Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

Section V05/P410–V05/P412

قوله تعالى: {الذين يرثون الفردوس} وهو أعلى الجنة قد ذكرناه في سورة الكهف {هم فيها خالدون} لا يموتون ولا يخرجون، وجاء في الحديث: "أن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي لا يدخلها مدمن خمر، ولا ديوث" . قوله عز وجل: {ولقد خلقنا الإنسان} يعني: ولد آدم، و"الإنسان" اسم الجنس، يقع على الواحد والجمع، {من سلالة} روي عن ابن عباس أنه قال: السلالة صفوة الماء. وقال مجاهد: من بني آدم. وقال عكرمة: هو يسيل من الظهر، والعرب تسمي النطفة سلالة، والولد سليلا وسلالة، لأنهما مسلولان منه. قوله: {من طين} يعني: طين آدم. والسلالة تولدت من طين خلق آدم منه. قال الكلبي: من نطفة سلت من طين، والطين آدم عليه السلام، وقيل المراد من الإنسان هو آدم. وقوله: "من سلالة: أي: سل من كل تربة. {ثم جعلناه نطفة} يعني الذي هو الإنسان جعلناه نطفة، {في قرار مكين} حريز، وهو الرحم مكن [أي قد هيئ] لاستقرارها فيه إلى بلوغ أمدها. {ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } {ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما} قرأ ابن عامر وأبو بكر "عظما"، {فكسونا العظام} على التوحيد فيهما، وقرأ الآخرون بالجمع لأن الإنسان ذو عظام كثيرة. وقيل: بين كل خلقين أربعون يوما. {فكسونا العظام لحما} أي ألبسنا، {ثم أنشأناه خلقا آخر} اختلف المفسرون فيه، فقال ابن عباس: ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، والضحاك، وأبو العالية: هو نفخ الروح فيه . وقال قتادة: نبات الأسنان والشعر. وروى ابن جريج عن مجاهد: أنه استواء الشباب. وعن الحسن قال: ذكرا أو أنثى. وروى العوفي عن ابن عباس: أن ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الارتضاع، إلى القعود إلى القيام، إلى المشي إلى الفطام، إلى أن يأكل ويشرب، إلى أن يبلغ الحلم، ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها. {فتبارك الله} أي: استحق التعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا يزال. {أحسن الخالقين} المصورين والمقدرين. و"الخلق" في اللغة: التقدير. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين، يقال: رجل خالق أي: صانع. وقال ابن جريج: إنما جمع الخالقين لأن عيسى كان يخلق كما قال: "إني أخلق لكم من الطين" (آل عمران -49) فأخبر الله عن نفسه بأنه أحسن الخالقين . {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} والميت -بالتشديد -والمائت الذي لم يمت بعد وسيموت، والميت -بالتخفيف -: من مات، ولذلك لم يجز التخفيف هاهنا، كقوله: "إنك ميت وإنهم ميتون" (الزمر -30) . {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} . {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين } {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون } {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} أي: سبع سموات، سميت طرائق لتطارقها، وهو أن بعضها فوق بعض، يقال: طارقت النعل إذا جعلت بعضه فوق بعض. وقيل: سميت طرائق لأنها طرائق الملائكة. {وما كنا عن الخلق غافلين} أي كنا لهم حافظين من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم كما قال الله تعالى: "ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه" (الحج -65) . وقيل: ما تركناهم سدى بغير أمر ونهي. وقيل: وما كنا عن الخلق غافلين أي بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب. {وأنزلنا من السماء ماء بقدر} يعلمه الله. قال مقاتل: بقدر ما يكفيهم للمعيشة، {فأسكناه في الأرض} يريد ما يبقى في الغدران والمستنقعات، ينتفع به الناس في الصيف عند انقطاع المطر. وقيل: فأسكناه في الأرض ثم أخرجنا منها ينابيع، فماء الأرض كله من السماء، {وإنا على ذهاب به لقادرون} حتى تهلكوا عطشا وتهلك مواشيكم وتخرب أراضيكم 31/أوفي الخبر: "أن الله عز وجل أنزل أربعة أنهار من الجنة: سيحان، وجيحان، ودجلة، والفرات" .

Section V05/P412–V05/P414

وروى مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل أنزل من الجنة خمسة أنهار: جيحون، وسيحون، ودجلة، والفرات، والنيل، أنزلها الله عز وجل من عين واحدة من عيون الجنة، من أسفل درجة من درجاتها، على جناحي جبريل، استودعها الله الجبال، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس، فذلك قوله عز وجل: "وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض"، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن، والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت، ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى: {وإنا على ذهاب به لقادرون} فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا" . وروى هذا الحديث الإمام الحسن بن يوسف، عن عثمان بن سعيد بالإجازة، عن سعيد بن سابق الإسكندراني، عن مسلمة بن علي، عن مقاتل بن حيان . {فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين } قوله تعالى: {فأنشأنا لكم به} أي: بالماء، {جنات من نخيل وأعناب لكم فيها} في الجنات، {فواكه كثيرة ومنها تأكلون} شتاء وصيفا، وخص النخيل والأعناب بالذكر لأنها أكثر فواكه العرب. {وشجرة} أي: وأنشأنا لكم شجرة {تخرج من طور سيناء} وهي الزيتون، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو "سيناء" بكسر السين. وقرأ الآخرون بفتحها واختلفوا في معناه وفي "سينين" في قوله تعالى: "وطور سينين" (التين -2) قال مجاهد: معناه البركة، أي: من جبل مبارك. وقال قتادة: معناه الحسن، أي: من الجبل الحسن. وقال الضحاك: هو بالنبطية، ومعناه الحسن. وقال عكرمة: هو بالحبشية. وقال الكلبي: معناه الشجر، أي: جبل ذو شجر. وقيل: هو بالسريانية الملتفة بالأشجار. وقال مقاتل: كل جبل فيه أشجار مثمرة فهو سينا، وسينين بلغة النبط. وقيل: هو فيعال من السناء وهو الارتفاع. قال ابن زيد: هو الجبل الذي نودي منه موسى بين مصر وأيلة. وقال مجاهد: سينا اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده. وقال عكرمة: هو اسم المكان الذي فيه هذا الجبل . {تنبت بالدهن} قرأ ابن كثير وأهل البصرة ويعقوب "تنبت" بضم التاء وكسر الباء، وقرأ الآخرون بفتح التاء وضم الباء، فمن قرأ بفتح التاء فمعناه تنبت تثمر الدهن وهو الزيتون. وقيل: تنبت ومعها الدهن، ومن قرأ بضم التاء، اختلفوا فيه فمنهم من قال: الباء زائدة، معناه: تنبت الدهن، كما يقال: أخذت ثوبه وأخذت بثوبه، ومنهم من قال: نبت وأنبت لغتان بمعنى واحد، كما قال زهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل أي: نبت، {وصبغ للآكلين} الصبغ والصباغ: الإدام الذي يلون الخبز إذا غمس فيه وينصبغ، والإدام كل ما يؤكل مع الخبز، سواء ينصبغ به الخبز أو لا ينصبغ. قال مقاتل: جعل الله في هذه الشجرة أدما ودهنا، فالأدم: الزيتون، والدهن: الزيت، وقال: خص الطور بالزيتون لأن أول الزيتون نبت بها. ويقال: أن الزيتون أول شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان. {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين قال رب انصرني بما كذبون }

