Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V01/P369

وإذا أظلم عليهم، فهو رجل يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يجاوزه " والرابع ما حدثني به المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {أو كصيب من السماء} [البقرة: 19] وهو المطر، ضرب مثله في القرآن يقول: {فيه ظلمات} [البقرة: 19] يقول 01P370 ابتلاء {ورعد} [البقرة: 19] يقول: فيه تخويف، وبرق {يكاد البرق يخطف أبصارهم} [البقرة: 20] يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين {كلما أضاء لهم مشوا فيه} [البقرة: 20] يقول: كلما أصاب المنافقون من الإسلام عزا اطمأنوا، وإن أصابوا الإسلام نكبة، قالوا: ارجعوا إلى الكفر يقول: {وإذا أظلم عليهم قاموا} [البقرة: 20] كقوله: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة} [الحج: 11] " إلى آخر الآية ثم اختلف سائر أهل التأويل بعد ذلك في نظير ما روي عن ابن عباس من الاختلاف فحدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «إضاءة البرق وإظلامه على نحو ذلك المثل» وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، في قول الله: " {فيه ظلمات ورعد وبرق} [البقرة: 19] إلى قوله: {وإذا أظلم عليهم قاموا} [البقرة: 20] فالمنافق إذا رأى في الإسلام رخاء أو طمأنينة أو سلوة من عيش، قال: أنا معكم وأنا منكم؛ وإذا أصابته شدة حقحق والله عندها فانقطع به فلم يصبر على بلائها، ولم يحتسب أجرها ولم يرج عاقبتها " وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {فيه ظلمات ورعد وبرق} [البقرة: 19] يقول: أخبر عن قوم لا يسمعون شيئا إلا ظنوا أنهم هالكون فيه حذرا من الموت، والله محيط بالكافرين. ثم ضرب لهم مثلا آخر فقال: {يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه} [البقرة: 20] يقول: هذا المنافق، إذا كثر ماله وكثرت ماشيته وأصابته عافية قال: لم يصبني منذ دخلت في ديني هذا إلا خير {وإذا أظلم عليهم قاموا} [البقرة: 20] يقول: إذا ذهبت أموالهم وهلكت مواشيهم وأصابهم البلاء قاموا متحيرين " وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " {فيه ظلمات ورعد وبرق} [البقرة: 19] قال: مثلهم كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة ولها مطر ورعد وبرق على جادة، فلما أبرقت أبصروا الجادة فمضوا فيها، وإذا ذهب البرق تحيروا.

Section V01/P369–V01/P374

وكذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك تحير ووقع في الظلمة، فكذلك قوله: {كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} [البقرة: 20] ثم قال: في أسماعهم وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} [البقرة: 20] " قال أبو جعفر: وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان الباهلي، عن الضحاك بن مزاحم: " {فيه ظلمات} [البقرة: 19] قال: أما الظلمات فالضلالة، والبرق: الإيمان " وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد " في قوله: {فيه ظلمات ورعد وبرق} [البقرة: 19] فقرأ حتى بلغ: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] قال: هذا أيضا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا قد استناروا بالإسلام كما استنار هذا بنور هذا البرق " وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: «ليس شيء في الأرض سمعه المنافق، إلا ظن أنه يراد به وأنه الموت كراهية له، والمنافق أكره خلق الله للموت، كما إذا كانوا بالبراز في المطر فروا من الصواعق» حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، في قوله: " {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق} [البقرة: 19] قال: مثل ضرب للكفار " وهذه الأقوال التي ذكرنا عمن رويناها عنه، فإنها وإن اختلفت فيها ألفاظ قائليها متقاربات المعاني لأنها جميعا تنبئ عن أن الله ضرب الصيب لظاهر إيمان المنافق مثلا ومثل ما فيه من ظلمات بضلالته، وما فيه من ضياء برق بنور إيمانه، واتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه بضعف جنانه ونخب فؤاده من حلول عقوبة الله بساحته، ومشيه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه، وقيامه في الظلام بحيرته في ضلالته وارتكاسه في عمهه. فتأويل الآية إذا إذا كان الأمر على ما وصفنا: أو مثل ما استضاء به المنافقون من قيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم: آمنا بالله وباليوم الآخر وبمحمد وما جاء به، حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكام المؤمنين، وهم مع إظهارهم بألسنتهم ما يظهرون بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر، مكذبون، ولخلاف ما يظهرون بالألسن في قلوبهم معتقدون، على عمى منهم وجهالة بما هم عليه من الضلالة لا يدرون أي الأمرين اللذين قد شرعا لهم فيه الهداية في الكفر الذي كانوا عليه قبل إرسال الله محمدا صلى الله عليه وسلم بما أرسله به إليهم، أم في الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربهم؟ فهم من وعيد الله إياهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وجلون، وهم مع وجلهم من ذلك في حقيقته شاكون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا. كمثل غيث سرى ليلا في مزنة ظلماء وليلة مظلمة يحدوها رعد ويستطير في حافاتها برق شديد لمعانه كثير خطرانه، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه وينهبط منها تارات صواعق تكاد تدع النفوس من شدة أهوالها زواهق. فالصيب مثل لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق، والظلمات التي هي فيه لظلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلوب. وأما الرعد والصواعق فلما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في آي كتابه، إما في العاجل وإما في الآجل، أي يحل بهم مع شكهم في ذلك: هل هو كائن، أم غير كائن، وهل له حقيقة أم ذلك كذب وباطل؟ مثل. فهم من وجلهم أن يكون ذلك حقا يتقونه بالإقرار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم مخافة على أنفسهم من الهلاك ونزول النقمات.

