Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)
{فألقى} موسى {عصاه} من يده {فإذا هي ثعبان مبين} والثعبان: الذكر العظيم من الحيات، فإن قيل: أليس قال في موضع: (كأنها جان) (النمل-10) ، والجان الحية الصغيرة؟ قيل: إنها كانت كالجان في الحركة والخفة، وهي في جثتها حية عظيمة. قال ابن عباس والسدي: إنه لما ألقى العصا صارت حية عظيمة صفراء شعراء فاغرة فاها ما بين لحييها ثمانون ذراعا وارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت له على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، وروي أنها أخذت قبة فرعون بين نابيها فوثب فرعون من سريره هاربا وأحدث. قيل: أخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا ومات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ثم قال فرعون: هل معك آية أخرى؟ قال: نعم. {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم } {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} فأدخل يده في جيبه ثم نزعها، وقيل: أخرجها من تحت إبطه فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور الشمس، وكان موسى آدم، ثم أدخلها جيبه فصارت كما كانت. {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم} يعنون أنه ليأخذ بأعين الناس حتى يخيل إليهم العصا حية والآدم أبيض، ويري الشيء بخلاف ما هو به. {يريد أن يخرجكم} يا معشر القبط، {من أرضكم} مصر، {فماذا تأمرون} أي: تشيرون إليه، هذا يقوله فرعون وإن لم يذكره، وقيل: هذا من قول الملأ لفرعون وخاصته. {قالوا} يعني الملأ {أرجه} قرأ ابن كثير وأهل البصرة وابن عامر بالهمزة وضم الهاء، وقرأ الآخرون بلا همز، ثم نافع برواية ورش والكسائي يشبعان الهاء كسرا، ويسكنها عاصم وحمزة، ويختلسها أبو جعفر وقالون. قال عطاء، معناه أخره. وقيل: احبسه، {وأخاه} معناه أشاروا عليه بتأخير أمره وترك التعرض له بالقتل، {وأرسل في المدائن حاشرين} يعني الشرط والمدائن، وهي مدائن الصعيد من نواحي مصر، قالوا: أرسل إلى هذا المدائن رجالا يحشرون إليك من فيها من السحرة، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد، فإن غلبهم موسى صدقناه وإن غلبوا علمنا أنه ساحر. فذلك قوله: {يأتوك بكل ساحر عليم} قرأ حمزة والكسائي: "سحار" هاهنا وفي سورة يونس، ولم يختلفوا في الشعراء أنه "سحار". قيل: الساحر: الذي يعلم السحر ولا يعلم، والسحار: الذي يعلم، وقيل: الساحر من يكون سحره في وقت دون وقت، والسحار من يديم السحر. قال ابن عباس وابن إسحاق والسدي: قال فرعون لما رأى من سلطان الله في العصا ما رأى: إنا لا نغالب إلا بمن هو +أعلم منه، فاتخذ غلمانا من بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الفرحاء يعلمونهم السحر، فعلموهم سحرا كثيرا، وواعد فرعون موسى موعدا فبعث إلى السحرة فجاءوا ومعلمهم معهم، فقال له: ماذا صنعت؟ قال: قد علمتهم سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمرا من السماء، فإنه لا طاقة لهم به، ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرا +إلا أتى به. واختلفوا في عددهم، فقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين، اثنان من القبط، وهما رأسا القوم، وسبعون من بني إسرائيل. وقال الكلبي: كان الذين يعملونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى، وكانوا سبعين غير رئيسهم. وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفا. وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألفا. وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفا. وقال محمد بن المنكدر: كانوا ثمانين ألفا، وقال مقاتل: كان رئيس السحرة شمعون. وقال ابن جريج: رئيس السحرة يوحنا.
{وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون } {وجاء السحرة فرعون} واجتمعوا، {قالوا} لفرعون {إن لنا لأجرا} أي جعلا ومالا {إن كنا نحن الغالبين} قرأ أهل الحجاز وحفص: "إن لنا" على الخبر، وقرأ الباقون بالاستفهام، ولم يختلفوا في الشعراء أنه مستفهم. {قال} فرعون {نعم وإنكم لمن المقربين} في المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر، قال الكلبي: يعني أول من يدخل وآخر من يخرج. {قالوا} يعني السحرة {يا موسى إما أن تلقي} عصاك {وإما أن نكون نحن الملقين} لعصينا وحبالنا. {قال} موسى بل {ألقوا} أنتم، {فلما ألقوا سحروا أعين الناس} أي: صرفوا أعينهم عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه والتخييل، وهذا هو السحر، {واسترهبوهم} أي: أرهبوهم وأفزعوهم، {وجاءوا بسحر عظيم} وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا. وفي القصة أن الأرض كانت ميلا في ميل صارت حيات وأفاعي في أعين الناس. {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك} فألقاها فصارت حية عظيمة حتى سدت الأفق. قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية. ويقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، {فإذا هي تلقف} قرأ حفص: "تلقف" ساكنة اللام، خفيفة، حيث كان، وقرأ الآخرون: بفتح اللام وتشديد القاف، أي: تبتلع، {ما يأفكون} يكذبون من التخاييل وقيل: يزورون على الناس. فكانت تلتقم حبالهم وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتعلت الكل وقصدت القوم الذين حضروا فوقع الزحام عليهم فهلك منهم في الزحام خمسة وعشرون ألفا، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت. {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقي السحرة ساجدين } {قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين } {فوقع الحق} قال الحسن ومجاهد: ظهر الحق، {وبطل ما كانوا يعملون} 135/أمن السحر وذلك أن السحرة قالوا: لو كان ما يصنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا فلما فقدت علموا أن ذلك من أمر الله. {فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} ذليلين مقهورين. {وألقي السحرة ساجدين} لله تعالى. قال مقاتل: ألقاهم الله. وقيل: ألهمهم الله أن يسجدوا فسجدوا. وقال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا. {قالوا آمنا برب العالمين} فقال فرعون: إياي تعنون فقالوا، {رب موسى وهارون} {رب موسى وهارون} قال مقاتل: قال موسى لكبير السحرة تؤمن بي إن غلبتك؟ فقال: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر. {قال} لهم {فرعون} حين آمنوا {آمنتم به} قرأ حفص "آمنتم" على الخبر هاهنا وفي طه والشعراء، وقرأ الآخرون بالاستفهام أآمنتم به، {قبل أن آذن لكم} أصدقتم موسى من غير أمري إياكم، {إن هذا لمكر مكرتموه} أي: صنيع صنعتموه أنتم وموسى: {في المدينة} في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع لتستولوا على مصر، {لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون} ما أفعل بكم. {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} وهو أن يقطع من كل شق طرفا. قال الكلبي: لأقطعن أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى، {ثم لأصلبنكم أجمعين} على شاطئ [نهر] مصر. {قالوا إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون } {قالوا} يعني السحرة لفرعون، {إنا إلى ربنا منقلبون} راجعون في الآخرة. {وما تنقم منا} أي: ما تكره منا. وقال الضحاك وغيره: وما تطعن علينا. وقال عطاء: ما لنا عندك من ذنب تعذبنا عليه، {إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا} ثم فزعوا إلى الله عز وجل فقالوا:
{ربنا أفرغ} اصبب، {علينا صبرا وتوفنا مسلمين} ذكر الكلبي: أن فرعون قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم وذكر غيره: أنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى: (فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) [القصص-35] . {وقال الملأ من قوم فرعون} له {أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض} وأرادوا بالإفساد في الأرض دعاءهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته، {ويذرك} أي: وليذرك، {وآلهتك} فلا يعبدك ولا يعبدها. قال ابن عباس: كان لفرعون بقرة يعبدها، وكان إذا رأى بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج السامري لهم عجلا. وقال الحسن: كان قد علق على عنقه صليبا يعبده. وقال السدي: كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناما وأمرهم بعبادتها، وقال لقومه هذه آلهتكم وأنا ربها وربكم، فذلك قوله (أنا ربكم الأعلى) (النازعات-24) ، وقرأ ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك: "ويذرك وإلاهتك" بكسر الألف، أي: عبادتك فلا يعبدك، لأن فرعون كان يعبد ولا يعبد وقيل: أراد بالآلهة الشمس. وكانوا يعبدونها قال الشاعر: تروحنا من اللعباء قصرا ... وأعجلنا الإلاهة أن تؤبا {قال} فرعون {سنقتل أبناءهم} قرأ أهل الحجاز: "سنقتل" بالتخفيف من القتل، وقرأ الآخرون بالتشديد من التقتيل على التكثير، {ونستحيي نساءهم} نتركهن أحياء، {وإنا فوقهم قاهرون} غالبون. قال ابن عباس: كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل في العام الذي قيل أنه يولد مولود يذهب بملكك، فلم يزل يقتلهم حتى أتاهم موسى بالرسالة، وكان من أمره ما كان، فقال فرعون: أعيدوا عليهم القتل، فأعادوا عليهم القتل، فشكت ذلك بنو إسرائيل. {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون } {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله} يعني أرض مصر، {يورثها} يعطيها {من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} بالنصر والظفر. وقيل: السعادة والشهادة. وقيل: الجنة. {قالوا أوذينا} قال ابن عباس: لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل، فقالوا -يعني قوم موسى -إنا أوذينا، {من قبل أن تأتينا} بالرسالة بقتل الأبناء، {ومن بعد ما جئتنا} بإعادة القتل علينا. وقيل: فالمراد منه أن فرعون كان يستسخرهم قبل مجيء موسى إلى نصف النهار، فلما جاء موسى استسخرهم جميع النهار بلا أجر. وذكر الكلبي أنهم كانوا يضربون له اللبن بتبن فرعون، فلما جاء موسى أجبرهم أن يضربوه بتبن من عندهم. {قال} موسى {عسى ربكم أن يهلك عدوكم} فرعون، {ويستخلفكم في الأرض} أي: يسكنكم أرض مصر من بعدهم، {فينظر كيف تعملون} فحقق الله ذلك بإغراق فرعون واستخلافهم في ديارهم وأموالهم فعبدوا العجل. قوله عز وجل: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} أي: بالجدوب والقحط. تقول العرب: مستهم السنة، أي: جدب السنة وشدة السنة. وقيل: أراد بالسنين القحط سنة بعد سنة، {ونقص من الثمرات} والغلات بالآفات والعاهات. وقال قتادة: أما السنين فلأهل البوادي، وأما نقص الثمرات فلأهل الأمصار، {لعلهم يذكرون} أي: يتعظون وذلك لأن الشدة ترقق القوب وترغبها فيما عند الله عز وجل. {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين } {فإذا جاءتهم الحسنة} يعني: الخصب والسعة والعافية، {قالوا لنا هذه} أي: نحن أهلها ومستحقوها على العادة التي جرت لنا في سعة أرزاقنا ولم يروها تفضلا من الله عز وجل فيشكروا عليها، {وإن تصبهم سيئة} جدب وبلاء ورأوا ما يكرهون، {يطيروا} يتشاءموا، {بموسى ومن معه} وقالوا: ما أصابنا بلاء حتى رأيناهم، فهذا من شؤم موسى وقومه.
قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: كان ملك فرعون أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة لا يرى مكروها، ولو كان له في تلك المدة جوع يوم أو حمى ليلة، أو وجع ساعة، لما ادعى الربوبية قط. قال الله تعالى {ألا إنما طائرهم عند الله} أي: انصباؤهم من الخصب والجدب والخير والشر كله من الله. وقال ابن عباس: طائرهم ما قضى الله عليهم وقدر لهم. وفي رواية عنه: شؤمهم عند الله ومن قبل الله. أي: إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله. وقيل: معناه الشؤم العظيم الذي لهم عند الله من عذاب النار، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن الذي أصابهم من الله. {وقالوا} يعني: القبط لموسى {مهما تأتنا} متى ما كلمة تستعمل للشرط والجزاء، {تأتنا به من آية} من علامة، {لتسحرنا بها} لتنقلنا عما نحن عليه من الدين، {فما نحن لك بمؤمنين} بمصدقين. {فأرسلنا عليهم الطوفان} قال ابن عباس 135/ب وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق -دخل كلام بعضهم في بعض -: لما آمنت السحرة، ورجع فرعون مغلوبا، أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، فلما عالج منهم بالآيات الأربع: العصا، واليد، والسنين، ونقص الثمار، فأبوا أن يؤمنوا فدعا عليهم، فقال: يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن قومه قد نقضوا عهدك، رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة، فبعث الله عليهم الطوفان، وهو الماء، أرسل الله عليهم الماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وركد الماء على أرضهم لا يقدرون أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا، ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت. وقال مجاهد وعطاء: الطوفان الموت. وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة اليمن، وقال أبو قلابة: الطوفان الجدري، وهم أول من عذبوا به فبقي في الأرض. وقال مقاتل: الطوفان الماء طغى فوق حروثهم. وروى ابن ظبيان عن ابن عباس قال: الطوفان أمر من الله طاف بهم، ثم قرأ (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون) (القلم-19) . قال نحاة الكوفة: الطوفان مصدر لا يجمع، كالرجحان والنقصان. وقال أهل البصرة: هو جمع، واحدها طوفانة، فقال لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان، فأنبت الله لهم في تلك السنة شيئا لم ينتبه لهم قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر وأخصبت بلادهم، فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا، فلم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية، فبعث الله عليهم الجراد فأكل عامة زروعهم وثمارهم وأوراق الشجر حتى كانت تأكل الأبواب وسقوف البيوت والخشب والثياب والأمتعة ومسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم، وابتلي الجراد بالجوع، فكان لا يشبع ولم يصب بني إسرائيل شيء من ذلك فعجوا وضجوا، وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، وأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا موسى عليه السلام فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام عليه سبعة أيام من السبت إلى السبت. وفي الخبر: "مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم" . ويقال إن موسى برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت، وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاتهم بقية، فقالوا: قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا، فلم يفوا بما عاهدوا، وعادوا لأعمالهم السوء، فأقاموا شهرا في عافية، ثم بعث الله عليهم القمل. [واختلفوا في القمل] فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: القمل السوس الذي يخرج من الحنطة. وقال مجاهد والسدي وقتادة والكلبي: القمل الدبى والجراد الطيارة التي لها أجنحة، والدبى الصغار التي لا أجنحة لها. وقال [عكرمة: هي بنات] الجراد. وقال أبو عبيدة: وهو الحمنان وهو ضرب من القراد. وقال عطاء الخرساني: هو القمل. وبه قرأ أبو الحسن (القمل) بفتح القاف وسكون الميم.