Section V05/P414–V05/P416

قوله عز وجل: {وإن لكم في الأنعام لعبرة} أي: آية تعتبرون بها، {نسقيكم} قرأ نافع بالنون [وفتحها] وقرأ أبو جعفر هاهنا بالتاء وفتحها، {مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون} {وعليها وعلى الفلك تحملون} أي: على الإبل في البر، وعلى الفلك في البحر. قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله} وحدوه، {ما لكم من إله غيره} معبود سواه، {أفلا تتقون} أفلا تخافون عقوبته إذا عبدتم غيره. {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} أي: يتشرف بأن يكون له الفضل عليكم فيصير متبوعا وأنتم له تبع، {ولو شاء الله} أن لا يعبد سواه، {لأنزل ملائكة} يعني بإبلاغ الوحي. {ما سمعنا بهذا} الذي يدعونا إليه نوح {في آبائنا الأولين} وقيل: "ما سمعنا بهذا" أي: بإرسال بشر رسولا. {إن هو إلا رجل به جنة} أي: جنون، {فتربصوا به حتى حين} أي: إلى أن يموت فتستريحوا منه. {قال رب انصرني بما كذبون} أي: أعني بإهلاكهم لتكذيبهم إياي. {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها} أدخل فيها، يقال سلكته في كذا وأسلكته فيه، {من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم} أي من سبق عليه الحكم بالهلاك. {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} {فإذا استويت} اعتدلت {أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين} أي: الكافرين. {وقل رب أنزلني منزلا مباركا} قرأ أبو بكر عن عاصم "منزلا" بفتح الميم وكسر الزاي، أي يريد موضع النزول، قيل: هو السفينة بعد الركوب، وقيل: هو الأرض بعد النزول، ويحتمل أنه أراد في السفينة، ويحتمل بعد الخروج، وقرأ الباقون "منزلا" بضم الميم وفتح الزاي، أي إنزالا فالبركة في السفينة النجاة، وفي النزول بعد الخروج كثرة النسل من أولاده الثلاثة، {وأنت خير المنزلين} {إن في ذلك} أي الذي ذكرت من أمر نوح والسفينة وإهلاك أعداء الله، {لآيات} لدلالات على قدرته، {وإن كنا لمبتلين} وقد كنا. وقيل: وما كنا إلا مبتلين أي: مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره 31/ب لننظر ما هم عاملون قبل نزول العذاب بهم. {ثم أنشأنا من بعدهم} من بعد إهلاكهم، {قرنا آخرين} {فأرسلنا فيهم رسولا منهم} يعني: هودا وقومه. وقيل: صالحا وقومه. والأول أظهر، {أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين قال رب انصرني بما كذبون }

Section V05/P416–V05/P418

{وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة} أي المصير إلى الآخرة، {وأترفناهم} نعمناهم ووسعنا عليهم، {في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} أي: مما تشربون منه. {ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون} لمغبونون. {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون} من قبوركم أحياء وأعاد "أنكم" لما طال الكلام، ومعنى الكلام: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون؟ وكذلك هو في قراءة عبد الله، نظيره في القرآن: "ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها" (التوبة -63) . {هيهات هيهات لما توعدون} قال ابن عباس: هي كلمة بعد، أي: بعيد ما توعدون، قرأ أبو جعفر "هيهات هيهات" بكسر التاء، وقرأ نصر بن عاصم بالضم، وكلها لغات صحيحة فمن نصب جعله مثل أين وكيف، ومن رفع جعله مثل منذ وقط وحيث، ومن كسر جعله مثل أمس وهؤلاء، ووقف عليها أكثر القراء بالتاء، ويروى عن الكسائي الوقف عليها بالهاء. {إن هي} يعنون الدنيا، {إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} قيل فيه تقديم وتأخير، أي: نحيا ونموت لأنهم كانوا ينكرون البعث بعد الموت. وقيل: يموت الآباء ويحيا الأبناء. وقيل: يموت قوم ويحيا قوم. {وما نحن بمبعوثين} بمنشرين بعد الموت. {إن هو} يعني الرسول، {إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين} بمصدقين بالبعث بعد الموت. {قال رب انصرني بما كذبون} . {قال عما قليل ليصبحن نادمين فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين } {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون } {قال عما قليل} أي: عن قليل، و"ما" صلة، {ليصبحن} ليصيرن، {نادمين} على كفرهم وتكذيبهم. {فأخذتهم الصيحة} يعني صيحة العذاب، {بالحق} قيل: أراد بالصيحة الهلاك. وقيل: صاح بهم جبريل صيحة فتصدعت قلوبهم، {فجعلناهم غثاء} وهو ما يحمله السيل من حشيش وعيدان شجر، معناه: صيرناهم هلكى فيبسوا يبس الغثاء من نبات الأرض، {فبعدا للقوم الظالمين} {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين} أي: أقواما آخرين. {ما تسبق من أمة أجلها} أي: ما تسبق أمة أجلها أي: وقت هلاكها، {وما يستأخرون} وما يتأخرون عن وقت هلاكهم. {ثم أرسلنا رسلنا تترى} أي: مترادفين يتبع بعضهم بعضا غير متواصلين، لأن بين كل نبيين زمانا طويلا وهي فعلى من المواترة، قال الأصمعي: يقال واترت الخبر أي أتبعت بعضه بعضا، وبين الخبرين [هنيهة] . واختلف القراء فيه، فقرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: بالتنوين، ويقفون بالألف، ولا يميله أبو عمرو، وفي الوقف فيها كالألف في قولهم: رأيت زيدا، وقرأ الباقون بلا تنوين، والوقف عندهم يكون بالياء، ويميله حمزة والكسائي، وهو مثل قولهم: غضبى وسكرى، وهو اسم جمع مثل شتى، وعلى القراءتين التاء الأولى بدل من الواو، وأصله: "وترى" من المواترة والتواتر، فجعلت الواو تاء، مثل: التقوى والتكلان. {كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا} بالهلاك، أي: أهلكنا بعضهم في إثر بعض، {وجعلناهم أحاديث} أي: سمرا وقصصا، يتحدث من بعدهم بأمرهم وشأنهم، وهي جمع أحدوثة. وقيل: جمع حديث. قال الأخفش: إنما هو في الشر، وأما في الخير فلا يقال جعلتهم أحاديث وأحدوثة، إنما يقال صار فلان حديثا، {فبعدا لقوم لا يؤمنون} {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون فكذبوهما فكانوا من المهلكين ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين }

Section V05/P418–V05/P420

{ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين} أي بحجة بينة من اليد والعصا. وغيرهما. {إلى فرعون وملئه فاستكبروا} تعظموا عن الإيمان، {وكانوا قوما عالين} متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم. {فقالوا} يعني فرعون وقومه، {أنؤمن لبشرين مثلنا} يعني: موسى وهارون، {وقومهما لنا عابدون} مطيعون متذللون، والعرب تسمي كل من دان للملك: عابدا له. {فكذبوهما فكانوا من المهلكين} بالغرق. {ولقد آتينا موسى الكتاب} التوراة، {لعلهم يهتدون} أي لكي يهتدي به قومه. {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} دلالة على قدرتنا، ولم يقل آيتين، قيل: معناه شأنهما آية. وقيل: معناه جعلنا كل واحد منهما آية، كقوله تعالى: "كلتا الجنتين آتت أكلها" (الكهف -33) . {وآويناهما إلى ربوة} الربوة المكان المرتفع من الأرض، واختلفت الأقوال فيها، فقال عبد الله بن سلام: هي دمشق، وهو قول سعيد بن المسيب ومقاتل، وقال الضحاك: غوطة دمشق. وقال أبو هريرة: هي الرملة. وقال عطاء عن ابن عباس: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة وكعب. وقال كعب: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ابن زيد: هي مصر. وقال السدي: أرض فلسطين . {ذات قرار} أي: مستوية منبسطة واسعة يستقر عليها ساكنوها. {ومعين} فالمعين الماء الجاري الظاهر الذي تراه العيون، مفعول من عانه يعينه إذا أدركه البصر. {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } قوله عز وجل: {يا أيها الرسل} قال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة. وقال بعضهم: أراد به عيسى. وقيل: أراد به جميع الرسل عليهم السلام، {كلوا من الطيبات} أي الحلالات، {واعملوا صالحا} الصلاح هو الاستقامة على ما توجبه الشريعة، {إني بما تعملون عليم} {وإن هذه} قرأ أهل الكوفة: "وإن" بكسر الألف على الابتداء، وقرأ الباقون بفتح الألف، وخفف ابن عامر النون وجعل "إن" صلة، مجازه: وهذه {أمتكم} وقرأ الباقون بتشديد النون على 32/أمعنى وبأن هذا، تقديره: بأن هذه أمتكم، أي ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها، {أمة واحدة} أي ملة واحدة وهي الإسلام، {وأنا ربكم فاتقون} أي: اتقوني لهذا. وقيل: معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، فأمركم واحد، {وأنا ربكم فاتقون} فاحذرون. وقيل: هو نصب بإضمار فعل، أي: اعلموا أن هذه أمتكم، أي ملتكم، أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. {فتقطعوا أمرهم} دينهم، {بينهم} أي: تفرقوا فصاروا فرقا، يهودا ونصارى ومجوسا، {زبرا} أي: فرقا وقطعا مختلفة، واحدها زبور وهو الفرقة والطائفة، ومثله الزبرة وجمعها زبر، ومنه: "زبر الحديد" (الكهف -96) . أي: صاروا فرقا كزبر الحديد. وقرأ بعض أهل الشام "زبرا" بفتح الباء، قال قتادة ومجاهد "زبرا" أي: كتبا، يعني دان كل فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخرون. وقيل: جعلوا كتبهم قطعا مختلفة، آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض، وحرفوا البعض، {كل حزب بما لديهم} بما عندهم من الدين، {فرحون} معجبون ومسرورون. {فذرهم في غمرتهم} قال ابن عباس: في كفرهم وضلالتهم، وقيل: عمايتهم، وقيل: غفلتهم {حتى حين} إلى أن يموتوا. {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين} ما نعطيهم ونجعله مددا لهم من المال والبنين في الدنيا. {نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون } {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون }

Section V05/P420–V05/P422

{نسارع لهم في الخيرات} أي: نجعل لهم في الخيرات، ونقدمها ثوابا لأعمالهم لمرضاتنا عنهم، {بل لا يشعرون} أن ذلك استدراج لهم. ثم ذكر المسارعين في الخيرات فقال: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} أي: خائفون، والإشفاق: الخوف، والمعنى أن المؤمنين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عقابه، قال الحسن البصري: المؤمن من جمع إحسانا وخشية، والمنافق من جمع إساءة وأمنا . {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} يصدقون. {والذين هم بربهم لا يشركون} . {والذين يؤتون ما آتوا} أي: يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات، وروي عن عائشة أنها كانت تقرأ "والذين يأتون ما أتوا" أي: يعملون ما عملوا من أعمال البر، {وقلوبهم وجلة} أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله وأن أعمالهم لا تقبل منهم، {أنهم إلى ربهم راجعون} لأنهم يوقنون أنهم يرجعون إلى الله عز وجل. قال الحسن: عملوا لله بالطاعات [واجتهدوا فيها] وخافوا أن ترد عليهم. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا محمد بن حامد، حدثنا محمد بن الجهم، أخبرنا عبد الله بن عمرو، أخبرنا وكيع عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: "لا يا بنت الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه" . {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون } قوله عز وجل: {أولئك يسارعون في الخيرات} يبادرون إلى الأعمال الصالحات، {وهم لها سابقون} أي: إليها سابقون، كقوله تعالى: "لما نهوا" أي: إلى ما نهوا، ولما قالوا ونحوها، وقال ابن عباس في معنى هذه الآية: سبقت لهم من الله السعادة. وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. قوله: {ولا نكلف نفسا إلا وسعها} أي: طاقتها، فمن لم يستطع القيام فليصل قاعدا، ومن لم يستطع الصوم فليفطر، {ولدينا كتاب ينطق بالحق} وهو اللوح المحفوظ، "ينطق بالحق" يبين بالصدق، ومعنى الآية: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إلا ما أطاقت من العمل، وقد أثبتنا عمله في اللوح المحفوظ، فهو ينطق به ويبينه. وقيل: هو كتب أعمال العباد التي تكتبها الحفظة، {وهم لا يظلمون} ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. ثم ذكر الكفار، فقال: {بل قلوبهم في غمرة} أي: في غفلة وجهالة، {من هذا} أي: من القرآن، {ولهم أعمال من دون ذلك} أي: للكفار أعمال خبيثة من المعاصي والخطايا محكومة عليهم من دون ذلك، يعني من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله تعالى في قوله "إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون"، {هم لها عاملون} لا بد لهم من أن يعملوها، فيدخلوا بها النار، لما سبق لهم من الشقاوة. هذا قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هذا ينصرف إلى المسلمين، وأن لهم أعمالا سوى ما عملوا من الخيرات هم لها عاملون، والأول أظهر. {حتى إذا أخذنا مترفيهم} أي: أخذنا أغنياءهم ورؤساءهم، {بالعذاب} قال ابن عباس: هو السيف يوم بدر. وقال الضحاك: يعني الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" فابتلاهم الله عز وجل بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف. {إذا هم يجأرون} يضجون ويجزعون ويستغيثون، وأصل الجأر: رفع الصوت بالتضرع. {لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون }

Section V05/P422–V05/P424

{لا تجأروا اليوم} أي لا تضجوا، {إنكم منا لا تنصرون} لا تمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم. {قد كانت آياتي تتلى عليكم} يعني القرآن، {فكنتم على أعقابكم تنكصون} ترجعون القهقرى تتأخرون عن الإيمان. {مستكبرين به} اختلفوا في هذه الكناية، فأظهر الأقاويل أنها تعود إلى البيت الحرام كناية عن غير مذكور، أي: مستكبرين متعظمين بالبيت الحرام، وتعظمهم به أنهم كانوا يقولون نحن أهل حرم الله وجيران بيته، فلا يظهر علينا أحد، ولا نخاف أحدا، فيأمنون فيه وسائر الناس في الخوف، هذا قول ابن عباس ومجاهد، وجماعة، وقيل: "مستكبرين به" أي: بالقرآن فلم يؤمنوا به. والأول أظهر، المراد منه الحرم، {سامرا} نصب على الحال، أي أنهم يسمرون بالليل في مجالسهم حول البيت، ووحد سامرا وهو بمعنى السمار لأنه وضع موضع الوقت، أراد تهجرون ليلا. وقيل: وحد سامرا، ومعناه الجمع 32/ب كقوله: "ثم نخرجكم طفلا" (الحج -5) ، {تهجرون} قرأ نافع "تهجرون" بضم التاء وكسر الجيم من الإهجار وهو الإفحاش في القول، أي: تفحشون وتقولون الخنا، وذكر أنهم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقرأ الآخرون: "تهجرون" بفتح التاء وضم الجيم، أي: تعرضون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الإيمان والقرآن، وترفضونها: وقيل: هو من الهجر وهو القول القبيح، يقال هجر يهجر هجرا إذا قال غير الحق. وقيل +تهزئون وتقولون ما لا تعلمون، من قولهم: هجر الرجل في منامه إذا هذى. {أفلم يدبروا} أي: يتدبروا، {القول} يعني: ما جاءهم من القول وهو القرآن، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، {أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} فأنكروا، يريد إنا قد بعثنا من قبلهم رسلا إلى قومهم كذلك بعثنا محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم. وقيل: "أم" بمعنى بل، يعني: جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فلذلك أنكروا. {أم لم يعرفوا رسولهم} محمدا صلى الله عليه وسلم، {فهم له منكرون} قال ابن عباس: أليس قد عرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم صغيرا وكبيرا، وعرفوا نسبه وصدقه وأمانته ووفاءه بالعهود. وهذا على سبيل التوبيخ لهم على الإعراض عنه بعدما عرفوه بالصدق والأمانة. {أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون } {أم يقولون به جنة} جنون، وليس كذلك، {بل جاءهم بالحق} يعني بالصدق والقول الذي لا تخفى صحته وحسنه على عاقل، {وأكثرهم للحق كارهون} {ولو اتبع الحق أهواءهم} قال ابن جريج ومقاتل والسدي وجماعة: "الحق" هو الله، أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل، وقيل: لو اتبع مرادهم، فسمى لنفسه شريكا وولدا كما يقولون: {لفسدت السماوات والأرض} وقال الفراء والزجاج: والمراد بالحق القرآن أي: لو نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدونه {لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} وهو كقوله تعالى: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" (الأنبياء -22) . {بل أتيناهم بذكرهم} بما يذكرهم، قال ابن عباس: أي: بما فيه فخرهم وشرفهم، يعني القرآن، فهو كقوله تعالى: لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم" (الأنبياء -10) ، أي: شرفكم، "وإنه لذكر لك ولقومك" (الزخرف -44) ، أي: شرف لك ولقومك. {فهم عن ذكرهم} يعني عن شرفهم، {معرضون} {أم تسألهم} على ما جئتهم به، {خرجا} أجرا وجعلا {فخراج ربك خير} أي: ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير، {وهو خير الرازقين} قرأ حمزة والكسائي: "خراجا" "فخراج" كلاهما بالألف، وقرأ ابن عامر كلاهما بغير ألف، وقرأ الآخرون: "خرجا" بغير ألف "فخراج" بالألف. {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} وهو الإسلام. {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط} أي: عن دين الحق، {لناكبون} لعادلون مائلون.

Section V05/P424–V05/P426

{ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون } {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر} قحط وجدوبة {للجوا} تمادوا، {في طغيانهم يعمهون} ولم ينزعوا عنه. {ولقد أخذناهم بالعذاب} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أنشدك الله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادع الله أن يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، فأنزل الله هذه الآية {فما استكانوا لربهم} أي: ما خضعوا وما ذلوا لربهم، وأصله طلب السكون، {وما يتضرعون} أي: لم يتضرعوا إلى ربهم بل مضوا على تمردهم. {حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد} قال ابن عباس: يعني القتل يوم بدر. وهو قول مجاهد، وقيل: هو الموت. وقيل: هو قيام الساعة، {إذا هم فيه مبلسون} آيسون من كل خير. {وهو الذي أنشأ لكم السمع} أي: أنشأ لكم الأسماع {والأبصار والأفئدة} لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، {قليلا ما تشكرون} أي: لم تشكروا هذه النعم. {وهو الذي ذرأكم} خلقكم، {في الأرض وإليه تحشرون} تبعثون. {وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار} أي: تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان، قال الفراء: جعلهما مختلفين، يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض، {أفلا تعقلون} ما ترون من صنعة فتعتبرون. {بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون } {بل قالوا مثل ما قال الأولون} أي: كذبوا كما كذب الأولون. {قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} لمحشورون، قالوا ذلك على طريق الإنكار والتعجب. {لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا} الوعد، {من قبل} أي: وعد آباءنا قوم ذكروا أنهم رسل الله فلم نر له حقيقة، {إن هذا إلا أساطير الأولين} أكاذيب الأولين. {قل} يا محمد مجيبا لهم، يعني أهل مكة، {لمن الأرض ومن فيها} من الخلق، {إن كنتم تعلمون} خالقها ومالكها. {سيقولون لله} ولا بد لهم من ذلك لأنهم يقرون أنها مخلوقة. {قل} لهم إذا أقروا بذلك: {أفلا تذكرون} فتعلمون أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت. {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} . {سيقولون لله} قرأ العامة "لله" ومثله ما بعده، فجعلوا الجواب على المعنى، كقول القائل للرجل: من مولاك؟ فيقول: لفلان، أي أنا لفلان وهو مولاي. وقرأ أهل البصرة فيهما "الله" وكذلك هو في مصحف أهل البصرة، وفي سائر المصاحف، مكتوب بالألف كالأول، {قل أفلا تتقون} تحذرون. {قل من بيده ملكوت كل شيء} الملكوت الملك، والتاء فيه للمبالغة، {وهو يجير} أي: يؤمن من يشاء {ولا يجار عليه} أي: لا يؤمن من أخافه الله، أو يمنع هو من السوء من يشاء، ولا يمنع منه من أراده بسوء، {إن كنتم تعلمون} قيل: معناه أجيبوا إن كنتم تعلمون. {سيقولون لله قل فأنى تسحرون }

