Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V04/P629–V04/P633

قال: بلى يا رب، لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رؤيتي هذا الحوت " حدثني بذلك، يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد ومعنى قوله: {ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] ليسكن ويهدأ باليقين الذي يستيقنه، وهذا التأويل الذي قلناه في ذلك هو تأويل الذين وجهوا معنى قوله: {ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] إلى أنه ليزداد إيمانا، أو إلى أنه ليوفق ذكر من قال ذلك: ليوفق، أو ليزداد يقينا أو إيمانا حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن سعيد بن جبير: {ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: «ليوفق» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير: {ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: «ليزداد يقيني» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] يقول: «ليزداد يقينا» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: «وأراد نبي الله إبراهيم ليزداد يقينا إلى يقينه» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال معمر وقال قتادة: «ليزداد يقينا» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: «أراد إبراهيم أن يزداد يقينا» حدثني المثنى، قال: ثنا محمد بن كثير البصري، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو الهيثم، عن سعيد بن جبير: {ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: «ليزداد يقيني» حدثني المثنى، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير: {ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: «ليزداد يقينا» حدثنا صالح بن مسمار، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا خلف بن خليفة، قال: ثنا ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، وإبراهيم، في قوله: {ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: «لأزداد إيمانا مع إيماني» حدثنا صالح، قال: ثنا زيد، قال: أخبرنا زياد، عن عبد الله العامري، قال: ثنا ليث، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير في قول الله: {ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: «لأزداد إيمانا مع إيماني» وقد ذكرنا فيما مضى قول من قال: معنى قوله: {ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] بأني خليلك. وقال آخرون: معنى قوله: {ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا سألتك ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: «أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك» وأما تأويل قوله: {قال أولم تؤمن} [البقرة: 260] فإنه: أو لم تصدق؟ كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن سعيد بن جبير، قوله: {أولم تؤمن} [البقرة: 260] قال: «أولم توقن بأني خليلك» ؟ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أولم تؤمن} [البقرة: 260] قال: «أولم توقن» ؟ 04P633

Section V04/P633

[البقرة: 260] القول في تأويل قوله تعالى: {قال فخذ أربعة من الطير} [البقرة: 260] يعني تعالى ذكره بذلك: قال الله له: فخذ أربعة من الطير، فذكر أن الأربعة من الطير: الديك، والطاووس، والغراب، والحمام ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنى محمد بن إسحاق، عن بعض، أهل العلم «أن أهل الكتاب، الأول يذكرون أنه أخذ طاووسا، وديكا، وغرابا، وحماما» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " الأربعة من الطير: الديك، والطاووس، والغراب، والحمام " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج: {قال فخذ أربعة من الطير} [البقرة: 260] قال ابن جريج: «زعموا أنه ديك، وغراب، وطاووس، وحمامة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {قال فخذ أربعة من الطير} [البقرة: 260] قال: «فأخذ طاووسا، وحماما، وغرابا، وديكا؛ مخالفة أجناسها وألوانها» 04P634

Section V04/P633–V04/P637

[البقرة: 260] القول في تأويل قوله تعالى: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والحجاز والبصرة: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] بضم الصاد من قول القائل: صرت إلى هذا الأمر: إذا ملت إليه أصور صورا، ويقال: إني إليكم لأصور أي مشتاق مائل، ومنه قول الشاعر: [+البحر البسيط] الله يعلم أنا في تلفتنا يوم الفراق إلى أحبابنا صور وهو جمع، أصور وصوراء وصور، مثل أسود وسوداء وسود، ومنه قول الطرماح: [+البحر الطويل] عفائف إلا ذاك أو أن يصورها هوى والهوى للعاشقين صروع يعني بقوله: «أو أن يصورها هوى» : يميلها. فمعنى قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] اضممهن إليك ووجههن نحوك، كما يقال: صر وجهك إلي، أي أقبل به إلي، ومن وجه قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] إلى هذا التأويل كان في الكلام عنده متروك قد ترك ذكره استغناء بدلالة الظاهر عليه، ويكون معناه حينئذ عنده، قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم قطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا. وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك إذا قرئ كذلك بضم الصاد: قطعهن كما قال توبة بن الحمير: [+البحر الطويل] فلما جذبت الحبل أطت نسوعه بأطراف عيدان شديد أسورها فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها بنهضي وقد كان ارتقائي يصورها يعني يقطعها، وإذا كان ذلك تأويل قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] ، كان في الكلام تقديم وتأخير، ويكون معناه فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن ويكون {إليك} [البقرة: 4] من صلة {خذ} [الأعراف: 199] وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: (فصرهن إليك) بالكسر، بمعنى قطعهن. وقد زعم جماعة من نحويي الكوفة أنهم لا يعرفون فصرهن ولا فصرهن، بمعنى قطعهن في كلام العرب، وأنهم لا يعرفون كسر الصاد وضمها في ذلك إلا بمعنى واحد وأنهما جميعا لغتان بمعنى الإمالة، وأن كسر الصاد منها لغة في هذيل وسليم، وأنشدوا لبعض بني سليم: [+البحر الطويل] وفرع يصير الجيد وحف كأنه على الليت قنوان الكروم الدوالح يعني بقوله يصير: يميل، وأن أهل هذه اللغة يقولون: صاره وهو يصيره صيرا، وصر وجهك إلي: أي أمله، كما تقول: صره. وزعم بعض نحويي الكوفة أنه لا يعرف لقوله: {فصرهن} [البقرة: 260] ولا لقراءة من قرأ: {فصرهن} [البقرة: 260] بضم الصاد وكسرها وجها في التقطيع، إلا أن يكون {فصرهن} [البقرة: 260] إليك في قراءة من قرأه بكسر الصاد من المقلوب، وذلك أن تكون لام فعله جعلت مكان عينه، وعينه مكان لامه، فيكون من صرى يصري صريا، فإن العرب تقول: بات يصري في حوضه: إذا استقى، ثم قطع واستقى، ومن ذلك قول الشاعر: [+البحر الطويل] صرت نطرة لو صادفت جوز دارع غدا والعواصي من دم الجوف تنعر صرت: قطعت نظرة، ومنه قول الآخر: [+البحر . ] يقولون إن الشام يقتل أهله فمن لي إذا لم آته بخلود تعرب آبائي فهلا صراهم من الموت أن لم يذهبوا وجدودي يعني قطعهم، ثم نقلت ياؤها التي هي لام الفعل فجعلت عينا للفعل، وحولت عينها فجعلت لامها، فقيل صار يصير، كما قيل: عثي يعثى عثا، ثم حولت لامها، فجعلت عينها، فقيل عاث يعيث. فأما نحويو البصرة فإنهم قالوا: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] سواء معناه إذا قرئ بالضم من الصاد وبالكسر في أنه معني به في هذا الموضع التقطيع، قالوا: وهما لغتان: إحداهما صار يصور، والأخرى صار يصير، واستشهدوا على ذلك ببيت توبة بن الحمير الذي ذكرنا قبل، وببيت المعلى بن جمال العبدي: [+البحر الوافر] وجاءت خلعة دهس صفايا يصور عنوقها أحوى زنيم بمعنى يفرق عنوقها ويقطعها، وببيت خنساء: [+البحر البسيط] لظلت الشم منها وهي تنصار يعني بالشم: الجبال أنها تتصدع وتتفرق، وببيت أبي ذؤيب: [+البحر الكامل] فانصرن من فزع وسد فروجه غبر ضوار وافيان وأجدع قالوا: فلقول القائل: صرت الشيء معنيان: أملته وقطعته، وحكوا سماعا: صرنا به الحكم: فصلنا به الحكم.

