقرة: 243] ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم بخبري إياك يا محمد {إلى الملإ} [البقرة: 246] يعني إلى وجوه بني إسرائيل وأشرافهم ورؤسائهم من بعد موسى. يقول: من بعد ما قبض موسى فمات، إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله. فذكر لي أن النبي الذي قال لهم ذلك شمويل بن بالي بن علقمة بن يرحام بن أليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا بن صفية بن علقمة بن أبي ياسق بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن أبي إسحاق، عن وهب بن منبه 04P436 وحدثني أيضا المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه، سمع وهب بن منبه، يقول: «هو شمويل» ولم ينسبه كما نسبه إسحاق وقال السدي: " بل اسمه شمعون، وقال: إنما سمي شمعون لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاما، فاستجاب الله لها دعاءها فرزقها، فولدت غلاما فسمته شمعون؛ تقول: الله تعالى سمع دعائي " حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، " فكأن شمعون فعلون عند السدي، من قولها: سمع الله دعاءها " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم} [البقرة: 246] قال: شمعون " وقال آخرون: بل الذي سأله قومه من بني إسرائيل أن يبعث لهم ملكا يقاتلون 04P437 في سبيل الله يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم حدثني بذلك الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {وقال لهم نبيهم} [البقرة: 247] قال: كان نبيهم الذي بعد موسى يوشع بن نون. قال: وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما " وأما قوله: {ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] فاختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله سأل الملأ من بني إسرائيل نبيهم ذلك. فقال بعضهم: كان سبب مسألتهم إياه ما: حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه، قال: " خلف بعد موسى في بني إسرائيل يوشع بن نون، يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله. ثم خلف فيهم كالب بن يوقنا يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله تعالى. ثم خلف فيهم حزقيل بن بوزي وهو ابن العجوز. ثم إن الله قبض حزقيل، وعظمت في بني إسرائيل الأحداث، ونسوا ما كان من عهد الله إليهم، حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله. فبعث الله إليهم إلياس بن يس بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبيا. وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة. وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له 04P438 أخاب، وكان يسمع منه ويصدقه، فكان إلياس يقيم له أمره. وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله، وجعلوا لا يسمعون منه شيئا، إلا ما كان من ذلك الملك، والملوك متفرقة بالشام، كل ملك له ناحية منها يأكلها.

