Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)
{ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } {قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} يعني القيامة. {قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} أي: لا تتقدمون عليه يعني يوم القيامة، وقال الضحاك: يوم الموت لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون بأن يزاد في أجلكم أو ينقص منه. {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} يعني: التوراة والإنجيل، {ولو ترى} يا محمد، {إذ الظالمون موقوفون} محبوسون، {عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول} يرد بعضهم إلى بعض القول في الجدال، {يقول الذين استضعفوا} استحقروا وهم الأتباع، {للذين استكبروا} وهم القادة والأشراف، {لولا أنتم لكنا مؤمنين} أي: أنتم منعتمونا عن الإيمان بالله ورسوله. {قال الذين استكبروا} أجابهم المتبوعون في الكفر، {للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين} بترك الإيمان. {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار} أي: مكركم بنا في الليل والنهار، والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار على توسع الكلام؟ كما قال الشاعر: ونمت وما ليل المطي بنائم وقيل: مكر الليل والنهار هو طول السلامة وطول الأمل فيهما، كقوله تعالى: "فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم" (الحديد-16) . {إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا} أظهروا {الندامة} وقيل: أخفوا، وهو من الأضداد، {لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} في النار الأتباع والمتبوعين جميعا. {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} من الكفر والمعاصي في الدنيا. {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون } {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها} رؤساؤها وأغنياؤها، {إنا بما أرسلتم به كافرون} {وقالوا} يعني: قال المترفون للفقراء الذين آمنوا: {نحن أكثر أموالا وأولادا} ولو لم يكن الله راضيا بما نحن عليه من الدين والعمل لم يخولنا الأموال والأولاد، {وما نحن بمعذبين} أي: إن الله أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا. {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} يعني: أن الله يبسط الرزق ويقدر ابتلاء وامتحانا لا يدل البسط على رضا الله عنه ولا التضييق على سخطه، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أنها كذلك. {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين }
{وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} أي: قربى، قال الأخفش: "قربى" اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا، {إلا من آمن} يعني: لكن من آمن، {وعمل صالحا} قال ابن عباس: يريد إيمانه وعمله يقربه مني، {فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} أي: يضعف الله لهم حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشر إلى سبعمائة قرأ يعقوب: "جزاء" منصوبا منونا "الضعف" رفع، تقديره: فأولئك لهم الضعف جزاء، وقرأ العامة بالإضافة، {وهم في الغرفات آمنون} قرأ حمزة: "في الغرفة" على واحده، وقرأ الآخرون بالجمع لقوله: "لنبوأنهم من الجنة غرفا" (العنكبوت-58) . {والذين يسعون} يعملون، {في آياتنا} في إبطال حجتنا، {معاجزين} معاندين يحسبون أنهم يعجزوننا ويفوتوننا، {أولئك في العذاب محضرون} {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} أي: يعطي خلفه، قال سعيد بن جبير: ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه. وقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير من نفقة فهو يخلفه على المنفق، إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخره له في الآخرة. {وهو خير الرازقين} خير من يعطي ويرزق. وروينا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى قال: أنفق أنفق عليك". أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل، حدثنا أبي، عن سليمان هو ابن بلال، عن معاوية بن أبي مزرد، عن أبي الحبحاب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا". أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا ابن أبي أويس، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد ابن زنجويه، أخبرنا أبو الربيع، أخبرنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة، وما وقى الرجل به عرضه كتب له بها صدقة"، قلت: ما يعني وقى الرجل عرضه؟ قال: "ما أعطى الشاعر وذا اللسان للمتقى، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها ضامنا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو في معصية الله عز وجل". قوله: "قلت ما يعني" يقول عبد الحميد لمحمد بن المنكدر. قال مجاهد: إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد، ولا يتأول هذه الآية: "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه"، فإن الرزق مقسوم لعل رزقه قليل، وهو ينفق نفقة الموسع عليه. ومعنى الآية: وما كان من خلف فهو منه. {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير }
قوله تعالى: {ويوم يحشرهم} قرأ يعقوب وحفص: "يحشرهم"، وقرأ الآخرون بالنون، {جميعا} يعني: هؤلاء الكفار، {ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} في الدنيا، قال قتادة: هذا استفهام تقرير، كقوله تعالى لعيسى: "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله" (مريم-116) ، فتتبرأ منهم الملائكة. {قالوا سبحانك} تنزيها لك، {أنت ولينا من دونهم} أي: نحن نتولاك ولا نتولاهم، {بل كانوا يعبدون الجن} يعني: الشياطين، فإن قيل لهم كانوا يعبدون الملائكة فكيف وجه قوله: {يعبدون الجن} قيل: أراد الشياطين 89/ب زينوا لهم عبادة الملائكة، فهم كانوا يطيعون الشياطين في عبادة الملائكة، فقوله {يعبدون} أي: يطيعون الجن، {أكثرهم بهم مؤمنون} يعني: مصدقون للشياطين. ثم يقول الله: {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا} بالشفاعة، {ولا ضرا} بالعذاب، يريد أنهم عاجزون، لا نفع عندهم ولا ضر، {ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا} يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، {إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى} يعنون القرآن، {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} أي: بين. {وما آتيناهم} يعني: هؤلاء المشركين، {من كتب يدرسونها} يقرؤونها، {وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} أي: لم يأت العرب قبلك نبي ولا نزل عليهم كتاب. {وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب } {وكذب الذين من قبلهم} من الأمم رسلنا، وهم: عاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط وغيرهم، {وما بلغوا} يعني: هؤلاء المشركين، {معشار} أي: عشر، {ما آتيناهم} أي: أعطينا الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر، {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} أي: إنكاري وتغييري عليهم، يحذر كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية. {قل إنما أعظكم بواحدة} آمركم وأوصيكم بواحدة، أي: بخصلة واحدة، ثم بين تلك الخصلة فقال: {أن تقوموا لله} لأجل الله، {مثنى} أي: اثنين اثنين، {وفرادى} أي: واحدا واحدا، {ثم تتفكروا} جميعا أي: تجتمعون فتنظرون وتتحاورون وتنفردون، فتفكرون في حال محمد صلى الله عليه وسلم فتعلموا، {ما بصاحبكم من جنة} جنون، وليس المراد من القيام القيام الذي هو ضد الجلوس، وإنما هو قيام بالأمر الذي هو في طلب الحق، كقوله: "وأن تقوموا لليتامى بالقسط" (النساء-127) . {إن هو} ما هو، {إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} قال مقاتل: تم الكلام عند قوله: "ثم تتفكروا" أي: في خلق السموات والأرض فتعلموا أن خالقها واحد لا شريك له، ثم ابتدأ فقال: "ما بصاحبكم من جنة". {قل ما سألتكم من أجر} على تبليغ الرسالة، {من أجر} جعل {فهو لكم} يقول: قل لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا فتتهموني، ومعنى قوله: "فهو لكم" أي: لم أسألكم شيئا كقول القائل: ما لي من هذا فقد وهبته لك يريد ليس لي فيه شيء، {إن أجري} ما ثوابي، {إلا على الله وهو على كل شيء شهيد} {قل إن ربي يقذف بالحق} والقذف الرمي بالسهم والحصى، والكلام، ومعناه: يأتي بالحق وبالوحي ينزله من السماء فيقذفه إلى الأنبياء، {علام الغيوب} رفع بخبر إن، أي: وهو علام الغيوب. {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد }
