Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)
{ذي قوة} وكان من قوته أنه اقتلع قريات قوم لوط من الماء الأسود وحملها على جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها، وأنه أبصر إبليس يكلم عيسى على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى [أقصى] جبل بالهند، وأنه صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض ويصعد في أسرع من [الطير] {عند ذي العرش مكين} في المنزلة. {مطاع ثم} أي في [السماوات] تطيعه الملائكة، ومن طاعة الملائكة إياه أنهم فتحوا أبواب السماوات ليلة المعراج بقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتح خزنة الجنة أبوابها بقوله، {أمين} على وحي الله ورسالته إلى أنبيائه. {وما صاحبكم بمجنون} يقول لأهل مكة: وما صاحبكم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بمجنون. وهذا أيضا من جواب القسم، أقسم على أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدا ليس كما يقوله أهل مكة، وذلك أنهم قالوا إنه مجنون، وما يقول يقوله من عند نفسه. {ولقد رآه} يعني رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته {بالأفق المبين} وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق، قاله مجاهد وقتادة. أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا الحسن بن عليوة، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، أخبرنا ابن جريج، عن عكرمة [ومقاتل] عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: "إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء" قال لن تقوى على ذلك، قال: بلى، قال: فأين تشاء أن أتخيل لك؟ قال: بالأبطح، قال: لا يسعني، قال فهاهنا، قال: لا يسعني، قال: فبعرفات، قال: ذلك بالحرى أن يسعني فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت فإذا هو بجبريل قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كبر وخر مغشيا عليه. قال: فتحول جبريل في صورته فضمه إلى صدره، وقال: يا محمد لا تخف فكيف لك لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله عز وجل حتى يصير مثل [الصعو] يعني العصفور، حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته . {وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } {وما هو} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم {على الغيب} أي الوحي، وخبر السماء وما اطلع عليه مما كان غائبا عنه من الأنباء والقصص، {بضنين} قرأ أهل مكة والبصرة والكسائي بالظاء أي بمتهم، يقال: فلان يظن بمال ويزن أي يتهم به: والظنة: التهمة، وقرأ الآخرون بالضاد أي يبخل، يقول إنه يأتيه علم الغيب فلا يبخل به عليكم بل يعلمكم ويخبركم به، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانا، تقول العرب: ضننت بالشيء بكسر النون أضن به ضنا وضنانة فأنا به ضنين أي بخيل. {وما هو} يعني القرآن {بقول شيطان رجيم} قال الكلبي: يقول إن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش. {فأين تذهبون} أي أين تعدلون عن هذا القرآن، وفيه الشفاء والبيان؟ قال الزجاج: أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم. ثم بين فقال: {إن هو} أي ما القرآن {إلا ذكر للعالمين} موعظة للخلق أجمعين. {لمن شاء منكم أن يستقيم} أي يتبع الحق ويقيم عليه. {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} أي أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله، وفيه إعلام أن أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله ولا شرا إلا بخذلانه. سورة الانفطار مكية بسم الله الرحمن الرحيم
{إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } {إذا السماء انفطرت} انشقت. {وإذا الكواكب انتثرت} تساقطت. {وإذا البحار فجرت} فجر بعضها في بعض واختلط العذب بالملح فصارت بحرا واحدا وقال الربيع: "فجرت" فاضت. {وإذا القبور بعثرت} بحثت وقلب ترابها وبعث ما فيها من الموتى أحياء يقال: بعثرت الحوض وبحثرته إذا قلبته فجعلت أسفله أعلاه. {علمت نفس ما قدمت وأخرت} قيل: "ما قدمت" من عمل صالح أو سيئ و"أخرت" من سنة حسنة أو سيئة. وقيل: "ما قدمت" من الصدقات و"أخرت" من التركات على ما ذكرنا في قوله: "ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر" (القيامة-13) . {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} ما خدعك وسول لك الباطل حتى أضعت ما وجب عليك. والمعنى: ماذا أمنك من [عذابه] قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في الأسود بن شريق ضرب النبي فلم يعاقبه الله عز