Section V01/P374–V01/P376

وذلك تأويل قوله جل ثناؤه: {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت} [البقرة: 19] يعني بذلك يتقون وعيد الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقي الخائف أصوات الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها حذرا على نفسه منها. وقد ذكرنا الخبر الذي روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقولان: إن المنافقين كانوا إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء فيقتلوا. فإن كان ذلك صريحا، ولست أعلمه صحيحا، إذ كنت بإسناده مرتابا؛ فإن القول الذي روي عنهما هو القول وإن يكن غير صحيح، فأولى بتأويل الآية ما قلنا؛ لأن الله إنما قص علينا من خبرهم في أول مبتدأ قصصهم أنهم يخادعون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم آمنا بالله وباليوم الآخر مع شك قلوبهم ومرض أفئدتهم في حقيقة ما زعموا أنهم به مؤمنون مما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربهم، وبذلك وصفهم في جميع آي القرآن التي ذكر فيها صفتهم. فكذلك ذلك في هذه الآية. 01P376 وإنما جعل الله إدخالهم أصابعهم في آذانهم مثلا لاتقائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما ذكرنا أنهم يتقونهم به كما يتقي سامع صوت الصاعقة بإدخال أصابعه في أذنيه. وذلك من المثل نظير تمثيل الله جل ثناؤه ما أنزل فيهم من الوعيد في آي كتابه بأصوات الصواعق، وكذلك قوله: {حذر الموت} [البقرة: 19] جعله جل ثناؤه مثلا لخوفهم وإشفاقهم من حلول عاجل العقاب المهلك الذي توعده بساحتهم، كما يجعل سامع أصوات الصواعق أصابعه في أذنيه حذر العطب والموت على نفسه أن تزهق من شدتها. وإنما نصب قوله: {حذر الموت} [البقرة: 19] على نحو ما تنصب به التكرمة في قولك: زرتك تكرمة لك، تريد بذلك: من أجل تكرمتك، وكما قال جل ثناؤه: {ويدعوننا رغبا ورهبا} [الأنبياء: 90] على التفسير للفعل وقد روي عن قتادة: " أنه كان يتأول قوله: {حذر الموت} [البقرة: 19] حذرا من الموت " حدثنا بذلك الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عنه وذلك مذهب من التأويل ضعيف لأن القوم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حذرا من الموت فيكون معناه ما قال إنه مراد به حذرا من الموت، وإنما جعلوها من حذار الموت في آذانهم. وكان قتادة وابن جريج يتأولان قوله: {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت} [البقرة: 19] أن ذلك من الله جل ثناؤه صفة للمنافقين بالهلع، وضعف القلوب، وكراهة الموت، ويتأولان في ذلك قوله: {يحسبون كل صيحة عليهم} [المنافقون: 4] وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالا، وذلك أنه قد كان فيهم من لا تنكر شجاعته ولا تدفع بسالته كقزمان الذي لم يقم مقامه أحد من المؤمنين بأحد أو دونه. وإنما كانت كراهتهم شهود المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم معاونته على أعدائه؛ لأنهم لم يكونوا في أديانهم مستبصرين ولا برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقين، فكانوا للحضور معه مشاهده كارهين، إلا بالتخذيل عنه. ولكن ذلك وصف من الله جل ثناؤه لهم بالإشفاق من حلول عقوبة الله بهم على نفاقهم، إما عاجلا، وإما آجلا.

Section V01/P376–V01/P380

ثم أخبر جل ثناؤه أن المنافقين الذين نعتهم النعت الذي ذكر وضرب لهم الأمثال التي وصف وإن اتقوا عقابه وأشفقوا عذابه إشفاق الجاعل في أذنيه أصابعه حذار حلول الوعيد الذي توعدهم به في آي كتابه، غير منجيهم ذلك من نزوله بعقوتهم وحلوله بساحتهم، إما عاجلا في الدنيا، وإما آجلا في الآخرة، للذي في قلوبهم من مرضها والشك في اعتقادها، فقال: {والله محيط بالكافرين} [البقرة: 19] بمعنى جامعهم فمحل بهم عقوبته وكان مجاهد يتأول ذلك كما حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد " في قول الله: {والله محيط بالكافرين} [البقرة: 19] قال: جامعهم في جهنم " وأما ابن عباس فروي عنه في ذلك ما حدثني به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {والله محيط بالكافرين} [البقرة: 19] يقول: الله منزل ذلك بهم من النقمة " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد " في قوله: " {والله محيط بالكافرين} [البقرة: 19] قال: جامعهم " ثم عاد جل ذكره إلى نعت إقرار المنافقين بألسنتهم، والخبر عنه وعنهم وعن نفاقهم، وإتمام المثل الذي ابتدأ ضربه لهم ولشكهم ومرض قلوبهم، فقال: {يكاد البرق} [البقرة: 20] يعني بالبرق: الإقرار الذي أظهروه بألسنتهم بالله وبرسوله وما جاء به 01P379 من عند ربهم، فجعل البرق له مثلا على ما قدمنا صفته. {يخطف أبصارهم} [البقرة: 20] يعني: يذهب بها ويستلبها ويلتمعها من شدة ضيائه ونور شعاعه كما حدثت عن المنجاب بن الحارث ، قال: حدثنا بشر بن عمار، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: " {يكاد البرق يخطف أبصارهم} [البقرة: 20] قال: يلتمع أبصارهم ولما يفعل " قال أبو جعفر: والخطف: السلب ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن الخطفة. يعني بها النهبة؛ ومنه قيل للخطاف الذي يخرج به الدلو من البئر خطاف لاختطافه واستلابه ما علق به. ومنه قول نابغة بني ذبيان 01P380 [+البحر الطويل] خطاطيف حجن في حبال متينة تمد بها أيد إليك نوازع فجعل ضوء البرق وشدة شعاع نوره كضوء إقرارهم بألسنتهم وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشعاع نوره، مثلا ثم قال تعالى ذكره {كلما أضاء لهم} [البقرة: 20] يعني أن البرق كلما أضاء لهم، وجعل البرق لإيمانهم مثلا. وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمان وإضاءتهم لهم أن يروا فيه ما يعجبهم في عاجل دنياهم من النصرة على الأعداء، وإصابة الغنائم في المغازي، وكثرة الفتوح، ومنافعها، والثراء في الأموال، والسلامة في الأبدان والأهل والأولاد، فذلك إضاءته لهم؛ لأنهم إنما يظهرون بألسنتهم ما يظهرونه من الإقرار ابتغاء ذلك، ومدافعة عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم، وهم كما وصفهم الله جل ثناؤه بقوله: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه} [الحج: 11] ويعني بقوله: {مشوا فيه} [البقرة: 20] مشوا في ضوء البرق. وإنما ذلك مثل لإقرارهم على ما وصفنا. فمعناه: كلما رأوا في الإيمان ما يعجبهم في عاجل دنياهم على ما وصفنا، ثبتوا عليه وأقاموا فيه، كما يمشي السائر في ظلمة الليل وظلمة الصيب الذي وصفه جل ثناؤه، إذا برقت فيها بارقة أبصر طريقه فيها {وإذا أظلم} [البقرة: 20] يعني ذهب ضوء البرق عنهم ويعني بقوله: {عليهم } [الفاتحة: 7] على السائرين في الصيب الذي وصف جل ذكره، وذلك للمنافقين مثل.

Section V01/P380

ومعنى إظلام ذلك: أن المنافقين كلما لم يروا في الإسلام ما يعجبهم في دنياهم عند ابتلاء الله مؤمني عباده بالضراء وتمحيصه إياهم بالشدائد والبلاء من إخفاقهم في مغزاهم وإنالة عدوهم منهم، أو إدبار من دنياهم عنهم؛ أقاموا على نفاقهم وثبتوا على ضلالتهم كما قام السائر في الصيب الذي وصف جل ذكره إذا أظلم وخفت ضوء البرق، فحار في طريقه فلم يعرف منهجه.

