Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V06/P201

" ثم قال: «أيها الناس من بعثناه على عمل فغل شيئا، جاء به يوم القيامة على عنقه يحمله، فاتقوا الله أن يأتي أحدكم يوم القيامة على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة تخور، أو شاة تثغو» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، وابن نمير، وعبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي حميد الساعدي، قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا 06P205 من الأزد، يقال له ابن الأتبية على صدقات بني سليم؛ فلما جاء قال: هذا لكم، وهذا هدية أهديت لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا يجلس أحدكم في بيته فتأتيه هديته؟ » ثم حمد الله وأنثى عليه، ثم قال: " أما بعد فإني أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله، فيقول أحدهم: هذا الذي لكم، وهذا هدية أهديت إلي أفلا يجلس في بيت أبيه أو بيت أمه فتأتيه هديته؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدكم من ذلك شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، فلا أعرفن ما جاء رجل يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تثغو " ثم رفع يده فقال: «ألا هل بلغت» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن أبي حميد، حدثه بمثل هذا الحديث، قال: «أفلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك؟ » ثم رفع يده حتى إني لأنظر إلى بياض إبطيه، ثم قال «اللهم بلغت» قال أبو حميد: بصر عيني، وسمع أذني حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن موسى بن جبير، حدثه أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري، حدثه أن عبد الله بن أنيس حدثه أنه، تذاكر هو 06P206 وعمر يوما الصدقة، فقال: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة: «من غل منها بعيرا أو شاة فإنه يحمله يوم القيامة» ؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة مصدقا، فقال: «إياك يا سعد أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء» قال: لا آخذه ولا أجيء به فأعفاه حدثنا أحمد بن المغيرة الحمصي أبو حميد، قال: ثنا الربيع بن روح، قال: ثنا ابن عياش، قال: ثنا عبيد الله بن عمر بن حفص، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعمل سعد بن عبادة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إياك يا سعد أن تجيء يوم القيامة تحمل على عنقك بعيرا له رغاء» فقال سعد: فإن فعلت يا رسول الله إن ذلك لكائن؟ قال: «نعم» ، قال سعد: قد علمت يا رسول الله أني أسأل فأعطي، فأعفني، فأعفاه " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيد بن حبان، قال: ثنا عبد الرحمن بن الحارث، قال: ثني جدي عبيد بن أبي عبيد، وكان أول مولود بالمدينة، قال: استعملت على صدقة دوس، فجاءني أبو هريرة في اليوم الذي خرجت فيه، فسلم، فخرجت إليه، فسلمت عليه، فقال: كيف أنت والبعير؟ كيف أنت والبقر؟ كيف أنت والغنم؟

Section V06/P201

ثم 06P207 قال: سمعت حبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أخذ بعيرا بغير حقه جاء به يوم القيامة له رغاء، ومن أخذ بقرة بغير حقها جاء بها يوم القيامة لها خوار، ومن أخذ شاة بغير حقها جاء بها يوم القيامة على عنقه لها ثغاء فإياك والبقر فإنها أحد قرونا وأشد أظلافا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثني محمد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن جده عبيد بن أبي عبيد، قال: استعملت على صدقة دوس؛ فلما قضيت العمل قدمت، فجاءني أبو هريرة فسلم علي، فقال: أخبرني كيف أنت والإبل؟ ثم ذكر نحو حديثه عن زيد، إلا أنه قال: «جاء به يوم القيامة على عنقه له رغاء» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا غنم مغنما، بعث مناديا: «ألا لا يغلن رجل مخيطا فما دونه، ألا لا يغلن رجل بعيرا فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلن رجل فرسا، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له حمحمة» 06P207

Section V06/P201–V06/P209

[آل عمران: 161] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا 06P208 يظلمون} [آل عمران: 161] يعني بذلك جل ثناؤه: {ثم توفى كل نفس} [البقرة: 281] ثم تعطى كل نفس جزاء ما كسبت بكسبها وافيا غير منقوص ما استحقه واستوجبه من ذلك: {وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] يقول: لا يفعل بهم إلا الذي ينبغي أن يفعل بهم من غير أن يعتدي عليهم، فينقصوا عما استحقوه كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] «ثم يجزى بكسبه غير مظلوم ولا معتدى عليه» 06P208 [آل عمران: 162] القول في تأويل قوله تعالى: {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} [آل عمران: 162] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كمن باء بسخط من الله بغلوله ما غل ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن طريف، عن الضحاك، في قوله: {أفمن اتبع رضوان الله} [آل عمران: 162] قال: «من لم يغل» {كمن باء بسخط من الله} [آل عمران: 162] «كمن غل» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني سفيان بن عيينة، عن مطرف بن مطرف، عن الضحاك، قوله: {أفمن اتبع رضوان الله} [آل عمران: 162] قال: «من أدى الخمس» {كمن باء بسخط من الله} [آل عمران: 162] «فاستوجب سخطا من الله» وقال آخرون في ذلك بما: حدثني به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {أفمن اتبع رضوان الله} [آل عمران: 162] على ما أحب الناس وسخطوا {كمن باء بسخط من الله} [آل عمران: 162] " لرضا الناس وسخطهم؟ يقول: أفمن كان على طاعتي، فثوابه الجنة ورضوان من ربه، كمن باء بسخط من الله، فاستوجب غضبه، وكان مأواه جهنم وبئس المصير؟ أسواء المثلان؟ أي فاعرفوا " وأولى التأويلين بتأويل الآية عندي قول الضحاك بن مزاحم؛ لأن ذلك عقيب وعيد الله على الغلول ونهيه عباده عنه، ثم قال لهم بعد نهيه عن ذلك ووعيده، أسواء المطيع لله فيما أمره ونهاه، والعاصي له في ذلك؟ أي أنهما لا يستويان ولا تستوي حالتاهما عنده، لأن لمن أطاع الله فيما أمره ونهاه الجنة، ولمن عصاه فيما أمره ونهاه النار، فمعنى قوله: {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله} [آل عمران: 162] إذا: أفمن ترك الغلول وما نهاه الله عنه عن معاصيه وعمل بطاعة الله في تركه ذلك وفي غيره مما أمره به ونهاه من فرائضه، متبعا في كل ذلك رضا الله، ومجتنبا سخطه {كمن باء بسخط من الله} [آل عمران: 162] يعني: كمن انصرف متحملا سخط الله 06P210 وغضبه، فاستحق بذلك سكنى جهنم، يقول: ليسا سواء. وأما قوله: {وبئس المصير} [آل عمران: 162] فإنه يعني: وبئس المصير الذي يصير إليه ويئوب إليه من باء بسخط من الله جهنم 06P209