Section V04/P437

فقال ذلك الملك الذي كان إلياس معه يقوم له أمره ويراه على هدى من بين أصحابه يوما: يا إلياس والله ما أرى ما تدعو إليه الناس إلا باطلا والله ما أرى فلانا وفلانا يعدد ملوكا من ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأوثان من دون الله إلا على مثل ما نحن عليه، يأكلون، ويشربون، ويتنعمون، مالكين ما ينقص من دنياهم، وما نرى لنا عليهم من فضل ويزعمون والله أعلم أن إلياس استرجع، وقام شعر رأسه وجلده ثم رفضه وخرج عنه. ففعل ذلك الملك فعل أصحابه، عبد الأوثان، وصنع ما يصنعون. ثم خلف من بعده فيهم اليسع، فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه. وخلفت فيهم الخلوف، وعظمت فيهم الخطايا، وعندهم التابوت يتوارثونه كابرا عن كابر، فيه السكينة، وبقية مما ترك آل موسى، وآل هارون، وكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويزحفون به معهم، إلا هزم الله ذلك العدو. ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاء، وكان الله قد بارك لهم في جبلهم من إيليا لا يدخله عليهم عدو ولا يحتاجون معه إلى غيره. وكان أحدهم فيما يذكرون يجمع التراب على الصخرة، ثم ينبذ فيه الحب، فيخرج الله له ما يأكل سنته هو وعياله، ويكون لأحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكل هو وعياله سنته. فلما عظمت 04P439 أحداثهم وتركوا عهد الله إليه، نزل بهم عدو، فخرجوا إليه، وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا يخرجونه، ثم زحفوا به، فقوتلوا حتى استلب من بين أيديهم. فأتى ملكهم إيلاء، فأخبر أن التابوت قد أخذ واستلب، فمالت عنقه، فمات كمدا عليه. فمرج أمرهم عليهم، ووطئهم عدوهم، حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم، وفيهم نبي لهم قد كان الله بعثه إليهم فكانوا لا يقبلون منه شيئا يقال له شمويل، وهو الذي ذكر الله لنبيه محمد: {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] إلى قوله: {وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} [البقرة: 246] يقول الله: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم} [البقرة: 246] إلى قوله: {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 248] " قال ابن إسحاق: فكان من حديثهم فيما حدثني به بعض أهل العلم عن وهب بن منبه: أنه لما نزل بهم البلاء، ووطئت بلادهم، كلموا نبيهم شمويل بن بالي، فقالوا: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله وإنما كان قوام بني إسرائيل الاجتماع على الملوك، وطاعة الملوك أنبياءهم، وكان الملك هو يسير بالجموع والنبي يقوم له أمره، ويأتيه بالخبر من ربه، فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم، فإذا عتت ملوكهم وتركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم. فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر الرسل، ففريقا يكذبون فلا يقبلون منه شيئا، وفريقا يقتلون. فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا له: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله فقال لهم: إنه ليس عندكم وفاء ولا صدق ولا رغبة في الجهاد. فقالوا: إنما كنا نهاب الجهاد ونزهد فيه إنا كنا ممنوعين في بلادنا لا يطؤها أحد فلا يظهر علينا فيها عدو، فأما إذ بلغ 04P440 ذلك فإنه لا بد من الجهاد، فنطيع ربنا في جهاد عدونا ونمنع أبناءها، ونساءنا، وذرارينا " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل} [البقرة: 246] إلى: {والله عليم بالظالمين} [البقرة: 95] قال الربيع: ذكر لنا والله أعلم أن موسى لما حضرته الوفاة استخلف فتاه يوشع بن نون على بني إسرائيل، وإن يوشع بن نون سار فيهم بكتاب الله التوراة وسنة نبيه موسى. ثم إن يوشع بن نون توفي واستخلف فيهم آخر، فسار فيهم بكتاب الله وسنة نبيه موسى صلى الله عليه وسلم. ثم استخلف آخر، فسار فيهم بسيرة صاحبيه. ثم استخلف آخر فعرفوا وأنكروا، ثم استخلف آخر فأنكروا عامة أمره. ثم استخلف آخر فأنكروا أمره كله.

Section V04/P437–V04/P441

ثم إن بني إسرائيل أتوا نبيا من أنبيائهم حين أوذوا في نفوسهم وأموالهم، فقالوا له: سل ربك أن يكتب علينا القتال فقال لهم ذلك النبي: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} [البقرة: 246] إلى قوله: {والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 247] " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج في قوله: " {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا} [البقرة: 246] قال: قال ابن عباس: هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإيمان، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم، وأبنائهم " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا} [البقرة: 246] قال: هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإيمان " وقال آخرون: كان سبب مسألتهم نبيهم ذلك ما: حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] قال: كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة، وكان ملك العمالقة جالوت. وإنهم ظهروا على بني إسرائيل، فضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم وكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبيا يقاتلون معه وكان سبط النبوة قد هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى، فأخذوها فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام، لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها. فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما، فولدت غلاما فسمته شمعون. فكبر الغلام فأرسلته يتعلم التوراة في بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم وتبناه. فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبيا أتاه جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأتمن عليه أحدا غيره، فدعاه بلحن الشيخ: يا شماول فقام الغلام فزعا إلى الشيخ، فقال: يا أبتاه دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول: لا فيفزع الغلام، فقال: يا بني ارجع فنم فرجع فنام، ثم دعاه الثانية، فأتاه الغلام أيضا، فقال: دعوتني؟ فقال: ارجع فنم، فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل، فقال: اذهب إلى قومك فبلغهم 04P442 رسالة ربك، فإن الله قد بعثك فيهم نبيا فلما أتاهم كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة ولم يأن لك، وقالوا: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله آية من نبوتك فقال لهم شمعون: عسى أن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا " والله أعلم قال أبو جعفر: وغير جائز في قول الله تعالى ذكره: {نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] إذا قرئ بالنون غير الجزم على معنى المجازاة وشرط الأمر. فإن ظن ظان أن الرفع فيه جائز وقد قرئ بالنون بمعنى الذي نقاتل في سبيل الله، فإن ذلك غير جائز؛ لأن العرب لا تضمر حرفين. ولكن لو كان قرئ ذلك بالياء لجاز رفعه، لأنه يكون لو قرئ كذلك صلة للملك، فيصير تأويل الكلام حينئذ: ابعث لنا الذي يقاتل في سبيل الله، كما قال تعالى ذكره: {وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك} [البقرة: 129] لأن قوله «يتلو» من صلة «الرسول» 04P441