Section V01/P380–V01/P381

[البقرة: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} [البقرة: 20] قال أبو جعفر: وإنما خص جل ذكره السمع والأبصار بأنه لو شاء أذهبها من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامهم للذي جرى من ذكرها في الآيتين، أعني قوله: {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق} [البقرة: 19] وقوله: {يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه} [البقرة: 20] فجرى ذكرها في الآيتين على وجه المثل. ثم عقب جل ثناؤه ذكر ذلك بأنه لو شاء أذهبه من المنافقين عقوبة لهم على نفاقهم وكفرهم، وعيدا من الله لهم، كما توعدهم في الآية التي قبلها بقوله: {والله محيط بالكافرين} [البقرة: 19] واصفا بذلك جل ذكره نفسه أنه المقتدر عليهم وعلى جمعهم، لإحلال سخطه بهم، وإنزال نقمته عليهم، ومحذرهم بذلك سطوته، ومخوفهم به عقوبته، ليتقوا بأسه، ويسارعوا إليه بالتوبة كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن 01P382 أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} [البقرة: 20] لما تركوا من الحق بعد معرفته " وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: " ثم قال، يعني قال الله، في أسماعهم يعني أسماع المنافقين وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس: {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} [البقرة: 20] " قال أبو جعفر: وإنما معنى قوله: {لذهب بسمعهم وأبصارهم} [البقرة: 20] لأذهب سمعهم وأبصارهم، ولكن العرب إذا أدخلوا الباء في مثل ذلك قالوا: ذهبت ببصره، وإذا حذفوا الباء قالوا: أذهبت بصره، كما قال جل ثناؤه: {آتنا غداءنا} [الكهف: 62] ولو أدخلت الباء في الغداء لقيل: ائتنا بغدائنا قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: {لذهب بسمعهم } [البقرة: 20] فوحد، وقال: {وأبصارهم} [البقرة: 20] فجمع؟ وقد علمت أن الخبر في السمع خبر عن سمع جماعة، كما الخبر في الأبصار خبر عن أبصار جماعة؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي الكوفة: وحد السمع لأنه عنى به المصدر وقصد به الخرق، وجمع الأبصار لأنه عنى به الأعين. 01P383 وكان بعض نحويي البصرة يزعم أن السمع وإن كان في لفظ واحد فإنه بمعنى جماعة، ويحتج في ذلك بقول الله: {لا يرتد إليهم طرفهم} [إبراهيم: 43] يريد لا ترتد إليهم أطرافهم، وبقوله: {ويولون الدبر} [القمر: 45] يراد به أدبارهم. وإنما جاز ذلك عندي لأن في الكلام ما يدل على أنه مراد به الجمع، فكان فيه دلالة على المراد منه، وأداء معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة مغنيا عن جماعة، ولو فعل بالبصر نظير الذي فعل بالسمع، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار من الجمع والتوحيد، كان فصيحا صحيحا لما ذكرنا من العلة؛ كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زماننا زمن خميص فوحد البطن، والمراد منه البطون لما وصفنا من العلة 01P382 [البقرة: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] قال أبو جعفر: وإنما وصف الله نفسه جل ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ثم قال: فاتقوني أيها المنافقون واحذروا خداعي وخداع رسولي وأهل الإيمان بي لا أحل بكم نقمتي فإني على ذلك وعلى غيره من الأشياء قدير. ومعنى قدير: قادر، كما معنى عليم: عالم، على ما وصفت فيما تقدم من نظائره من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذم 01P384

Section V01/P381–V01/P384

[البقرة: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 21] قال أبو جعفر: فأمر جل ثناؤه الفريقين اللذين أخبر الله عن أحدهما أنه سواء عليهم أأنذروا أم لم ينذروا أنهم لا يؤمنون، لطبعه على قلوبهم، وعلى سمعهم وأبصارهم، وعن الآخر أنه يخادع الله والذين آمنوا بما يبدي بلسانه من قلبه: آمنا بالله واليوم الآخر، مع استبطانه خلاف ذلك، ومرض قلبه، وشكه في حقيقة ما يبدي من ذلك؛ وغيرهم من سائر خلقه المكلفين، بالاستكانة والخضوع له بالطاعة، وإفراد الربوبية له، والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة؛ لأن جل ذكره هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم، فقال لهم جل ذكره: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادكم وسائر الخلق غيركم وهو يقدر على ضركم ونفعكم أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نفع ولا ضر. وكان ابن عباس فيما روي لنا عنه يقول في ذلك نظير ما قلنا فيه، غير أنه ذكر عنه أنه كان يقول في معنى: {اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] وحدوا ربكم. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى العبادة الخضوع لله بالطاعة والتذلل له بالاستكانة. والذي أراد ابن عباس إن شاء الله بقوله في تأويل قوله: {اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] وحدوه: أي أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " قال الله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين، أي وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم " وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {يا أيها الناس 01P386 اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21] يقول: خلقكم وخلق الذين من قبلكم " قال أبو جعفر: وهذه الآية من أدل دليل على فساد قول من زعم أن تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله غير جائز إلا بعد إعطاء الله المكلف المعونة على ما كلفه. وذلك أن الله أمر من وصفنا بعبادته والتوبة من كفره، بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لا يرجعون 01P385 [البقرة: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {لعلكم تتقون} [البقرة: 21] قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: لعلكم تتقون بعبادتكم ربكم الذي خلقكم، وطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكم له العبادة، لتتقوا سخطه وغضبه أن يحل عليكم، وتكونوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم. وكان مجاهد يقول في تأويل قوله: {لعلكم تتقون} [البقرة: 21] تطيعون حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {لعلكم تتقون} [البقرة: 21] قال: لعلكم تطيعون " قال أبو جعفر: والذي أظن أن مجاهدا أراد بقوله هذا: لعلكم أن تتقوا ربكم بطاعتكم إياه 01P387 وإقلاعكم عن ضلالتكم. قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فكيف قال جل ثناؤه: {لعلكم تتقون} [البقرة: 21] أولم يكن عالما بما يصير إليه أمرهم إذا هم عبدوه وأطاعوه، حتى قال لهم: لعلكم إذا فعلتم ذلك أن تتقوا، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج الشك؟ قيل له: ذلك على غير المعنى الذي توهمت، وإنما معنى ذلك: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21] ، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمح سراب في الفلا متألق يريد بذلك: قلتم لنا كفوا لنكف. وذلك أن لعل في هذا الموضع لو كان شكا لم يكونوا وثقوا لهم كل موثق 01P386