{قل جاء الحق} يعني: القرآن والإسلام، {وما يبدئ الباطل وما يعيد} أي: ذهب الباطل وزهق فلم يبق منه بقية يبدئ شيئا أو يعيد، كما قال تعالى: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه" (الأنبياء-48) ، وقال قتادة: "الباطل" هو إبليس، وهو قول مقاتل والكلبي، وقيل: "الباطل": الأصنام. {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي} وذلك أن كفار مكة كانوا يقولون له: إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك، فقال الله تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي} أي: إثم ضلالتي على نفسي، {وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} من القرآن والحكمة، {إنه سميع قريب} {ولو ترى إذ فزعوا} قال قتادة عند البعث حين يخرجون من قبورهم، {فلا فوت} أي: فلا يفوتونني كما قال: "ولات حين مناص" (ص-3) ، وقيل: إذ فزعوا فلا فوت ولا نجاة، {وأخذوا من مكان قريب} [قال الكلبي من تحت أقدامهم، وقيل: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها، وحيثما كانوا فهم من الله قريب] ، لا يفوتونه. وقيل: من مكان قريب يعني عذاب الدنيا. وقال الضحاك: يوم بدر. وقال ابن أبزي: خسف بالبيداء، وفي الآية حذف تقديره: ولو ترى إذ فزعوا لرأيت أمرا تعتبر به. {وقالوا آمنا به} حين عاينوا العذاب، قيل: عند اليأس. وقيل: عند البعث. {وأنى} من أين، {لهم التناوش} قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: التناوش بالمد والهمزة، وقرأ الآخرون بواو صافية من غير مد ولا همز، ومعناه التناول، أي: كيف لهم تناول ما بعد عنهم، وهو الإيمان والتوبة، وقد كان قريبا في الدنيا فضيعوه، ومن همز قيل: معناه هذا أيضا. وقيل التناوش بالهمزة من النبش وهو حركة في إبطاء، يقال: جاء نبشا أي: مبطئا متأخرا، والمعنى من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه، وعن ابن عباس قال: يسألون الرد إلى الدنيا فيقال وأنى لهم الرد إلى الدنيا. {من مكان بعيد} أي: من الآخرة إلى الدنيا. {وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب } {وقد كفروا به من قبل} أي: بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، من قبل أن يعاينوا العذاب وأهوال القيامة، {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} قال مجاهد: يرمون محمدا بالظن لا باليقين، وهو قولهم ساحر وشاعر وكاهن، ومعنى الغيب: هو الظن لأنه غاب علمه عنهم، والمكان البعيد: بعدهم عن علم ما يقولون، والمعنى يرمون محمدا بما لا يعلمون من حيث لا يعلمون. وقال قتادة: يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار. {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} ، أي: الإيمان والتوبة والرجوع إلى الدنيا. وقيل: نعيم الدنيا وزهرتها، {كما فعل بأشياعهم} ، أي: بنظرائهم ومن كان على مثل حالهم من الكفار، {من قبل} ،أي: لم يقبل منهم الإيمان والتوبة في وقت اليأس، {إنهم كانوا في شك} ، من البعث ونزول العذاب بهم، {مريب} ، موقع لهم الريبة والتهمة. سورة فاطر مكية بسم الله الرحمن الرحيم {الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير } {الحمد لله فاطر السموات والأرض} خالقها ومبدعها على غير مثال سبق، {جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة} ذوي أجنحة {مثنى وثلاث ورباع} قال قتادة ومقاتل: بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أجنحة، وبعضهم له أربعة أجنحة، ويزيد فيها ما يشاء وهو قوله، {يزيد في الخلق ما يشاء} وقال ابن مسعود في قوله عز وجل: "لقد رأى من آيات ربه الكبرى" (النجم-18) ، قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. وقال ابن شهاب في قوله: "يزيد في الخلق ما يشاء" قال: حسن الصوت. 90/أ وعن قتادة قال: هو الملاحة في العينين. وقيل: هو العقل والتمييز. {إن الله على كل شيء قدير}
{ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } {ما يفتح الله للناس من رحمة} [قيل: من مطر ورزق] ، {فلا ممسك لها} لا يستطيع أحد على حبسها، {وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز} فيما أمسك {الحكيم} فيما أرسل. أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا عبيد الله بن أسباط، أخبرنا أبي، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن وراد، عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله} قرأ حمزة والكسائي "غير" بجر الراء، وقرأ الآخرون برفعها على معنى هل خالق غير الله، لأن "من" زيادة، وهذا استفهام على طريق التقرير كأنه قال: لا خالق غير الله، {يرزقكم من السماء والأرض} أي: من السماء المطر ومن الأرض النبات، {لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك} يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، {وإلى الله ترجع الأمور} {يا أيها الناس إن وعد الله حق} يعني وعد يوم القيامة، {فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} وهو الشيطان. {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون } {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} أي: عادوه بطاعة الله ولا تطيعوه، {إنما يدعو حزبه} أي: أشياعه وأولياءه {ليكونوا من أصحاب السعير} أي: ليكونوا في السعير، ثم بين حال موافقيه ومخالفيه فقال: {الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير} قوله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله} قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ومشركي مكة. وقال سعيد بن جبير: نزلت في أصحاب الأهواء والبدع. وقال قتادة: منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، فأما أهل الكبائر فليسوا منهم، لأنهم لا يستحلون الكبائر. {أفمن زين} شبه وموه عليه وحسن {له سوء عمله} أي: قبيح عمله، {فرآه حسنا} زين له الشيطان ذلك بالوسواس. وفي الآية حذف مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرأى الباطل حقا كمن هداه الله فرأى الحق حقا والباطل باطلا؟ {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} وقيل: جوابه تحت قوله {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} فيكون معناه: أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، أي: تتحسر عليه فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر، ومعنى الآية: لا تغتم بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا. وقرأ أبو جعفر: "فلا تذهب" بضم التاء وكسر الهاء "نفسك" نصب، {إن الله عليم بما يصنعون}
{والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور } {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور} من القبور. قوله عز وجل: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} قال الفراء: معنى الآية من كان يريد أن يعلم لمن العزة فلله العزة جميعا. وقال قتادة: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله معناه الدعاء إلى طاعة من له العزة، أي: فليطلب العزة من عند الله بطاعته، كما يقال: من كان يريد المال فالمال لفلان، أي: فليطلبه من عنده، وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا به التعزير كما قال الله: "واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا" (مريم-81) ، وقال: "الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا" (النساء-139) . {إليه} أي: إلى الله، {يصعد الكلم الطيب} وهو قوله لا إله إلا الله، وقيل: هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد ابن زنجويه، أخبرنا الحجاج بن نصر، أخبرنا المسعودي عن عبد الله بن المحارق، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: إذا حدثتكم حديثا أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عز وجل: ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بها وجه رب العالمين، ومصداقه من كتاب الله عز وجل قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} ذكره ابن مسعود. وقيل: "الكلم الطيب": ذكر الله. وعن قتادة: "إليه يصعد الكلم الطيب" أي: يقبل الله الكلم الطيب. قوله عز وجل: {والعمل الصالح يرفعه} أي: يرفع العمل الصالح الكلم الطيب، فالهاء في قوله يرفعه راجعة إلى الكلم الطيب، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وعكرمة، وأكثر المفسرين. وقال الحسن وقتادة: الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال حسنا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله، ومن قال حسنا وعمل صالحا يرفعه العمل ذلك بأن الله يقول: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} وجاء في الحديث: "لا يقبل الله قولا إلا بعمل ولا قولا ولا عملا إلا بنية". وقال قوم: الهاء في قوله "يرفعه" راجعة إلى العمل الصالح [أي: الكلم الطيب يرفع العمل الصالح] ، فلا يقبل عمل إلا أن يكون صادرا عن التوحيد، وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل. وقيل: الرفع من صفة الله عز وجل 90/ب معناه: العمل الصالح يرفعه الله عز وجل. وقال سفيان بن عيينة: العمل الصالح هو الخالص، يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال، دليله قوله عز وجل: "فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" (الكهف-110) ، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، {والذين يمكرون السيئات} قال الكلبي: أي: الذين يعملون السيئات. وقال مقاتل: يعني الشرك. وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، كما قال الله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك" (الأنفال-30) . وقال مجاهد: وشهر بن حوشب: هم أصحاب الرياء. {لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} يبطل ويهلك في الآخرة. {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير }
{وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } قوله عز وجل: {والله خلقكم من تراب} أي: آدم، {ثم من نطفة} يعني: نسله، {ثم جعلكم أزواجا} ذكرانا وإناثا، {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر} لا يطول عمره، {ولا ينقص من عمره} يعني: من عمر آخر، كما يقال لفلان عندي درهم ونصفه أي: نصف درهم آخر، {إلا في كتاب} وقيل: قوله: "ولا ينقص من عمره" منصرف إلى الأول، قال سعيد بن جبير: مكتوب في أم الكتاب عمر فلان كذا وكذا سنة ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حين ينقطع عمره. وقال كعب الأحبار حين حضر عمر رضي الله عنه الوفاة: والله لو دعا عمر ربه أن يؤخر أجله لأخر، فقيل له إن الله عز وجل يقول: "فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" (الأعراف-34) فقال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ هذه الآية {إن ذلك على الله يسير} أي: كتابة الآجال والأعمال على الله هين. قوله عز وجل: {وما يستوي البحران} يعني: العذب والمالح، ثم ذكرهما فقال: {هذا عذب فرات} طيب، {سائغ شرابه} أي: جائز في الحلق هنيء، {وهذا ملح أجاج} شديد الملوحة. وقال الضحاك: هو المر. {ومن كل تأكلون لحما طريا} يعني: الحيتان من العذب والمالح جميعا، {وتستخرجون حلية} أي: من المالح دون العذب {تلبسونها} يعني اللؤلؤ. وقيل: نسب اللؤلؤ إليهما، لأنه يكون في البحر الأجاج عيون عذبة تمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ من بين ذلك، {وترى الفلك فيه مواخر} جواري مقبلة ومدبرة بريح واحدة، {لتبتغوا من فضله} بالتجارة، {ولعلكم تشكرون} الله على نعمه. {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير } {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه} يعني: الأصنام، {ما يملكون من قطمير} وهو لفافة النواة، وهي القشرة الرقيقة التي تكون على النواة. {إن تدعوهم} يعني: إن تدعو الأصنام، {لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} ما أجابوكم، {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياها، يقولون: ما كنتم إيانا تعبدون. {ولا ينبئك مثل خبير} يعني: نفسه أي: لا ينبئك أحد مثلي خبير عالم بالأشياء. {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} إلى فضل الله والفقير المحتاج، {والله هو الغني الحميد} الغني عن خلقه المحمود في إحسانه إليهم. {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز} شديد. {ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة} أي: نفس مثقلة بذنوبها غيرها، {إلى حملها} أي: حمل ما عليه من الذنوب، {لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} أي: ولو كان المدعو ذا قرابة له ابنه أو أباه أو أمه أو أخاه. قال ابن عباس: يلقى الأب والأم ابنه فيقول: يا بني احمل عني بعض ذنوبي. فيقول: لا أستطيع حسبي ما علي. {إنما تنذر الذين يخشون} يخافون، {ربهم بالغيب} ولم يروه. وقال الأخفش: تأويله أي: إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم بالغيب، {وأقاموا الصلاة ومن تزكى} صلح وعمل خيرا، {فإنما يتزكى لنفسه} لها ثوابه، {وإلى الله المصير}
{وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير } {وما يستوي الأعمى والبصير} يعني: الجاهل والعالم. وقيل: الأعمى عن الهدى والبصير بالهدى، أي: المؤمن والمشرك. {ولا الظلمات ولا النور} يعني: الكفر والإيمان. {ولا الظل ولا الحرور} يعني: الجنة والنار، قال ابن عباس: "الحرور": الريح الحارة بالليل، و"السموم" بالنهار. وقيل: "الحرور" يكون بالنهار مع الشمس. {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} يعني: المؤمنين والكفار. وقيل: العلماء والجهال. {إن الله يسمع من يشاء} حتى يتعظ ويجيب، {وما أنت بمسمع من في القبور} يعني: الكفار، شبههم بالأموات في القبور حين لم يجيبوا. {إن أنت إلا نذير} ما أنت إلا منذر تخوفهم بالنار. {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة} ما من أمة فيما مضى {إلا خلا} سلف {فيها نذير} نبي منذر. {وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} الواضح كرر ذلك الكتاب بعد ذكر الزبر على طريق التأكيد. {ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير} {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور } {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد} طرق وخطط، واحدتها جدة، مثل: مدة ومدد، {بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود} يعني: سود غرابيب على التقديم والتأخير، يقال: أسود غربيب، أي: شديد السواد تشبيها بلون الغراب، أي: طرائق سود. {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه} ذكر الكناية لأجل "من" وقيل: رد الكناية إلى ما في الإضمار، مجازه: ومن الناس والدواب والأنعام ما هو مختلف ألوانه، {كذلك} يعني كما اختلف ألوان الثمار والجبال، وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} قال ابن عباس: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، أخبرنا الأعمش، أخبرنا مسلم، عن مسروق 91/أعن عائشة رضي الله عنها: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا". وقال مسروق: كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا. وقال رجل للشعبي: أفتني أيها العالم، فقال الشعبي: إنما العالم من خشي الله عز وجل. {إن الله عزيز غفور} أي: عزيز في ملكه غفور لذنوب عباده. {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور } {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير } قوله تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله} يعني: قرأوا القرآن، {وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور} لن تفسد ولن تهلك، والمراد من التجارة ما وعد الله من الثواب.