وجل فأنزل الله هذه الآية يقول: ما الذي غرك بربك الكريم المتجاوز عنك إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه يعني الشيطان قال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعاقبه في أول [مرة] . وقال السدي: غره رفق الله به. وقال ابن مسعود: ما منكم من 186/ب أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة. فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا عملت فيما [علمت] ؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟. وقيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: أقول غرني ستورك المرخاة . وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه فقال ما غرك بي؟ [فأقول] غرني بك برك بي سالفا وآنفا. وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم. قال بعض أهل الإشارة: إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم. {الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك } {الذي خلقك فسواك فعدلك} قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر "فعدلك" بالتخفيف أي صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء حسنا وقبيحا وطويلا وقصيرا. وقرأ الآخرون بالتشديد أي قومك وجعلك معتدل الخلق والأعضاء. {في أي صورة ما شاء ركبك} قال مجاهد والكلبي ومقاتل: في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم. وجاء في الحديث: أن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ "في أي صورة ما شاء ركبك" . وذكر الفراء قولا آخر: "في أي صورة ما شاء ركبك" إن شاء في صورة إنسان وإن شاء في صورة دابة أو حيوان آخر. {كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين }
{كلا بل تكذبون} قرأ أبو جعفر بالياء وقرأ الآخرون بالتاء لقوله: "وإن عليكم لحافظين" {بالدين} بالجزاء والحساب. {وإن عليكم لحافظين} رقباء من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم. {كراما} على الله {كاتبين} يكتبون أقوالكم وأعمالكم. {يعلمون ما تفعلون} من خير أو شر. قوله عز وجل: {إن الأبرار لفي نعيم} الأبرار الذين بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله عز وجل واجتناب معاصيه. {وإن الفجار لفي جحيم} روي أن سليمان بن عبد الملك قال لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله فإنك تعلم ما لك عند الله. قال: فأين أجد في كتاب الله؟ قال عند قوله: "إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم" قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: "قريب من المحسنين" (الأعراف-56) . قوله عز وجل: {يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين} يدخلونها يوم القيامة ثم عظم ذلك اليوم فقال: {وما أدراك ما يوم الدين} ثم كرر تعجبا لشأنه فقال {ثم ما أدراك ما يوم الدين} {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } {يوم لا تملك} قرأ أهل الكوفة والبصرة: "يوم" برفع الميم ردا على اليوم الأول وقرأ الآخرون بنصبها أي: في يوم يعني: هذه الأشياء في يوم لا تملك {نفس لنفس شيئا} قال مقاتل: يعني لنفس كافرة شيئا من المنفعة {والأمر يومئذ لله} أي لم يملك الله في ذلك اليوم أحدا شيئا كما ملكهم في الدنيا. سورة المطففين مدنية بسم الله الرحمن الرحيم {ويل للمطففين } {ويل للمطففين} يعني الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون حقوق الناس. قال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان: مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد علي الصيرفي حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ حدثنا عبد الرحمن بن بشر حدثنا علي بن الحسين بن واقد حدثني أبي حدثني يزيد النحوي أن عكرمة حدثه عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز وجل: "ويل للمطففين" فأحسنوا الكيل . وقال السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يقال له: أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل الله هذه الآية . فالله تعالى جعل الويل للمطففين. ثم بين أن المطففين من هم فقال: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين } {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} وأراد إذا اكتالوا من الناس أي أخذوا منهم و"من" و"على" متعاقبان. قال الزجاج: المعنى إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل [الوزن] [وأراد: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن] . {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} أي كالوا