Section V01/P384–V01/P388

[البقرة: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] وقوله: {الذي جعل لكم الأرض فراشا} [البقرة: 22] مردود على الذي الأولى في قوله: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم} [البقرة: 21] وهما جميعا من نعت {ربكم} [البقرة: 21] فكأنه قال: اعبدوا ربكم الخالقكم، والخالق الذين من قبلكم، الجاعل لكم الأرض فراشا. يعني بذلك أنه جعل لكم الأرض مهادا وموطئا وقرارا يستقر عليها. يذكر ربنا جل ذكره بذلك من قيله زيادة نعمه عندهم وآلائه لديهم، 01P388 ليذكروا أياديه عندهم فينيبوا إلى طاعته، تعطفا منه بذلك عليهم، ورأفة منه بهم، ورحمة لهم، من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم، ولكن ليتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون كما حدثني موسى بن هارون، قال، حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {الذي جعل لكم الأرض فراشا} [البقرة: 22] فهي فراش يمشي عليها، وهي المهاد والقرار " وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: " {الذي جعل لكم الأرض فراشا} [البقرة: 22] قال: مهادا لكم " وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " {الذي جعل لكم الأرض فراشا} [البقرة: 22] أي مهادا " 01P388 [البقرة: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {والسماء بناء} [البقرة: 22] قال أبو جعفر: وإنما سميت السماء سماء لعلوها على الأرض وعلى سكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لما تحته سماء. ولذلك قيل لسقف 01P389 البيت سماؤه، لأنه فوقه مرتفع عليه ولذلك قيل: سما فلان لفلان: إذا أشرف له وقصد نحوه عاليا عليه، كما قال الفرزدق: [+البحر الطويل] سمونا لنجران اليماني وأهله ونجران أرض لم تديث مقاوله وكما قال نابغة بني ذبيان: [+البحر الوافر] سمت لي نظرة فرأيت منها تحيت الخدر واضعة القرام يريد بذلك: أشرفت لي نظرة وبدت، فكذلك السماء: سميت للأرض سماء لعلوها وإشرافها عليها كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {والسماء بناء} [البقرة: 22] ، فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض " وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: " في قول الله {والسماء بناء} [البقرة: 22] قال: جعل السماء سقفا لك " وإنما ذكر السماء والأرض جل ثناؤه فيما عدد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوام دنياهم، فأعلمهم أن الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم هو المستحق عليهم الطاعة والمستوجب منهم الشكر والعبادة دون الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع 01P390 [البقرة: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} [البقرة: 22] يعني بذلك أنه أنزل من السماء مطرا، فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغرسهم ثمرات رزقا لهم غذاء وأقواتا. فنبههم بذلك على قدرته وسلطانه، وذكرهم به آلاءه لديهم، وأنه هو الذي خلقهم وهو الذي يرزقهم ويكفلهم دون من جعلوه له ندا وعدلا من الأوثان والآلهة، ثم زجرهم عن أن يجعلوا له ندا مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم، وأنه لا ند له ولا عدل، ولا لهم نافع ولا ضار ولا خالق ولا رازق سواه 01P390

Section V01/P388–V01/P394

[البقرة: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا} [البقرة: 22] قال أبو جعفر: والأنداد، جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان بن 01P391 ثابت: [+البحر الوافر] أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفداء يعني بقوله: ولست له بند: لست له بمثل ولا عدل. وكل شيء كان نظير الشيء وشبيها فهو له ند كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: " {فلا تجعلوا لله أندادا} [البقرة: 22] أي عدلاء " وحدثني المثنى، قال: حدثني أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فلا تجعلوا لله أندادا} [البقرة: 22] أي عدلاء " وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي، عن خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {فلا تجعلوا لله أندادا} [البقرة: 22] قال: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله " وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد " في 01P392 قول الله: {فلا تجعلوا لله أندادا} [البقرة: 22] قال: الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه وجعلوا لها مثل ما جعلوا له " وحدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، " في قوله: {فلا تجعلوا لله أندادا} [البقرة: 22] قال: أشباها " حدثني محمد بن سنان، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة: " {فلا تجعلوا لله أندادا} [البقرة: 22] أي تقولوا: لولا كلبنا لدخل علينا اللص الدار، لولا كلبنا صاح في الدار ونحو ذلك " فنهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئا وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له ندا وعدلا في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتي التي أنعمتها عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكا وندا من خلقي، فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم مني 01P392 [البقرة: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها جميع المشركين، من مشركي العرب وأهل الكتاب 01P393 وقال بعضهم: عني بذلك أهل الكتابين: التوراة، والإنجيل. ذكر من قال: عني بها جميع عبدة الأوثان من العرب وكفار أهل الكتابين حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " نزل ذلك في الفريقين جميعا من الكفار والمنافقين. وإنما عني بقوله: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه " حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: " {وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السموات والأرض، ثم تجعلون له أندادا " ذكر من قال: عني بذلك أهل الكتابين حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: " {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] أنه إله واحد في التوراة والإنجيل " 01P394 وحدثني المثنى بن إبراهيم قال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد مثله وحدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] ، يقول: وأنتم تعلمون أنه لا ند له في التوراة والإنجيل " قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي دعا مجاهدا إلى هذا التأويل، وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم، الظن منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانية ربها، وإشراكها معه في العبادة غيره. وإن ذلك لقول، ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها أنها كانت تقر بوحدانية، غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جل ثناؤه: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: 87] ، وقال: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} [يونس: 31] . فالذي هو أولى بتأويل قوله: {وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله، وأنه مبدع الخلق وخالقهم ورازقهم، نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين. ولم يكن في الآية دلالة على أن الله جل ثناؤه عنى بقوله: {وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] أحد الحزبين، بل مخرج الخطاب بذلك عام للناس كافة لهم، لأنه تحدى الناس كلهم بقوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] أن يكون تأويله ما قاله ابن عباس وقتادة، من أنه يعني بذلك كل مكلف عالم بوحدانية الله، وأنه لا شريك له في خلقه يشرك معه في عبادته غيره، كائنا من كان من الناس، عربيا كان أو أعجميا، كاتبا أو أميا، وإن كان الخطاب لكفار أهل الكتاب الذين كانوا حوالي دار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل النفاق منهم وممن بين ظهرانيهم ممن كان مشركا فانتقل إلى النفاق بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم 01P395