Section V04/P637–V04/P642

وهذا القول الذي ذكرناه عن البصريين من أن معنى الضم في الصاد من قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] والكسر سواء بمعنى واحد، وأنهما لغتان معناهما في هذا الموضع فقطعهن، وأن معنى {إليك} [البقرة: 4] تقديمها قبل {فصرهن} [البقرة: 260] من أجل أنها صلة قوله: {فخذ} [البقرة: 260] ، أولى بالصواب من قول الذين حكينا قولهم من نحويي الكوفيين الذي أنكروا أن يكون للتقطيع في ذلك وجه مفهوم إلا على معنى القلب الذي ذكرت لإجماع أهل التأويل على أن معنى قوله: {فصرهن} [البقرة: 260] غير خارج من أحد معنيين: إما قطعهن، وإما اضممهن إليك، بالكسر قرئ ذلك أو بالضم، ففي إجماع جميعهم على ذلك على غير مراعاة منهم كسر الصاد وضمها، ولا تفريق منهم بين معنيي القراءتين أعني الكسر والضم، أوضح الدليل على صحة قول القائلين من نحويي أهل البصرة في ذلك ما حكينا عنهم من القول، وخطأ قول نحويي الكوفيين؛ لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قوله: {فصرهن} [البقرة: 260] بمعنى فقطعهن، على أن أصل الكلام فاصرهن، ثم قلبت فقيل فصرهن بكسر الصاد لتحول ياء فاصرهن مكان رائه، وانتقال رائه مكان يائه، لكان لا شك مع معرفتهم بلغتهم وعلمهم بمنطقهم، قد فصلوا بين معنى ذلك إذا قرئ بكسر صاده، وبينه إذا قرئ بضمها، إذ كان غير جائز لمن قلب فاصرهن إلى فصرهن أن يقرأه فصرهن بضم الصاد، وهم مع اختلاف قراءتهم ذلك قد تأولوه تأويلا واحدا على أحد الوجهين اللذين ذكرنا، ففي ذلك أوضح الدليل على خطأ قول من قال: إن ذلك إذا قرئ بكسر الصاد بتأويل التقطيع مقلوبا من صرى يصري إلى صار يصير، وجهل من زعم أن قول القائل صار يصور وصار يصير غير معروف في كلام العرب بمعنى قطع. ذكر من حضرنا قوله في تأويل قول الله تعالى ذكره: {فصرهن} [البقرة: 260] أنه بمعنى فقطعهن حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {فصرهن} [البقرة: 260] قال: «هي نبطية فشققهن» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، أنه قال في هذه الآية: {فخذ أربعة من الطير فصرهن 04P640 إليك} [البقرة: 260] قال: «إنما هو مثل» ، قال: «قطعهن ثم اجعلهن في أرباع الدنيا، ربعا ها هنا، وربعا هاهنا، ثم ادعهن يأتينك سعيا» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فصرهن} [البقرة: 260] قال: «قطعهن» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، في قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] يقول: «قطعهن» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد: {فصرهن} [البقرة: 260] قال: «قال جناح ذه عند رأس ذه، ورأس ذه عند جناح ذه» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم أبو عمرو، عن عكرمة، في قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] قال: قال عكرمة " بالنبطية: قطعهن " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن يحيى، 04P641 عن مجاهد: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] قال: «قطعهن» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] «انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقا، ثم اخلط لحومهن بريشهن» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فصرهن إليك } [البقرة: 260] قال: «انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقا» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] «أمر نبي الله عليه السلام أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] قال: «فمزقهن» ، قال: «أمر أن يخلط الدماء بالدماء، والريش بالريش» ، {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} [البقرة: 260] حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، 04P642 قال: سمعت الضحاك: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] يقول: «فشققهن وهو بالنبطية صرى، وهو التشقيق» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] يقول «قطعهن» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] يقول «قطعهن إليك ومزقهن تمزيقا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] «أي قطعهن، وهو الصور في كلام العرب» ففيما ذكرنا من أقوال من روينا في تأويل قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] أنه بمعنى فقطعهن إليك دلالة واضحة على صحة ما قلنا في ذلك، وفساد قول من خالفنا فيه، وإذ كان ذلك كذلك، فسواء قرأ القارئ ذلك بضم الصاد {فصرهن إليك} [البقرة: 260] أو كسرها (فصرهن) إذ كانت اللغتان معروفتين بمعنى واحد، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن أحبهما إلي أن أقرأ به {فصرهن إليك} [البقرة: 260] بضم الصاد؛ لأنها أعلى اللغتين وأشهرهما وأكثرهما في أحياء العرب وعند نفر قليل من أهل التأويل أنها بمعنى: أوثق ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] " صرهن: أوثقهن " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء قوله: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] قال: «اضممهن إليك» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد: {فصرهن إليك} [البقرة: 260] قال: «اجمعهن» 04P643