Section V06/P209–V06/P212

[آل عمران: 163] القول في تأويل قوله تعالى: {هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون} [آل عمران: 163] يعني تعالى ذكره بذلك أن من اتبع رضوان الله، ومن باء بسخط من الله مختلفو المنازل عند الله، فلمن اتبع رضوان الله الكرامة والثواب الجزيل، ولمن باء بسخط من الله المهانة والعقاب الأليم كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون} [آل عمران: 163] «أي لكل درجات مما عملوا في الجنة والنار، إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {هم درجات عند الله} [آل عمران: 163] يقول: «بأعمالهم» وقال آخرون: معنى ذلك لهم درجات عند الله، يعني: لمن اتبع رضوان الله منازل عند الله كريمة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {هم درجات عند الله} [آل عمران: 163] قال: «هي كقوله لهم 06P211 درجات عند الله» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {هم درجات عند الله} [آل عمران: 163] يقول: «لهم درجات عند الله» وقيل قوله: {هم درجات} [آل عمران: 163] كقول القائل: هم طبقات، كما قال ابن هرمة: [+البحر الوافر] إن حم المنون يكون قوم لريب الدهر أم درج السيول وأما قوله: {والله بصير بما يعملون} [البقرة: 96] فإنه يعني: والله ذو علم بما يعمل أهل طاعته ومعصيته، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، يحصي على الفريقين جميعا أعمالهم، حتى توفى كل نفس منهم جزاء ما كسبت من خير وشر كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {والله بصير بما يعملون} [البقرة: 96] يقول: «إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته» 06P211 [آل عمران: 164] {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] يعني بذلك: لقد تطول الله على المؤمنين، إذ بعث فيهم رسولا، حين أرسل فيهم رسولا من أنفسهم، نبيا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم فلا يفقهوا عنه ما يقول {يتلو عليهم آياته} [آل عمران: 164] يقول: يقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله {ويزكيهم} [البقرة: 129] يعني: يطهرهم من ذنوبهم باتباعهم إياه، وطاعتهم له فيما أمرهم ونهاهم {ويعلمهم الكتاب والحكمة} [البقرة: 129] يعني: ويعلمهم كتاب الله الذي أنزل عليه، ويبين لهم تأويله ومعانيه، والحكمة ويعني بالحكمة السنة التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه لهم {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] يعني: إن كانوا من قبل أن يمن الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته، لفي ضلال مبين، يقول: في جهالة جهلاء، وفي حيرة عن الهدى عمياء، لا يعرفون حقا، ولا يبطلون باطلا. وقد بينا أصل الضلالة فيما مضى، وأنه الأخذ على غير هدى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع والمبين: الذي يبين لمن تأمله بعقله وتدبره بفهمه أنه على غير استقامة ولا هدى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} [آل عمران: 164] «من الله عليهم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة، جعله الله رحمة لهم، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم» قوله: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} [آل عمران: 164] " الحكمة: السنة " {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] " ليس والله كما تقول أهل حروراء: محنة غالبة من أخطأها أهريق دمه، ولكن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى قوم لا يعلمون فعلمهم، وإلى قوم لا أدب لهم فأدبهم " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: {لقد من} [آل عمران: 164] الله على المؤمنين إلى قوله {لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] «أي لقد من الله عليكم يا أهل الإيمان إذ بعث فيكم رسولا من أنفسكم، يتلو عليكم آياته، ويزكيكم فيما أخذتم، وفيما علمتم، ويعلمكم الخير والشر، لتعرفوا الخير فتعملوا به، والشر فتتقوه، ويخبركم برضاه عنكم إذ أطعتموه، لتستكثروا من طاعته، وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته، فتتخلصوا بذلك من نقمته، وتدركوا بذلك ثوابه من جنته» {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] «أي في عمياء من الجاهلية لا تعرفون 06P214 حسنة، ولا تستغيثون من سيئة، صم عن الحق، عمي عن الهدى» 06P213