Section V05/P426–V05/P428

{بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون } {سيقولون لله قل فأنى تسحرون} أي: تخدعون وتصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلا؟ {بل أتيناهم بالحق} بالصدق {وإنهم لكاذبون} فيما يدعون من الشريك 33/أ {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله} أي: من شريك، {إذا لذهب كل إله بما خلق} أي: تفرد بما خلقه فلم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، ومنع الإله الآخر من الاستيلاء على ما خلق. {ولعلا بعضهم على بعض} أي: طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، ثم نزه نفسه فقال: {سبحان الله عما يصفون} {عالم الغيب والشهادة} قرأ أهل المدينة والكوفة غير حفص: "عالم" برفع الميم على الابتداء، وقرأ الآخرون بجرها على نعت الله في سبحان الله، {فتعالى عما يشركون} أي: تعظم عما يشركون، ومعناه أنه أعظم من أن يوصف بهذا الوصف. قوله: {قل رب إما تريني} أي: إن أريتني، {ما يوعدون} أي: ما أوعدتهم من العذاب. {رب} أي: يا رب، {فلا تجعلني في القوم الظالمين} أي: لا تهلكني بهلاكهم. {وإنا على أن نريك ما نعدهم} من العذاب لهم، {لقادرون} {ادفع بالتي هي أحسن} أي: ادفع بالخلة التي هي أحسن، هي الصفح والإعراض والصبر، {السيئة} يعني أذاهم، أمرهم بالصبر على أذى المشركين والكف عن المقاتلة، نسختها آية السيف {نحن أعلم بما يصفون} يكذبون ويقولون من الشرك. {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } {وقل رب أعوذ بك} أي: أمتنع وأعتصم بك، {من همزات الشياطين} قال ابن عباس:/ نزعاتهم. وقال الحسن: وساوسهم. وقال مجاهد: نفخهم ونفثهم. وقال أهل المعاني: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي، وأصل الهمز شدة الدفع. {وأعوذ بك رب أن يحضرون} في شيء من أموري، وإنما ذكر الحضور لأن الشيطان إذا حضره يوسوسه. ثم أخبر أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت، فقال: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون} ولم يقل ارجعني، وهو يسأل الله وحده الرجعة، على عادة العرب فإنهم يخاطبون الواحد بلفظ الجمع على وجه التعظيم، كما أخبر الله تعالى عن نفسه فقال: " {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر -9) ، ومثله كثير في القرآن. وقيل: هذا الخطاب مع الملائكة الذين يقبضون روحه ابتداء بخطاب الله لأنهم استغاثوا بالله أولا ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة الرجوع إلى الدنيا. قوله تعالى: {لعلي أعمل صالحا فيما تركت} أي: ضيعت أن أقول لا إله إلا الله. وقيل: أعمل بطاعة الله. قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فرحم الله امرءا عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب، {كلا} كلمة ردع وزجر، أي: لا يرجع إليها، {إنها} يعني: سؤاله الرجعة، {كلمة هو قائلها} [ولا ينالها] {ومن ورائهم برزخ} أي أمامهم وبين أيديهم حاجز، {إلى يوم يبعثون} والبرزخ الحاجز بين الشيئين، واختلفوا في معناه هاهنا، فقال مجاهد: حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. وقال قتادة: بقية الدنيا. وقال الضحاك: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقيل: هو القبر، وهم فيه إلى يوم يبعثون. {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم} اختلفوا في هذه النفخة، فروى سعيد بن جبير

Section V05/P428–V05/P430

عن ابن عباس: أنها النفخة الأولى "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض" (الزمر -68) ، {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} "ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون" (الزمر -68) ، "وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" (الصافات -27) . وعن ابن مسعود: أنها النفخة الثانية، قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة فينصب على رءوس الأولين والآخرين ثم ينادي مناد: هذا فلان ابن فلان، فمن كان له قبله حق فليأت إلى حقه، فيفرح المرء أن [يكون له] الحق على والده وولده أو زوجته أو أخيه فيأخذ منه، ثم قرأ ابن مسعود "فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" . وفي رواية عطاء عن ابن عباس: أنها الثانية فلا أنساب بينهم أي: لا يتفاخرون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتفاخرون في الدنيا، ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا: من أنت ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد أن الأنساب تنقطع. فإن قيل: أليس قد جاء في الحديث: "كل سبب ونسب ينقطع إلا نسبي وسببي" . قيل: معناه لا يبقى يوم القيامة سبب ولا نسب إلا نسبه وسببه، وهو الإيمان والقرآن. فإن قيل: قد قال هاهنا {ولا يتساءلون} وقال في موضع آخر: "وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" (الصافات -27) . الجواب: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن للقيامة أحوالا ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون . {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون } {ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلمون } {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} . {تلفح وجوههم النار} أي: تسفع، وقيل: تحرق، {وهم فيها كالحون} عابسون. أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد الحارثي، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وهم فيها كالحون، قال: تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" وبهذا الإسناد عن عبد الله بن المبارك عن حاجب بن عمر عن الحكم ابن الأعرج قال: قال: أبو هريرة: "يعظم الكافر في النار مسيرة سبع ليال، فيصير ضرسه مثل أحد، وشفاههم عند سررهم، سود زرق خسر مقبوحون" 33/ب قوله عز وجل: {ألم تكن آياتي تتلى عليكم} يعني القرآن، تخوفون بها، {فكنتم بها تكذبون} {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا} قرأ حمزة والكسائي: "شقاوتنا" بالألف وفتح الشين، وهما لغتان أي: غلبت علينا شقوتنا التي كتبت علينا فلم نهتد. {وكنا قوما ضالين} عن الهدى. {ربنا أخرجنا منها} أي: من النار، {فإن عدنا} لما تكره {فإنا ظالمون} {قال اخسئوا} أبعدوا، {فيها} كما يقال للكلب إذا طرد: اخسأ، {ولا تكلمون} في رفع العذاب، فإني لا أرفعه عنكم، فعند ذلك أيس المساكين من الفرج، قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار ثم لا يتكلمون بعدها إلا الشهيق والزفير، ويصير لهم عواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون، روي عن عبد الله بن عمرو: أن أهل جهنم يدعون مالكا خازن النار أربعين عاما: "يا مالك ليقض علينا ربك" (الزخرف -77) فلا يجيبهم، ثم يقول: "إنكم ماكثون" (الزخرف -77) ، ثم ينادون ربهم: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} فيدعهم مثل عمر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} فلا ينبس القوم بعد ذلك بكلمة إن كان إلا الزفير والشهيق.