Section V04/P642–V04/P647

[البقرة: 260] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا} [البقرة: 260] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} [البقرة: 260] فقال بعضهم: يعني بذلك على كل ربع من أرباع الدنيا جزءا منهن ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} [البقرة: 260] قال: " اجعلهن في أرباع الدنيا: ربعا هاهنا، وربعا هاهنا، وربعا هاهنا، وربعا هاهنا، ثم ادعهن يأتينك سعيا " 04P644 حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} [البقرة: 260] قال: «لما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قال: " أمر نبي الله أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن، ثم يجزئهن على أربعة أجبل، فذكر لنا أنه شكل على أجنحتهن، وأمسك برءوسهن بيده، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة، والبضعة إلى البضعة، وذلك بعين خليل الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ثم دعاهن فأتين‍ه سعيا على أرجلهن، ويلقي كل طير برأسه، وهذا مثل آتاه الله إبراهيم، يقول: كما بعث هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة، كذلك يبعث الله الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " ذبحهن، ثم قطعهن، ثم خلط بين لحومهن وريشهن، ثم قسمهن على أربعة أجزاء، فجعل على كل جبل منهن جزءا، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة، والبضعة إلى البضعة، وذلك بعين خليل الله إبراهيم، ثم دعاهن فأتينه سعيا، يقول: شدا على أرجلهن. وهذا مثل أراه الله إبراهيم، يقول: كما بعثت 04P645 هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة ، كذلك يبعث الله الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، عن بعض، أهل العلم " أن أهل الكتاب، يذكرون أنه أخذ الأطيار الأربعة، ثم قطع كل طير بأربعة أجزاء، ثم عمد إلى أربعة أجبال، فجعل على كل جبل ربعا من كل طائر، فكان على كل جبل ربع من الطاووس، وربع من الديك، وربع من الغراب وربع من الحمام، ثم دعاهن فقال: تعالين بإذن الله كما كنتم، فوثب كل ربع منها إلى صاحبه حتى اجتمعن، فكان كل طائر كما كان قبل أن يقطعه، ثم أقبلن إليه سعيا، كما قال الله، وقيل: يا إبراهيم، هكذا يجمع الله العباد، ويحيي الموتى للبعث من مشارق الأرض ومغاربها، وشامها ويمنها، فأراه الله إحياء الموتى بقدرته، حتى عرف ذلك بغير ما قال نمروذ من الكذب والباطل " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} [البقرة: 260] قال: «فأخذ طاووسا، وحمامة، وغرابا، وديكا» ، ثم قال: " فرقهن، اجعل رأس كل واحد وجؤشوش الآخر وجناحي الآخر ورجلي الآخر معه فقطعهن وفرقهن أرباعا على الجبال، ثم دعاهن فجئنه جميعا، فقال الله: كما ناديتهن فجئنك، فكما أحييت هؤلاء وجمعتهن بعد هذا، فكذلك أجمع هؤلاء أيضا؛ يعني الموتى " 04P646 وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم اجعل على كل جبل من الأجبال التي كانت الأطيار والسباع التي كانت تأكل من لحم الدابة التي رآها إبراهيم ميتة، فسأل إبراهيم عند رؤيته إياها أن يريه كيف يحييها وسائر الأموات غيرها، وقالوا: كانت سبعة أجبال ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " لما قال إبراهيم ما قال عند رؤيته الدابة التي تفرقت الطير والسباع عنها حين دنا منها، وسأل ربه ما سأل، قال: {فخذ أربعة من الطير} [البقرة: 260] " قال ابن جريج: " فذبحها ثم اخلط بين دمائهن وريشهن ولحومهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا حيث رأيت الطير ذهبت والسباع ، قال: فجعلهن سبعة أجزاء، وأمسك رءوسهن عنده، ثم دعاهن بإذن الله، فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى، وكل بضعة وكل عظم يطير بعضه إلى بعض من رءوس الجبال، حتى لقيت كل جثة بعضها بعضا في السماء، ثم أقبلن يسعين حتى وصلت رأسها " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم اجعل على سبعة أجبال، فاجعل على كل جبل منهن جزءا، ثم أدعهن يأتينك سعيا، فأخذ إبراهيم أربعة من الطير، فقطعهن أعضاء، لم يجعل عضوا من طير مع صاحبه، ثم جعل رأس هذا مع رجل هذا، وصدر هذا مع جناح هذا، وقسمهن على سبعة أجبال، ثم دعاهن فطار 04P647 كل عضو إلى صاحبه، ثم أقبلن إليه جميعا» وقال آخرون: بل أمره الله أن يجعل ذلك على كل جبل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} [البقرة: 260] قال: «ثم بددهن على كل جبل يأتينك سعيا، وكذلك يحيي الله الموتى» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «ثم اجعلهن أجزاء على كل جبل، ثم ادعهن يأتينك سعيا، كذلك يحيي الله الموتى؛ هو مثل ضربه الله لإبراهيم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} [البقرة: 260] " ثم بددهن أجزاء على كل جبل {ثم ادعهن} [البقرة: 260] : تعالين بإذن الله، فكذلك يحيي الله الموتى؛ مثل ضربه الله لإبراهيم صلى الله عليه وسلم " حدثني المثنى، قال: ثني إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «أمره أن يخالف بين قوائمهن ورءوسهن وأجنحتهن، ثم يجعل على كل جبل منهن جزءا» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} [البقرة: 260] «فخالف إبراهيم بين قوائمهن وأجنحتهن» وأولى التأويلات بالآية ما قاله مجاهد، وهو أن الله تعالى ذكره أمر إبراهيم بتفريق أعضاء الأطيار الأربعة بعد تقطيعه إياهن على جميع الأجبال التي كان يصل إبراهيم في وقت تكليف الله إياه تفريق ذلك وتبديدها عليها أجزاء، لأن الله تعالى ذكره قال له: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} [البقرة: 260] والكل حرف يدل على الإحاطة بما أضيف إليه لفظه واحد ومعناه الجمع، فإذا كان ذلك كذلك فلن يجوز أن تكون الجبال التي أمر الله إبراهيم بتفريق أجزاء الأطيار الأربعة عليها خارجة من أحد معنيين: إما أن تكون بعضا أو جميعا؛ فإن كانت بعضا فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإبراهيم السبيل إلى تفريق أعضاء الأطيار الأربعة عليه، أو يكون جميعا، فيكون أيضا كذلك، وقد أخبر الله تعالى ذكره أنه أمره بأن يجعل ذلك على كل جبل، وذلك إما كل جبل وقد عرفهن إبراهيم بأعيانهن، وإما ما في الأرض من الجبال.

Section V04/P647–V04/P648

فأما قول من قال: إن ذلك أربعة أجبل، وقول من قال: هن سبعة؛ فلا دلالة عندنا على صحة شيء من ذلك فنستجيز القول به، وإنما أمر الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يجعل الأطيار الأربعة أجزاء متفرقة على كل جبل ليري إبراهيم قدرته على جمع أجزائهن وهن متفرقات متبددات في أماكن مختلفة شتى، حتى يؤلف بعضهن إلى بعض، فيعدن كهيئتهن قبل تقطيعهن وتمزيقهن وقبل تفريق أجزائهن على الجبال أطيارا أحياء يطرن، فيطمئن قلب إبراهيم ويعلم أن كذلك يجمع الله أوصال الموتى لبعث القيامة، وتأليفه أجزاءهم بعد البلى ورد كل عضو من أعضائهم إلى موضعه كالذي كان قبل الرد. والجزء من كل شيء هو البعض منه كان منقسما جميعه عليه على صحة أو غير منقسم، فهو بذلك من معناه مخالف معنى السهم؛ لأن السهم من الشيء: هو البعض المنقسم عليه جميعه على صحة، ولذلك كثر استعمال الناس في كلامهم عند ذكرهم أنصباءهم من المواريث السهام دون الأجزاء. وأما قوله: {ثم ادعهن} [البقرة: 260] فإن معناه ما ذكرت آنفا عن مجاهد أنه قال: هو أنه أمر أن يقول لأجزاء الأطيار بعد تفريقهن على كل جبل تعالين بإذن الله. فإن قال قائل: أمر إبراهيم أن يدعوهن وهن ممزقات أجزاء على رءوس الجبال أمواتا، أم بعد ما أحيين؟ فإن كان أمر أن يدعوهن وهن ممزقات لا أرواح فيهن، فما وجه أمر من لا حياة فيه بالإقبال؟ وإن كان أمر بدعائهن بعد ما أحيين، فما كانت حاجة إبراهيم إلى دعائهن وقد أبصرهن ينشرن على رءوس الجبال؟ قيل: إن أمر الله تعالى ذكره إبراهيم صلى الله عليه وسلم بدعائهن وهن أجزاء متفرقات إنما هو أمر تكوين، كقول الله للذين مسخهم قردة بعد ما كانوا إنسا: {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] لا أمر عبادة، فيكون محالا إلا بعد وجود المأمور المتعبد 04P649