Section V01/P394–V01/P395

[البقرة: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] قال أبو جعفر: وهذا من الله عز وجل احتجاج لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي قومه من العرب ومنافقيهم وكفار أهل الكتاب وضلالهم الذين افتتح بقصصهم قوله جل ثناؤه: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} [البقرة: 6] وإياهم يخاطب بهذه الآيات، وضرباءهم يعني بها، قال الله جل ثناؤه: وإن كنتم أيها المشركون من العرب والكفار من أهل الكتابين في شك، وهو الريب، مما نزلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم من النور والبرهان وآيات الفرقان أنه من عندي، وأني الذي أنزلته إليه، فلم تؤمنوا به ولم تصدقوه فيما يقول، فأتوا بحجة تدفع حجته؛ لأنكم تعلمون أن حجة كل ذي نبوة على صدقه في دعواه النبوة أن يأتي ببرهان يعجز عن أن يأتي بمثله جميع الخلق، ومن حجة محمد صلى الله عليه وسلم على صدقه وبرهانه على نبوته، وأن ما جاء به من عندي، عجز جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم عن أن تأتوا بسورة من مثله. وإذا عجزتم عن ذلك، وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة والدراية، فقد علمتم أن غيركم عما عجزتم عنه من ذلك أعجز. كما كان برهان من سلف من رسلي وأنبيائي على صدقه وحجته على نبوته من الآيات ما يعجز عن الإتيان بمثله جميع خلقي. فيتقرر حينئذ عندكم أن محمدا لم يتقوله ولم يختلقه، لأن ذلك لو كان منه اختلافا وتقولا لم يعجزوا وجميع خلقه عن الإتيان بمثله، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يعد أن يكون بشرا مثلكم، وفي مثل حالكم في الجسم وبسطة الخلق وذرابة اللسان، فيمكن أن يظن به اقتدار على ما عجزتم عنه، أو يتوهم منكم عجز عما اقتدر عليه ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23] فحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: " {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23] يعني من مثل هذا القرآن حقا وصدقا لا باطل فيه ولا كذب " وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 01P397 قتادة، " في قوله: {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23] يقول: بسورة مثل هذا القرآن " وحدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23] مثل القرآن " وحدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23] قال: مثله، مثل القرآن " فمعنى قول مجاهد وقتادة اللذين ذكرنا عنهما، أن الله جل ذكره قال لمن حاجه في نبيه صلى الله عليه وسلم من الكفار: فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم أيتها العرب، كما أتى به محمد بلغاتكم ومعاني منطقكم. وقد قال قوم آخرون: إن معنى قوله: {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23] من مثل محمد من البشر، لأن محمدا بشر مثلكم. قال أبو جعفر: والتأويل الأول الذي قاله مجاهد وقتادة هو التأويل الصحيح؛ لأن الله جل ثناؤه قال في سورة أخرى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله 01P398 } [يونس: 38] ومعلوم أن السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه، فيجوز أن يقال: فأتوا بسورة مثل محمد. فإن قال قائل: إنك ذكرت أن الله عنى بقوله: {فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23] من مثل هذا القرآن، فهل للقرآن من مثل فيقال: ائتوا بسورة من مثله؟

Section V01/P395

قيل: إنه لم يعن به: ائتوا بسورة من مثله في التأليف والمعاني التي باين بها سائر الكلام غيره، وإنما عنى: ائتوا بسورة من مثله في البيان؛ لأن القرآن أنزله الله بلسان عربي، فكلام العرب لا شك له مثل في معنى العربية؛ فأما في المعنى الذي باين به القرآن سائر كلام المخلوقين، فلا مثل له من ذلك الوجه ولا نظير ولا شبيه. وإنما احتج الله جل ثناؤه عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم بما احتج به له عليهم من القرآن، إذ ظهر القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله في البيان، إذ كان القرآن بيانا مثل بيانهم، وكلاما نزل بلسانهم، فقال لهم جل ثناؤه: وإن كنتم في ريب من أن ما أنزلت على عبدي من القرآن من عندي، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثله في العربية، إذ كنتم عربا، وهو بيان نظير بيانكم، وكلام شبيه كلامكم. فلم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظير اللسان الذي نزل به القرآن، فيقدروا أن يقولوا: كلفتنا ما لو أحسناه أتينا به، وإنا لا نقدر على الإتيان به، لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتيان به، فليس لك علينا حجة بهذا؛ لأنا وإن عجزنا عن أن نأتي بمثله من غير ألسنتنا لأنا لسنا بأهله، ففي الناس خلق كثير من غير أهل لساننا يقدر على أن يأتي بمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتيان به ولكنه جل ثناؤه قال لهم: ائتوا بسورة مثله، لأن مثله من الألسن ألسنتكم، 01P399 وأنتم إن كان محمد اختلقه وافتراه، إذا اجتمعتم وتظاهرتم على الإتيان بمثل سورة منه من لسانكم وبيانكم، أقدر على اختلاقه ووضعه وتأليفه من محمد صلى الله عليه وسلم، وإن لم تكونوا أقدر عليه منه فلن تعجزوا وأنتم جميع عما قدر عليه محمد من ذلك وهو وحده، إن كنتم صادقين في دعواكم وزعمكم أن محمدا افتراه واختلقه وأنه من عند غيري. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] فقال ابن عباس بما حدثنا به، محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو عن سعيد، عن ابن عباس: " {وادعوا شهداءكم من دون الله} [البقرة: 23] يعني أعوانكم على ما أنتم عليه {إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] " وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وادعوا شهداءكم} [البقرة: 23] ناس يشهدون " 01P400 وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، قال: «قوم يشهدون لكم» وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {وادعوا شهداءكم} [البقرة: 23] قال: ناس يشهدون " قال ابن جريج: «شهداءكم عليها إذا أتيتم بها أنها مثله مثل القرآن» وذلك قول الله لمن شك من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وادعوا} [البقرة: 23] يعني استنصروا واستعينوا. كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] فلما التقت فرساننا ورجالهم دعوا يا لكعب واعتزينا لعامر يعني بقوله: دعوا يا لكعب: استنصروا كعبا واستعانوا بهم وأما الشهداء فإنها جمع شهيد، كالشركاء جمع شريك، والخطباء جمع خطيب. والشهيد يسمى به الشاهد على الشيء لغيره بما يحقق دعواه، وقد يسمى به المشاهد للشيء كما يقال فلان جليس فلان، يعني به مجالسه، ونديمه يعني به منادمه، وكذلك يقال: شهيده يعني به مشاهده.