قالوا: أمر الله موسى أن يمشي إلى كثيب أعفر، بقرية من قرى مصر تدعى عين الشمس، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب وكان أهيل فضربه بعصاه فانثال عليهم القمل، فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم وبناتهم فأكله، ولحس الأرض كلها وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه، وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلئ قملا. قال سعيد بن المسيب: القمل السوس الذي يخرج من الحبوب، وكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحا فلا يرد منها ثلاثة أقفزة، فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل، وأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري عليهم ومنعهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا إلى موسى أنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا البلاء، فدعا موسى عليه السلام الله فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم. وقالوا: ما كنا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم يجعل الرمل دواب. فدعا موسى بعدما أقاموا شهرا في عافية، فأرسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم وأطعمتهم وآنيتهم، فلا يكشف أحد إناء ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع، وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى ذقنه، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، وكانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم وتطفئ نيرانهم، وكان أحدهم يضطجع فتركبه الضفادع فتكون عليه ركاما حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر، ويفتح فاه لأكلته فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه، ولا يعجن عجينا إلا تشدخت فيه، ولا يفتح قدرا إلا امتلأت ضفادع، فلقوا منها أذى شديدا. روى عكرمة عن ابن عباس قال: كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف أنفسها في القدور وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا ذلك إلى موسى، وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود، فأخذ عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعدما أقام سبعا من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرا في عافية ثم نقضوا العهد وعادوا لكفرهم، فدعا عليهم موسى فأرسل الله عليهم الدم، فسال النيل عليهم دما وصارت مياههم دما وما يستقون من الآبار والأنهار إلا وجدوه دما عبيطا أحمر، فشكوا إلى فرعون وقالوا ليس لنا شراب، فقال: إنه سحركم، فقالوا: من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما عبيطا؟ وكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء والقبطي دما [ويقومان إلى الجرة فيها الماء فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دم] حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول اسقني من مائك فتصب لها من قربتها فيعود في الإناء دما حتى كانت تقول اجعليه في فيك ثم مجيه في في فتأخذ في فيها ماء فإذا مجته 136/أفي فيها صار دما، وإن فرعون اعتراه العطش حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها يصير ماؤها في فيه ملحا أجاجا، فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم. قال زيد بن أسلم: الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف، فأتوا موسى وقالوا يا موسى ادع ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه عز وجل فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، فذلك قوله عز وجل: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات} يتبع بعضها بعضا. وتفصيلها أن كل عذاب يمتد أسبوعا، وبين كل عذابين شهرا، {فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين} {ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين }
{ولما وقع عليهم الرجز} أي: نزل بهم العذاب وهو ما ذكر الله عز وجل من الطوفان وغيره.. وقال سعيد بن جبير: الرجز الطاعون، وهو العذاب السادس بعد الآيات [الخمس] حتى مات منهم سبعون ألفا في يوم احد، فأمسوا وهو لا يتدافنون {قالوا} لموسى {يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي: بما أوصاك. وقال عطاء: بما نبأك. وقيل: بما عهد عندك من إجابة دعوتك {لئن كشفت عنا الرجز} وهو الطاعون {لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل} أخبرنا أبو الحسن السرخسي ثنا زاهر بن أحمد ثنا أبو إسحاق الهاشمي ثنا أبو مصعب عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: أسمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟ فقال أسامة بن زيد: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] "الطاعون رجز أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه" قوله عز وجل: {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه} يعني: إلى الغرق في اليم {إذا هم ينكثون} ينقضون العهد. {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم} يعني: البحر {بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} أي: عن النقمة قبل حلولها غافلين. وقيل: معناه عن آياتنا معرضين. {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون } {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين } {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} يقهرون ويستذلون بذبح الأبناء واستخدام النساء [والاستعباد وهم بنو إسرائيل] {مشارق الأرض ومغاربها} يعني مصر والشام {التي باركنا فيها} بالماء والأشجار والثمار والخصب والسعة {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل} يعني: وفت كلمة الله وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين في الأرض، وذلك قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) [القصص-5) {بما صبروا} على دينهم وعلى عذاب فرعون {ودمرنا} أهلكنا {ما كان يصنع فرعون وقومه} في أرض مصر من العمارات، {وما كانوا يعرشون} قال مجاهد: يبنون من البيوت والقصور. وقال الحسن: يعرشون من الأشجار والثمار والأعناب. وقرأ ابن عامر وأبو بكر {يعرشون} بضم الراء هاهنا وفي النحل، وقرأ الآخرون بكسرها. قوله تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} قال الكلبي: عبر بهم موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه شكرا لله عز وجل {فأتوا} فمروا {على قوم يعكفون} يقيمون قرأ حمزة والكسائي " يعكفون " بكسر الكاف وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان، {على أصنام} أوثان {لهم} يعبدونها من دون الله. قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل. قال قتادة: كان أولئك القوم من لخم وكانوا نزولا بالرقة، فقالت بنو إسرائيل لما رأوا ذلك: {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها} أي: مثالا نعبده {كما لهم آلهة} ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله، وإنما معناه: اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله عز وجل وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم. {قال} موسى {إنكم قوم تجهلون} عظمة الله. {إن هؤلاء متبر} مهلك، {ما هم فيه} والتتبير الإهلاك، {وباطل ما كانوا يعملون} {قال} يعني موسى {أغير الله أبغيكم} أي: أبغي لكم وأطلب، {إلها وهو فضلكم على العالمين} أي: على عالمي زمانكم.
أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أنا إسحاق بن إبراهيم الديري أنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما كان للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى "اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنكم تركبون سنن من قبلكم" . {وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } قوله عز وجل: {وإذ أنجيناكم} قرأ ابن عامر "أنجاكم" وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، {من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم} قرأ نافع "يقتلون" خفيفة، من القتل، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير من التقتيل، {ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} ذي القعدة، {وأتممناها بعشر} من ذي الحجة، {فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى} عند انطلاقه إلى الجبل للمناجاة {لأخيه هارون اخلفني} كن خليفتي، {في قومي وأصلح} أي أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله. وقال ابن عباس: يريد الرفق بهم والإحسان إليهم {ولا تتبع سبيل المفسدين} أي: لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره، وذلك أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر: أن الله إذا أهلك عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون! فلما فعل الله ذلك بهم سأل موسى ربه الكتاب، فأمره الله عز وجل أن يصوم ثلاثين يوما، فلما تمت ثلاثون أنكر خلوف فمه، فتسوك بعود خروب. وقال أبو العالية: أكل من لحاء شجرة، فقالت له الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله تعالى أن يصوم عشرة أيام من ذي الحجة، وقال: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فكانت فتنتهم في العشر التي زادها. {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } قوله عز وجل: {ولما جاء موسى لميقاتنا} أي: للوقت الذي 136/ب ضربنا له أن نكلمه فيه. قال أهل التفسير: إن موسى عليه السلام تطهر وطهر ثيابه لميعاد ربه لما أتى طور سيناء. وفي القصة: إن الله عز وجل أنزل ظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه هوام الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء ورأى الملائكة قياما في الهواء ورأى العرش بارزا وكلمه الله وناجاه حتى أسمعه، وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلمه ربه وأدناه حتى سمع صرير القلم فاستحلى موسى عليه السلام كلام ربه واشتاق إلى رؤيته {قال رب أرني أنظر إليك} قال الزجاج: فيه اختصار تقديره: أرني نفسك أنظر إليك. قال ابن عباس: أعطني النظر إليك. فإن قيل: كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله تعالى لا يرى في الدنيا؟ قال الحسن: هاج به الشوق فسأل الرؤية. وقيل: سأل الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يرى في الدنيا {قال} الله تعالى {لن تراني} وليس لبشر أن يطيق النظر [إلي في الدنيا من نظر إلي] في الدنيا مات فقال إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن أنظر إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك فقال الله عز وجل: {ولكن انظر إلى الجبل} وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير.