Section V04/P648

[البقرة: 260] القول في تأويل قوله تعالى: {واعلم أن الله عزيز حكيم} [البقرة: 260] يعني تعالى ذكره بذلك: واعلم يا إبراهيم أن الذي أحيا هذه الأطيار بعد تمزيقك إياهن، وتفريقك أجزاءهن على الجبال، فجمعهن ورد إليهن الروح، حتى 04P650 أعادهن كهيئتهن قبل تفريقهن، {عزيز} [البقرة: 209] في بطشه إذا بطش بمن بطش من الجبابرة والمتكبرة الذين خالفوا أمره، وعصوا رسله، وعبدوا غيره، وفي نقمته حتى ينتقم منهم، {حكيم} [البقرة: 209] في أمره حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق: {واعلم أن الله، عزيز حكيم} [البقرة: 260] قال: «عزيز في بطشه حكيم في أمره» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {واعلم أن الله عزيز} [البقرة: 260] «في نقمته» {حكيم} [البقرة: 260] «في أمره» 04P650

Section V04/P648–V04/P651

[البقرة: 261] القول في تأويل قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261] وهذه الآية مردودة إلى قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون} [البقرة: 245] ، والآيات التي بعدها إلى قوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} [البقرة: 261] من قصص بني إسرائيل وخبرهم مع طالوت وجالوت، وما بعد ذلك من نبإ الذي حاج إبراهيم مع إبراهيم، وأمر الذي مر على القرية الخاوية على عروشها، وقصة إبراهيم ومسألته ربه ما سأل مما قد ذكرناه قبل، اعتراض من الله تعالى ذكره بما اعترض به من قصصهم بين ذلك احتجاجا منه ببعضه على المشركين الذين كانوا يكذبون بالبعث وقيام الساعة، وحضا منه ببعضه للمؤمنين على الجهاد في سبيله الذي أمرهم به في قوله: {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم} [البقرة: 244] يعرفهم فيه أنه ناصرهم وإن قل عددهم وكثر عدد عدوهم، ويعدهم النصرة عليهم، ويعلمهم سنته فيمن كان على منهاجهم من ابتغاء رضوان الله أنه مؤيدهم، وفيمن كان على سبيل أعدائهم من الكفار بأنه خاذلهم ومفرق جمعهم وموهن كيدهم، وقطعا منه ببعض عذر اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما أطلع نبيه عليه من خفي أمورهم، ومكتوم أسرار أوائلهم وأسلافهم التي لم يعلمها سواهم، ليعلموا أن ما آتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله، وأنه ليس بتخرص ولا اختلاق، وإعذارا منه به إلى أهل النفاق منهم، ليحذروا بشكهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يحل بهم من بأسه وسطوته مثل الذي أحلهما بأسلافهم الذين كانوا في القرية التي أهلكها، فتركها خاوية على عروشها، ثم عاد تعالى ذكره إلى الخبر عن الذي يقرض الله قرضا حسنا، وما عنده له من الثواب على قرضه، فقال: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} [البقرة: 261] يعني بذلك مثل الذين ينفقون أموالهم على أنفسهم في جهاد أعداء الله بأنفسهم وأموالهم، {كمثل حبة} [البقرة: 261] من حبات الحنطة أو الشعير، أو غير ذلك من نبات الأرض التي تسنبل سنبلة بذرها زارع، «فأنبتت» ، يعني فأخرجت {سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} ، يقول: فكذلك المنفق ماله على نفسه في سبيل الله، له أجره سبعمائة ضعف على الواحد من نفقته كما: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} «فهذا 04P652 لمن أنفق في سبيل الله، فله أجره سبعمائة» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء} قال: «هذا الذي ينفق على نفسه في سبيل الله ويخرج» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} ، الآية، «فكان من بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة، ورابط مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ولم يلق وجها إلا بإذنه، كانت الحسنة له بسبعمائة ضعف، ومن بايع على الإسلام كانت الحسنة له عشر أمثالها» فإن قال قائل: وهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة أو بلغتك فضرب بها المثل المنفق في سبيل الله ماله؟

Section V04/P651–V04/P653

قيل: إن يكن ذلك موجودا فهو ذاك، وإلا فجائز أن يكون معناه: كمثل سنبلة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، إن جعل الله ذلك فيها، ويحتمل أن يكون معناه: في كل سنبلة مائة حب؛ يعني أنها إذا هي بذرت أنبتت مائة حبة، فيكون ما حدث عن البذر الذي كان منها من المائة الحبة مضافا إليها؛ لأنه كان عنها، وقد تأول ذلك على هذا الوجه بعض أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} قال: «كل سنبلة أنبتت مائة حبة، فهذا لمن أنفق في سبيل الله» ، {والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261] 04P653

Section V04/P653–V04/P654

[البقرة: 261] القول في تأويل قوله تعالى: {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261] ، فقال بعضهم: الله يضاعف لمن يشاء من عباده أجر حسناته بعد الذي أعطى المنفق في سبيله من التضعيف الواحدة سبعمائة. فأما المنفق في غير سبيله، فلا نفقة ما وعده من تضعيف السبعمائة بالواحدة ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «هذا يضاعف لمن أنفق في سبيل الله، يعني السبعمائة» {والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261] «يعني لغير المنفق في سبيله» 04P654 وقال آخرون: بل معنى ذلك: والله يضاعف لمن يشاء من المنفقين في سبيله على السبعمائة إلى ألفي ألف ضعف، وهذا قول ذكر عن ابن عباس من وجه لم أجد إسناده فتركت ذكره. والذي هو أولى بتأويل قوله: {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261] والله يضاعف على السبعمائة إلى ما يشاء من التضعيف لمن يشاء من المنفقين في سبيله؛ لأنه لم يجر ذكر الثواب والتضعيف لغير المنفق في سبيل الله فيجوز لنا توجيه ما وعد تعالى ذكره في هذه الآية من التضعيف إلى أنه عدة منه على العمل على غير النفقة في سبيل الله 04P653 [البقرة: 261] القول في تأويل قوله تعالى: {والله واسع عليم} [البقرة: 261] يعني تعالى ذكره بذلك: والله واسع أن يزيد من يشاء من خلقه المنفقين في سبيله على أضعاف السبعمائة التي وعده أن يزيده، عليم من يستحق منهم الزيادة كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 261] قال: «واسع أن يزيد من سعته، عليم عالم بمن يزيده» وقال آخرون: معنى ذلك: والله واسع لتلك الأضعاف، عليم بما ينفق الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله 04P654