Section V06/P212–V06/P215

[آل عمران: 165] القول في تأويل قوله تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} [آل عمران: 165] يعني تعالى ذكره بذلك: أو حين أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة، وهي القتلى الذين قتلوا منهم يوم أحد، والجرحى الذين جرحوا منهم بأحد، وكان المشركون قتلوا منهم يومئذ سبعين نفرا {قد أصبتم مثليها} [آل عمران: 165] يقول: قد أصبتم أنتم أيها المؤمنون من المشركين مثلي هذه المصيبة التي أصابوا هم منكم، وهي المصيبة التي أصابها المسلمون من المشركين ببدر، وذلك أنهم قتلوا منهم سبعين، وأسروا سبعين. {قلتم أنى هذا} [آل عمران: 165] يعني: قلتم لما أصابتكم مصيبتكم بأحد: {أنى هذا} [آل عمران: 165] من أي وجه هذا؟ ومن أين أصابنا هذا الذي أصابنا، ونحن مسلمون، وهم مشركون، وفينا نبي الله صلى الله عليه وسلم، يأتيه الوحي من السماء، وعدونا أهل كفر بالله وشرك؟ قل يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك: {هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] يقول: قل لهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم، بخلافكم أمري، وترككم طاعتي، لا من عند غيركم، ولا من قبل أحد سواكم {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] يقول: إن الله على جميع ما أراد بخلقه من عفو وعقوبة وتفضل وانتقام قدير، يعني: ذو قدرة. ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] بعد إجماع جميعهم على أن تأويل سائر الآية على ما قلنا في ذلك من التأويل، فقال بعضهم: تأويل ذلك: قل هو من عند أنفسكم، بخلافكم على نبي الله صلى الله عليه وسلم، إذ أشار عليكم بترك الخروج إلى عدوكم والإصحار لهم، حتى يدخلوا عليكم مدينتكم، ويصيروا بين آطامكم، فأبيتم ذلك عليه، وقلتم: اخرج بنا إليهم حتى نصحر لهم فنقاتلهم خارج المدينة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا} [آل عمران: 165] أصيبوا يوم أحد، قتل منهم سبعون يومئذ، وأصابوا مثليها يوم بدر، قتلوا من المشركين سبعين، وأسروا سبعين. {قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إنا في جنة حصينة» يعني بذلك: المدينة «فدعوا القوم أن يدخلوا علينا نقاتلهم» فقال ناس له من أصحابه من الأنصار: يا نبي الله: إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع في الغزو في الجاهلية، فبالإسلام أحق أن نمتنع فيه، فابرز بنا إلى القوم، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس لأمته، فتلاوم القوم، فقالوا 06P216 عرض نبي الله صلى الله عليه وسلم بأمر، وعرضتم بغيره، اذهب يا حمزة فقل لنبي الله صلى الله عليه وسلم: أمرنا لأمرك تبع، فأتى حمزة فقال له: يا نبي الله إن القوم قد تلاوموا، وقالوا: أمرنا لأمرك تبع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز، وإنه ستكون فيكم مصيبة» قالوا: يا نبي الله خاصة أو عامة؟ قال: «سترونها» ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن بقرا تنحر، فتأولها قتلا في أصحابه، ورأى أن سيفه ذا الفقار انقصم، فكان قتل عمه حمزة، قتل يومئذ، وكان يقال له: أسد الله، ورأى أن كبشا عتر، فتأوله كبش الكتيبة عثمان بن أبي طلحة أصيب يومئذ، وكان معه لواء المشركين.

Section V06/P215–V06/P218

حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه، غير أنه قال: {قد أصبتم مثليها} [آل عمران: 165] يقول: «مثلي ما أصيب منكم» {قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] يقول: «بما عصيتم» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: «أصيب المسلمون يوم أحد مصيبة، وكانوا قد أصابوا مثليها يوم بدر ممن قتلوا وأسروا» فقال الله عز وجل: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها} [آل عمران: 165] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عمر 06P217 بن عطاء، عن عكرمة، قال: «قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين؛ وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين» فذلك قوله: {قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا} [آل عمران: 165] «إذ نحن مسلمون نقاتل غضبا لله، وهؤلاء مشركون» {قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] «عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال ما قال» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] قالوا: «فإنما أصابنا هذا، لأنا قبلنا الفداء يوم بدر من الأسارى، وعصينا النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فمن قتل منا كان شهيدا، ومن بقي منا كان مطهرا، رضينا بالله ربا» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن، وابن جريج، قالا: " معصيتهم أنه قال لهم: لا تتبعوهم يوم أحد فاتبعوهم " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، ثم ذكر ما أصيب من المؤمنين، يعني بأحد، وقتل منهم سبعون إنسانا {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها} [آل عمران: 165] «كانوا يوم بدر أسروا سبعين رجلا وقتلوا سبعين» {قلتم أنى هذا} [آل عمران: 165] «أي من أين هذا؟ » {قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] «أنكم عصيتم» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها} يقول: «إنكم أصبتم من المشركين يوم بدر، مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ثم ذكر المصيبة التي أصابتهم، فقال: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] «أي إن تك قد أصابتكم مصيبة في إخوانكم فبذنوبكم قد أصبتم مثليها قتلا من عدوكم في اليوم الذي كان قبله ببدر، قتلى وأسرى، ونسيتم معصيتكم وخلافكم ما أمركم به نبيكم صلى الله عليه وسلم أنكم أحللتم ذلك بأنفسكم» {إن الله على كل شيء قدير} [آل عمران: 165] : «أي أن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها} [آل عمران: 165] الآية، يعني بذلك: «أنكم أصبتم من المشركين يوم بدر مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد» وقال بعضهم: بل تأويل ذلك: قل هو من عند أنفسكم بإسارتكم المشركين يوم بدر، وأخذكم منهم الفداء، وترككم قتلهم ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: " أسر المسلمون من المشركين سبعين، وقتلوا سبعين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء فتتقووا به على عدوكم، وإن قبلتموه قتل منكم سبعون أو تقتلوهم» فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، ويقتل منا سبعون، قال: فأخذوا الفدية منهم، وقتلوا منهم سبعين؛ قال عبيدة: وطلبوا الخيرتين كلتيهما " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة أنه قال في أسارى بدر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم» ، قالوا: «بل نأخذ الفداء فنستمتع به، ويستشهد منا بعدتهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني إسماعيل، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة السلماني، وحدثني حجاج، عن جرير، عن محمد، عن عبيدة السلماني، عن علي، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين، أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، 06P220 قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فذكر ذلك لهم، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، لا بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره، قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر " 06P219