Section V05/P430–V05/P432

وقال القرطبي: إذا قيل لهم: "اخسئوا فيها ولا تكلمون" انقطع رجاؤهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، وأطبقت عليهم. {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون } {إنه} الهاء في "إنه" عماد وتسمى أيضا المجهولة، {كان فريق من عبادي} وهم المؤمنون {يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين} {فاتخذتموهم سخريا} قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي: "سخريا" بضم السين هاهنا وفي سورة ص، وقرأ الباقون بكسرهما، واتفقوا على الضم في سورة الزخرف. قال الخليل: هما لغتان مثل قولهم: بحر لجي، ولجي بضم اللام وكسرها، مثل كوكب دري ودري، قال الفراء والكسائي: الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل، واتفقوا في سورة الزخرف بأنه بمعنى التسخير، {حتى أنسوكم} أي: أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم، {ذكري وكنتم منهم تضحكون} نظيره: "إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون" (المطففين -29) قال مقاتل: نزلت في بلال وعمار وخباب وصهيب وسلمان والفقراء من الصحابة، كان كفار قريش يستهزئون بهم . {إني جزيتهم اليوم بما صبروا} على أذاكم واستهزائكم في الدنيا، {أنهم هم الفائزون} قرأ حمزة والكسائي "أنهم" بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بفتحها، فيكون في موضع المفعول الثاني إني جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز بالجنة. {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } {قال كم لبثتم} قرأ حمزة والكسائي: "قل كم لبثتم" على الأمر. ومعنى الآية: قولوا أيها الكافرون، فأخرج الكلام مخرج الواحد، والمراد منه الجماعة، إذ كان معناه مفهوما، ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحد منهم، أي قل يا أيها الكافرون، وقرأ ابن كثير: قل كم، على الأمر، وقال "أن" على الخبر، لأن الثانية جواب، وقرأ الآخرون: "قال" فيهما جميعا، أي: قال الله عز وجل للكفار يوم البعث: كم لبثتم؟ {في الأرض} أي: في الدنيا وفي القبور {عدد سنين} {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} نسوا مدة لبثهم في الدنيا لعظم ما هم بصدده من العذاب، {فاسأل العادين} الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصونها عليهم. {قال إن لبثتم} أي: ما لبثتم في الدنيا، {إلا قليلا} سماه قليلا لأن الواحد وإن طال مكثه في الدنيا فإنه يكون قليلا في جنب ما يلبث في الآخرة، لأن لبثه في الدنيا وفي القبر متناه، {لو أنكم كنتم تعلمون} قدر لبثكم في الدنيا. قوله عز وجل: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} لعبا وباطلا لا لحكمة، وهو نصب على الحال، أي: عابثين. وقيل: للعبث، أي: لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وهو مثل قوله: "أيحسب الإنسان أن يترك سدى" (القيامة -36) ، وإنما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل، و {وأنكم إلينا لا ترجعون} أي: أفحسبتم أنكم إلينا لا ترجعون في الآخرة للجزاء، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لا "ترجعون" بفتح التاء وكسر الجيم. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا بشر بن عمر، أخبرنا عبد الله بن لهيعة، أخبرنا عبد الله بن هبيرة، عن حنش، أن رجلا مصابا مر به على ابن مسعود فرقاه في أذنيه: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} حتى ختم السورة فبرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بماذا رقيت في أذنه"؟ فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال" . {فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين }

Section V05/P432–V06/P008

ثم نزه الله نفسه عما يصفه به المشركون، فقال جل ذكره: {فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} يعني السرير الحسن. وقيل: المرتفع. {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} أي: لا حجة له به ولا بينة، لأنه لا حجة في دعوى الشرك، {فإنما حسابه} جزاؤه، {عند ربه} يجازيه بعمله، كما قال تعالى: "ثم إن علينا حسابهم" (الغاشية -26) ، {إنه لا يفلح الكافرون} لا يسعد من جحد وكذب. {وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين} . سورة النور مدنية بسم الله الرحمن الرحيم {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } {سورة} أي: هذه سورة، {أنزلناها وفرضناها} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "وفرضناها" بتشديد الراء، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي: أوجبنا ما فيها من الأحكام وألزمناكم العمل بها. وقيل: معناه قدرنا ما فيها من الحدود، والفرض: التقدير، قال الله عز وجل: "فنصف ما فرضتم (البقرة-237) أي: قدرتم، ودليل التخفيف قوله عز وجل: "إن الذي فرض عليك القرآن" (القصص-85) وأما التشديد فمعناه: 34/أوفصلناه وبيناه. وقيل: هو بمعنى الفرض الذي هو بمعنى الإيجاب أيضا، والتشديد للتكثير لكثرة ما فيها من الفرائض، أي: أوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة. {وأنزلنا فيها آيات بينات} واضحات، {لعلكم تذكرون} تتعظون. قوله عز وجل: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} أراد إذا كانا حرين بالغين عاقلين بكرين غير محصنين "فاجلدوا": فاضربوا كل واحد منهما مائة جلدة، يقال جلده إذا ضرب جلده، كما يقال رأسه وبطنه، إذا ضرب رأسه وبطنه، وذكر بلفظ الجلد لئلا يبرح ولا يضرب بحيث يبلغ اللحم، وقد وردت السنة أنه يجلد مائة ويغرب عاما وهو قول أكثر أهل العلم، وإن كان الزاني محصنا فعليه الرجم، ذكرناه في سورة النساء . {ولا تأخذكم بهما رأفة} رحمة ورقة، وقرأ ابن كثير "رأفة" بفتح الهمزة ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لمجاورة قوله ورحمة، والرأفة معنى في القلب، لا ينهى عنه لأنه لا يكون باختيار الإنسان. روي أن عبد الله بن عمر جلد جارية له زنت، فقال للجلاد: اضرب ظهرها ورجليها، فقال له ابنه: لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، فقال يا بني إن الله عز وجل لم يأمرني بقتلها وقد ضربت فأوجعت . واختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي. وقال جماعة: معناها ولا تأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن، قال الزهري: يجتهد في حد الزنا والفرية ويخفف في حد الشرب. وقال قتادة: يجتهد في حد الزنا ويخفف في الشرب والفرية. {في دين الله} أي: في حكم الله، {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} معناه أن المؤمن لا تأخذه الرأفة إذا جاء أمر الله تعالى. {وليشهد} وليحضر، {عذابهما} حدهما إذا أقيم عليهما {طائفة} نفر، {من المؤمنين} قال مجاهد والنخعي: أقله رجل واحد فما فوقه، وقال عكرمة وعطاء: رجلان فصاعدا. وقال الزهري وقتادة: ثلاثة فصاعدا. وقال مالك وابن زيد: أربعة بعدد شهود الزنا. {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } قوله عز وجل: {الزاني لا ينكح، إلا زانية أو مشركة والزانية لاينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن، وهن يومئذ أخصب

Section V06/P008–V06/P010

أهل المدينة، فرغب أناس من فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية {وحرم ذلك على المؤمنين} أن يتزوجوا تلك البغايا لأنهن كن مشركات، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والشعبي، ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بمكة والمدينة، منهن تسع لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها، منهن أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، فاستأذن رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح أم مهزول واشترطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت بمكة بغي يقال لها عناق، وكانت صديقة له في الجاهلية، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها، فقال مرثد: إن الله حرم الزنا، قالت: فانكحني، فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد شيئا، فنزلت: {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} فدعاني فقرأها علي وقال لي: لا تنكحها . فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصا في حق أولئك دون سائر الناس. وقال قوم: المراد من النكاح هو الجماع، ومعناه: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا تزني إلا بزان أو مشرك، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم. ورواية الوالبي عن ابن عباس، قال يزيد بن هارون: إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان، وكان ابن مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول: إذا تزوج الزاني بالزانية فهما زانيان أبدا. وقال الحسن: الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة والزانية المجلودة لا ينكحها إلا زان مجلود. قال سعيد بن المسيب وجماعة: إن حكم الآية منسوخ، فكان نكاح الزانية حراما بهذه الآية فنسخها قوله تعالى: "وأنكحوا الأيامى منكم" فدخلت الزانية في أيامى المسلمين . واحتج من جوز نكاح الزانية بما أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، أخبرنا الحسن بن فرج، أخبرنا عمرو بن خالد الحراني، أخبرنا عبيد الله عن عبد الكريم الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس؟ قال: طلقها، قال: فإني أحبها وهي جميلة، قال: استمتع بها. وفي رواية غيره "فأمسكها إذا" . وروي أن عمر بن الخطاب ضرب رجلا وامرأة 34/ب في زنى وحرص أن يجمع بينهما فأبى الغلام . {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون } قوله عز وجل: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداءفاجلدوهم ثمانين جلدة} أراد بالرمي القذف بالزنا، وكل من رمى محصنا أو محصنة بالزنا، فقال له: زنيت أو يا زاني فيجب عليه جلد ثمانين جلدة، إن كان حرا، وإن كان عبدا فيجلد أربعين، وإن كان المقذوف غير محصن، فعلى القاذف التعزير. وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنى، حتى أن من زنى مرة في أول بلوغه ثم تاب وحسنت حالته وامتد عمره فقذفه قاذف فلا حد عليه. فإن أقر المقذوف على نفسه بالزنا أو أقام القاذف أربعة من الشهود على زناه سقط الحد عن القاذف، لأن الحد الذي وجب عليه حد الفرية وقد ثبت صدقه. وقوله: {والذين يرمون المحصنات} أي: يقذفون بالزنا المحصنات، يعني المسلمات الحرائر العفائف {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} يشهدون على زناهن {فاجلدوهم ثمانين جلدة} أي: اضربوهم ثمانين جلدة. {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداوأولئك هم الفاسقون}