Section V04/P654–V04/P656

[البقرة: 262] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 262] يعني تعالى ذكره بذلك: المعطي ماله المجاهدين في سبيل الله معونة لهم على جهاد أعداء الله، يقول تعالى ذكره: الذين يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإنفاق عليهم وفي حمولاتهم، وغير ذلك من مؤنهم، ثم لم يتبع نفقته التي أنفقها عليهم منا عليهم بإنفاق ذلك عليهم ولا أذى لهم؛ فامتنانه به عليهم بأن يظهر لهم أنه قد اصطنع إليهم بفعله، وعطائه الذي أعطاهموه، تقوية لهم على جهاد عدوهم معروفا، ويبدي ذلك إما بلسان أو فعل. وأما الأذى فهو شكايته إياهم بسبب ما أعطاهم وقواهم من النفقة في سبيل الله أنهم لم يقوموا بالواجب عليهم في الجهاد، وما أشبه ذلك من القول الذي يؤذي به من أنفق عليه. وإنما شرط ذلك في المنفق في سبيل الله، وأوجب الأجر لمن كان غير مان ولا مؤذ من أنفق عليه في سبيل الله، لأن النفقة التي هي في سبيل الله مما ابتغي به وجه الله، وطلب به ما عنده، فإذا كان معنى النفقة في سبيل الله هو ما وصفنا، فلا وجه لمن المنفق على من أنفق عليه؛ لأنه لا يد له قبله ولا صنيعه يستحق بها عليه إن لم يكافئه عليها المن والأذى، إذ كانت نفقته ما أنفق عليه احتسابا وابتغاء ثواب الله وطلب مرضاته وعلى الله مثوبته دون من أنفق ذلك عليه. وبنحو المعنى الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 262] «علم الله أن أناسا يمنون بعطيتهم، فكره ذلك وقدم فيه فقال» : {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم} [البقرة: 263] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال للآخرين يعني: قال الله للآخرين، وهم الذين لا يخرجون في جهاد عدوهم: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى، قال: " فشرط عليهم قال: " والخارج لم يشرط عليه قليلا ولا كثيرا، يعني بالخارج الخارج في الجهاد الذي ذكر الله في قوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة} [البقرة: 261] " الآية قال ابن زيد: وكان أبي يقول: «إن أذن لك أن تعطي من هذا شيئا، أو تقوى فقويت في سبيل الله، فظننت أنه يثقل عليه سلامك فكف سلامك عنه» قال ابن زيد: «فهو خير من السلام» قال: " وقالت امرأة لأبي: يا أبا أسامة، تدلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا، فإنهم لا يخرجون إلا ليأكلوا الفواكه، عندي جعبة وأسهم فيها، فقال لها: لا بارك الله لك في جعبتك، ولا في أسهمك، فقد آذيتيهم قبل أن تعطيهم، قال: وكان رجل يقول لهم: اخرجوا وكلوا الفواكه " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: {لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى} [البقرة: 262] قال: «أن لا ينفق الرجل ماله خير من أن ينفقه ثم يتبعه منا وأذى» وأما قوله: {لهم أجرهم عند ربهم} [البقرة: 262] فإنه يعني للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله على ما بين والهاء والميم في «لهم» عائدة على «الذين» .

Section V04/P656

ومعنى قوله: {لهم أجرهم عند ربهم} [البقرة: 262] لهم ثوابهم وجزاؤهم على نفقتهم التي أنفقوها في سبيل الله، ثم لا يتبعونها منا ولا أذى وقوله: {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] يقول: وهم مع ما لهم من الجزاء والثواب على نفقتهم التي أنفقوها على ما شرطنا، لا خوف عليهم عند مقدمهم على الله، وفراقهم الدنيا، ولا في أهوال القيامة، وأن ينالهم من مكارهها، أو يصيبهم فيها من عقاب الله، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم في الدنيا 04P657

Section V04/P656–V04/P659

[البقرة: 263] القول في تأويل قوله تعالى: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم} [البقرة: 263] 04P658 يعني تعالى ذكره بقوله: {قول معروف} [البقرة: 263] : قول جميل، ودعاء الرجل لأخيه المسلم. {ومغفرة} [البقرة: 263] يعني: وستر منه عليه لما علم من خلته وسوء حالته خير عند الله من صدقة يتصدقها عليه يتبعها أذى، يعني يشتكيه عليها ويؤذيه بسببها كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} [البقرة: 263] يقول: «أن يمسك ماله خير من أن ينفق ماله ثم يتبعه منا وأذى» وأما قوله: {غني حليم} [البقرة: 263] فإنه يعني: والله غني عما يتصدقون به، حليم حين لا يعجل بالعقوبة على من يمن بصدقته منكم، ويؤذي فيها من يتصدق بها عليه وروي عن ابن عباس في ذلك ما: حدثنا به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " الغني: الذي كمل في غناه، والحليم: الذي قد كمل في حلمه " 04P658 [البقرة: 264] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين} [البقرة: 264] يعني تعالى ذكره بذلك: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] صدقوا الله ورسوله، {لا تبطلوا صدقاتكم} [البقرة: 264] ، يقول: لا تبطلوا أجور صدقاتكم {بالمن والأذى} [البقرة: 264] ، كما أبطل كفر الذي ينفق ماله {رئاء الناس} [البقرة: 264] ، وهو مراءاته إياهم بعمله؛ وذلك أن ينفق ماله فيما يرى الناس في الظاهر أنه يريد الله تعالى ذكره فيحمدونه عليه وهو مريد به غير الله ولا طالب منه الثواب وإنما ينفقه كذلك ظاهرا ليحمده الناس عليه فيقولوا: هو سخي كريم، وهو رجل صالح، فيحسنوا عليه به الثناء وهم لا يعلمون ما هو مستبطن من النية في إنفاقه ما أنفق، فلا يدرون ما هو عليه من التكذيب بالله تعالى ذكره واليوم الآخر. وأما قوله: {ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 264] فإن معناه: ولا يصدق بوحدانية الله وربوبيته، ولا بأنه مبعوث بعد مماته فمجازى على عمله، فيجعل عمله لوجه الله وطلب ثوابه وما عنده في معاده ، وهذه صفة المنافق؛ وإنما قلنا إنه منافق، لأن المظهر كفره والمعلن شركه معلوم أنه لا يكون بشيء من أعماله مرائيا، لأن المرائي هو الذي يرائي الناس بالعمل الذي هو في الظاهر لله وفي الباطن عامله مراده به حمد الناس عليه، والكافر لا يخيل على أحد أمره أن أفعاله كلها إنما هي للشيطان إذا كان معلنا كفره لا لله، ومن كان كذلك فغير كائن مرائيا بأعماله. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال أبو هانئ الخولاني، عن عمرو بن حريث، قال: " إن الرجل يغزو، لا يسرق ولا يزني، ولا يغل، لا يرجع بالكفاف، فقيل له: لم ذاك؟ قال: فإن الرجل ليخرج فإذا أصابه من بلاء الله الذي قد حكم عليه سب ولعن إمامه، ولعن ساعة غزا، وقال: لا أعود لغزوة معه أبدا، فهذا عليه، وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها منا وأذى، فقد ضرب الله مثلها في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] حتى ختم الآية " 04P660