لهم أو وزنوا لهم أي للناس يقال: وزنتك حقك وكلتك طعامك أي وزنت لك وكلت لك كما يقال: نصحتك ونصحت لك وكسبتك وكسبت لك. قال أبو عبيدة: وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين يقف على "كالوا ووزنوا" ويبتدئ "هم يخسرون" وقال أبو عبيدة: والاختيار الأول يعني: أن كل واحدة كلمة واحدة لأنهم كتبوها بغير ألف ولو كانتا مقطوعتين لكانت: "كالوا [و] وزنوا" بالألف كسائر الأفعال مثل جاءوا وقالوا: واتفقت المصاحف على إسقاط الألف ولأنه يقال في اللغة: كلتك ووزنتك كما يقال: كلت لك ووزنت لك. "يخسرون" أي ينقصون قال نافع: كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول: اتق الله وأوف الكيل والوزن فإن المطففين يوقفون يوم القيامة حتى إن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم. {ألا يظن} يستيقن {أولئك} الذين يفعلون ذلك {أنهم مبعوثون ليوم عظيم} يعني يوم القيامة. {يوم يقوم الناس} [من قبورهم] {لرب العالمين} أي لأمره ولجزائه ولحسابه.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إبراهيم بن المنذر أخبرنا معن حدثني مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" . أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث حدثنا محمد بن يعقوب الكسائي حدثنا عبد الله بن محمود حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال حدثنا عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: [حدثني سليم بن عامر] حدثني المقداد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون [قدر] 187/أميل أو اثنين" -قال سليم: لا أدري أي الميلين يعني مسافة الأرض أو الميل الذي تكحل به العين؟ -قال: "فتصهرهم الشمس فيكون في العرق بقدر أعمالهم فمنهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ومنهم من يأخذه إلى حقويه ومنهم من يلجمه إلجاما" فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشير بيده إلى فيه يقول: "ألجمه إلجاما" . {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين } قوله عز وجل: {كلا} ردع، أي ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا، وتمام الكلام هاهنا، وقال الحسن: "كلا" ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقا {إن كتاب الفجار} الذي كتبت فيه أعمالهم {لفي سجين} قال عبد الله بن عمر، وقتادة ومجاهد، والضحاك: {سجين} هي الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفار. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا موسى بن محمد، حدثنا الحسن بن علويه، أخبرنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا المسيب، حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سجين" أسفل سبع أرضين، و"عليون" في السماء السابعة تحت العرش . وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: "إن كتاب الفجار لفي سجين" قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبل فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع جند إبليس، فيخرج لها من سجين رق، فيرقم ويختم، ويوضع تحت جند إبليس، لمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيامة وإليه ذهب سعيد بن جبير، قال: سجين تحت جند إبليس. وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته. وقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء، خضرة السماوات منها يجعل كتاب الفجار فيها. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا قال: "سجين" صخرة تحت الأرض السفلى، تقلب، فيجعل كتاب الفجار فيها. وقال وهب: هي آخر سلطان إبليس. وجاء في الحديث: "الفلق جب، في جهنم مغطى، وسجين حب في جهنم مفتوح" . وقال عكرمة: "لفي سجين" أي: لفي خسار وضلال. وقال الأخفش: هو فعيل من السجن، كما يقال: فسيق وشريب، معناه: لفي حبس وضيق شديد. {وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم } {وما أدراك ما سجين} [قال الزجاج] أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك. {كتاب مرقوم} ليس هذا تفسير السجين، بل هو بيان الكتاب المذكور في قوله: "إن كتاب الفجار" أي هو كتاب مرقوم، أي مكتوب فيه أعمالهم مثبتة عليهم كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به. وقال قتادة ومقاتل: رقم عليه بشركائه كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر. وقيل: مختوم، بلغة حمير. {ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون }
{ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين كلا} قال مقاتل: أي لا يؤمنون، ثم استأنف فقال: {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا إبراهيم بن حزيم الشاشي، أخبرنا أبو محمد عبد بن حميد الكشي، حدثنا صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه" فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" . وأصل "الرين" الغلبة، يقال: رانت الخمر، على عقله ترين، رينا وريونا إذا غلبت عليه فسكر. ومعنى الآية، غلبت على قلوبهم المعاصي وأحاطت بها. قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب. قال ابن عباس: "ران على قلوبهم" طبع عليها. {كلا إنهم عن ربهم يومئذ} يوم القيامة {لمحجوبون} [قال ابن عباس: "كلا" يريد: لا يصدقون، ثم استأنف فقال: "إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون"] قال بعضهم: عن كرامته ورحمته [ممنوعون] وقال قتادة: هو ألا ينظر إليهم ولا يزكيهم. وقال أكثر المفسرين: عن رؤيته قال الحسن: لو علم الزاهدون العابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا. قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وسئل مالك عن هذه الآية فقال: لما حجب [الله] أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. وقال الشافعي رضي الله عنه: في قوله: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" دلالة على أن أولياء الله يرون الله . {ثم إنهم لصالو الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين } ثم أخبر أن الكفار مع كونهم محجوبين عن الله يدخلون النار فقال: {ثم إنهم لصالو الجحيم} لداخلو النار. {ثم يقال} أي تقول لهم الخزنة {هذا} أي هذا العذاب {الذي كنتم به تكذبون} {كلا} قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه. ثم بين محل كتاب الأبرار فقال: {إن كتاب الأبرار لفي عليين} روينا عن البراء مرفوعا: "إن عليين في السماء السابعة تحت العرش" . وقال ابن عباس: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه. وقال كعب وقتادة: هو قائمة العرش اليمنى. وقال عطاء عن ابن عباس: هو الجنة. وقال الضحاك: سدرة المنتهى. وقال بعض أهل المعاني: علو بعد علو وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء والنون. وقال الفراء: هو اسم موضوع على صيغة الجمع، لا واحد له من لفظه، مثل عشرين وثلاثين . {وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } {وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم} ليس بتفسير عليين، أي مكتوب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار. وقيل: كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة، وهو معنى قول مقاتل: وقولهم: رقم لهم يخبر. وتقدير الآية [على] التقديم والتأخير، مجازها: إن كتاب الأبرار [كتاب] مرقوم في عليين، وهو محل الملائكة، ومثله إن كتاب الفجار كتاب مرقوم في سجين، وهو محل إبليس وجنده. {يشهده المقربون} يعني الملائكة الذين هم في عليين، يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين. {إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون} إلى ما أعطاهم 187/ب الله من الكرامة والنعمة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم كيف يعذبون.
{تعرف في وجوههم نضرة النعيم} إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة مما ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض، قال الحسن: النضرة في الوجه والسرور في القلب، وقرأ أبو جعفر ويعقوب: "تعرف" بضم التاء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل "نضرة" رفع، وقرأ الباقون بفتح التاء وكسر الراء "نضرة" نصب. {يسقون من رحيق} خمر صافية طيبة. قال مقاتل: الخمر البيضاء. {مختوم} ختم ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار، وقال مجاهد: "مختوم" أي مطين. {ختامه} أي طينه {مسك} كأنه ذهب إلى هذا المعنى، قال ابن زيد: ختامه عند الله مسك، وختام [خمر] الدنيا طين. وقال ابن مسعود: "مختوم" أي ممزوج ختامه أي: آخر طعمه وعاقبته مسك، فالمختوم الذي له ختام، أي آخر، وختم كل شيء الفراغ منه. وقال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. وقراءة العامة "ختامه مسك" بتقديم التاء، وقرأ الكسائي "خاتمه" وهي قراءة علي وعلقمة، ومعناهما واحد، كما يقال: فلان كريم [الطابع والطباع] والختام والخاتم، آخر كل شيء. {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله عز وجل. وقال مجاهد: فليعمل العاملون، [نظيره قوله تعالى: "لمثل هذا فليعمل العاملون" (الصافات-61) ] وقال مقاتل بن سليمان: فليتنازع المتنازعون وقال عطاء: فليستبق المستبقون، وأصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس، ويريده