قال السدي: لما كلم الله موسى غاص الخبيث إبليس في الأرض حتى خرج بين قدمي موسى، فوسوس إليه: أن يكلمك شيطان فعند ذلك سأل موسى الرؤية فقال الله عز وجل: {لن تراني} وتعلقت نفاة الرؤية بظاهر هذه الآية، وقالوا: قال الله تعالى: {لن تراني} ولن تكون للتأبيد، ولا حجة لهم فيها ومعنى الآية: لن تراني في الدنيا أو في الحال، لأنه كان يسأل الرؤية في الحال و"لن" لا تكون للتأبيد، كقوله تعالى: (ولن يتمنوه أبدا) [البقرة-95] ، إخبارا عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة يقولون (يا مالك ليقض علنيا ربك) [الزخرف-77] ، و (يا ليتها كانت القاضية) [الحاقة-27] ، والدليل عليه أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية ولم يقل إني لا أرى حتى تكون لهم حجة بل علق الرؤية على استقرار الجبل واستقرار الجبل على التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا. قال الله تعالى: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} قال وهب وابن إسحاق لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب، وأمر الله ملائكة السماء أن يعترضوا على موسى فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده، ثم قال: لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبر لم سألت، فقليل من كثير ما رأيت. ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا أمثال النسور لهم قصف ورجف شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار، ففزع موسى واشتد نفسه وأيس من الحياة، فقال له خير الملائكة: مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا تصبر عليه، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن عمران فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم علية بالتقديس والتسبيح لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم، فاصطكت ركبتاه وأرعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت. ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره، لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي طلب ليراني، فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة، نار أشد ضوءا من الشمس، ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات، كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس، رب العزة أبدا لا يموت، في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم [حين سبحوا] وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت احترقت وإن مكثت مت، فقال له كبير الملائكة ورأسهم: قد أوشكت يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت.
ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله، ورفعت ملائكة السموات أصواتهم جميعا يقولون: سبحان القدوس رب العزة أبدا لا يموت بشدة أصواتهم، فارتج الجبل واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس معه روحه، فأرسل الله برحمته الروح فتغشاه، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى، فأقامه الروح مثل اللامة، فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول آمنت بك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء، رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك وما أجلك رب العالمين، فذلك قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} قال ابن عباس: ظهر 137/أنور ربه للجبل، جبل زبير. وقال الضحاك: أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور. وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار: ما تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكا. وقال السدي: ما تجلى إلا قدر الخنصر، يدل عليه ما روى ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: "هكذا" ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل . وحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر الدرهم فجعل الجبل دكا، أي: مستويا بالأرض، قرأ حمزة والكسائي (دكاء) ممدودا غير منون هاهنا وفي سورة الكهف، [وافق عاصم في الكهف] وقرأ الآخرون (دكا) مقصورا منونا، فمن قصره فمعناه جعله مدقوقا: والدك والدق واحد، وقيل: معناه دكه الله دكا، أي: فتته كما قال: (كلا إذا دكت الأرض دكا دكا) [الفجر-21] ، ومن قرأ بالمد أي: جعله مستويا أرضا دكاء. وقيل: معناه جعله مثل دكاء وهي الناقة التي لا سنام لها قال ابن عباس: جعله ترابا. وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه. وقال عطية العوفي: صار رملا هائلا. وقال الكلبي: جعله دكا أي كسرا جبالا صغارا. ووقع في تعض التفاسير: صار لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان ورضوى، ووقعت ثلاثة بمكة ثور وثبير وحراء . قوله عز وجل: {وخر موسى صعقا} قال ابن عباس والحسن: مغشيا عليه. وقال قتادة: ميتا. وقال الكلبي: خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر. قال الواقدي: لما خر موسى صعقا قالت ملائكة السموات: ما لابن عمران وسؤال الرؤية؟ وفي بعض الكتب أن ملائكة السموات أتوا موسى وهو مغشي عليه فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة. {فلما أفاق} موسى من صعقته وثاب إليه عقله عرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له {قال سبحانك تبت إليك} عن سؤال الرؤية {وأنا أول المؤمنين} بأنك لا ترى في الدنيا. وقال مجاهد والسدي: وأنا أول من آمن بك من بني إسرائيل. {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين } {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس} اخترتك على الناس، قرأ ابن كثير وأبو عمرو "إني" بفتح الياء وكذلك "أخي اشدد" [طه-31] ، {برسالاتي} قرأ أهل الحجاز برسالتي على التوحيد، والآخرون بالجمع، {وبكلامي فخذ ما آتيتك} أعطيتك {وكن من الشاكرين} لله على نعمه. فإن قيل: فما معنى قوله "اصطفيتك على الناس برسالاتي" وقد أعطي غيره الرسالة؟ قيل:لما لم تكن الرسالة على العموم في حق الناس كافة استقام قوله اصطفيتك على الناس وإن شاركه فيه غيره، كما يقول الرجل: خصصتك بمشورتي وإن شاور غيره إذا لم تكن المشورة على العموم يكون مستقيما.
وفي بعض القصة: أن موسى عليه السلام كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور، ولم يزل على وجهه برقع حتى مات. وقالت له امرأته: أنا أيم منك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرجت لله ساجدة، وقالت: ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال: ذاك لك إن لم تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها. أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي المزكي أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن إسحاق السراج حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا راشد بن أسعد بن عبد الرحمن المغافري عن أبيه عن كعب الأحبار: أن موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، رب اجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد يا موسى، فقال: ربي إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، فقال: رب إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار، وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، قال: يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله فإذا هبط واديا حمد الله، الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا، يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غر محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، فقال: رب إني أجد أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت له ضعف عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت له سيئة مثلها، فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة أحمد، فقال: رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب من الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ولا أجد أحدا منهم إلا مرحوما فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، فقال: يا رب إني أجد أمة [مصاحفهم] في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصفون في صلاتهم صفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم أبدا إلا من يرى الحساب مثل ما يرى الحجر من وراء الشحر، فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة أحمد، فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد وأمته، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن: "يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي" إلى قوله: "سأريكم دار الفاسقين، ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"، فرضي موسى كل الرضا" . {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين } قوله عز وجل: {وكتبنا له} يعني لموسى، {في الألواح} قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة، وفي الحديث: "كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنا عشر ذراعا" . وجاء في أحاديث خلق الله آدم بيده: "وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده" .