Section V04/P659–V04/P663

[البقرة: 264] القول في تأويل قوله تعالى: {فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين} [البقرة: 264] يعني تعالى ذكره بذلك: فمثل هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، والهاء في قوله: {فمثله} [البقرة: 264] عائدة على «الذي» {كمثل صفوان} [البقرة: 264] والصفوان واحد وجمع، فمن جعله جمعا فالواحدة صفوانة بمنزلة تمرة وتمر ونخلة ونخل، ومن جعله واحدا جمعه صفوان وصفي وصفي كما قال الشاعر: [+البحر . ] 04P660 مواقع الطير على الصفي والصفوان هو الصفا، وهي الحجارة الملس وقوله: {عليه تراب} [البقرة: 264] يعني على الصفوان تراب {فأصابه} [البقرة: 264] يعني أصاب الصفوان {وابل} [البقرة: 264] وهو المطر الشديد العظيم، كما قال امرؤ القيس: [+البحر الرمل] ساعة ثم انتحاها وابل ساقط الأكناف واه منهمر يقال منه: وبلت السماء فهي تبل وبلا، وقد وبلت الأرض فهي توبل، وقوله: {فتركه صلدا} [البقرة : 264] يقول: فترك الوابل الصفوان صلدا؛ والصلد من الحجارة الصلب الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره، وهو من الأرضين ما لا ينبت فيه شيء، وكذلك من الرءوس كما قال رؤبة: [+البحر الرجز] لما رأتني خلق المموه براق أصلاد الجبين الأجله ومن ذلك يقال للقدر الثخينة البطيئة الغلي: قدر صلود، وقد صلدت تصلد صلودا، ومنه قول تأبط شرا [+البحر الطويل] ولست بجلب جلب ليل وقرة ولا بصفا صلد عن الخير معزل ثم رجع تعالى ذكره إلى ذكر المنافقين الذين ضرب المثل لأعمالهم، فقال: فكذلك أعمالهم بمنزلة الصفوان الذي كان عليه تراب، فأصابه الوابل من المطر، فذهب بما عليه من التراب، فتركه نقيا لا تراب عليه ولا شيء، يراهم المسلمون في الظاهر أن لهم أعمالا كما يرى التراب على هذا الصفوان بما يراءونهم به، فإذا كان يوم القيامة وصاروا إلى الله اضمحل ذلك كله؛ لأنه لم يكن لله كما ذهب الوابل من المطر بما كان على الصفوان من التراب، فتركه أملس لا شيء عليه، فذلك قوله: {لا يقدرون} [البقرة: 264] ، يعني به الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، يقول: لا يقدرون يوم القيامة على ثواب شيء مما كسبوا في الدنيا؛ لأنهم لم يعملوا لمعادهم ولا لطلب ما عند الله في الآخرة، ولكنهم عملوه رئاء الناس وطلب حمدهم، وإنما حظهم من أعمالهم ما أرادوه وطلبوه بها. ثم أخبر تعالى ذكره أنه لا يهدي القوم الكافرين، يقول: لا يسددهم لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها فيوفقهم لها، وهم للباطل عليها مؤثرون، ولكنه تركهم في ضلالتهم يعمهون، فقال تعالى ذكره للمؤمنين: لا تكونوا كالمنافقين الذين هذا المثل صفة أعمالهم، فتبطلوا أجور صدقاتكم بمنكم على من تصدقتم بها عليه وأذاكم لهم، كما أبطل أجر نفقة المنافق الذي أنفق ماله رئاء الناس، وهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر عند الله.

Section V04/P663

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله : {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] فقرأ حتى بلغ: {على شيء مما كسبوا} [البقرة: 264] فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول: «لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ، كما ترك هذا المطر الصفاة الحجر ليس عليه شيء أنقى ما كان» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن} [البقرة: 264] إلى قوله: {والله لا يهدي القوم الكافرين} [البقرة: 264] " هذا مثل ضربه الله لأعمال الكافرين يوم القيامة، يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ، كما ترك هذا المطر الصفا نقيا لا شيء عليه " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] إلى قوله: {على شيء مما كسبوا} [البقرة: 264] " أما الصفوان الذي عليه تراب فأصابه المطر، فذهب ترابه فتركه صلدا، فكذا هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس ذهب الرياء بنفقته، كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا فتركه نقيا، فكذلك تركه الرياء لا يقدر على شيء مما قدم؛ فقال للمؤمنين: {لا 04P664 تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] فتبطل كما بطلت صدقة الرياء " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: " أن لا، ينفق الرجل ماله خير من أن ينفقه ثم يتبعه منا وأذى، فضرب الله مثله كمثل كافر أنفق ماله لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فضرب الله مثلهما جميعا {كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا} [البقرة: 264] فكذلك من أنفق ماله ثم أتبعه منا وأذى " حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] إلى: {كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا} [البقرة: 264] «ليس عليه شيء، وكذلك المنافق يوم القيامة لا يقدر على شيء مما كسب» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج في قوله: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] قال: «يمن بصدقته ويؤذيه فيها حتى يبطلها» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى} [البقرة: 262] ، فقرأ: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] حتى بلغ: {لا يقدرون على شيء مما كسبوا} [البقرة: 264] ثم قال: " أترى الوابل يدع من التراب على الصفوان شيئا؟ فكذلك منك وأذاك لم يدع مما أنفقت شيئا، وقرأ قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن 04P665 والأذى} [البقرة: 264] وقرأ: {وما أنفقتم من نفقة} [البقرة: 270] ، فقرأ حتى بلغ: {وأنتم لا تظلمون} [البقرة: 272] " 04P664