Section V06/P010–V06/P011

{إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين } {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة، وفي حكم هذا الاستثناء: فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف، وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته قبلت شهادته، سواء تاب بعد إقامة الحد عليه أو قبله. لقوله تعالى: "إلا الذين تابوا"، وقالوا: الاستثناء يرجع إلى الشهادة وإلى الفسق، فبعد التوبة تقبل شهادته، ويزول عنه اسم الفسق. يروى ذلك عن ابن عباس وعمر، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري وبه قال مالك والشافعي. وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب، وقالوا: الاستثناء يرجع إلى قوله: {وأولئك هم الفاسقون} وهو قول النخعي وشريح وأصحاب الرأي، وقالوا: بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم يحد. قال الشافعي: وهو قبل أن يحد شر منه حين يحد، لأن الحدود كفارات، فكيف يردونها في أحسن حاليه ويقبلونها في شر حاليه. وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة، وقال: الاستثناء يرجع إلى الكل. وعامة العلماء على أنه لا يسقط بالتوبة إلا أن يعفو عنه المقذوف فيسقط، كالقصاص يسقط بالعفو، ولا يسقط بالتوبة. فإن قيل: إذا قبلتم شهادته بعد التوبة فما معنى قوله {أبدا} ؟. قيل: معناه لا تقبل شهادته أبدا ما دام مصرا على قذفه، لأن أبد كل إنسان مدته على ما يليق بحاله. كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدا: يراد ما دام كافرا . قوله عز وجل: {والذين يرمون أزواجهم} أي: يقذفون نساءهم، {ولم يكن لهم شهداء} يشهدون على صحة ما قالوا، {إلا أنفسهم} أي: غير أنفسهم، {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} قرأ حمزة والكسائي وحفص: "أربع شهادات" برفع العين على خبر الابتداء، أي: فشهادة أحدهم التي تدرأ الحد أربع شهادات، وقرأ الآخرون بالنصب، أي: فشهادة أحدهم أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. {والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين } {والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين} قرأ نافع ويعقوب "أن" خفيفة وكذلك الثانية "لعنة الله" رفع، ثم يعقوب قرأ "غضب" برفع، وقرأ نافع "غضب" بكسر الضاد وفتح الباء على الماضي "الله" رفع، وقرأ الآخرون "أن" بالتشديد فيهما، "لعنة" نصب، و"غضب" بفتح الضاد على الاسم، "الله" جر، وقرأ حفص عن عاصم "والخامسة" الثانية نصب، أي: ويشهد الشهادة الخامسة، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره في أن كالأولى.

Section V06/P011–V06/P012

وسبب نزول هذه الآية ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي عن ذلك يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال له: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم لعويمر، لم تأتني بخير، قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها، فقال عويمر، والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فجاء عويمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أنزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها"، فقال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال مالك قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين . وقال محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا الأوزاعي، أخبرنا الزهري بهذا الإسناد بمثل معناه وزاد: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الإليتين، خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به 35/أأحيمر كأنه [وجوه] فلا أحسب عويمر إلا قد كذب عليها" فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر فكان بعد ينسب إلى أمه. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا أحمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا ابن أبي عدي، عن هشام بن حسان، أخبرنا عكرمة، عن ابن عباس، أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة أو حد في ظهرك"، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "البينة وإلا حد في ظهرك"، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: {والذين يرمون أزواجهم} فقرأ حتى بلغ {إن كان من الصادقين} فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب"؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجبة، قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين ، سابغ الإليتين ، خدلج الساقين ، فهو لشريك بن سحماء"، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن" .

Section V06/P012–V06/P013

وروى عكرمة عن ابن عباس: قال لما نزلت: {والذين يرمون المحصنات} الآية. قال سعد بن عبادة: لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما قال سيدكم"؟ قالوا: لا تلمه، فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها، فقال سعد: يا رسول الله بأبي أنت وأمي والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن الله يأبى إلا ذلك"، فقال صدق الله ورسوله، قال: فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع امرأتي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتاه به، وثقل عليه حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم إني لصادق وما قلت إلا حقا، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربه، فقال: واجتمعت الأنصار فقالوا ابتلينا بما قال سعد، يجلد هلال وتبطل شهادته، وإنهم لكذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل عليه، حتى فرغ، فأنزل الله عز وجل: {والذين يرمون أزواجهم} إلى آخر الآيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبشر يا هلال فإن الله قد جعل لك فرجا" فقال: لقد كنت أرجو ذلك من الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوا إليها، فجاءت، فلما اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها فكذبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ فقال هلال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قد صدقت وما قلت إلا حقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعنوا بينهما، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقال له عند الخامسة: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قال للمرأة: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقال لها عند الخامسة ووقفها: اتقي الله فإن الخامسة موجبة وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وقضى بأن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه"، فجاءت به غلاما كأنه جمل أورق، على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا على مصر، لا يدري من أبوه.