وقال الحسن: كانت الألواح من خشب. قال الكلبي 137/ب كانت من زبرجدة خضراء. وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر، وقال الربيع بن أنس: كانت الألواح من برد. قال ابن جريج: كانت من زمرد، أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وقال وهب: أمره الله بقطع الألواح من صخرة صماء لينها الله له فقطعها بيده ثم شققها بأصبعه، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشرة وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة، وكانت الألواح عشرة أذرع على طول موسى. وقال مقاتل ووهب: {وكتبنا له في الألواح} كنقش الخاتم. وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة، لم يقرأه إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى. وقال الحسن: هذه الآية في التوراة ألف آية يعني "وكتبنا له في الألواح" {من كل شيء} مما أمروا به ونهوا عنه، {موعظة} نهيا عن الجهل، وحقيقة الموعظة: التذكرة والتحذير بما يخاف عاقتبه، {وتفصيلا لكل شيء} أي: تبيينا لكل شيء من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود والأحكام. {فخذها بقوة} أي: بجد واجتهاد، وقيل: بقوة القلب وصحة العزيمة، لأنه إذا أخذه بضعف النية أداه إلى الفتور، {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: يحلوا حلالها، ويحرموا حرامها، ويتدبروا أمثالها، ويعملوا بمحكمها، ويقفوا عند متشابهها وكان موسى عليه السلام أشد عبادة من قومه، فأمر بما لم يؤمروا به. قال قطرب: بأحسنها أي بحسنها، وكلها حسن. وقيل: أحسنها الفرائض والنوافل، وهي ما يستحق عليها الثواب، وما دونها المباح، لأنه لا يستحق عليه الثواب. وقيل: بأحسنها بأحسن الأمرين في كل شيء كالعفو أحسن من القصاص، والصبر أحسن من الانتصار. {سأريكم دار الفاسقين} قال مجاهد: مصيرها في الآخرة. قال الحسن وعطاء: يعني جهنم، يحذركم أن تكونوا مثلهم. وقال قتادة وغيره: سأدخلكم الشأم فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله لتعتبروا بها. قال عطية العوفي: أراد دار فرعون وقومه وهي مصر، يدل عليه قراءة قسامة بن زهير: "سأوريكم دار الفاسقين"، وقال السدي: دار الفاسقين مصارع الكفار. وقال الكلبي: ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا. {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } قوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} قال ابن عباس: يريد الذين يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي، يعني: سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم للحق، كقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) . قال سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن. قال ابن جريج: يعني عن خلق السموات والأرض وما فيها أي أصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها. وقيل: حكم الآية لأهل مصر خاصة، وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى موسى عليه السلام. والأكثرون على أن الآية عامة {وإن يروا} [يعني: هؤلاء المتكبرين] {كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد} قرأ حمزة والكسائي "الرشد" بفتح الراء والشين، والآخرون بضم الراء وسكون الشين وهما لغتان كالسقم والسقم والبخل والبخل والحزن والحزن. وكان أبو عمرو يفرق بينهما، فيقول: الرشد -بالضم -الصلاح في الأمر، وبالفتح الاستقامة في الدين. معنى الآية: إن يروا طريق الهدى والسداد {لا يتخذوه} لأنفسهم {سبيلا} {وإن يروا سبيل الغي} أي طريق الضلال {يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} عن التفكير فيها والاتعاظ بها غافلين ساهين. {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} أي: ولقاء الدار الآخرة التي هي موعد الثواب والعقاب، {حبطت أعمالهم} بطلت وصارت كأن لم تكن، {هل يجزون} في العقبى {إلا ما كانوا} أي إلا جزاء ما كانوا {يعملون} في الدنيا.
{واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين } قوله عز وجل: {واتخذ قوم موسى من بعده} أي: بعد انطلاقه إلى الجبل {من حليهم} التي استعاروها من قوم فرعون. قرأ حمزة والكسائي {من حليهم} بكسر الحاء [وقرأ يعقوب بفتح الحاء وسكون اللام] واتخذ السامري منها {عجلا} وألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فتحول عجلا {جسدا} حيا ولحما ودما {له خوار} وهو صوت البقر، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وجماعة أهل التفسير. وقيل: كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه، كان يسمع منه صوت. وقيل: كان يسمع صوت حفيف الريح يدخل في جوفه ويخرج، والأول أصح. وقيل: إنه ما خار إلا مرة واحدة، وقيل: كان يخور كثيرا كلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رءوسهم. وقال وهب: كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرك. وقال السدي: كان يخور ويمشي {ألم يروا} يعني: الذين عبدوا العجل {أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} قال الله عز وجل: {اتخذوه وكانوا ظالمين} أي: اتخذوه إلها وكانوا كافرين. {ولما سقط في أيديهم} أي ندموا على عبادة العجل، تقول العرب لكل نادم على أمر: قد سقط في يديه، {ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا} يتب علينا ربنا، {ويغفر لنا} يتجاوز عنا، {لنكونن من الخاسرين} قرأ حمزة والكسائي: "ترحمنا وتغفر لنا" بالتاء فيهما "ربنا" بنصب الباء. وكان هذا الندم والاستغفار منهم بعد رجوع موسى إليهم. {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين } قوله عز وجل: {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} قال أبو الدرداء: الأسف شديد الغضب. وقال ابن عباس والسدي: أسفا أي حزينا. والأسف أشد الحزن، {قال بئسما خلفتموني من بعدي} أي: بئس ما عملتهم بعد ذهابي، يقال: خلفه بخير أو بشر إذا أولاه في أهله بعد شخوصه عنهم خيرا أو شرا، {أعجلتم} أسبقتم {أمر ربكم} قال الحسن: وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين 138/أليلة. وقال الكلبي: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. {وألقى الألواح} التي فيها التوراة وكان حاملا لها، فألقاها على الأرض من شدة الغضب. قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفعت ستة أسباعها وبقي سبع، فرفع ما كان من أخبار الغيب، وبقي ما فيه الموعظة والأحكام والحلال والحرام، {وأخذ برأس أخيه} بذوائبه ولحيته {يجره إليه} وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين وأحب إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه كان لين الغضب. {قال} هارون عند ذلك {ابن أم} قرأ أهل الكوفة والشام هاهنا وفي طه بكسر الميم، يريد يا ابن أمي، فحذف ياء الإضافة وأبقيت الكسرة لتدل على الإضافة كقوله: "يا عباد" وقرأ أهل الحجاز والبصرة وحفص: بفتح الميم على معنى يا ابن أماه. وقيل: جعله اسما واحدا وبناه على الفتح، كقولهم: حضرموت، وخمسة عشر، ونحوهما، وإنما قال ابن أم وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه. وقيل: كان أخاه لأمه دون أبيه، {إن القوم استضعفوني} يعني عبدة العجل، {وكادوا يقتلونني} هموا وقاربوا أن يقتلوني، {فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني} في مؤاخذتك علي {مع القوم الظالمين} يعني عبدة العجل. {قال} موسى لما تبين له عذر أخيه، {رب اغفر لي} ما صنعت إلى أخي، {ولأخي} إن كان منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل، {وأدخلنا} جميعا {في رحمتك وأنت أرحم الراحمين}
{إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } قوله تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل} أي: اتخذوه إلها {سينالهم غضب من ربهم} في الآخرة {وذلة في الحياة الدنيا} قال أبو العالية: هو ما أمروا به من قتل أنفسهم. وقال عطية العوفي: "إن الذين اتخذوا العجل" أراد اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم عيرهم بصنيع آبائهم فنسبه إليهم {سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا} أراد ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الجزية، {وكذلك نجزي المفترين} الكاذبين، قال أبو قلابة هو -والله -جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله. قال سفيان بن عيينة: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة. قوله تبارك وتعالى: {ولما سكت} أي: سكن، {عن موسى الغضب أخذ الألواح} التي كان ألقاها وقد ذهبت ستة أسباعها {وفي نسختها} اختلفوا فيه، قيل: أراد بها الألواح، لأنها نسخت من اللوح المحفوظ. وقيل: إن موسى لما ألقى الألواح تكسرت فنسخ منها نسخة أخرى فهو المراد من قوله: {وفي نسختها} وقيل: أراد: وفيما نسخ منها. وقال عطاء: فيما بقي منها. وقال ابن عباس وعمرو بن دينار: لما ألقى موسى الألواح فتكسرت صام أربعين يوما فردت عليه في لوحين فكان فيه، {هدى