قال الفراء: قوله: "يرجون" جواب لقوله: "إن الذين يتلون كتاب الله". {ليوفيهم أجورهم} جزاء أعمالهم بالثواب، {ويزيدهم من فضله} قال ابن عباس: يعني سوى الثواب مما لم تر عين ولم تسمع أذن، {إنه غفور شكور} قال ابن عباس: يغفر العظيم من ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم. {والذي أوحينا إليك من الكتاب} يعني: القرآن، و {هو الحق مصدقا لما بين يديه} من الكتب، {إن الله بعباده لخبير بصير} {ثم أورثنا الكتاب} يعني: الكتاب الذي أنزلناه إليك الذي ذكر في الآية الأولى، وهو القرآن، جعلناه ينتهي إلى، {الذين اصطفينا من عبادنا} ويجوز أن يكون "ثم" بمعنى الواو، أي: وأورثنا، كقوله: "ثم كان من الذين آمنوا" (البلد-17) ، أي: وكان من الذين آمنوا، ومعنى "أورثنا" أعطينا، لأن الميراث عطاء، قاله مجاهد. وقيل: "أورثنا" أي: أخرنا، ومنه الميراث لأنه أخر عن الميت، ومعناه: أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناكموه، وأهلناكم له. {الذين اصطفينا من عبادنا} قال ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قسمهم ورتبهم فقال: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} روي عن أسامة بن زيد في قوله عز وجل: "فمنهم ظالم لنفسه" الآية، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلهم من هذه الأمة". أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه، أخبرنا محمد بن علي بن الحسين القاضي، أخبرنا بكر بن محمد المروزي، أخبرنا أبو قلابة، حدثنا عمرو بن الحصين، عن الفضل بن عميرة، عن ميمون الكردي، عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له"، قال أبو قلابة فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه. واختلف المفسرون في معنى الظالم والمقتصد والسابق. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن عيسى الصيرفي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت أن رجلا دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي، وآنس وحشتي، وسق إلي جليسا صالحا، فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقا لأنا أسعد بك منك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات" فقال: "أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم، ثم يدخل الجنة"، ثم قرأ هذه الآية: "وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور". وقال عقبة بن صهبان سألت عائشة عن قول الله عز وجل: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية، فقالت: يا بني كلهم في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا. وقال مجاهد، والحسن، وقتادة: فمنهم ظالم لنفسه وهم أصحاب المشئمة، ومنهم مقتصد وهم أصحاب الميمنة، ومنهم سابق بالخيرات [بإذن الله] هم السابقون المقربون من الناس كلهم. وعن ابن عباس قال: السابق: المؤمن المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر نعمة الله غير الجاحد لها، لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال: "جنات عدن يدخلونها". وقال بعضهم: يذكر ذلك عن الحسن، قال: السابق من رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من رجحت سيئاته على حسناته. وقيل: الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه، والمقتصد الذي يستوي ظاهره وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره. وقيل: الظالم من وحد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله، والمقتصد من وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه، والسابق من وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه وأخلص له عمله.
وقيل: الظالم التالي للقرآن، والمقتصد القارئ له العالم به، والسابق القارئ له العالم به العامل بما فيه. وقيل: الظالم أصحاب الكبائر والمقتصد أصحاب الصغائر، والسابق الذي لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة. وقال سهل بن عبد الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل. قال جعفر الصادق: بدأ بالظالمين إخبارا بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في الجنة. وقال أبو بكر الوراق: رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس، لأن أحوال العبد ثلاثة: معصية وغفلة ثم توبة ثم قربة، فإذا عصى دخل في حيز الظالمين، وإذا تاب دخل في جملة المقتصدين، وإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد السابقين. وقال بعضهم: المراد بالظالم الكافر ذكره الكلبي. وقيل: المراد منه المنافق، فعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: "جنات 91/ب عدن يدخلونها". وحمل هذا القائل الاصطفاء على الاصطفاء في الخلقة وإرسال الرسول إليهم وإنزال الكتاب والأول هو المشهور أن المراد من جميعهم المؤمنون، وعليه عامة أهل العلم. قوله: {ومنهم سابق بالخيرات} أي: سابق إلى الجنة، أو إلى رحمة الله بالخيرات، أي: بالأعمال الصالحات، {بإذن الله} أي: أمر الله وإرادته، {ذلك هو الفضل الكبير} يعني: إيراثهم الكتاب. {جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور } ثم أخبر بثوابهم فقال: {جنات عدن يدخلونها} يعني: الأصناف الثلاثة، قرأ أبو عمرو "يدخلونها" بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء، {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير} {وقالوا} أي: ويقولون إذا دخلوا الجنة: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} والحزن واحد كالبخل والبخل. قال ابن عباس: حزن النار. وقال قتادة: حزن الموت. وقال مقاتل: حزنوا لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع الله بهم. وقال عكرمة: حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات. وقال القاسم: حزن زوال النعم وتقليب القلب، وخوف العاقبة، وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير: هم الخبز في الدنيا. وقيل: هم المعيشة. وقال الزجاج: أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو لمعاد. أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الضحاك الخطيب، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرايني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الترابي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم، ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن". قوله تعالى: {إن ربنا لغفور شكور} {الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير }
{الذي أحلنا} أنزلنا، {دار المقامة} أي: الإقامة، {من فضله لا يمسنا فيها نصب} أي: لا يصيبنا فيها عناء ومشقة، {ولا يمسنا فيها لغوب} إعياء من التعب. قوله تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا} أي: لا يهلكون فيستريحوا كقوله عز وجل: "فوكزه موسى فقضى عليه" (الشعراء-15) ، أي: قتله. وقيل: لا يقضى عليهم الموت فيموتوا، كقوله: "ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك" (الزخرف-77) ، أي: ليقض علينا الموت فنستريح، {ولا يخفف عنهم من عذابها} من عذاب النار، {كذلك نجزي كل كفور} كافر، قرأ أبو عمرو: "يجزى" بالياء وضمها وفتح الزاي، "كل" رفع على غير تسمية الفاعل، وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الزاي، "كل" نصب. {وهم يصطرخون} يستغيثون ويصيحون، {فيها} وهو: يفتعلون، من الصراخ، وهو الصياح، يقولون: {ربنا أخرجنا} منها من النار، {نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} في الدنيا من الشرك والسيئات، فيقول الله لهم توبيخا: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} قيل: هو البلوغ. وقال عطاء وقتادة والكلبي: ثمان عشرة سنة. وقال الحسن: أربعون سنة. وقال ابن عباس: ستون سنة، يروي ذلك عن علي، وهو العمر الذي أعذر الله تعالى إلى ابن آدم. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعذر الله تعالى إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة". أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهاويه، حدثنا الحسن بن عرفة، أخبرنا المحاربي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك". {وجاءكم النذير} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، هذا قول أكثر المفسرين. وقيل: القرآن. وقال عكرمة، وسفيان بن عيينة، ووكيع: هو الشيب. معناه أو لم نعمركم حتى شبتم. ويقال: الشيب نذير الموت. وفي الأثر: ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها: استعدي فقد قرب الموت. {فذوقوا فما للظالمين من نصير} {إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور } {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } {إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور} {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} أي: يخلف بعضكم بعضا، وقيل: جعلكم أمة خلفت من قبلها. ورأت فيمن قبلها، ما ينبغي أن تعتبر به. {فمن كفر فعليه كفره} أي: عليه وبال كفره {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا} غضبا {ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا} {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا } {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله} أي: جعلتموهم شركائي بزعمكم يعني: الأصنام، {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتابا} قال مقاتل: هل أعطينا كفار مكة كتابا، {فهم على بينة منه} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وحفص: "بينة" على التوحيد، وقرأ الآخرون: "بينات" على الجمع، يعني دلائل واضحة منه مما في ذلك الكتاب من ضروب البيان.