Section V04/P663–V04/P666

[البقرة: 264] القول في تأويل قوله تعالى: {صفوان} [البقرة: 264] قد بينا معنى الصفوان بما فيه الكفاية، غير أنا أردنا ذكر من قال مثل قولنا في ذلك من أهل التأويل حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {كمثل صفوان} [البقرة: 264] «كمثل الصفاة» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " {كمثل صفوان} [البقرة: 264] والصفوان: الصفا " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «أما صفوان، فهو الحجر الذي يسمى الصفاة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، 04P666 عن ابن عباس، قوله: {صفوان} [البقرة: 264] «يعني الحجر» 04P665 [البقرة: 264] القول في تأويل قوله تعالى: {فأصابه وابل} [البقرة: 264] قد مضى البيان عنه وهذا ذكر من قال قولنا فيه: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " أما وابل: فمطر شديد " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {فأصابه وابل} [البقرة: 264] " والوابل: المطر الشديد " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله 04P666 [البقرة: 264] القول في تأويل قوله تعالى: {فتركه صلدا} [البقرة: 264] ذكر من قال نحو ما قلنا في ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فتركه صلدا} [البقرة: 264] يقول «نقيا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {فتركه صلدا} [البقرة: 264] قال: «تركها نقية ليس عليها 04P667 شيء» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال قال ابن جريج، قال ابن عباس: قوله: {فتركه صلدا} [البقرة: 264] قال: «ليس عليه شيء» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {صلدا} [البقرة: 264] «فتركه جردا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {فتركه صلدا} [البقرة: 264] «ليس عليه شيء» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {فتركه صلدا} [البقرة: 264] «ليس عليه شيء» 04P667

Section V04/P666–V04/P669

[البقرة: 265] القول في تأويل قوله تعالى: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير} [البقرة: 265] يعني بذلك جل ثناؤه: ومثل الذين ينفقون أموالهم فيصدقون بها ويحملون عليها في سبيل الله ويقوون بها أهل الحاجة من الغزاة والمجاهدين في سبيل الله وفي غير ذلك من طاعات الله طلب مرضاته. {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] يعني بذلك: وتثبيتا لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله وتحقيقا، من قول القائل: ثبت فلانا في هذا الأمر: إذ صححت عزمه وحققته وقويت فيه رأيه أثبته تثبيتا، كما قال ابن رواحة: [+البحر البسيط] فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا وإنما عنى الله جل وعز بذلك أن أنفسهم كانت موقنة مصدقة بوعد الله إياها فيما أنفقت في طاعته بغير من ولا أذى، فثبتهم في إنفاق أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وصحح عزمهم وآراءهم يقينا منها بذلك، وتصديقا بوعد الله إياها ما وعدها، ولذلك قال من قال من أهل التأويل في قوله: {وتثبيتا} [البقرة: 265] وتصديقا، ومن قال منهم: ويقينا؛ لأن تثبيت أنفس المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله إياهم، إنما كان عن يقين منها وتصديق بوعد الله ذكر من قال ذلك من أهل التأويل: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن أبي موسى، عن الشعبي: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] قال: «تصديقا ويقينا» حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبي موسى، عن الشعبي: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] قال: «وتصديقا من أنفسهم ثبات ونصرة» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] قال: «يقينا من أنفسهم» قال: «التثبيت اليقين» حدثني يونس، قال: ثنا علي بن معبد، عن أبي معاوية، عن إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] يقول: «يقينا من عند أنفسهم» وقال آخرون: معنى قوله: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] أنهم كانوا يتثبتون في الموضع الذي يضعون فيه صدقاتهم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] قال ": يتثبتون أين يضعون أموالهم " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: ثنا ابن المبارك، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] فقلت له: ما ذلك التثبيت؟

Section V04/P669–V04/P672

04P670 قال: «يتثبتون أين يضعون أموالهم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] قال: «كانوا يتثبتون أين يضعونها» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن علي بن علي بن رفاعة، عن الحسن، في قوله: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] قال: «كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم، يعني زكاتهم» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: ثنا ابن المبارك، عن علي بن علي، قال: سمعت الحسن، قرأ: {ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم} قال: «كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان لله مضى ، وإن خالطه شك أمسك» وهذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد والحسن تأويل بعيد المعنى مما يدل عليه ظاهر التلاوة، وذلك أنهم تأولوا قوله: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] بمعنى: وتثبتا فزعموا أن ذلك إنما قيل كذلك، لأن القوم كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم، ولو كان التأويل كذلك، لكان: وتثبتا من أنفسهم؛ لأن المصدر من الكلام إن كان على تفعلت التفعل، فيقال: تكرمت تكرما، وتكلمت تكلما، وكما قال جل ثناؤه: {أو يأخذهم على تخوف} [النحل: 47] من قول القائل: تخوف فلان هذا الأمر تخوفا، فكذلك قوله: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] لو كان من تثبت القوم في وضع صدقاتهم مواضعها لكان الكلام: «وتثبتا من أنفسهم» لا «وتثبيتا» ولكن معنى ذلك ما قلنا من أنه: وتثبيت من أنفس القوم إياهم بصحة العزم واليقين بوعد الله تعالى ذكره فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك نظير قول الله عز وجل: {وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8] ولم يقل: تبتلا؟ قيل: إن هذا مخالف لذلك، وذلك أن هذا إنما جاز أن يقال فيه: {تبتيلا} [المزمل: 8] لظهور {وتبتل إليه} [المزمل: 8] ، فكان في ظهوره دلالة على متروك من الكلام الذي منه قيل: تبتيلا، وذلك أن المتروك هو: «تبتل فيبتلك الله إليه تبتيلا» وقد تفعل العرب مثل ذلك أحيانا تخرج المصادر على غير ألفاظ الأفعال التي تقدمتها إذا كانت الأفعال المتقدمة تدل على ما أخرجت منه، كما قال جل وعز: {والله أنبتكم من الأرض نباتا} [نوح: 17] وقال: {وأنبتها نباتا حسنا} [آل عمران: 37] والنبات: مصدر نبت وإنما جاز ذلك؛ لمجيء أنبت قبله، فدل على المتروك الذي منه قيل نباتا، والمعنى: والله أنبتكم فنبتم من الأرض نباتا، وليس قوله: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] كلاما يجوز أن يكون متوهما به أنه معدول عن بنائه، ومعنى الكلام: ويتثبتون في وضع الصدقات مواضعها، فيصرف إلى المعاني التي صرف إليها قوله: {وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8] وما أشبه ذلك من المصادر المعدولة عن الأفعال التي هي ظاهرة قبلها. وقال آخرون: معنى قوله: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] احتسابا من أنفسهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وتثبيتا من أنفسهم} [البقرة: 265] يقول: «احتسابا من أنفسهم» وهذا القول أيضا بعيد المعنى من معنى التثبيت، لأن التثبيت لا يعرف في شيء من الكلام بمعنى الاحتساب، إلا أن يكون أراد مفسره كذلك أن أنفس المنفقين كانت محتسبة في تثبيتها أصحابها، فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلام، فليس الاحتساب بمعنى حينئذ للتثبيت فيترجم عنه به 04P672