Section V04/P441–V04/P444

[البقرة: 246] القول في تأويل قوله تعالى: {قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين} [البقرة: 246] يعني تعالى ذكره بذلك: قال النبي الذي سألوه أن يبعث لهم ملكا يقاتلوا في سبيل الله {هل عسيتم} [البقرة: 246] هل تعدون إن كتب، يعني إن فرض عليكم القتال ألا تقاتلوا؟ يعني أن لا تفوا بما تعدون الله من أنفسكم من الجهاد في سبيله؟ فإنكم أهل نكث وغدر، وقلة وفاء بما تعدون {قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] يعني قال الملأ من بني إسرائيل لنبيهم ذلك: وأي شيء يمنعنا أن نقاتل في سبيل الله عدونا وعدو الله {وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} [البقرة: 246] بالقهر والغلبة؟ فإن قال لنا قائل: وما وجه دخول «أن» في قوله: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] وحذفه من قوله: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم} [الحديد: 8] قيل: هما لغتان فصيحتان للعرب، تحذف «أن» مرة مع قولنا «ما لك» ، فتقول: ما لك لا تفعل كذا؟ بمعنى: ما لك غير فاعله، كما قال الشاعر: [+البحر الرجز] ما لك ترغين ولا ترغو الخلف وذلك هو الكلام الذي لا حاجة بالمتكلم به إلى الاستشهاد على صحته لفشو ذلك على ألسن العرب. وتثبت «أن» فيه أخرى، توجيها لقولها ما لك إلى معناه، إذ كان معناه: ما منعك، كما قال تعالى ذكره: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ثم قال في سورة أخرى في نظيره: {ما لك ألا تكون مع الساجدين} [الحجر: 32] فوضع «ما منعك» موضع «ما لك» ، و «ما لك» موضع «ما منعك» لاتفاق معنييهما وإن اختلفت ألفاظهما، كما تفعل العرب ذلك في نظائره مما تتفق معانيه وتختلف ألفاظه، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] يقول إذا اقلولى عليها وأقردت ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم فأدخل في «دائم» الباء «مع» هل «وهي استفهام، وإنما تدخل في خبر» ما " التي في معنى الجحد لتقارب معنى الاستفهام والجحد. وكان بعض أهل العربية يقول: أدخلت «أن» في: {ألا تقاتلوا} [البقرة: 246] لأنه بمعنى قول القائل: ما لك في ألا تقاتل؟ ولو كان ذلك جائزا لجاز أن يقال: ما لك أن قمت؟ وما لك أنك قائم؟ وذلك غير جائز؛ لأن المنع إنما يكون للمستقبل من الأفعال، كما يقال: منعتك أن تقوم، ولا يقال: منعتك أن قمت؛ فلذلك قيل في «ما لك» : ما لك ألا تقوم، ولم يقل: ما لك أن قمت. وقال آخرون منهم: «أن» هاهنا زائدة بعد «ما» فلما «ولما» ولو " وهي تزاد في هذا المعنى كثيرا قال: ومعناه: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله فأعمل «أن» وهي زائدة، وقال الفرزدق: [+البحر البسيط] لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها إذن للام ذوو أحسابها عمرا والمعنى: لو لم تكن غطفان لها ذنوب. «ولا» زائدة فأعملها وأنكر ما قال هذا القائل من قوله الذي حكينا عنه آخرون، وقالوا: غير جائز أن تجعل «أن» زائدة في الكلام وهو صحيح في المعنى وبالكلام إليه الحاجة، قالوا: والمعنى: ما يمنعنا ألا نقاتل؟ فلا وجه لدعوى مدع أن «أن» زائدة، وله معنى مفهوم صحيح. قالوا: وأما قوله: «لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها» فإن «لا» غير زائدة في هذا الموضع، لأنه جحد، والجحد إذا جحد صار إثباتا. قالوا: فقوله: «لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها» إثبات الذنوب لها، كما يقال: ما أخوك ليس يقوم، بمعنى: هو يقوم. وقال آخرون: معنى قوله: {ما لنا ألا نقاتل} [البقرة: 246] ما لنا ولأن لا نقاتل، ثم حذفت الواو فتركت، كما يقال في الكلام: ما لك ولأن تذهب إلى فلان؟ فألقي منها الواو؛ لأن «أن» حرف غير متمكن في الأسماء، وقالوا: نجيز أن يقال: ما لك أن تقوم؟ ولا نجيز: ما لك القيام؟