Section V06/P218–V06/P220

[آل عمران: 166_167] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون} [آل عمران: 166_167] يعني تعالى ذكره بذلك: والذي أصابكم يوم التقى الجمعان ، وهو يوم أحد حين التقى جمع المسلمين والمشركين، ويعني بالذي أصابهم: ما نال من القتل من قتل منهم، ومن الجراح من جرح منهم {فبإذن الله} [آل عمران: 166] يقول: فهو بإذن الله كان، يعني: بقضائه وقدره فيكم، وأجاب «ما» بالفاء، لأن «ما» حرف جزاء، وقد بينت نظير ذلك فيما مضى قبل: {وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا} [آل عمران: 166] بمعنى: وليعلم الله المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يوم التقى الجمعان بأحد، ليميز أهل الإيمان بالله ورسوله المؤمنين منكم من المنافقين، فيعرفونهم، لا يخفى عليهم أمر الفريقين، وقد بينا تأويل قوله: {وليعلم المؤمنين} [آل عمران: 166] فيما مضى وما وجه ذلك، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وبنحو ما قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين} [آل عمران: 166] «أي ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوكم فبإذني، كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم بعد أن جاءكم نصري وصدقتم وعدي، ليميز بين المنافقين والمؤمنين» {وليعلم الذين نافقوا} [آل عمران: 167] «منكم، أي ليظهروا ما فيهم» 06P221

Section V06/P220–V06/P224

[آل عمران: 167] القول في تأويل قوله تعالى: {وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون} [آل عمران: 167] يعني تعالى ذكره بذلك عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، حين سار نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين بأحد لقتالهم، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم عليهم، ولكن لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتال، فأبدوا من نفاق أنفسهم ما كانوا يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم {لو نعلم قتالا لاتبعناكم} [آل عمران: 167] غير ما كانوا يكتمونه ويخفونه، من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث، قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة انخزل عنهم عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس، فقال أطاعهم فخرج وعصاني، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة، يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} [آل عمران: 167] يعني: «عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه، الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سار إلى عدوه من المشركين بأحد» وقوله {لو نعلم قتالا لاتبعناكم} [آل عمران: 167] يقول: «لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا 06P223 عنكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال، فظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم» يقول الله عز وجل: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} [آل عمران: 167] وليس في قلوبهم {والله أعلم بما يكتمون} [آل عمران: 167] «أي يخفون» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: يوم أحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتح إن صبروا؛ فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا، ولئن أطعتنا لترجعن معنا قال: فذكر الله أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول، وقول عبد الله بن جابر بن أبي عبد الله الأنصاري حين دعاهم، فقالوا: ما نعلم قتالا، ولئن أطعتمونا لترجعن معنا " فقال: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت} حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال عكرمة: {قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم} [آل عمران: 167] قال: «نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول» قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد {لو نعلم قتالا} [آل عمران: 167] قال: «لو نعلم أنا واجدون معكم قتالا، لو نعلم مكان قتال لاتبعناكم» واختلفوا في تأويل قوله {أو ادفعوا} [آل عمران: 167] فقال بعضهم: معناه: أو 06P224 كثروا، فإنكم إذا كثرتم دفعتم القوم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {أو ادفعوا} [آل عمران: 167] يقول: «أو كثروا» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {أو ادفعوا} [آل عمران: 167] قال: «بكثرتكم العدو وإن لم يكن قتال» وقال آخرون: معنى ذلك: أو رابطوا إن لم تقاتلوا ذكر من قال ذلك: حدثنا إسماعيل بن حفص الآملي، وعلي بن سهل الرملي، قالا: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا عتبة بن ضمرة، قال: سمعت أبا عون الأنصاري، في قوله: {قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} [آل عمران: 167] قال: «رابطوا» وأما قوله: {والله أعلم بما يكتمون} [آل عمران: 167] فإنه يعني به: والله أعلم من هؤلاء المنافقين الذين يقولون من العداوة والشنآن، وأنهم لو علموا قتالا ما تبعوهم، ولا دافعوا عنهم، وهو تعالى ذكره محيط بما 06P225 يخفونه من ذلك، مطلع عليه، ومحصيه عليهم حتى يهتك أستارهم في عاجل الدنيا، فيفضحهم به، ويصليهم به الدرك الأسفل من النار في الآخرة 06P224