ورحمة} أي: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب، {للذين هم لربهم يرهبون} أي: للخائفين من ربهم، واللام في {لربهم} زيادة توكيد، كقوله: (ردف لكم) [النمل-72] ، وقال الكسائي: لما تقدمت قبل الفعل حسنت، كقوله: (للرؤيا تعبرون) [يوسف-43] ، وقال قطرب: أراد من ربهم يرهبون. وقيل: أراد راهبون. وقيل: أراد راهبون لربهم. {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } قوله تعالى: {واختار موسى قومه} أي: من قومه، فانتصب لنزع حرف الصفة، {سبعين رجلا لميقاتنا} فيه دليل على أن كلهم لم يعبدوا العجل. قال السدي: أمر الله تعال موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا {فلما} أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا. قال ابن إسحاق: اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا ويسألوا التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم، فهذا يدل على أن كلهم عبدوا العجل. وقال قتادة، وابن جريج، ومحمد بن كعب: {أخذتهم الرجفة} لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف لم ينهوهم عن المنكر. وقال ابن عباس: إن السبعين الذين قالوا: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة) [البقرة-55] ، كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة، وإنما أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختارهم وبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا، ولا تعطه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة. وقال وهب: لم تكن الرجفة صوتا، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا، حتى كادت أن تبين مفاصلهم، فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت، فاشتد عليه فقدهم، وكانوا له وزراء على الخير، سامعين مطيعين، فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربه، فكشف الله عنهم تلك الرجفة، فاطمأنوا وسمعوا كلام ربهم، فذلك قوله عز وجل: {قال} يعني موسى {رب لو شئت أهلكتهم من قبل} يعني عن عبادة العجل {وإياي} بقتل القبطي. {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} يعني عبدة العجل، وظن موسى أنهم عوقبوا باتخاذهم العجل، وقال هذا على طريق السؤال، يسأل: أتهلكنا بفعل السفهاء؟.
وقال المبرد: قوله "أهلكنا بما فعل السفهاء منا" استفهام استعطاف، أي: لا تهلكنا، وقد علم موسى عليه السلام أن الله تعالى أعدل من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره. قوله تعالى {إن هي إلا فتنتك} أي: التي وقع فيها السفهاء، لم تكن إلا اختبارك وابتلاءك، أضللت بها قوما فافتتنوا، وهديت قوما فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك، فذلك هو معنى قوله: {تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا} ناصرنا وحافظنا، {فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون } {واكتب لنا} أوجب لنا {في هذه الدنيا حسنة} النعمة والعافية، {وفي الآخرة} أي: وفي الآخرة {حسنة} أي المغفرة والجنة، {إنا هدنا إليك} أي: تبنا إليك، {قال} الله تعالى: {عذابي أصيب به من أشاء} من خلقي، {ورحمتي وسعت كل شيء} عمت كل شيء، قال الحسن وقتادة: 138/ب وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة. وقال عطية العوفي: وسعت كل شيء ولكن لا تجب إلا للذين يتقون، وذلك أن الكافر يرزق، ويدفع عنه بالمؤمنين لسعة رحمة الله للمؤمنين، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة، كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه. قال ابن عباس -رضي الله عنهما -وقتادة، وابن جريج: لما نزلت: "ورحمتي وسعت كل شيء" قال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فقال الله سبحانه وتعالى: {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} فتمناها اليهود والنصارى، وقالوا: نحن نتقي ونؤمن، ونؤتي الزكاة، فجعلها الله لهذه الأمة فقال: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} الآية. قال نوف البكالي الحميري: لما اختار موسى قومه سبعين رجلا قال الله تعالى لموسى: أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا، تصلون حيث أردكتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر، وأجعل السكينة في قلوبكم، وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظهر قلوبكم، يقرؤها الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فقال ذلك موسى لقومه، فقالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهور قلوبنا، ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا، فقال الله تعالى: "فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة" إلى قوله: "أولئك هم المفلحون"، فجعلها الله لهذه الأمة. فقال موسى عليه السلام: يا رب اجعلني نبيهم، فقال: نبيهم منهم، قال: رب اجعلني منهم فقال: إنك لن تدركهم، فقال موسى عليه السلام: يا رب إني أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا، فأنزل الله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) [الأعراف-159] ، فرضي موسى . قوله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس رضي الله عنهما هو نبيكم كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" وهو منسوب إلى الأم، أي هو على ما ولدته أمه. وقيل هو منسوب إلى أمته، أصله أمتي فسقطت التاء في النسبة كما سقطت في المكي والمدني وقيل: هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة. {الذي يجدونه} أي: يجدون صفته ونعته ونبوته، {مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} أخبرنا عبد الواحد المليحي أن أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح حدثنا هلال عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن
عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة: قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ لا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا" . تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال عن عطاء عن ابن سلام أخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام أنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي حدثنا عبد الله بن عثمان عن أبي حمزة عن الأعمش عن أبي صالح عن عبد الله بن ضمرة عن كعب -رضي الله عنه -قال: إني أجد في التوراة مكتوبا محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد، يأتزرون على أنصافهم +ويوضئون أطرافهم، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، مولده بمكة ومهاجره بطابة وملكه بالشام . قوله تعالى: {يأمرهم بالمعروف} أي: بالإيمان، {وينهاهم عن المنكر} أي: عن الشرك، وقيل: المعروف: الشريعة والسنة، والمنكر: ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف: بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام، وينهاهم عن المنكر: عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام. {ويحل لهم الطيبات} يعني: ما كانوا يحرمونه في الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام {ويحرم عليهم الخبائث} يعني: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والزنا وغيرها من المحرمات. {ويضع عنهم إصرهم} قرأ ابن عامر "آصارهم" بالجمع. والإصر: كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل. قال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي ومجاهد: يعني العهد الثقيل كان أخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة. وقال قتادة: يعني التشديد الذي كان عليهم في الدين، {والأغلال} يعني: الأثقال {التي كانت عليهم} وذلك مثل: قتل الأنفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض النجاسة عن الثوب بالمقراض، وتعيين القصاص في القتل وتحريم أخذ الدية، وترك العمل في السبت، وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس وغير ذلك من الشدائد. وشبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق. {فالذين آمنوا به} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم. {وعزروه} وقروه، {ونصروه} على الأعداء {واتبعوا النور الذي أنزل معه} يعني: القرآن {أولئك هم المفلحون} {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته} أي: آياته وهي القرآن. وقال مجاهد والسدي: يعني عيسى ابن مريم، ويقرأ "كلمته" {واتبعوه لعلكم تهتدون} قوله عز وجل: {ومن قوم موسى} يعني: بني إسرائيل 139/أ {أمة} أي: جماعة، {يهدون بالحق} أي: يرشدون ويدعون إلى الحق. وقيل: معناه يهتدون ويستقيمون عليه، {وبه يعدلون} أي: بالحق يحكمون وبالعدل يقومون. قال الكلبي والضحاك والربيع: هم قوم خلف الصين، بأقصى الشرق على نهر [يجري الرمل] يسمى نهر أوداف، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل ويصحون بالنهار، ويزرعون حتى لا يصل إليهم منا أحد، وهم على الحق .