Section V01/P395–V01/P401

فإذا كانت الشهداء محتملة أن تكون جمع الشهيد الذي هو منصرف للمعنيين اللذين وصفت، فأولى وجهيه بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن يكون معناه: واستنصروا على أن تأتوا بسورة من مثله أعوانكم وشهداءكم الذين يشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم إن كنتم محقين في جحودكم أن ما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم اختلاق وافتراء، لتمتحنوا أنفسكم وغيركم: هل تقدرون على أن تأتوا بسورة من مثله فيقدر محمد على أن يأتي بجميعه من قبل نفسه اختلاقا؟ وأما ما قاله مجاهد وابن جريج في تأويل ذلك فلا وجه له؛ لأن القوم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافا ثلاثة: أهل إيمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهل نفاق بين ذلك. فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين، فكان من المحال أن يدعي الكفار أن لهم شهداء، على حقيقة ما كانوا يأتون به لو أتوا باختلاق من الرسالة، ثم ادعوا أنه للقرآن نظير، من المؤمنين. فأما أهل النفاق والكفر فلا شك أنهم لو دعوا إلى تحقيق الباطل وإبطال الحق لسارعوا إليه مع كفرهم وضلالهم، فمن أي الفريقين كانت تكون شهداؤكم لو ادعوا أنهم قد أتوا بسورة من مثل القرآن؟ ولكن ذلك كما قال جل ثناؤه: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] فأخبر جل ثناؤه في هذه الآية أن مثل القرآن لا يأتي به الجن والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان به؛ وتحداهم بمعنى التوبيخ لهم في سورة البقرة، فقال تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] يعني بذلك: إن كنتم في شك في صدق محمد فيما جاءكم به من عندي أنه من عندي، فأتوا بسورة من مثله، وليستنصر بعضكم بعضا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم؛ حتى تعلموا أنكم إذا عجزتم عن ذلك أنه لا يقدر على أن يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم ولا من البشر أحد، ويصح عندكم أنه تنزيلي ووحيي إلى عبدي 01P402

Section V01/P401

[البقرة: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} [البقرة: 24] قال أبو جعفر: يعني تعالى بقوله: {فإن لم تفعلوا} [البقرة: 24] إن لم تأتوا بسورة من مثله، وقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم عليه وأعوانكم فتبين لكم بامتحانكم واختباركم عجزكم وعجز جميع خلقي عنه، وعلمتم أنه من عندي، ثم أقمتم على التكذيب به. وقوله: {ولن تفعلوا} [البقرة: 24] أي لن تأتوا بسورة من مثله أبدا، قال ابن جريج: «شهداءكم عليها إذا أتيتم بها أنها مثله مثل القرآن» وذلك قول الله لمن شك من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وادعوا} [البقرة: 23] يعني استنصروا واستعينوا. كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] فلما التقت فرساننا ورجالهم دعوا يا لكعب واعتزينا لعامر يعني بقوله: دعوا يا لكعب: استنصروا كعبا واستعانوا بهم وأما الشهداء فإنها جمع شهيد، كالشركاء جمع شريك، والخطباء جمع خطيب. والشهيد يسمى به الشاهد على الشيء لغيره بما يحقق دعواه، وقد يسمى به المشاهد للشيء كما يقال فلان جليس فلان، يعني به مجالسه، ونديمه يعني به منادمه، وكذلك يقال: شهيده يعني به مشاهده. فإذا كانت الشهداء محتملة أن تكون جمع الشهيد الذي هو منصرف للمعنيين اللذين وصفت، فأولى وجهيه بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن يكون معناه: واستنصروا على أن تأتوا بسورة من مثله أعوانكم وشهداءكم الذين يشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم إن كنتم محقين في جحودكم أن ما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم اختلاق وافتراء، لتمتحنوا أنفسكم وغيركم: هل تقدرون على أن تأتوا بسورة من مثله فيقدر محمد على أن يأتي بجميعه من قبل نفسه اختلاقا؟ وأما ما قاله مجاهد وابن جريج في تأويل ذلك فلا وجه له؛ لأن القوم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافا ثلاثة: أهل إيمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهل نفاق بين ذلك. فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين، فكان من المحال أن يدعي الكفار أن لهم شهداء، على حقيقة ما كانوا يأتون به لو أتوا باختلاق من الرسالة، ثم ادعوا أنه للقرآن نظير، من المؤمنين. فأما أهل النفاق والكفر فلا شك أنهم لو دعوا إلى تحقيق الباطل وإبطال الحق لسارعوا إليه مع كفرهم وضلالهم، فمن أي الفريقين كانت تكون شهداؤكم لو ادعوا أنهم قد أتوا بسورة من مثل القرآن؟ ولكن ذلك كما قال جل ثناؤه: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء : 88] فأخبر جل ثناؤه في هذه الآية أن مثل القرآن لا يأتي به الجن والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان به؛ وتحداهم بمعنى التوبيخ لهم في سورة البقرة، فقال تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] يعني بذلك: إن كنتم في شك في صدق محمد فيما جاءكم به من عندي أنه من عندي، فأتوا بسورة من مثله، وليستنصر بعضكم بعضا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم؛ حتى تعلموا أنكم إذا عجزتم عن ذلك أنه لا يقدر على أن يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم ولا من البشر أحد، ويصح عندكم أنه تنزيلي ووحيي إلى عبدي. وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} [البقرة: 24] فقد بين لكم الحق " 01P402

Section V01/P401–V01/P405

[البقرة: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة} [البقرة: 24] قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: {فاتقوا النار} [البقرة: 24] يقول: فاتقوا أن تصلوا النار بتكذيبكم رسولي بما جاءكم به من عندي أنه من وحيي وتنزيلي، بعد تبينكم أنه كتابي ومن عندي، وقيام الحجة عليكم بأنه كلامي ووحيي، بعجزكم وعجز جميع خلقي عن أن يأتوا بمثله. ثم وصف جل ثناؤه النار التي حذرهم صليها، فأخبرهم أن الناس وقودها، وأن الحجارة وقودها، فقال: {التي وقودها الناس والحجارة} [البقرة: 24] يعني بقوله وقودها: حطبها، والعرب تجعله مصدرا، وهو اسم إذا فتحت الواو بمنزلة الحطب، فإذا ضمت الواو من الوقود كان مصدرا من قول القائل: وقدت النار فهي تقد وقودا وقدة ووقدانا ووقدا، يراد بذلك أنها التهبت فإن قال قائل: وكيف خصت الحجارة فقرنت بالناس حتى جعلت لنار جهنم حطبا؟ قيل: إنها حجارة الكبريت، وهي أشد الحجارة فيما بلغنا حرا إذا أحميت كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، في قوله: " {وقودها الناس والحجارة} [البقرة: 24] قال: هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين " وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عيينة، عن مسعر، عن عبد الملك الزراد، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود، في قوله: " {وقودها الناس والحجارة} [البقرة: 24] قال: حجارة الكبريت جعلها الله كما شاء " وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة} [البقرة: 24] أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار " وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، " في قوله: {وقودها الناس والحجارة} [البقرة: 24] قال: حجارة من كبريت أسود في النار. قال: وقال لي عمرو بن دينار: حجارة أصلب من هذه وأعظم " حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، قال: «حجارة من الكبريت خلقها الله عنده كيف شاء وكما شاء» 01P404 [البقرة: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {أعدت للكافرين} [البقرة: 24] قد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن الكافر في كلام العرب هو الساتر شيئا بغطاء، وأن الله جل ثناؤه إنما سمى الكافر كافرا لجحوده آلاءه عنده، وتغطيته نعماءه قبله فمعنى قوله إذا: {أعدت للكافرين} [البقرة: 24] أعدت النار للجاحدين أن الله ربهم المتوحد بخلقهم وخلق الذين من قبلهم، الذي جعل لهم الأرض فراشا، والسماء بناء، وأنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات رزقا لهم، المشركين معه في عبادته الأنداد والآلهة، وهو المتفرد لهم بالإنشاء والمتوحد بالأقوات والأرزاق كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد، عن ابن عباس: " {أعدت للكافرين} [البقرة: 24] أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر " 01P405