Section V06/P224–V06/P227

[آل عمران: 168] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} [آل عمران: 168] يعني تعالى ذكره بذلك: وليعلم الله الذين نافقوا، الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا، فموضع «الذين» نصب على الإبدال من «الذين نافقوا» ، وقد يجوز أن يكون رفعا على الترجمة عما في قوله: {يكتمون} [البقرة: 159] من ذكر «الذين نافقوا» فمعنى الآية: وليعلم الله الذين قالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين بأحد يوم أحد، فقتلوا هنالك من عشائرهم وقومهم، {وقعدوا} [آل عمران: 168] يعني: وقعد هؤلاء المنافقون القائلون ما قالوا مما أخبر الله عز وجل عنهم من قيلهم عن الجهاد مع إخوانهم وعشائرهم في سبيل الله: {لو أطاعونا} [آل عمران: 168] يعني: لو أطاعنا من قتل بأحد من إخواننا وعشائرنا {ما قتلوا} [آل عمران: 168] يعني: ما قتلوا هنالك، قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء القائلين هذه المقالة من المنافقين: فادرءوا، يعني: فادفعوا من قول القائل: درأت عن فلان القتل، بمعنى: دفعت عنه، أدرؤه درءا، ومنه قول الشاعر: [+البحر الوافر] تقول وقد درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني ؟ يقول تعالى ذكره: قل لهم: فادفعوا إن كنتم أيها المنافقون صادقين في قيلكم: لو أطاعنا إخواننا في ترك الجهاد في سبيل الله مع محمد صلى الله عليه وسلم وقتالهم أبا سفيان ومن معه من قريش، ما قتلوا هنالك بالسيف، ولكانوا أحياء بقعودهم معكم وتخلفهم عن محمد صلى الله عليه وسلم وشهود جهاد أعداء الله معه؛ الموت فإنكم قد قعدتم عن حربهم، وقد تخلفتم عن جهادهم، وأنتم لا محالة ميتون كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {الذين قالوا لإخوانهم} [آل عمران: 168] «الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم» : {لو أطاعونا ما قتلوا} [آل عمران: 168] الآية: «أي أنه لابد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصا على البقاء في الدنيا وفرارا من الموت» ذكر من قال: الذين قالوا لإخوانهم هذا القول هم الذين قال الله فيهم: {وليعلم الذين نافقوا} [آل عمران: 167] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} [آل عمران: 168] الآية، «ذكر لنا أنها نزلت في عدو الله عبد الله بن أبي» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «هم عبد الله بن أبي، وأصحابه» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: «هو عبد الله بن أبي الذي قعد وقال لإخوانه الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد» : {لو أطاعونا ما قتلوا} [آل عمران: 168] الآية " قال ابن جريج عن مجاهد، قال: قال جابر بن عبد الله: «هو عبد الله بن أبي ابن سلول» حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا} [آل عمران: 168] الآية، قال: «نزلت في عدو الله عبد الله بن أبي» 06P227

Section V06/P227

[آل عمران: 169] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [آل عمران: 170] يعني تعالى ذكره {ولا تحسبن} [آل عمران: 169] ولا تظنن كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ولا تحسبن} [آل عمران: 169] «ولا تظنن» وقوله: {الذين قتلوا في سبيل الله} [آل عمران: 169] يعني: الذين قتلوا بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {أمواتا} [البقرة: 28] يقول: ولا تحسبنهم يا محمد أمواتا، لا يحسون شيئا، ولا يلتذون، ولا يتنعمون، فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، 06P228 فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبوتهم به من جزيل ثوابي وعطائي كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش؛ فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم «فأنزل الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الآيات» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قالا جميعا: ثنا محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق بن الأجدع، قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآيات: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله} [آل عمران: 169] الآية، قال: أما إنا قد سألنا عنها، فقيل لنا: " إنه لما أصيب إخوانهم 06P229 بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فيطلع الله إليهم اطلاعة، فيقول: يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة، نأكل منها حيث شئنا ثلاث مرات ثم يطلع فيقول: يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة، نأكل منها حيث شئنا، إلا أنا نختار أن ترد أرواحنا في أجسادنا، ثم تردنا إلى الدنيا، فنقاتل فيك حتى نقتل فيك مرة أخرى " حدثنا الحسن بن يحيى العبدي، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية، ثم ذكر نحوه، وزاد فيه: «إني قد قضيت أن لا ترجعوا» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن أرواح الشهداء ولولا عبد الله ما أخبرنا به أحد قال: " أرواح الشهداء عند الله في أجواف طير خضر ، في قناديل تحت العرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها، فيطلع إليها ربها، فيقول: ماذا تريدون؟

Section V06/P227

فيقولون: نريد أن نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة 06P230 أخرى " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، وعبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهداء على بارق - نهر بباب الجنة - في قبة خضراء» وقال عبدة: «في روضة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» حدثنا أبو كريب، وأنبأنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني الحرث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، إلا أنه قال: «في قبة خضراء» وقال: «يخرج عليهم فيها» حدثنا ابن وكيع، وأنبأنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني الحرث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني الحرث بن الفضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس، 06P231 قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهداء على بارق - نهر بباب الجنة - في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني أيضا، يعني إسماعيل بن عياش، عن ابن إسحاق، عن الحرث بن الفضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدثني بعض أصحابي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، قال: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أبشرك يا جابر؟ » قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: " إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله، ثم قال له: ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك؟ قال: يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن رجالا، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك القرآن: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] «كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وأن مساكنهم السدرة» حدثت عن عمار، وأنبأنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه، إلا 06P232 أنه قال: " تعارف في طير خضر وبيض وزاد فيه أيضا: وذكر لنا عن بعضهم في قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء} [آل عمران: 169] قال: «هم قتلى» بدر وأحد " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة، قال: قالوا: يا رب، ألا رسول لنا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنا بما أعطيتنا؟ فقال الله تبارك وتعالى: أنا رسولكم، فأمر جبريل عليه السلام أن يأتي بهذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله} [آل عمران: 169] " الآيتين حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآيات: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] قال: " أرواح الشهداء عند الله كطير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، قال: فاطلع إليهم ربك اطلاعة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: ربنا ألسنا نسرح في الجنة في أيها شئنا؟ ثم اطلع عليهم الثالثة، فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟

Section V06/P227

قالوا: تعيد أرواحنا في أجسادنا، فنقاتل في سبيلك مرة أخرى فسكت عنهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة، عن عبد الله: " أنهم قالوا في الثالثة حين قال لهم: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: تقرئ نبينا عنا السلام، وتخبره أن قد رضينا ورضي عنا " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يرغب المؤمنين في ثواب الجنة ويهون عليهم القتل» : {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] «أي قد أحييتهم، فهم عندي يرزقون في روح الجنة وفضلها، مسرورين بما آتاهم الله من ثوابه على جهادهم عنه» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، قال: " كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يوما كيوم بدر، يبلون فيه خيرا، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون فيه الجنة، والحياة في الرزق، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله فقال: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} [آل عمران: 169] " الآية حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: ذكر الشهداء، فقال: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم} [آل عمران: 169] إلى قوله: {ولا هم يحزنون} [آل عمران: 170] " زعم أن أرواح الشهداء 06P234 في أجواف طير خضر في قناديل من ذهب معلقة بالعرش، فهي ترعى بكرة وعشية في الجنة، تبيت في القناديل، فإذا سرحن نادى مناد: ماذا تريدون؟ ماذا تشتهون؟ فيقولون: ربنا نحن فيما اشتهت أنفسنا فيسألهم ربهم أيضا: ماذا تشتهون؟ وماذا تريدون؟ فيقولون: نحن فيما اشتهت أنفسنا، فيسألون الثالثة فيقولون ما قالوا: ولكنا نحب أن ترد أرواحنا في أجسادنا، لما يرون من فضل الثواب " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عباد، قال: ثنا إبراهيم بن معمر، عن الحسن، قال: «ما زال ابن آدم يتحمد حتى صار حيا ما يموت ثم تلا هذه الآية» : {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] حدثنا محمد بن مرزوق، قال: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا إسحاق بن أبي طلحة، قال: ثني أنس بن مالك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين، أو سبعين، قال: " وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتوا غارا مشرفا على الماء قعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟

Section V06/P227–V06/P234

فقال: أراه أبا ملحان الأنصاري: أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، 06P235 فخرج حتى أتى حيا منهم، فاحتبى أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل " قال: قال إسحاق: حدثني أنس بن مالك " أن الله تعالى أنزل فيهم قرآنا رفع بعد ما قرأناه زمانا، وأنزل الله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] " حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: " لما أصيب الذين أصيبوا يوم أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لقوا ربهم، فأكرمهم، فأصابوا الحياة والشهادة والرزق الطيب، قالوا: يا ليت بيننا وبين إخواننا من يبلغهم أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، فقال الله تبارك وتعالى: أنا رسولكم إلى نبيكم وإخوانكم، فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ": {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] إلى قوله: {ولا هم 06P236 يحزنون} [آل عمران: 170] «فهذا النبأ الذي بلغ الله رسوله والمؤمنين ما قال الشهداء» وفي نصب قوله: {فرحين} [آل عمران: 170] وجهان: أحدهما: أن يكون منصوبا على الخروج من قوله: {عند ربهم} [البقرة: 62] والآخر من قوله: {يرزقون} [آل عمران: 169] ولو كان رفعا بالرد على قوله: «بل أحياء فرحون» كان جائزا 06P235

Section V06/P234–V06/P237

[آل عمران: 170] القول في تأويل قوله تعالى: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [آل عمران: 170] يعني بذلك تعالى ذكره: ويفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على مناهجهم، من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم، صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه، فهم لذلك مستبشرون بهم، فرحون أنهم إذا صاروا كذلك، {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [يونس: 62] يعني بذلك: لا خوف عليهم؛ لأنهم قد آمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد آمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من أسباب الدنيا، ونكد عيشها، للخفض الذي صاروا إليه والدعة والزلفة، ونصب أن لا بمعنى: يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} [آل عمران: 170] الآية، يقول: «لإخوانهم الذين فارقوهم على دينهم وأمرهم لما قدموا عليه من الكرامة والفضل والنعيم الذي أعطاهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} [آل عمران: 170] الآية، قال يقول: «إخواننا يقتلون كما قتلنا، يلحقون فيصيبون من كرامة الله تعالى ما أصبنا» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ذكر لنا عن بعضهم، في قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] قال: " هم قتلى بدر وأحد، زعموا أن الله تبارك وتعالى لما قبض أرواحهم، وأدخلهم الجنة، جعلت أرواحهم في طير خضر ترعى في الجنة، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلما رأوا ما أعطاهم الله من الكرامة، قالوا: ليت إخواننا الذين بعدنا يعلمون ما نحن فيه، فإذا شهدوا قتالا تعجلوا إلى ما نحن فيه، فقال الله تعالى: إني منزل على نبيكم ومخبر إخوانكم بالذي أنتم فيه، ففرحوا به واستبشروا، وقالوا: يخبر الله نبيكم وإخوانكم بالذي أنتم فيه، فإذا شهدوا قتالا أتوكم " قال: فذلك قوله: {فرحين بما آتاهم الله من فضله} [آل عمران: 170] إلى قوله: {أجر المؤمنين} [آل عمران: 171] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} [آل عمران: 170] «أي ويسرون بلحوق من لحق بهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم، وأذهب الله عنهم الخوف والحزن» حدثني يونس، قال: أخبر ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} [آل عمران: 170] قال: «هم إخوانهم من الشهداء ممن يستشهد من بعدهم» {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [يونس: 62] حتى بلغ: {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} [آل عمران: 171] حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما {يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} [آل عمران: 170] ، " فإن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله، فيقال: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيستبشر حين يقدم عليه، كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا " 06P238

Section V06/P237–V06/P238

[آل عمران: 171] القول في تأويل قوله تعالى: {يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} [آل عمران: 171] يقول جل ثناؤه: {يستبشرون} [آل عمران: 171] يفرحون {بنعمة من الله} [آل عمران: 171] يعني بما حباهم به تعالى ذكره من عظيم كرامته عند ورودهم عليه {وفضل} [آل عمران: 171] يقول: وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب على ما سلف منهم من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجهاد أعدائه {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} [آل عمران: 171] كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن أبي إسحاق: {يستبشرون بنعمة من الله وفضل} [آل عمران: 171] الآية، «لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب» واختلف القراء في قراءة قوله {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} [آل عمران: 171] ، فقرأ ذلك بعضهم بفتح الألف من «أن» بمعنى يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وبأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، وبكسر الألف على الاستئناف؛ واحتج من قرأ ذلك كذلك بأنها في قراءة عبد الله: «وفضل، والله لا يضيع أجر المؤمنين» قالوا: فذلك دليل على أن قوله: {وأن الله} [آل عمران: 171] مستأنف غير متصل بالأول. ومعنى قوله: {لا يضيع أجر المؤمنين} [آل عمران: 171] لا يبطل جزاء أعمال من صدق رسوله واتبعه وعمل بما جاءه من عند الله. وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك: {وأن الله} [آل عمران: 171] بفتح الألف، لإجماع الحجة من القراء على ذلك 06P239