{بل إن يعد} أي: ما يعد، {الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا} والغرور ما يغر الإنسان مما لا أصل له، قال مقاتل: يعني ما يعد الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الآلهة لهم في الآخرة غرور وباطل. قوله تعالى: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} أي: كيلا تزولا {ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} أي: ما يمسكهما أحد من بعده، أي: أحد سواه، {إنه كان حليما غفورا} فإن قيل: فما معنى ذكر الحلم هاهنا؟ قيل: لأن السموات والأرض همت بما همت به من عقوبة الكفار فأمسكهما الله تعالى عن الزوال بحلمه وغفرانه أن يعالجهم بالعقوبة. {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} يعني: كفار مكة لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم، وأقسموا بالله وقالوا لو أتانا رسول لنكونن أهدى دينا منهم، وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث محمد كذبوه، فأنزل الله عز وجل: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير} رسول، {ليكونن أهدى من إحدى الأمم} يعني: من اليهود والنصارى، 92/أ {فلما جاءهم نذير} محمد صلى الله عليه وسلم، {ما زادهم إلا نفورا} أي: ما زادهم مجيئه إلا تباعدا عن الهدى. {استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا } {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا } {استكبارا في الأرض} نصب "استكبارا" على البدل من النفور، {ومكر السيئ} يعني: العمل القبيح، أضيف المكر إلى صفته، قال الكلبي: هو اجتماعهم على الشرك وقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ حمزة: "مكر السيئ" ساكنة الهمزة تخفيفا، وهي قراءة الأعمش، {ولا يحيق المكر السيئ} أي: لا يحل ولا يحيط المكر السيئ، {إلا بأهله} فقتلوا يوم بدر، وقال ابن عباس: عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك. والمعنى: وبال مكرهم راجع إليهم، {فهل ينظرون} ينتظرون، {إلا سنة الأولين} إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار، {فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا} {أولم يروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه} يعني: ليفوت عنه، {من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا} {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا} من الجرائم، {ما ترك على ظهرها} يعني: على ظهر الأرض، كناية عن غير مذكور، {من دابة} كما كان في زمان نوح أهلك الله ما على ظهر الأرض إلا من كان في سفينة نوح، {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل طاعته وأهل معصيته. سورة يس مكية بسم الله الرحمن الرحيم {يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم } {يس} و"ن" قرأ بإخفاء النون فيهما: ابن عامر والكسائي وأبو بكر. قالون: يخفي النون من "يس" ويظهر من "ن"، والباقون يظهرون فيهما. واختلفوا في تأويل {يس} حسب اختلافهم في حروف التهجي ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو قسم ، ويروى عنه أن معناه: يا إنسان بلغة طيء، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، وجماعة. وقال أبو العالية: يا رجل. وقال أبو بكر الوراق: يا سيد البشر. {والقرآن الحكيم}
{إنك لمن المرسلين} ، أقسم بالقرآن أن محمدا صلى الله عليه وسلم من المرسلين، وهو رد على الكفار حيث قالوا: "لست مرسلا" (الرعد-43) . {على صراط مستقيم} ، وهو خبر بعد خبر، أي: أنه من المرسلين وأنه على صراط مستقيم. وقيل: معناه إنك لمن المرسلين الذين هم على صراط مستقيم. {تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون } {تنزيل العزيز الرحيم} ، قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص: "تنزيل" بنصب اللام كأنه قال: نزل تنزيلا وقرأ الآخرون بالرفع، أي: هو تنزيل العزيز الرحيم. {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم} ، قيل: "ما" للنفي أي: لم ينذر آباؤهم، لأن قريشا لم يأتهم نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: "ما" بمعنى الذي، أي: لتنذر قوما بالذي أنذر آباؤهم، {فهم غافلون} عن الإيمان والرشد. {لقد حق القول} ، وجب العذاب {على أكثرهم فهم لا يؤمنون} ، هذا كقوله: "ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين" (الزمر-71) . {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} ، نزلت في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه، فلما رفعه أثبتت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده، فلما عاد إلى أصحابه فأخبرهم بما رأى سقط الحجر، فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر، فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر، فأعمى الله تعالى بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: ما رأيته، ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه شيء كهيئة الفحل يخطر بذنبه، لو دنوت منه لأكلني، فأنزل الله تعالى: "إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا " قال أهل المعاني: هذا على طريق المثل، ولم يكن هناك غل، أراد: منعناهم عن الإيمان بموانع، فجعل الأغلال مثلا لذلك. قال الفراء: معناه إنا حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك" (الإسراء-29) معناه: لا تمسكها عن النفقة. {فهي إلى الأذقان} ، "هي" كناية عن الأيدي -وإن لم يجر لها ذكر-لأن الغل يجمع اليد إلى العنق، معناه: إنا جعلنا في أيديهم وأعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان، {فهم مقمحون} والمقمح: الذي رفع رأسه وغض بصره، يقال: بعير قامح إذا روى من الماء، فأقمح إذا رفع رأسه وغض بصره. وقال الأزهري: أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤسهم، فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها. {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} ، قرأ حمزة والكسائي وحفص: "سدا" بفتح السين، وقرأ الآخرون بضمها، {فأغشيناهم} فأعميناهم، من التغشية وهي التغطية، {فهم لا يبصرون} سبيل الهدى. {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} {إنما تنذر من اتبع الذكر} ، يعني: إنما ينفع إنذارك من اتبع الذكر، يعني القرآن، فعمل بما فيه، {وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم} حسن وهو الجنة. {إنا نحن نحيي الموتى} ، عند البعث، {ونكتب ما قدموا} من الأعمال من خير وشر، {وآثارهم} أي: ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة يعمل بها من بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا". وقال قوم: قوله: "ونكتب ما قدموا وآثارهم" أي: خطاهم إلى المسجد.