Section V01/P405–V01/P406

[البقرة: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون} [البقرة: 25] أما قوله تعالى: {وبشر} [البقرة: 25] فإنه يعني: أخبرهم. والبشارة أصلها الخبر بما يسر المخبر به إذا كان سابقا به كل مخبر سواه. وهذا أمر من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ بشارته خلقه الذين آمنوا به وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند ربه، وصدقوا إيمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالحة، فقال له: يا محمد بشر من صدقك أنك رسولي وأن ما جئت به من الهدى والنور فمن عندي، وحقق تصديقه ذلك قولا بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتها عليه وأوجبتها في كتابي على لسانك عليه، أن له جنات تجري من تحتها الأنهار خاصة، دون من كذب بك وأنكر ما جئت به من الهدى من عندي وعاندك، ودون من أظهر تصديقك وأقر بأن ما جئته به فمن عندي قولا، وجحده اعتقادا ولم يحققه عملا. فإن لأولئك النار التي وقودها الناس والحجارة معدة عندي. والجنات جمع جنة، والجنة: البستان. وإنما عنى جل ذكره بذكر الجنة ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها دون أرضها، فلذلك قال عز ذكره: {تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] لأنه معلوم أنه إنما أراد جل ثناؤه الخبر عن ماء أنهارها أنه جار تحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جار تحت أرضها؛ لأن الماء إذا كان جاريا تحت الأرض، فلا حظ فيها لعيون من فوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه. على أن الذي توصف به أنهار الجنة أنها جارية في غير أخاديد كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعي ، عن سفيان، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن مسروق، قال: «نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وماؤها يجري في غير أخدود» 01P407 وحدثنا مجاهد، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا مسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بنحوه وحدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت عمرو بن مرة يحدث عن أبي عبيدة، فذكر مثله قال: فقلت لأبي عبيدة: من حدثك، فغضب وقال: مسروق فإذا كان الأمر كذلك في أن أنهارها جارية في غير أخاديد، فلا شك أن الذي أريد بالجنات أشجار الجنات وغروسها وثمارها دون أرضها، إذ كانت أنهارها تجري فوق أرضها وتحت غروسها وأشجارها، على ما ذكره مسروق. وذلك أولى بصفة الجنة من أن تكون أنهارها جارية تحت أرضها. وإنما رغب الله جل ثناؤه بهذه الآية عباده في الإيمان وحضهم على عبادته، بما أخبرهم أنه أعده لأهل طاعته والإيمان به عنده، كما حذرهم في الآية التي قبلها بما أخبر من إعداده ما أعد لأهل الكفر به الجاعلين معه الآلهة والأنداد من عقابه عن إشراك غيره معه، والتعرض لعقوبته بركوب معصيته وترك طاعته 01P406

Section V01/P406–V01/P409

[البقرة: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] قال أبو جعفر: يعني بقوله: {كلما رزقوا منها} [البقرة: 25] من الجنات، والهاء راجعة 01P408 على الجنات، وإنما المعني أشجارها، فكأنه قال: كلما رزقوا من أشجار البساتين التي أعدها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته من ثمرة من ثمارها رزقا قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل. ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] فقال بعضهم: تأويل ذلك هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: " {هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] قال: إنهم أتوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا " حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قالوا: " {هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] : أي في الدنيا " وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قالوا: " {هذا الذي رزقنا من قبل 01P409 } [البقرة: 25] يقولون: ما أشبهه به " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قالوا: " {هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] في الدنيا، قال: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] يعرفونه " قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل تأويل ذلك: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا، لشدة مشابهة بعض ذلك في اللون والطعم بعضا. ومن علة قائل هذا القول أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله كما حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت عمرو بن مرة، يحدث عن أبي عبيدة، قال: " نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها مثل القلال، كلما نزعت منها ثمرة عادت مكانها أخرى. قالوا: فإنما اشتبهت عند أهل الجنة، لأن التي عادت نظيرة التي نزعت فأكلت 01P410 في كل معانيها. قالوا: ولذلك قال الله جل ثناؤه: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] لاشتباه جميعه في كل معانيه " وقال بعضهم: بل قالوا: {هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] لمشابهته الذي قبله في اللون وإن خالفه في الطعم ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم بن الحسين، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنا شيخ من المصيصة عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: " يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل، فيقول الملك: كل فاللون واحد والطعم مختلف " وهذا التأويل مذهب من تأول الآية. غير أنه يدفع صحته ظاهر التلاوة والذي يدل على صحته ظاهر الآية ويحقق صحته قول القائلين إن معنى ذلك: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا. وذلك أن الله جل ثناؤه قال: {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا} [البقرة: 25] فأخبر جل ثناؤه أن من قيل أهل الجنة كلما رزقوا من ثمر الجنة رزقا أن يقولوا: هذا الذي رزقنا من قبل. ولم يخصص بأن ذلك من قيلهم في بعض ذلك دون بعض. فإذ كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن 01P411 ذلك من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شك أن ذلك من قيلهم في أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها، الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة.