Section V06/P238–V06/P240

[آل عمران: 172] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} [آل عمران: 172] يعني بذلك جل ثناؤه: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، المستجيبين لله والرسول، من بعد ما أصابهم الجرح والكلوم، وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك 06P240 الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد في طلب العدو أبي سفيان، ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أحد؛ وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثره حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة، ليري الناس أن به وأصحابه قوة على عدوهم كالذي حدثنا ابن حميد، قال ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني حسان بن عبد الله، عن عكرمة، قال: كان يوم أحد السبت للنصف من شوال؛ فلما كان الغد من يوم أحد، يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال لي: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو، ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوههم عن عدوهم " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب، مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحدا، قال: " شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين؛ فلما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي، أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحا منه، فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثا: الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فقال الله تبارك وتعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} [آل عمران: 172] «أي الجراح، وهم الذين ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم أحد إلى حمراء الأسد على ما بهم من ألم الجراح» {للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} [آل عمران: 172] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} [آل عمران: 172] الآية، وذلك يوم أحد بعد القتل والجراح، وبعد ما انصرف المشركون أبو سفيان وأصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا عصابة تشد لأمر الله تطلب عدوها؟ فإنه أنكى للعدو، وأبعد للسمع» فانطلق عصابة منهم على ما يعلم الله تعالى من الجهد حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " انطلق أبو سفيان منصرفا من أحد حتى بلغ بعض الطريق، ثم إنهم ندموا، وقالوا: بئسما صنعتم إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا واستأصلوهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فهزموا.

Section V06/P240

فأخبر الله رسوله، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله جل ثناؤه فيهم ": {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} [آل عمران: 172] حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الله جل وعز قذف في قلب أبي سفيان الرعب يعني: يوم أحد بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب» . وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، واشتد عليهم الذي أصابهم، وإن رسول الله ندب الناس لينطلقوا معه، ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال: «إنما يرتجلون الآن فيأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل» فجاء الشيطان فخوف أولياءه فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: «إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد لأحضض الناس» فانتدب معه أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، 06P243 وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا، فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} [آل عمران: 172] حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا أبو سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت لعبد الله بن الزبير: " يا ابن أختي، أما والله إن أباك وجدك تعني: أبا بكر والزبير ممن قال الله تعالى فيهم: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} [آل عمران: 172] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " أخبرت أن أبا سفيان بن حرب لما راح هو وأصحابه يوم أحد قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم عامدون إلى المدينة، فقال: «إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال فإنهم عامدون إلى المدينة، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل فقد أرعبهم الله وليسوا بعامديها» ، فركبوا الأثقال، فرعبهم الله، ثم ندب ناسا يتبعونهم ليروا أن بهم قوة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثا، فنزلت: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} [آل عمران: 172] حدثني سعيد بن الربيع، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قالت لي عائشة: " إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، تعني: أبا بكر والزبير " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: «كان عبد الله من الذين استجابوا لله والرسول» فوعد تعالى ذكره من ذكرنا أمره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} [آل عمران: 172] إذا اتقى الله فخافه، فأدى فرائضه وأطاعه في أمره ونهيه فيما يستقبل من عمره أجرا عظيما، وذلك الثواب الجزيل، والجزاء العظيم، على ما قدم من صالح أعماله في الدنيا 06P244

Section V06/P240–V06/P245

[آل عمران: 173] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] يعني تعالى ذكره: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم، والذين في موضع خفض مردود على المؤمنين، وهذه الصفة من صفة الذين استجابوا لله والرسول والناس الأول هم قوم فيما ذكر لنا، كان أبو سفيان سألهم أن يثبطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أحد إلى حمراء الأسد؛ والناس الثاني: هم أبو سفيان وأصحابه من قريش الذين كانوا معه بأحد، يعني بقوله: {قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] قد جمعوا الرجال للقائكم، والكرة إليكم لحربكم {فاخشوهم} [آل عمران: 173] يقول: فاحذروهم، واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، {فزادهم إيمانا} [آل عمران: 173] يقول: فزادهم ذلك من تخويف من خوفهم أمر أبي سفيان وأصحابه من المشركين يقينا إلى يقينهم، وتصديقا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا ثقة بالله، وتوكلا عليه، إذ خوفهم من خوفهم أبا سفيان وأصحابه من المشركين {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] يعني بقوله: حسبنا الله: كفانا الله، يعني: يكفينا الله؛ ونعم الوكيل، يقول: ونعم المولى لمن وليه وكفله؛ وإنما وصف تعالى نفسه بذلك؛ لأن الوكيل في كلام العرب: هو المسند إليه القيام بأمر من أسند إليه القيام بأمره؛ فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات قد كانوا فوضوا أمرهم إلى الله، ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال: ونعم الوكيل الله تعالى لهم. واختلف أهل التأويل في الوقت الذي قال من قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] فقال بعضهم: قيل ذلك لهم في وجههم الذي خرجوا فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد إلى حمراء الأسد في طلب أبي سفيان ومن معه من المشركين ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله قيل ذلك، ومن قائله: حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: مر به، يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم معبد الخزاعي بحمراء الأسد، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه، لا يخفون عليه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: والله يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من حمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا في أحد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا، قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فهم من الحنق عليكم بشيء لم أر مثله قط. قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر، قال: وما قلت؟