Section V06/P013–V06/P015

وقال ابن عباس في سائر الروايات، ومقاتل: لما نزلت: {والذين يرمون المحصنات} الآية، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك، إن رأى رجل منا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين جلدة، وسماه المسلمون فاسقا، ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل فرغ من حاجته ومر؟ وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر، وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن، فأتى عويمر 35/ب عاصما وقال: لقد رأيت شريك بن السمحاء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجمعة الأخرى، فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي، فأخبره وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم جميعا، وقال لعويمر:"اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها بالبهتان" فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإنها حبلى من غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة: "اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت" فقالت: يا رسول الله إن عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا يطيل السمر ونتحدث، فحملته الغيرة على ما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لشريك: "ما تقول"؟ فقال: ما تقوله المرأة كذب، فأنزل الله عز وجل: {والذين يرمون أزواجهم} الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نودي الصلاة جامعة، فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم، فقام فقال: أشهد بالله بأن خولة لزانية وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية أشهد أني رأيت شريكا على بطنها، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة أشهد بالله إنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة أشهد بالله إني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر -يعني نفسه-إن كان من الكاذبين فيما قال، ثم أمره بالقعود، وقال لخولة: قومي فقامت، فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن عويمرا لمن الكاذبين، ثم قالت في الثانية أشهد بالله أنه ما رأى شريكا على بطني وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الثالثة أشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الرابعة أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الخامسة غضب الله على خولة -تعني نفسها-إن كان من الصادقين. ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقال لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثم قال: "تحينوا بها الولادة فإن جاءت به [أصيهب] [أثيبج] يضرب إلى السواد فهو لشريك، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به". قال ابن عباس فجاءت بأشبه خلق الله بشريك . والكلام في حكم الآية: أن الرجل إذا قذف امرأته فموجبه موجب قذف الأجنبي في وجوب الحد عليه إن كانت محصنة، أو التعزير إن لم تكن محصنة، غير أن المخرج منهما مختلف؛ فإذا قذف أجنبيا يقام الحد عليه، إلا أن يقيم أربعة من الشهود على زناه، أو يقر به المقذوف فيسقط عنه حد القذف، وفي الزوجة إذا وجد أحد هذين أو لاعن يسقط عنه الحد، فاللعان في قذف الزوجة بمنزلة البينة، لأن الرجل إذا رأى مع امرأته رجلا ربما لا يمكنه إقامة البينة عليه ولا يمكنه الصبر على العار، فجعل الله اللعان حجة له على صدقه، فقال تعالى: "فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين"، وإذا أقام الزوج البينة على زناها أو اعترفت بالزنا سقط عنه الحد واللعان، إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه فله أن يلاعن لنفيه.

Section V06/P015–V06/P016

وإذا أراد الإمام أن يلاعن بينهما يبدأ فيقيم الرجل ويلقنه كلمات اللعان، فيقول: قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة بالزنا، وإن كان قد رماها برجل بعينه سماه بعينه باللعان، وإن رماها بجماعة سماهم، ويقول الزوج كما يلقنه الإمام، وإن كان ولد أو حمل يريد نفيه يقول: وإن هذا الولد أو الحمل لمن الزنا ما هو مني، ويقول في الخامسة: علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة، وإذا أتى بكلمة منها من غير تلقين الحاكم لا تكون محسوبة، فإذا فرغ الرجل من اللعان وقعت الفرقة بينه وبين زوجته وحرمت عليه على التأبيد، وانتفى عنه النسب وسقط عنه حد القذف، ووجب على المرأة حد الزنا، إن كانت محصنة ترجم، وإن كانت غير محصنة تجلد وتغرب، فهذه خمسة أحكام تتعلق كلها بلعان الزوج. {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } قوله عز وجل: {ويدرأ} يدفع، {عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين} {والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} وأراد بالعذاب الحد، كما قال في أول السورة: "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" أي: حدهما، ومعنى الآية: أن الزوج إذ لاعن وجب على المرأة حد الزنا، وإذا وجب عليها حد الزنا بلعانه فأرادت إسقاطه عن نفسها فإنها تلاعن، فتقوم وتشهد بعد تلقين الحاكم أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به، وتقول في الخامسة علي غضب الله إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به. ولا يتعلق بلعانها إلا حكم واحد وهو سقوط الحد عنها، ولو أقام الزوج بينة على زناها فلا يسقط الحد عنها باللعان. وعند أصحاب الرأي: لا حد على من قذف زوجته، بل موجبه اللعان، فإن لم يلاعن يحبس حتى يلاعن، فإذا لاعن الزوج وامتنعت المرأة عن اللعان حبست حتى تلاعن. وعند الآخرين اللعان حجة على صدقه، والقاذف إذا قعد عن إقامة الحجة على صدقه لا يحبس بل يحد كقاذف الأجنبي إذا قعد عن إقامة البينة. وعند أبي حنيفة موجب اللعان وقوع الفرقة ونفي النسب، وهما لا يحصلان إلا بلعان الزوجين جميعا، وقضاء القاضي. وفرقة اللعان فرقة فسخ عند كثير من أهل العلم وبه قال الشافعي، وتلك الفرقة متأبدة حتى لو كذب الزوج نفسه يقبل ذلك فيما عليه دون ما له، فيلزمه الحد ويلحقه الولد 36/أولكن لا يرتفع تأبيد التحريم. وعند أبي حنيفة فرقة اللعان فرقة طلاق فإذا كذب الزوج نفسه جاز له أن ينكحها. وإذا أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق به الحكم. وعند أبي حنيفة إذا أتى بأكثر كلمات اللعان قام مقام الكل في تعلق الحكم به. وكل من صح يمينه صح لعانه حرا أو عبدا، مسلما أو ذميا، وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن، وبه قال ربيعة ومالك والثوري والشافعي وأكثر أهل العلم. وقال الزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يجري اللعان إلا بين مسلمين حرين غير محدودين، فإن كان الزوجان أو أحدهما رقيقا أو ذميا أو محدودا في قذف فلا لعان بينهما. وظاهر القرآن حجة لمن قال يجري اللعان بينهما، لأن الله تعالى قال: {والذين يرمون أزواجهم} ولم يفصل بين الحر والعبد والمحدود وغيره كما قال: "الذين يظاهرون من نسائهم" (المجادلة-2) ، ثم يستوي الحر والعبد هنا في الظهار، ولا يصح اللعان إلا عند الحاكم أو خليفته. ويغلظ اللعان بأربعة أشياء: بعدد الألفاظ، والمكان، والزمان، وأن يكون بمحضر جماعة من الناس. أما الألفاظ المستحقة فلا يجوز الإخلال بها، وأما المكان فهو أن يلاعن في أشرف الأماكن، إن كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وفي سائر البلاد ففي المسجد الجامع عند المنبر، والزمان هو أن يكون بعد صلاة العصر، وأما الجمع فأقلهم أربعة، والتغليظ بالجمع مستحب، حتى لو لاعن الحاكم بينهما وحده [جاز] ، وهل التغليظ بالمكان والزمان واجب أو مستحب فيه قولان. {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم }

Section V06/P016–V06/P018

قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم} جواب لولا محذوف، يعني لعاجلكم بالعقوبة، ولكنه ستر عليكم ودفع عنكم الحد باللعان، وإن الله تواب يعود على من يرجع عن المعاصي بالرحمة، حكيم فيما فرض من الحدود. {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } قوله عز وجل: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} الآيات سبب نزول هذه الآية ما أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله أخبرنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا. قالوا: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه وأيهن خرج سهمها خرج بها النبي صلى الله عليه وسلم معه قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكل العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول. قالت: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول، قال عروة أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه. وقال عروة أيضا: لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة، كما قال الله تعالى {والذي تولى كبره} قال: عبد الله بن أبي بن سلول، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال: فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء

Section V06/P018–V06/P019

قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف 36/ب أن نتخذها عند بيوتنا. قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح -وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟ قالت فقلت: ما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط رضية عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها. قالت فقلت: سبحان الله أو لقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل [بنوم] ، ثم أصبحت أبكي. قالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمضه أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم [من يومه] فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما يدخل على أهلي إلا معي، قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال أنا يا رسول الله أعذرك فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: وقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت.

Questions

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî) · 48 · Qur'an & Sunnah