وذكر: أن جبرائيل عليه السلام ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، فكلمهم [فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا فقال لهم: هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به] فقالوا: يا رسول الله إن موسى عليه السلام أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه منا السلام، فرد النبي صلى الله عليه وسلم على موسى وعليهم، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن أنزلت بمكة، وأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت . وقيل: هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. والأول أصح . {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون } قوله عز وجل: {وقطعناهم} أي: فرقناهم، يعني بني إسرائيل، {اثنتي عشرة أسباطا أمما} قال الفراء: إنما قال: "اثنتي عشرة"، والسبط مذكر لأنه قال: "أمما" فرجع التأنيث إلى الأمم، وقال الزجاج: المعنى وقطعناهم اثنتي عشرة أمما، وإنما قال: "أسباطا أمما"، بالجمع وما فوق العشرة لا يفسر بالجمع، فلا يقال: أتاني اثنا عشر رجالا لأن الأسباط في الحقيقة نعت المفسر المحذوف وهو الفرقة، أي: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أمما. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: وقطعناهم أسباطا أمما اثنتي عشرة، والأسباط القبائل واحدها سبط. قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه} في التيه، {أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست} انفجرت. وقال أبو عمرو بن العلاء: عرقت وهو الانبجاس، ثم انفجرت، {منه اثنتا عشرة عينا} لكل سبط عين {قد علم كل أناس} كل سبط، {مشربهم} وكل سبط بنو أب واحد. قوله تعالى: {وظللنا عليهم الغمام} في التيه تقيهم حر الشمس، {وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} {وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم} قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب: "نغفر" بالتاء وضمها وفتح الفاء. وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الفاء، {خطيئاتكم} قرأ ابن عامر "خطيئتكم" على التوحيد ورفع التاء، [وقرأ أبو عمرو: "خطاياكم"، وقرأ أهل المدينة ويعقوب: "خطيئاتكم" بالجمع ورفع التاء] . وقرأ الآخرون بالجمع وكسر التاء {سنزيد المحسنين} {فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا} عذابا {من السماء بما كانوا يظلمون} {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون } قوله تعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} قيل: هي "مدين"، [أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذي هم جيرانك سؤال توبيخ وتقريع عن القرية التي كانت حاضرة البحر] أي: بقربه. قال ابن عباس: هي قرية يقال لها "إيلة" بين "مدين" و"الطور" على شاطئ البحر. وقال الزهري: هي "طبرية الشام". {إذ يعدون في السبت} أي: يظلمون فيه ويجاوزون أمر الله تعالى بصيد السمك، إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا أي: ظاهرة على الماء كثيرة، جمع شارع. وقال الضحاك: متتابعة. وفي القصة: أنها كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش السمان البيض.
{ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} كإتيانهم يوم السبت، قرأ الحسن: "لا يسبتون" بضم الياء أي: لا يدخلون في السبت، والقراءة المعروفة بنصب الياء، ومعناه: لا يعظمون السبت، {كذلك نبلوهم} نختبرهم، {بما كانوا يفسقون} فوسوس إليهم الشيطان وقال: إن الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل، فاصطادوا. أو قيل: وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ، فاتخذوا حيضا على شاطئ البحر، تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، ثم تأخذونها يوم الأحد. ففعلوا ذلك زمانا ثم تجرأوا على السبت، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل لنا، فأخذوا وأكلوا وباعوا، فصار أهل القرية أثلاثا، وكانوا نحوا من سعين ألفا، ثلث نهوا، وثلث لم ينهوا وسكتوا وقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ وثلث هم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال الناهون: لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب، ولعنهم داود عليه السلام، فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن لهم شأنا لعل الخمر غلبتهم فعلوا على الجدار، فإذا هم قردة، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولم تعرف الإنس أنسابها من القرود، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم فتقول برأسها: نعم، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون } قوله تعالى: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم} اختلفوا في الذين قالوا هذا، قيل: كانوا من الفرقة الهالكة، وذلك أنهم لما قيل لهم انتهوا عن هذا العمل السيئ، قبل أن ينزل بكم العذاب وإنا نعلم أن الله منزل بكم بأسه إن لم تنتهوا أجابوا وقالوا: (لم تعظون قوما الله مهلكهم) ، {أو} علمتهم أنه {معذبهم عذابا شديدا قالوا} أي: قال الناهون {معذرة} أي: موعظتنا معذرة {إلى ربكم} قرأ حفص: "معذرة" بالنصب أي نفعل ذلك معذرة إلى ربكم. والأصح أنها من قول الفرقة الساكنة، قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم، قالوا معذرة إلى ربكم، ومعناه أن الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله، {ولعلهم يتقون} أي: يتقون الله ويتركوا المعصية، ولو كان الخطاب مع المعتدين لكان يقول ولعلكم تتقون. {فلما نسوا ما ذكروا به} أي: تركوا ما وعظوا به، {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا} يعني الفرقة العاصية، {بعذاب بئيس} أي: شديد وجيع، من البأس وهو الشدة. واختلف القراء فيه قرأ أهل المدينة وابن عامر "بئيس" بكسر الباء على وزن فعل، إلا أن ابن عامر يهمزه، وأبو جعفر ونافع لا يهمزان، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل مثل صيقل، وقرأ الآخرون على وزن فعيل مثل بعير وصغير. {بما كانوا يفسقون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أسمع الله يقول: "أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس"، فلا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ قال عكرمة: قلت له: جعلني الله فداك ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، وقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل: أهلكتهم، فأعجبه قولي، فرضي وأمر لي ببردين فكسانيهما. وقال يمان بن رباب: نجت 139/ب الطائفتان الذين قالوا لم تعظون قوما والذين قالوا معذرة إلى ربكم، وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان. وهذا قول الحسن. وقال ابن زيد: نجت الناهية، وهلكت الفرقتان، وهذه أشد آية في ترك النهي عن المنكر. {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } قوله تعالى: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه} قال ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} مبعدين، فمكثوا ثلاثة أيام ينظر إليهم الناس ثم هلكوا.