Section V06/P245–V06/P249

قال، قلت 06P247 [+البحر البسيط] كادت تهد من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردي بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الأرض مائلة لما سموا برئيس غير مخذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذير لأهل البسل ضاحية لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش تنابلة وليس يوصف ما أنذرت بالقيل 06P248 قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من عبد القيس، فقال، أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها وأحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم، قال: فإذا جئتموه، فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسبنا الله ونعم الوكيل» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فقال الله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] " والناس الذين قال لهم ما قالوا: النفر من عبد القيس، الذين قال لهم أبو سفيان ما قال، إن أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم، يقول الله تبارك وتعالى ": {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} [آل عمران: 174] الآية حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما ندموا يعني: أبا سفيان وأصحابه على الرجوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فهزموا، فلقوا أعرابيا، فجعلوا له جعلا: إن لقيت محمدا وأصحابه، فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم، 06P249 فأخبر الله جل ثناؤه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا الأعرابي في الطريق، فأخبرهم الخبر، فقالوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله تعالى فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم ": {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عيرا واردة المدينة ببضاعة لهم وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم حبال، فقال: إن لكم علي رضاكم إن أنتم رددتم عني محمدا ومن معه إن أنتم وجدتموه في طلبي وأخبرتموه أني قد جمعت له جموعا كثيرة فاستقبلت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا له: يا محمد إنا نخبرك أن أبا سفيان قد جمع لك جموعا كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل، ولم يزده ذلك ومن معه إلا يقينا، وقالوا {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] ، «فأنزل الله تبارك وتعالى» : {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] الآية حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصابة من أصحابه بعدما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد خلفهم، حتى كانوا بذي الحليفة، فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم، فيقولون لهم: هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس، فقالوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] ، فأنزل الله تعالى فيهم: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا 06P250 وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] وقال آخرون: بل قال ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قال ذلك له في غزوة بدر الصغرى وذلك في مسير النبي صلى الله عليه وسلم عام قابل من وقعة أحد للقاء عدوه أبي سفيان وأصحابه للموعد الذي كان واعده الالتقاء بها ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] قال: " هذا أبو سفيان، قال لمحمد: موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا فقال محمد صلى الله عليه وسلم: «عسى» فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدرا، فوافقوا السوق فيها، وابتاعوا؛ فذلك قوله تبارك وتعالى: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} [آل عمران: 174] «وهي غزوة بدر الصغرى» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه، وزاد فيه: وهي بدر الصغرى.

Section V06/P249–V06/P251

قال ابن جريج: لما عمد النبي صلى الله عليه وسلم لموعد أبي سفيان، فجعلوا يلقون المشركين، ويسألونهم عن قريش، فيقولون: {قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] «يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرعبوهم، فيقول المؤمنون» : {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] " حتى قدموا بدرا، فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد، قال: وقدم رجل من المشركين وأخبر أهل مكة بخيل محمد عليه الصلاة والسلام " وقال 06P251 في ذلك: [+البحر الرجز] نفرت قلوصي عن خيول محمد وعجوة منثورة كالعنجد واتخذت ماء قديد موعدي قال أبو جعفر: هكذا أنشدنا القاسم، وهو خطأ، وإنما هو: [+البحر . ] قد نفرت من رفقتي محمد وعجوة من يثرب كالعنجد تهوي على دين أبيها الأتلد قد جعلت ماء قديد موعدي وماء ضجنان لها ضحى الغد حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال: " كانت بدر متجرا في الجاهلية، فخرج ناس من المسلمين يريدونه، ولقيهم ناس من المشركين فقالوا لهم: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} [آل عمران: 173] ، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ الأهبة للقتال وأهبة التجارة " {وقالوا حسبنا} [آل عمران: 173] الله ونعم الوكيل، فأتوهم فلم يلقوا أحدا، فأنزل الله عز وجل فيهم: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} [آل عمران: 173] قال ابن يحيى، قال عبد الرزاق، قال ابن عيينة: وأخبرني زكريا عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو قال: «هي كلمة إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار» فقال: {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: إن الذي قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، كان في حال خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخروج من خرج معه في أثر أبي سفيان، ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أحد إلى حمراء الأسد؛ لأن الله تعالى ذكره إنما مدح الذين وصفهم بقيلهم: {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] لما قيل لهم: " إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم، بقوله: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} [آل عمران: 172] ولم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جرحى أصحابه بأحد إلى حمراء الأسد. وأما قول الذين خرجوا معه إلى غزوة بدر الصغرى، فإنه لم يكن فيهم جريح، إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه، وبرأ كلمه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج إلى بدر الخرجة الثانية إليها لموعد أبي سفيان الذي كان واعده اللقاء بها بعد سنة من غزوة أحد في شعبان سنة أربع من الهجرة، وذلك أن وقعة أحد كانت في النصف من شوال من سنة ثلاث، وخروج النبي صلى الله عليه وسلم لغزوة بدر الصغرى إليها في شعبان من سنة أربع، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك وقعة مع المشركين كانت بينهم فيها حرب جرح فيها 06P253 أصحابه، ولكن قد كان قتل في وقعة الرجيع من أصحابه جماعة لم يشهد أحد منهم غزوة بدر الصغرى، وكانت وقعة الرجيع فيما بين وقعة أحد وغزوة النبي صلى الله عليه وسلم بدر الصغرى 06P252

Questions