Section V04/P672–V04/P675

[البقرة: 265] القول في تأويل قوله تعالى: {كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل} [البقرة: 265] يعني بذلك جل وعز: ومثل الذين ينفقون أموالهم، فيتصدقون بها، ويسبلونها في طاعة الله بغير من على من تصدقوا بها عليه ولا أذى منهم لهم بها ابتغاء رضوان الله وتصديقا من أنفسهم بوعده، {كمثل جنة} [البقرة: 265] والجنة: البستان، وقد دللنا فيما مضى على أن الجنة البستان بما فيه الكفاية من إعادته {بربوة} [البقرة: 265] والربوة من الأرض: ما نشز منها فارتفع عن السيل، وإنما وصفها بذلك جل ثناؤه؛ لأن ما ارتفع عن المسايل والأودية أغلظ، وجنان ما غلظ من الأرض أحسن وأزكى ثمرا وغرسا وزرعا مما رق منها، ولذلك قال أعشى بني ثعلبة في وصف روضة: [+البحر البسيط] ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل فوصفها بأنها من رياض الحزن؛ لأن الحزون غرسها ونباتها أحسن وأقوى من غروس الأودية والتلاع وزروعها، وفي الربوة لغات ثلاث، وقد قرأ بكل لغة منهن جماعة من القراء، وهي ربوة بضم الراء، وبها قرأت عامة قراء أهل المدينة والحجاز والعراق. وربوة بفتح الراء، وبها قرأ بعض أهل الشام، وبعض أهل الكوفة، ويقال: إنها لغة لتميم، وربوة بكسر الراء، وبها قرأ فيما ذكر ابن عباس، وغير جائز عندي أن يقرأ ذلك إلا بإحدى اللغتين: إما بفتح الراء، وإما بضمها؛ لأن قراءة الناس في أمصارهم بإحداهما. وأنا لقراءتها بضمها أشد إيثارا مني بفتحها؛ لأنها أشهر اللغتين في العرب؛ فأما الكسر فإن في رفض القراءة به دلالة واضحة على أن القراءة به غير جائزة، وإنما سميت الربوة؛ لأنها ربت فغلظت وعلت، من قول القائل: ربا هذا الشيء يربو: إذا انفتح فعظم. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {كمثل جنة بربوة} [البقرة: 265] قال: " الربوة: المكان الظاهر المستوي " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال مجاهد: «هي الأرض المستوية المرتفعة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {كمثل جنة بربوة} [البقرة: 265] يقول: «بنشز من الأرض» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {كمثل جنة بربوة} [البقرة: 265] " والربوة: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار والذي فيه الجنان " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {بربوة} [البقرة: 265] «برابية من الأرض» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {كمثل جنة بربوة} [البقرة: 265] «والربوة النشز من الأرض» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: {كمثل جنة بربوة} [البقرة: 265] قال: «المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار» وكان آخرون يقولون: هي المستوية ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: {كمثل جنة بربوة} [البقرة: 265] قال: «هي الأرض المستوية التي تعلو فوق المياه» وأما قوله: {أصابها وابل} [البقرة: 265] فإنه يعني جل ثناؤه أصاب الجنة التي بالربوة من الأرض وابل من المطر، وهو الشديد العظيم القطر منه، وقوله: {فآتت أكلها ضعفين} [البقرة: 265] فإنه يعني الجنة أنها أضعف ثمرها ضعفين حين أصابها الوابل من المطر، والأكل: هو الشيء المأكول، وهو مثل الرعب والهزء وما أشبه ذلك من الأسماء التي تأتي على فعل؛ وأما الأكل بفتح الألف وتسكين الكاف، فهو فعل الآكل، يقال منه: أكلت أكلا، وأكلت أكلة واحدة، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] وما أكلة أكلتها بغنيمة ولا جوعة إن جعتها بغرام ففتح الألف؛ لأنها بمعنى الفعل، ويدلك على أن ذلك كذلك قوله: «ولا جوعة» ، وإن ضمت الألف من «الأكلة» كان معناه: الطعام الذي أكلته، فيكون معنى ذلك حينئذ: ما طعام أكلته بغنيمة.

Section V04/P675–V04/P677

وأما قوله: {فإن لم يصبها وابل فطل} [البقرة: 265] فإن الطل: هو الندى واللين من المطر كما: حدثنا عباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: {فطل} [البقرة: 265] «ندى» عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما الطل: فالندى " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فإن لم يصبها وابل فطل} [البقرة: 265] «أي طش» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {فطل} [البقرة: 265] قال: " الطل: الرذاذ من المطر، يعني اللين منه " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {فطل} [البقرة: 265] «أي طش» وإنما يعني تعالى ذكره بهذا المثل كما ضعفت ثمرة هذه الجنة التي وصفت صفتها حين جاد الوابل فإن أخطأ هذا الوابل فالطل، كذلك يضعف الله صدقة المتصدق والمنفق ماله ابتغاء مرضاته وتثبيتا من نفسه من غير من ولا أذى، قلت نفقته أو كثرت لا تخيب ولا تخلف نفقته، كما تضعف الجنة التي وصف جل ثناؤه صفتها قل ما أصابها من المطر أو كثر لا يخلف خيرها بحال من الأحوال، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، 04P678 قوله: {فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل} [البقرة: 265] يقول: «كما أضعفت ثمرة تلك الجنة، فكذلك تضاعف ثمرة هذا المنفق ضعفين» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل} [البقرة: 265] " هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن، يقول: ليس لخيره خلف، كما ليس لخير هذه الجنة خلف على أي حال، إما وابل، وإما طل " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «هذا مثل من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله} الآية، قال: «هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن» فإن قال قائل: وكيف قيل: {فإن لم يصبها وابل فطل} [البقرة: 265] وهذا خبر عن أمر قد مضى؟ قيل: يراد فيه: كان، ومعنى الكلام: فآتت أكلها ضعفين، فإن لم يكن الوابل أصابها، أصابها طل، وذلك في الكلام نحو قول القائل: حبست فرسين، فإن لم أحبس اثنين فواحدا بقيمته، بمعنى: إلا أكن، لا بد من إضمار «كان» ؛ 04P679 لأنه خبر؛ ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ولم تجدي من أن تقري بها بدا 04P678

Questions