روي عن أبي سعيد الخدري قال: شكت بنو سلمة بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله تعالى: "ونكتب ما قدموا وآثارهم". أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، حدثنا أبو سعيد محمد بن عيسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن هشام بن ملاس النميري، حدثنا مروان الفزاري، حدثنا حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: "أرادت بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة، فقال: يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم؟ فأقاموا". وأخبرنا 91/ب عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام". قوله تعالى {وكل شيء أحصيناه} حفظناه وعددناه وبيناه، {في إمام مبين} وهو اللوح المحفوظ. {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون } قوله عز وجل: {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية} يعني: اذكر لهم شبها مثل حالهم من قصة أصحاب القرية وهي أنطاكية، {إذ جاءها المرسلون} يعني: رسل عيسى عليه الصلاة والسلام. قال العلماء بأخبار الأنبياء: بعث عيسى رسولين من الحواريين إلى أهل مدينة أنطاكية فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار، صاحب يس فسلما عليه، فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ فقالا رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، فقال: أمعكما آية؟ قالا نعم نحن نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، فقال الشيخ: إن لي ابنا مريضا منذ سنين، قالا فانطلق بنا نطلع على حاله، فأتى بهما إلى منزله، فمسحا ابنه، فقام في الوقت -بإذن الله-صحيحا، ففشا الخبر في المدينة، وشفى الله تعالى على أيديهما كثيرا من المرضى، وكان -لهم ملك قال وهب: اسمه إنطيخس -وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام، قالوا: فانتهى الخبر إليه فدعاهما، فقال: من أنتما؟ قالا رسولا عيسى، قال: وفيم جئتما؟ قالا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر، فقال: لكما إله دون آلهتنا؟ قالا نعم، من أوجدك وآلهتك. قال: قوما حتى أنظر في أمركما، فتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما في السوق. قال وهب: بعث عيسى هذين الرجلين إلى أنطاكية، فأتياها فلم يصلا إلى ملكها، وطال مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله، فغضب الملك وأمر بهما فحبسا وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، قالوا: فلما كذب الرسولان وضربا، بعث عيسى رأس الحواريين شمعون الصفا على إثرهما لينصرهما، فدخل شمعون البلد متنكرا، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال
الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما، فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال لهما شمعون: [فصفاه وأوجزا، فقالا إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فقال شمعون] : وما آيتكما؟ قالا ما تتمناه، فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من الطين، فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما، فتعجب الملك، فقال شمعون للملك: إن أنت سألت إلهك حتى يصنع صنعا مثل هذا فيكون لك الشرف ولإلهك. فقال الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي كثيرا، ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، فقال الملك للرسولين: إن قدر إلهكم الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما، قالا إلهنا قادر على كل شيء، فقال الملك: إن هاهنا ميتا مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائبا فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية، وجعل شمعون يدعو ربه سرا، فقام الميت، وقال: إني قدمت منذ سبعة أيام مشركا فأدخلت في سبعة أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله، ثم قال: فتحت لي أبواب السماء فنظرت فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه، فتعجب الملك، فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك أخبره بالحال، ودعاه فآمن الملك وآمن قوم، وكفر آخرون. وقيل: إن ابنة للملك كانت قد توفيت ودفنت، فقال شمعون للملك: اطلب من هذين الرجلين أن يحييا ابنتك، فطلب منهما الملك ذلك فقاما وصليا ودعوا وشمعون معهما في السر، فأحيا الله المرأة وانشق القبر عنها فخرجت، وقالت: أسلموا فإنهما صادقان، قالت: ولا أظنكم تسلمون، ثم طلبت من الرسولين أن يرداها إلى مكانها فذرا ترابا على رأسها وعادت إلى قبرها كما كانت. وقال ابن إسحاق عن كعب ووهب: بل كفر الملك، وأجمع هو وقومه على قتل الرسل فبلغ ذلك حبيبا، وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين، فذلك قوله عز وجل: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون } {إذ أرسلنا إليهم اثنين} قال وهب: اسمهما يوحنا وبولس، {فكذبوهما فعززنا} يعني: فقوينا، {بثالث} برسول ثالث، وهو شمعون، وقرأ أبو بكر عن عاصم: "فعززنا" بالتخفيف وهو بمعنى الأول كقولك: شددنا وشددنا بالتخفيف والتثقيل، وقيل: أي: فغلبنا من قولهم: من عز بز. وقال كعب: الرسولان: صادق وصدوق، والثالث شلوم، وإنما أضاف الله الإرسال إليه لأن عيسى عليه السلام إنما بعثهم بأمره تعالى، {فقالوا} جميعا لأهل أنطاكية، {إنا إليكم مرسلون} . {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين } {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون} ما أنتم إلا كاذبون فيما تزعمون. {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} {وما علينا إلا البلاغ المبين}
{قالوا إنا تطيرنا بكم} تشاءمنا بكم، وذلك أن المطر حبس عنهم، فقالوا: أصابنا هذا بشؤمكم، {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم} لنقتلنكم، وقال قتادة: بالحجارة {وليمسنكم منا عذاب أليم} . {قالوا طائركم معكم} يعني: شؤمكم معكم بكفركم وتكذيبكم يعني: أصابكم الشؤم من قبلكم. وقال ابن عباس 92/أوالضحاك: حظكم من الخير والشر {أئن ذكرتم} يعني: وعظتم بالله، وهذا استفهام محذوف الجواب مجازه: إن ذكرتم ووعظتم بالله تطيرتم بنا. وقرأ أبو جعفر: "أن" بفتح الهمزة الملينة "ذكرتم" بالتخفيف {بل أنتم قوم مسرفون} مشركون مجاوزون الحد. قوله عز وجل: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} وهو حبيب النجار، وقال السدي: كان قصارا وقال وهب: كان رجلا يعمل الحرير، وكان سقيما قد أسرع فيه الجذام، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين فيطعم نصفا لعياله ويتصدق بنصف، فلما بلغه أن قومه قصدوا قتل الرسل جاءهم {قال يا قوم اتبعوا المرسلين} {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين } {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} قال قتادة: كان حبيب في غار يعبد ربه فلما بلغه خبر الرسل أتاهم فأظهر دينه، فلما انتهى حبيب إلى الرسل قال لهم: تسألون على هذا أجرا؟ قالوا: لا فأقبل على قومه فقال: "يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون"، فلما قال ذلك قالوا له: وأنت مخالف لديننا ومتابع دين هؤلاء الرسل ومؤمن بإلههم؟ فقال: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} قرأ حمزة ويعقوب: "مالي" بإسكان الياء، والآخرون بفتحها. قيل: أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم، لأن الفطرة أثر النعمة، وكانت عليه أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر وكان بهم أليق. وقيل: إنه لما قال: اتبعوا المرسلين، أخذوه فرفعوه إلى الملك، فقال له الملك: أفأنت تتبعهم؟ فقال: "ومالي لا أعبد الذي فطرني" وأي شيء لي إذا لم أعبد الخالق {وإليه ترجعون} تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم. {أأتخذ من دونه آلهة} استفهام بمعنى الإنكار، أي: لا أتخذ من دونه آلهة، {إن يردن الرحمن بضر} بسوء ومكروه، {لا تغن عني} لا تدفع عني، {شفاعتهم شيئا} أي: لا شفاعة لها أصلا فتغني {ولا ينقذون} من ذلك المكروه وقيل: لا ينقذون من العذاب لو عذبني الله إن فعلت ذلك. {إني إذا لفي ضلال مبين} خطأ ظاهر. {إني آمنت بربكم فاسمعون قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } { وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون } {إني آمنت بربكم فاسمعون} يعني: فاسمعوا مني، فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه . قال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره . قال السدي: كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي، حتى قطعوه وقتلوه . وقال الحسن: خرقوا خرقا في حلقة فعلقوه بسور من سور المدينة، وقبره بأنطاكية فأدخله الله الجنة، وهو حي فيها يرزق، فذلك قوله عز وجل: {قيل ادخل الجنة} ، فلما أفضى إلى الجنة {قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي} يعني: بغفران ربي لي، {وجعلني من المكرمين} تمنى أن يعلم قومه أن الله غفر له وأكرمه، ليرغبوا في دين الرسل. فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل لهم النقمة، فأمر جبريل عليه السلام فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم، فذلك قوله عز وجل: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء} يعني: الملائكة، {وما كنا منزلين} وما كنا نفعل هذا، بل الأمر في إهلاكهم كان أيسر مما يظنون.