{وإذ تأذن ربك} أي: آذن وأعلم ربك، يقال: تأذن وآذن، مثل: توعد وأوعد. وقال ابن عباس: تأذن ربك قال ربك. وقال مجاهد: أمر ربك. وقال عطاء: حكم ربك. {ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة} أي: على اليهود، {من يسومهم سوء العذاب} بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} {وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } {وقطعناهم} وفرقناهم {في الأرض أمما} فرقا فرقهم الله فتشتت أمرهم ولم تجتمع لهم كلمة، {منهم الصالحون} قال ابن عباس ومجاهد: يريد الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به {ومنهم دون ذلك} يعني الذين بقوا على الكفر. وقال الكلبي: منهم الصالحون هم الذين وراء نهر أوداف من وراء الصين ومنهم دون ذلك، يعني: من هاهنا من اليهود، {وبلوناهم بالحسنات} بالخصب والعافية، {والسيئات} الجدب والشدة، {لعلهم يرجعون} لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا. قوله عز وجل: {فخلف من بعدهم} أي: جاء من هؤلاء الذين وصفناهم {خلف} والخلف: القرن الذي يجيء بعد قرن. قال أبو حاتم: الخلف بسكون اللام الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء، والخلف بفتح اللام: البدل سواء كان ولدا أو غريبا. وقال ابن الأعرابي: الخلف بالفتح: الصالح، وبالجزم: الطالح. وقال النضر بن شميل: الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد، وأما في القرن الصالح فبتحريك اللام لا غير. وقال محمد بن جرير: أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام، وفي الذم بتسكينها وقد يحرك في الذم ويسكن في المدح. {ورثوا الكتاب} أي: انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو التوراة، {يأخذون عرض هذا الأدنى} فالعرض متاع الدنيا، والعرض، بسكون الراء، ما كان من الأموال سوى الدراهم والدنانير. وأراد بالأدنى العالم، وهو هذه الدار الفانية، فهو تذكير الدنيا، وهؤلاء اليهود ورثوا التوراة فقرؤوها وضيعوا العمل بما فيها، وخالفوا حكمها، يرتشون في حكم الله وتبديل كلماته، {ويقولون سيغفر لنا} ذنوبنا يتمنون على الله الأباطيل. أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنبأنا أبو طاهر، محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنبأنا عبد الله بن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" . {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب، يقول إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما، ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه. وقال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم، فيقال له: ما لك ترتشي؟ فيقول: سيغفر لي، فيطعن عليه الآخرون، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي أيضا. يقول: وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه. {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} أي: أخذ عليهم العهد في التوراة أن لا يقولوا على الله الباطل، وهي تمني المغفرة مع الإصرار، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار، {ودرسوا ما فيه} قرأوا ما فيه، فهم ذاكرون لذلك، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة، ودرس الكتاب: قراءته وتدبره مرة بعد أخرى، {والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين }
{وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } {والذين يمسكون بالكتاب} قرأ أبو بكر عن عاصم: "يمسكون" بالتخفيف، وقراءة العامة بالتشديد، لأنه يقال: مسكت بالشيء، ولا يقال أمسكت بالشيء، إنما يقال: أمسكته، وقرأ أبي بن كعب: "والذين تمسكوا بالكتاب"، على الماضي وهو جيد لقوله تعالى: {وأقاموا الصلاة} إذ قل ما يعطف ماض على مستقبل إلا في المعنى، [وأراد] الذين يعملون بما في الكتاب، قال مجاهد: هم المؤمنون من أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة. وقال عطاء: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. {وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين} قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم} أي: فلقنا الجبل، وقيل: رفعناه {كأنه ظلة} قال عطاء: سقيفة، والظلة: كل ما أظلك، {وظنوا} علموا {أنه واقع بهم خذوا} أي: وقلنا لهم خذوا، {ما آتيناكم بقوة} بجد واجتهاد، {واذكروا ما فيه} واعلموا به، {لعلكم تتقون} وذلك حين أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة، فرفع الله على رءوسهم جبلا. قال الحسن: فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من أن يسقط عليه، ولذلك لا تجد يهوديا إلا ويكون سجوده على حاجبه الأيسر. قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} الآية. أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} الآية. قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [يسأل عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم] "إن الله عز وجل خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله للجنة بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة 140/أوإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار" وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن. ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلا. قال مقاتل وغيره من أهل التفسير: إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: يا آدم هذه ذريتك، ثم قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي ولا أبالي وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال، ثم أعادهم جميعا في صلبه، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء. قال الله تعالى فيمن نقض العهد الأول: "وما وجدنا لأكثرهم من عهد" [الأعراف-102] . وقال بعض أهل التفسير: إن أهل السعادة أقروا طوعا وقالوا: بلى، وأهل الشقاوة قالوه تقية وكرها، وذلك معنى قوله: "وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها" [آل عمران-83] . واختلفوا في موضع الميثاق؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ببطن نعمان -واد إلا جنب
عرفة - وروي عنه أيضا: أنه بدهناء من أرض الهند وهو الموضع الذي هبط آدم عليه السلام عليه. وقال الكلبي: بين مكة والطائف، وقال السدي: أخرج الله آدم عليه السلام من الجنة فلم يهبط من السماء ثم مسح ظهره فأخرج ذريته. وروي: أن الله أخرجهم جميعا وصورهم وجعل لهم عقولا يعلمون بها وألسنا ينطقون بها ثم كلمهم قبلا -يعني عيانا -وقال ألست بربكم؟ وقال الزجاج وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذر فهما تعقل به، كما قال تعالى: "قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم" [النمل-18] . وروي أن الله تعالى قال لهم جميعا: اعملوا أنه لا إله غيري وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئا، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي، وإني مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي، ومنزل عليكم كتبا، فتكلموا جميعا، وقالوا: شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، فأخذ بذلك مواثيقهم، ثم كتب آجالهم وأرزقاهم ومصائبهم، فنظر إليهم آدم فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لولا سويت بينهم؟ قال: إني أحب أن أشكر، فلما قررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ ميثاقه فذلك قوله تعالى: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم" أي: من ظهور بني آدم ذريتهم، قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر: "ذرياتهم" بالجمع وكسر التاء، وقرأ الآخرون "ذريتهم" على التوحيد، ونصب التاء. فإن قيل: ما معنى قوله "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم" وإنما أخرجهم من ظهر آدم؟ قيل: إن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره قوله تعالى: {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} أي: أشهد بعضهم على بعض: {شهدنا أن تقولوا} قرأ أبو عمرو: "أن يقولوا" ويقولوا بالياء فيهما، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما. واختلفوا في قوله: "شهدنا" قال السدي: هو خبر من الله عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. وقال بعضهم: هو خبر عن قول بني آدم حين أشهد الله بعضهم على بعض، فقالوا بلى شهدنا. وقال الكلبي: ذلك من قول الملائكة، وفيه حذف تقديره: لما قالت الذرية: بلى قال الله للملائكة: اشهدوا، قالوا: شهدنا، قوله: "أن يقولوا" يعني: وأشهدهم على أنفسهم أن يقولوا، أي: لئلا يقولوا أو كراهية أن يقولوا، ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام: أخاطبكم: ألست بربكم لئلا تقولوا: {يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} أي: عن هذا الميثاق والإقرار، فإن قيل: كيف تلزم الحجة على أحد لا يذكر الميثاق؟ قيل: قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان معاندا ناقضا للعهد ولزمته الحجة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة. {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين } قوله تعالى: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} يقول: إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون: إنما أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد وكنا ذرية من بعدهم، أي كنا أتباعا لهم فاقتدينا بهم، فتجعلوا هذا عذرا لأنفسكم وتقولوا: {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين، فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد. {وكذلك نفصل الآيات} أي: نبين الآيات ليتدبرها العباد، {ولعلهم يرجعون} من الكفر إلى التوحيد.
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'a enseigné le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) sur le bon caractère ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?
- Qui était le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) ?