Section V01/P409

فإذ كان لا شك أن ذلك من قيلهم في أوله، كما هو من قيلهم في وسطه وما يتلوه، فمعلوم أنه محال أن يكون من قيلهم لأول رزق رزقوه من ثمار الجنة: {هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] هذا من ثمار الجنة. وكيف يجوز أن يقولوا لأول رزق رزقوه من ثمارها ولما يتقدمه عندهم غيره: هذا هو الذي رزقناه من قبل؛ إلا أن ينسبهم ذو غرة وضلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه، أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قيلهم لأول رزق رزقوه منها من ثمارها، فيدفع صحة ما أوجب الله صحته بقوله: {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا} [البقرة: 25] من غير نصب دلالة على أنه معني به حال من أحوال دون حال. فقد تبين بما بينا أن معنى الآية: كلما رزق الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة رزقا، قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا. فإن سألنا سائل فقال: وكيف قال القوم: {هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] والذي رزقوه من قبل قد عدم بأكلهم إياه؟ وكيف يجوز أن يقول أهل الجنة قولا لا حقيقة له؟ قيل: إن الأمر على غير ما ذهبت إليه في ذلك، وإنما معناه: هذا من النوع الذي رزقناه من قبل هذا من الثمار والرزق، كالرجل يقول لآخر: قد أعد لك فلان 01P412 من الطعام كذا وكذا من ألوان الطبيخ والشواء والحلوى، فيقول المقول له ذاك: هذا طعامي في منزلي. يعني بذلك أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعده له من الطعام هو طعامه، لأن أعيان ما أخبره صاحبه أنه قد أعده له هو طعامه. بل ذلك مما لا يجوز لسامع سمعه يقول ذلك أن يتوهم أنه أراده أو قصده؛ لأن ذلك خلاف مخرج كلام المتكلم؛ وإنما يوجه كلام كل متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه دون المجهول من معانيه. فكذلك ذلك في قوله: {قالوا هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] إذ كان ما كانوا رزقوه من قبل قد فني وعدم؛ فمعلوم أنهم عنوا بذلك هذا من النوع الذي رزقناه من قبل، ومن جنسه في السمات والألوان على ما قد بينا من القول في ذلك في كتابنا هذا 01P410

Section V01/P409–V01/P414

[البقرة: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] قال أبو جعفر: والهاء في قوله: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] عائدة على الرزق، فتأويله: وأتوا بالذي رزقوا من ثمارها متشابها وقد اختلف أهل التأويل في تأويل المتشابه في ذلك، فقال بعضهم: تشابهه أن كله خيار لا رذل فيه ذكر من قال ذلك حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا أبو عامر، عن الحسن " في قوله: {متشابها} [البقرة: 25] قال: خيارا كلها لا رذل فيها " وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء: قرأ الحسن آيات من البقرة، فأتى على هذه الآية: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] قال: ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه؟ وإن ذلك ليس فيه رذل " وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الحسن: " {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] قال: يشبه بعضه بعضا ليس فيه من رذل " حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: " {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] أي خيارا لا رذل فيه، وإن ثمار الدنيا ينقى منها ويرذل منها، وثمار الجنة خيار كله لا يرذل منه شيء " وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: «ثمر الدنيا منه ما يرذل ومنه نقاوة، وثمر الجنة نقاوة كله يشبه بعضه بعضا في الطيب ليس منه مرذول» وقال بعضهم: تشابهه في اللون وهو مختلف في الطعم ذكر من قال ذلك حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] في اللون والمرأى، وليس يشبه الطعم " حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] مثل الخيار " وحدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] لونه، مختلفا طعمه، مثل الخيار من القثاء " وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] يشبه بعضه بعضا ويختلف الطعم " وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " في قوله: {متشابها} [البقرة: 25] قال: مشتبها في 01P415 اللون ومختلفا في الطعم " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] مثل الخيار " وقال بعضهم: تشابه في اللون والطعم ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، قوله: " {متشابها} [البقرة: 25] قال: اللون والطعم " حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ويحيى بن سعيد: " {متشابها} [البقرة: 25] قالا: في اللون والطعم " وقال بعضهم: تشابهه تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا في اللون وإن اختلف طعومهما.

Section V01/P414–V01/P415

ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] قال: يشبه ثمر الدنيا غير أن ثمر الجنة أطيب " وحدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: قال حفص بن عمر، قال: 01P416 حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، " في قوله: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] قال: يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب " وقال بعضهم: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء ذكر من قال ذلك حدثني أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعي، ح وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قالا جميعا: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال أبو كريب في حديثه عن الأشجعي: «لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء» ، وقال ابن بشار في حديثه عن مؤمل قال: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء» حدثنا عباس بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: «ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء» وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد " في قوله: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] قال: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا، التفاح بالتفاح، والرمان بالرمان، قالوا في الجنة: {هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] في الدنيا {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم " 01P417 قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية، تأويل من قال: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] في اللون والمنظر، والطعم مختلف. يعني بذلك اشتباه ثمر الجنة وثمر الدنيا في المنظر واللون، مختلفا في الطعم والذوق؛ لما قدمنا من العلة في تأويل قوله: {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] وأن معناه: كلما رزقوا من الجنان من ثمرة من ثمارها رزقا قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك من أجل أنهم أتوا بما أتوا به من ذلك في الجنة متشابها، يعني بذلك تشابه ما أتوا به في الجنة منه والذي كانوا رزقوه في الدنيا في اللون والمرأى والمنظر وإن اختلفا في الطعم والذوق فتباينا، فلم يكن لشيء مما في الجنة من ذلك نظير في الدنيا. وقد دللنا على فساد قول من زعم أن معنى قوله: {قالوا هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] إنما هو قول من أهل الجنة في تشبيههم بعض ثمرات الجنة ببعض، وتلك الدلالة على فساد ذلك القول هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر عن المعنى الذي من أجله قال القوم: {هذا الذي رزقنا من قبل} [البقرة: 25] بقوله: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] ويسأل من أنكر ذلك فيزعم أنه غير جائز أن يكون شيء مما في الجنة نظير الشيء مما في الدنيا بوجه من الوجوه، فيقال له: أيجوز أن يكون أسماء ما في الجنة من ثمارها وأطعمتها وأشربتها نظائر أسماء ما في الدنيا منها؟ فإن أنكر ذلك خالف نص كتاب الله، لأن الله جل ثناؤه إنما عرف عباده في الدنيا ما هو عنده في الجنة بالأسماء التي يسمي بها ما في الدنيا من ذلك. 01P418 وإن قال: ذلك جائز، بل هو كذلك قيل: فما أنكرت أن يكون ألوان ما فيها من ذلك نظائر ألوان ما في الدنيا منه بمعنى البياض والحمرة والصفرة وسائر صنوف الألوان وإن تباينت فتفاضلت بفضل حسن المرآة والمنظر، فكان لما في الجنة من ذلك من البهاء والجمال وحسن المرآة والمنظر خلاف الذي لما في الدنيا منه كما كان جائزا ذلك في الأسماء مع اختلاف المسميات بالفضل في أجسامها؟

Section V01/P415–V01/P416

ثم يعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله وكان أبو موسى الأشعري يقول في ذلك بما حدثني به ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، وعبد الوهاب، ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن قسامة، عن الأشعري، قال: «إن الله لما أخرج آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة، وعلمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تغير وتلك لا تغير» وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله: {وأتوا به متشابها} [البقرة: 25] أنه متشابه في الفضل: أي كل واحد منه له من الفضل في نحوه مثل الذي للآخر في نحوه. : قال أبو جعفر: وليس هذا قولا نستجيز التشاغل بالدلالة على فساده لخروجه عن قول جميع علماء أهل التأويل، وحسب قول بخروجه عن قول أهل العلم دلالة على خطئه 01P418

Questions