وقيل: معناه "وما أنزلنا على قومه من بعده" أي: على قوم حبيب النجار من بعد قتله من جند، وما كنا ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم، كالطوفان والصاعقة والريح. ثم بين عقوبتهم فقال تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة} ، [وقرأ أبو جعفر: صيحة واحدة] بالرفع، جعل الكون بمعنى الوقوع. قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة واحدة {فإذا هم خامدون} ميتون. {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون وإن كل لما جميع لدينا محضرون وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون } {يا حسرة على العباد} قال عكرمة: يعني يا حسرتهم على أنفسهم، والحسرة: شدة الندامة، وفيه قولان: أحدهما: يقول الله تعالى: يا حسرة وندامة وكآبة على العباد يوم القيامة حين لم يؤمنوا بالرسل. والآخر: أنه من قول الهالكين. قال أبو العالية: لما عاينوا العذاب قالوا: يا حسرة أي: ندامة على العباد، يعني: على الرسل الثلاثة حيث لم يؤمنوا بهم، فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم. قال الأزهري: الحسرة لا تدعى، ودعاؤها تنبيه المخاطبين. وقيل العرب تقول: يا حسرتي! ويا عجبا! على طريق المبالغة، والنداء عندهم بمعنى التنبيه، فكأنه يقول: أيها العجب هذا وقتك؟ وأيتها الحسرة هذا أوانك؟ حقيقة المعنى: أن هذا زمان الحسرة والتعجب. ثم بين سبب الحسرة والندامة، فقال: {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} . {ألم يروا} ألم يخبروا، يعني: أهل مكة {كم أهلكنا قبلهم من القرون} والقرن: أهل كل عصر، سموا بذلك لاقترانهم في الوجود {أنهم إليهم لا يرجعون} أي: لا يعودون إلى الدنيا فلا يعتبرون بهم. {وإن كل لما جميع} قرأ عاصم وحمزة: "لما" بالتشديد هاهنا وفي الزخرف والطارق، ووافق ابن عامر إلا في الزخرف، ووافق أبو جعفر في الطارق، وقرأ الآخرون بالتخفيف. فمن شدد جعل "إن" بمعنى الجحد، و"لما" بمعنى إلا تقديره: وما كل إلا جميع، ومن خفف جعل "إن" للتحقيق و"ما" صلة مجازه: وكل جميع {لدينا محضرون} . {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها} بالمطر {وأخرجنا منها حبا} يعني الحنطة والشعير وما أشبههما {فمنه يأكلون} أي: من الحب. {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم } {وجعلنا فيها جنات} بساتين، {من نخيل وأعناب وفجرنا فيها} في الأرض، {من العيون} . {ليأكلوا من ثمره} أي: من الثمر الحاصل بالماء {وما عملته} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: "عملت" بغير هاء، وقرأ الآخرون "عملته" بالهاء أي: يأكلون من الذي عملته {أيديهم} الزرع والغرس فالهاء عائدة إلى "ما" التي بمعنى الذي. وقيل: "ما" للنفي في قوله "ما عملته" أي: وجدوها معمولة ولم تعملها أيديهم ولا صنع لهم فيها وهذا معنى قول الضحاك ومقاتل. وقيل: أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد خلق مثل دجلة والفرات والنيل ونحوها. {أفلا يشكرون} نعمة الله. {سبحان الذي خلق الأزواج كلها} أي: الأصناف {مما تنبت الأرض} الثمار والحبوب {ومن أنفسهم} يعني: الذكور والإناث {ومما لا يعلمون} مما خلق من الأشياء من دواب البر والبحر. {وآية لهم} تدل على قدرتنا، {الليل نسلخ} ننزع ونكشط {منه النهار فإذا هم مظلمون} داخلون في الظلمة، ومعناه: نذهب النهار ونجيء بالليل، وذلك أن الأصل هي الظلمة والنهار 92/ب داخل عليها فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل فتظهر الظلمة. {والشمس تجري لمستقر لها} أي: إلى مستقر لها، أي: إلى انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة. وقيل: إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها، ثم ترجع فذلك مستقرها لأنها لا تجاوزه. وقيل: مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مستقرها تحت العرش".
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثتا الحميدي، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: {والشمس تجري لمستقر لها} قال: "مستقرها تحت العرش" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، أخبرنا وكيع، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب"؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} . وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس: "والشمس تجري لا مستقر لها" وهي قراءة ابن مسعود أي: لا قرار لها ولا وقوف فهي جارية أبدا {ذلك تقدير العزيز العليم} . {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } {والقمر قدرناه منازل} أي: قدرنا له منازل قرأ ابن كثير ونافع، وأهل البصرة: "القمر" برفع الراء لقوله: "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار" وقرأ الآخرون بالنصب لقوله: "قدرناه" أي: قدرنا القمر {منازل} وقد ذكرنا أسامي المنازل في سورة يونس فإذا صار القمر إلى آخر المنازل دق فذلك قوله: {حتى عاد كالعرجون القديم} والعرجون: [عود العذق] الذي عليه الشماريخ، فإذا قدم وعتق يبس وتقوس واصفر فشبه القمر في دقته وصفرته في آخر المنازل به. {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} أي: لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه، ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه، وهو قوله تعالى: {ولا الليل سابق النهار} أي: هما يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر، لا تطلع الشمس بالليل ولا يطلع القمر بالنهار وله ضوء، فإذا اجتمعا وأدرك كل واحد منهما صاحبه قامت القيامة. وقيل: "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر" أي: لا تجتمع معه في فلك واحد، "ولا الليل سابق النهار" أي: لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل. {وكل في فلك يسبحون} يجرون. {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون } {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} قرأ أهل المدينة والشام، ويعقوب: "ذرياتهم" جمع وقرأ الآخرون: "ذريتهم" على التوحيد، فمن جمع كسر التاء، ومن لم يجمع نصبها، والمراد بالذرية: الآباء والأجداد، واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد {في الفلك المشحون} أي: المملوء، وأراد سفينة نوح عليه السلام، وهؤلاء من نسل من حمل مع نوح، وكانوا في أصلابهم. {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} قيل: أراد به السفن الصغار التي عملت بعد سفينة نوح على هيئتها. وقيل: أراد به السفن التي تجري في الأنهار فهي في الأنهار كالفلك الكبار في البحار، وهذا قول قتادة، والضحاك وغيرهما. وروي عن ابن عباس أنه قال: "وخلقنا لهم من مثله ما يركبون" يعني: الإبل، فالإبل في البر كالسفن في البحر. {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ} أي: لا مغيث {لهم ولا هم ينقذون} ينجون من الغرق. وقال ابن عباس: ولا أحد ينقذهم من عذابي. {إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين} إلى انقضاء آجالهم يعني إلا أن يرحمهم ويمتعهم إلى آجالهم. {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم} قال ابن عباس: "ما بين أيديكم" يعني الآخرة، فاعملوا لها، "وما خلفكم" يعني الدنيا، فاحذروها، ولا تغتروا بها.