Section V04/P444–V04/P445

لأن القيام اسم صحيح، و «أن» اسم غير صحيح، وقالوا: قد تقول العرب: إياك أن تتكلم، بمعنى إياك وأن تتكلم. وأنكر ذلك من قولهم آخرون، وقالوا: لو جاز أن يقال ذلك على التأويل الذي تأوله قائل من حكينا قوله، لوجب أن يكون جائزا: «ضربتك بالجارية وأنت كفيل» بمعنى: وأنت كفيل بالجارية، وأن تقول: «رأيتك أبانا ويزيد» ، بمعنى: رأيتك وأبانا يزيد؛ لأن العرب تقول: إياك بالباطل أن تنطق قالوا: فلو كانت الواو مضمرة في أن لجاز جميع ما ذكرنا؛ ولكن ذلك غير جائز؛ لأن ما بعد الواو من الأفاعيل غير جائز له أن يقع على ما قبلها. واستشهدوا على فساد قول من زعم أن الواو مضمرة مع «أن» يقول الشاعر: [+البحر المتقارب] فبح بالسرائر في أهلها وإياك في غيرهم أن تبوحا وأن «أن تبوحا» لو كان فيها واو مضمرة لم يجز تقديم غيرهم عليها 04P446

Section V04/P445–V04/P446

[البقرة: 246] القول في تأويل قوله تعالى: {وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} [البقرة: 246] فإنه يعني: وقد أخرج من غلب عليه من رجالنا ونسائنا من ديارهم وأولادهم ومن سبي. وهذا الكلام ظاهره العموم، وباطنه الخصوص؛ لأن الذين قالوا لنبيهم: {ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] كانوا في ديارهم وأوطانهم، وإنما كان أخرج من داره، وولده من أسر، وقهر منهم وأما قوله: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم} [البقرة: 246] يقول: فلما فرض عليهم قتال عدوهم والجهاد في سبيله، {تولوا إلا قليلا منهم} [البقرة: 246] يقول: أدبروا مولين عن القتال، وضيعوا ما سألوه نبيهم من فرض الجهاد. والقليل الذي استثناهم الله منهم، هم الذين عبروا النهر مع طالوت وسنذكر سبب تولي من تولى منهم وعبور من عبر منهم النهر بعد إن شاء الله إذا أتينا عليه. يقول الله تعالى ذكره: {والله عليم بالظالمين} [البقرة: 95] يعني: والله ذو علم بمن ظلم منهم نفسه، فأخلف الله ما وعده من نفسه وخالف أمر ربه فيما سأله ابتداء أن يوجبه عليه. وهذا من الله تعالى ذكره تقريع لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكذيبهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ومخالفتهم أمر ربهم. يقول الله تعالى ذكره لهم: إنكم يا معشر اليهود عصيتم الله وخالفتم أمره فيما سألتموه أن يفرضه عليكم ابتداء من غير أن يبتدئكم ربكم بفرض ما عصيتموه فيه، فأنتم بمعصيته فيما ابتدأكم به من إلزام فرضه أحرى. وفي هذا الكلام متروك قد استغني بذكر ما ذكر عما ترك منه؛ وذلك أن معنى الكلام: قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فسأل نبيهم ربهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله. فبعث لهم ملكا، وكتب عليهم القتال {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين} [البقرة: 246] 04P447

Questions