وقيل: "ما بين أيديكم" وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم، "وما خلفكم" عذاب الآخرة، وهو قول قتادة ومقاتل. {لعلكم ترحمون} والجواب محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا أعرضوا عنه دليله ما بعده: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون } {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} أي: دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم {إلا كانوا عنها معرضين} . {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله} أعطاكم الله {قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم} أنرزق {من لو يشاء الله أطعمه} وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أنفقوا على المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله، وهو ما جعلوا لله من حروثهم وأنعامهم، قالوا: أنطعم أنرزق من لو يشاء الله رزقه، ثم لم يرزقه مع قدرته عليه، فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله، وهذا مما يتمسك به البخلاء، يقولون: لا نعطي من حرمه الله. وهذا الذي يزعمون باطل؛ لأن الله أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء، فمنع الدنيا من الفقير لا بخلا وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله، ولكن ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له في مال الغني، ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله وحكمه في خلقه {إن أنتم إلا في ضلال مبين} يقول الكفار للمؤمنين: ما أنتم إلا في خطأ بين في اتباعكم محمدا صلى الله عليه وسلم وترك ما نحن عليه. {ويقولون متى هذا الوعد} أي: القيامة والبعث {إن كنتم صادقين} . قال الله تعالى: {ما ينظرون} أي: ما ينتظرون {إلا صيحة واحدة} قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى {تأخذهم وهم يخصمون} يعني: يختصمون في أمر الدنيا من البيع والشراء، ويتكلمون في المجالس والأسواق. قرأ حمزة: "يخصمون" بسكون الخاء وتخفيف الصاد، أي: يغلب بعضهم بعضا بالخصام، وقرأ الآخرون بتشديد الصاد، أي: يختصمون. أدغمت التاء في الصاد، ثم ابن كثير ويعقوب وورش يفتحون الخاء بنقل حركة التاء المدغمة إليها، ويجزمها أبو جعفر وقالون ويروم فتحة الخاء 93/أأبو عمرو، وقرأ الباقون بكسر الخاء. وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها" . {فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون } قوله عز وجل {فلا يستطيعون توصية} أي: لا يقدرون على الإيصاء. قال مقاتل: عجلوا عن الوصية فماتوا {ولا إلى أهلهم يرجعون} ينقلبون، والمعنى أن الساعة لا تمهلهم لشيء. {ونفخ في الصور} وهي النفخة الأخيرة نفخة البعث، وبين النفختين أربعون سنة {فإذا هم من الأجداث} يعني: القبور واحدها: جدث {إلى ربهم ينسلون} يخرجون من القبور أحياء، ومنه قيل للولد: نسل لخروجه من بطن أمه. {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} قال أبي بن كعب، وابن عباس، وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل . وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم، فقالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ ثم قالوا: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [أقروا حين لم ينفعهم الإقرار. وقيل: قالت الملائكة لهم: "هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون"] . قال مجاهد: يقول الكفار: "من بعثنا من مرقدنا"؟ فيقول المؤمنون: "هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون". {إن كانت} ما كانت {إلا صيحة واحدة} يعني: النفخة الآخرة {فإذا هم جميع لدينا محضرون} .
{فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم } {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} . {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل} قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "في شغل"، بسكون الغين، والباقون بضمها، وهما لغتان مثل السحت والسحت. واختلفوا في معنى الشغل، قال ابن عباس: في افتضاض الأبكار ، وقال وكيع بن الجراح: في السماع. وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وعما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم. وقال الحسن: شغلوا بما في الجنة من النعيم عما فيه أهل النار من العذاب. وقال ابن كيسان: في زيارة بعضهم بعضا. وقيل: في ضيافة الله تعالى . {فاكهون} قرأ أبو جعفر: "فكهون" حيث كان، وافقه حفص في المطففين؛ وهما لغتان مثل: الحاذر والحذر أي: ناعمون. قال: مجاهد والضحاك: معجبون بما هم فيه. وعن ابن عباس قال: فرحون. {هم وأزواجهم} أي: حلائلهم {في ظلال} قرأ حمزة والكسائي: "ظلل" بضم الظاء من غير ألف جمع ظلة وقرأ العامة: "في ظلال" بالألف وكسر الظاء على جمع ظل {على الأرائك} يعني السرر في الحجال ، واحدتها: أريكة. قال ثعلب: لا تكون أريكة حتى يكون عليها حجلة {متكئون} ذوو اتكاء. {لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون} يتمنون ويشتهون. {سلام قولا من رب رحيم} أي: يسلم الله عليهم قولا أي: يقول الله لهم قولا. أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن، حدثني أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى الملحمي الأصفهاني، أخبرنا الحسن بن أبي علي الزعفراني، أخبرنا ابن أبي الشوارب، أخبرنا أبو عاصم العباداني، أخبرنا الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب عز وجل قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله: "سلام قولا من رب رحيم" فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم" . وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم. قال مقاتل: تدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب يقولون: سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم. وقيل: يعطيهم السلامة، يقول: اسلموا السلامة الأبدية. {وامتازوا اليوم أيها المجرمون ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون } {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} قال مقاتل: اعتزلوا اليوم من الصالحين. قال أبو العالية: تميزوا. وقال السدي: كونوا على حدة. وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين. قال الضحاك: إن لكل كافر في النار بيتا يدخل ذلك البيت ويردم بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى . {ألم أعهد إليكم يا بني آدم} ألم آمركم يا بني آدم {أن لا تعبدوا الشيطان} أي: لا تطيعوا الشيطان في معصية الله {إنه لكم عدو مبين} ظاهر العداوة. {وأن اعبدوني} أطيعوني ووحدوني {هذا صراط مستقيم} . {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا} قرأ أهل المدينة، وعاصم: "جبلا" بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ يعقوب: "جبلا" بضم الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ ابن عامر، وأبو عمرو بضم الجيم ساكنة الباء خفيفة، وقرأ الآخرون بضم الجيم والباء خفيفة، وكلها لغات، ومعناها: الخلق والجماعة أي: خلقا كثيرا {أفلم تكونوا تعقلون} ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس، ويقال لهم لما دنوا من النار: {هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون }
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'a enseigné le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) sur le bon caractère ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?
- Qui était le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) ?