كل أحد لنفسه وينفس به على غيره، أي يضن. {ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون } {ومزاجه من تسنيم} شرب ينصب عليهم من علو في غرفهم ومنازلهم، وقيل: يجري [في الهواء متسنما فينصب] في أواني أهل الجنة على قدر ملئها، فإذا امتلأت أمسك. وهذا معنى قول قتادة. وأصل كلمة من العلو، يقال للشيء المرتفع: سنام، ومنه: سنام البعير. قال الضحاك: هو شرار اسمه تسنيم، وهو أشرف الشراب. قال ابن مسعود وابن عباس: هو خالص [للمؤمنين] المقربين يشربونها صرفا ويمزج لسائر أهل الجنة. وهو قوله: "ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون". وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله: "من تسنيم"؟ قال: هذا مما قال الله تعالى: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين" (السجدة-17) . {عينا} نصب على الحال {يشرب بها} أي منها وقيل: يشرب بها المقربون صرفا. قوله عز وجل: {إن الذين أجرموا} أشركوا، يعني كفار قريش: أبا جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأصحابهم من مترفي مكة {كانوا من الذين آمنوا} عمار، وخباب، وصهيب، وبلال، وأصحابهم من فقراء المؤمنين. {يضحكون} وبهم يستهزؤن. {وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } {على الأرائك ينظرون } {وإذا مروا بهم} يعني من فقراء المؤمنين بالكفار {يتغامزون} والغمز الإشارة بالجفن والحاجب، أي يشيرون إليهم بالأعين استهزاء. {وإذا انقلبوا} يعني الكفار {إلى أهلهم انقلبوا فكهين} معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم. {وإذا رأوهم} رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم {قالوا إن هؤلاء لضالون} يأتون محمدا صلى الله عليه وسلم يرون أنهم على شيء. {وما أرسلوا} يعني المشركين {عليهم} يعني على المؤمنين {حافظين} أعمالهم، أي لم يوكلوا بحفظ أعمالهم. {فاليوم} يعني في الآخرة {الذين آمنوا من الكفار يضحكون} قال أبو صالح: وذلك أنه يفتح للكفار في النار أبوابها، ويقال لهم: اخرجوا، فإذا رأوها مفتوحة أقبلوا إليها ليخرجوا، والمؤمنون ينظرون إليهم فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا والمؤمنون يضحكون. وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو له، كان في الدنيا، اطلع عليه من تلك الكوى ، كما قال: "فاطلع فرآه في سواء الجحيم" (الصافات-55) فإذا اطلعوا من الجنة إلى أعدائهم وهم يعذبون في النار ضحكوا، فذلك قوله عز وجل: "فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون" {على الأرائك} [من الدر والياقوت] {ينظرون} إليهم في النار. {هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون }
قال الله تعالى: {هل ثوب} هل جوزي {الكفار ما كانوا يفعلون} أي جزاء استهزائهم بالمؤمنين. ومعنى الاستفهام هاهنا: التقرير. وثوب [وأثيب] وأثاب بمعنى واحد. سورة الانشقاق مكية بسم الله الرحمن الرحيم {إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت } {إذا السماء انشقت} انشقاقها من علامات القيامة. {وأذنت لربها} أي سمعت أمر ربها بالانشقاق وأطاعته، من الأذن وهو الاستماع، {وحقت} أي وحق لها أن تطيع ربها. {وإذا الأرض مدت} مد الأديم العكاظي، وزيد في سعتها. وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى فيها بناء ولا جبل. {وألقت} أخرجت {ما فيها} من الموتى والكنوز {وتخلت} [خلت] منها. {وأذنت لربها وحقت} واختلفوا في جواب "إذا" قيل: جوابه محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء يرى الإنسان الثواب والعقاب. وقيل جوابه: "يا أيها الإنسان إنك كادح" ومجازه: إذا السماء انشقت لقي كل كادح [ما] عمله. وقيل: جوابه: "وأذنت" وحينئذ تكون "الواو" زائدة. {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا } ومعنى قوله: {كادح إلى ربك كدحا} أي ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان وجهده في الأمر من الخير والشر حتى يكدح ذلك فيه، أي يؤثر. وقال قتادة والكلبي والضحاك: عامل لربك عملا {فملاقيه} أي ملاقي جزاء عملك خيرا كان أو شرا. {فأما من أوتي كتابه} ديوان [أعماله] {بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، حدثني ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من حوسب عذب" قالت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله أو ليس يقول الله عز وجل: "فسوف يحاسب حسابا يسيرا"؟ قالت: فقال: "إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش [في الحساب هلك] . {وينقلب إلى أهله} يعني في الجنة من الحور العين والآدميات {مسرورا} 188/أبما أوتي من الخير والكرامة. {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} فتغل يده اليمنى إلى عنقه وتجعل يده الشمال وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. وقال مجاهد: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره. {فسوف يدعو ثبورا} ينادي بالويل والهلاك إذا قرأ كتابه يقول: يا ويلاه يا ثبوراه، كقوله تعالى: "دعوا هنالك ثبورا" (الفرقان-13) . {ويصلى سعيرا} قرأ أبو جعفر، وأهل البصرة، وعاصم، وحمزة: و"يصلى" بفتح الياء خفيفا كقوله: "يصلى النار الكبرى" (الأعلى-12) وقرأ الآخرون بضم الياء [وفتح الصاد] وتشديد اللام كقوله: "وتصلية جحيم" (الواقعة-94) "ثم الجحيم صلوه" (الحاقة-31) . {إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور بلى إن ربه كان به بصيرا فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق } {إنه كان في أهله مسرورا} يعني في الدنيا، باتباع هواه وركوب شهوته. {إنه ظن أن لن يحور} أن لن يرجع إلينا ولن يبعث ثم قال: {بلى} {بلى} أي: ليس كما ظن، بل يحور إلينا ويبعث {إن ربه كان به بصيرا} من يوم خلقه إلى أن بعثه. قوله عز وجل: {فلا أقسم بالشفق} قال مجاهد: هو النهار كله. وقال عكرمة: ما بقي من النهار. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس. وقال قوم: هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة.
{والليل وما وسق} أي جمع وضم، يقال: وسقته أسقه وسقا، أي: جمعته، واستوسقت الإبل: إذا اجتمعت وانضمت. والمعنى: والليل وما جمع وضم ما كان بالنهار منتشرا من الدواب، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه. روى منصور عن مجاهد قال: ما لف وأظلم عليه. وقال مقاتل بن حيان: أقبل من ظلمة أو كوكب. وقال سعيد بن جبير. وما عمل فيه. {والقمر إذا اتسق} اجتمع واستوى وتم نوره وهو في الأيام البيض. وقال قتادة: استدار، وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع. {لتركبن} قرأ أهل مكة وحمزة والكسائي: "لتركبن" بفتح الباء يعني لتركبن يا محمد {طبقا عن طبق} قال الشعبي ومجاهد: سماء بعد سماء. قال الكلبي: يعني تصعد فيها. ويجوز أن يكون درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى والرفعة. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال قال ابن عباس: "لتركبن طبقا عن طبق" حالا بعد حال، قال هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم . وقيل: أراد به السماء تتغير لونا بعد لون، فتصير تارة كالدهان وتارة كالمهل، وتنشق بالغمام مرة وتطوى أخرى. وقرأ الآخرون بضم الباء، لأن المعنى بالناس أشبه، لأنه ذكر من قبل: "فأما من أوتي كتابه بيمينه" "وشماله" وذكر من بعد: "فما لهم لا يؤمنون" وأراد: لتركبن حالا بعد حال، وأمرا بعد أمر في موقف القيامة، يعني: الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا. و"عن" بمعنى بعد. وقال مقاتل: يعني الموت ثم الحياة [ثم الموت ثم الحياة] . وقال عطاء: مرة فقيرا ومرة غنيا. وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس: يعني الشدائد وأهوال الموت، ثم البعث ثم العرض. وقال عكرمة: حالا بعد حال، رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وقال أبو عبيدة: لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد العزيز، أخبرنا أبو عمرو الصنعاني من اليمن عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من [كان] قبلكم شبرا شبرا وذراعا ذراعا، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم" قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ . {فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون } قوله عز وجل {فما لهم لا يؤمنون} استفهام إنكار. {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} قال الكلبي ومقاتل: لا يصلون. أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن عطاء بن مينا عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في "اقرأ باسم ربك" "وإذا السماء انشقت" . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، أخبرنا معمر قال: سمعت أبي قال حدثني بكر، عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ إذا السماء انشقت، فسجد فقلت: ما هذا؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه . {بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } {بل الذين كفروا يكذبون} بالقرآن والبعث. {والله أعلم بما يوعون} في صدورهم من التكذيب. قال مجاهد: يكتمون. {فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} غير مقطوع ولا منقوص. سورة البروج مكية بسم الله الرحمن الرحيم {والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود }
{والسماء ذات البروج واليوم الموعود} هو يوم القيامة. {وشاهد ومشهود} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها خيرا إلا استجاب الله له، أو يستعيذ [به] من شر إلا أعاذه منه" ، وهذا قول ابن عباس. والأكثرون: أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر. وروي عن ابن عمر: "الشاهد" يوم الجمعة، "والمشهود" يوم [النحر] قال سعيد بن المسيب: "الشاهد" يوم التروية، "والمشهود" يوم عرفة. وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: "الشاهد" محمد صلى الله عليه وسلم و"المشهود": يوم القيامة، ثم تلا "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" (النساء-41) ، وقال: ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود. وقال عبد العزيز بن يحيى: "الشاهد": محمد صلى الله عليه وسلم، و"المشهود": الله عز وجل، بيانه: قوله "وجئنا بك على هؤلاء شهيدا". وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: "الشاهد" آدم، و"المشهود" يوم القيامة. وقال عكرمة "الشاهد" الإنسان و"المشهود" يوم القيامة. وعنه أيضا: الشاهد الملك يشهد على ابن آدم، والمشهود يوم القيامة. وتلا "وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد" (ق-21) و"وذلك يوم مشهود" (هود-103) وقيل: الشاهد [الحفظة والمشهود بنو آدم. وقال عطاء بن يسار: الشاهد] آدم وذريته، والمشهود يوم القيامة. وروى الوالبي عن ابن عباس: الشاهد هو الله عز وجل والمشهود يوم القيامة. وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم. بيانه: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" (البقرة-143) . وقال سالم بن عبد الله: سألت سعيد بن جبير عن قوله: "وشاهد ومشهود" فقال: الشاهد هو الله والمشهود: نحن، بيانه: "وكفى بالله شهيدا" (النساء-79) وقيل: الشاهد أعضاء بني آدم، والمشهود ابن آدم، بيانه: "يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم" الآية (النور-24) وقيل: الشاهد الأنبياء والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه: قوله: "وإذا أخذ الله ميثاق النبيين" إلى قوله "فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين" (آل عمران-81) . {قتل أصحاب الأخدود } {قتل أصحاب الأخدود} أي: لعن، و"الأخدود" الشق المستطيل في الأرض كالنهر، وجمعه: أخاديد واختلفوا فيهم:
أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الله بن سعدان الخطيب، أخبرني أبو أحمد محمد بن أحمد بن محمد بن قريش بن نوح بن رستم، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب، وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه، وإذا رجع من عند الساحر قعد إلى الراهب وسمع كلامه فإذا أتى أهله ضربوه، فشكا [ذلك] إلى الراهب، فقال: إذا [جئت] الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا [جئت] أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الراهب أفضل أم الساحر؟ فأخذ حجرا ثم قال اللهم: إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، فمضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى فإن ابتليت [فاصبر] فلا تدل علي، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك وكان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هنا لك أجمع إن أنت شفيتني، قال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله لك فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي عز وجل، قال أو لك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ به الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، قال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى [فدعا بالمنشار] فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع [شقاه] ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، [فذهبوا به] فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، فجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور [إلى لجة بحر كذا] فإن رجع عن دينه وإلا [فاطرحوه في البحر] فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا فجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس وقل: بسم [الله] رب الغلام، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع [السهم] في كبد قوسه، ثم قال: بسم [الله] رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده على صدغه في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام ثلاثا فأتي الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك، فخدت وأضرم بها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له اقتحم، قال: ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج عن [هدبة بن خالد عن] حماد بن سلمة. حماد بن سلمة. وذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: أن رجلا كان قد بقي على دين عيسى فوقع إلى أهل نجران [فدعاهم] فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنوده من حمير وخيرهم بين النار واليهودية، فأبوا عليه فخد الأخاديد وأحرق اثني عشر ألفا، ثم [لما] غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس هاربا فاقتحم البحر بفرسه فغرق قال الكلبي: وذو نواس قتل عبد الله بن التامر. وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أن خربة احتقرت في زمن عمر بن الخطاب فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه إذا أميطت يده عنها انبعثت دما وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه: ربي الله، فبلغ ذلك عمر فكتب 189/أأن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه وروى عطاء عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما -قال: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له: يوسف ذو نواس بن شرحبيل بن شرحيل في الفترة قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم [بسبعين سنة] وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر، وكان أبوه قد سلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام ولم يجد بدا من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم [وكان] في طريقه راهب حسن القراءة حسن الصوت، فأعجبه ذلك، وذكر قريبا من معنى حديث صهيب إلى أن قال الغلام للملك: إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول لك، قال: فكيف أقتلك؟ قال: تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم باسم إلهي، ففعل الملك [ذلك] فقتله، فقال الناس: لا إله إلا الله، عبد الله بن تامر لا دين إلا دينه، فغضب الملك وأغلق باب المدينة وأخذ أفواه السكك وخد أخدودا وملأه نارا ثم عرضهم رجلا رجلا فمن رجع عن الإسلام تركه، ومن قال: ديني دين عبد الله بن تامر ألقاه في الأخدود فأحرقه، وكان في مملكته امرأة أسلمت فيمن أسلم ولها أولاد ثلاث أحدهم رضيع، فقال لها الملك: ارجعي عن دينك وإلا ألقيتك وأولادك في النار، فأبت فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، فأبت فألقى الثاني في النار، ثم قال لها: ارجعي، فأبت فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمت المرأة بالرجوع، فقال الصبي: يا أماه لا ترجعي [عن الإسلام] فإنك على الحق، ولا بأس عليك، فألقي الصبي في النار، وألقيت أمه على أثره . وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: لما انهزم أهل اسفندهار قال عمر بن الخطاب: أي شيء يجري على المجوس من الأحكام فإنهم ليسوا بأهل كتاب؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بلى قد كان لهم كتاب، وكانت الخمر أحلت لهم فتناولها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله، فتناول أخته فوقع عليها فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال لها: ويحك ما هذا الذي أتيت، وما المخرج منه قالت: المخرج منه أن تخطب الناس، وتقول: إن الله قد أحل نكاح الأخوات فإذا ذهب في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته، فقام خطيبا فقال: إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات، فقال الناس بأجمعهم: معاذ الله أن نؤمن بهذا، أو نقر به، ما جاءنا به نبي ولا أنزل علينا فيه كتاب، فبسط فيهم السوط فأبوا أن يقروا فجرد فيهم السيف. فأبوا أن يقروا [فخد لهم أخدودا] وأوقد فيه النيران وعرضهم عليها فمن أبى ولم يطعه قذفه في النار ومن أجاب خلى سبيله . وقال الضحاك: أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذوا رجالا ونساء فخدوا لهم أخدودا ثم أوقدوا فيه النيران فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا: أتكفرون أم نقذفكم في النار؟ ويزعمون أنه دانيال وأصحابه. وهذه رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما .
وقال أبو الطفيل عن علي رضي الله عنه: كان أصحاب الأخدود نبيهم حبشي، بعث [نبي] من الحبشة إلى قومه، ثم قرأ علي رضي الله عنه: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك} الآية (غافر-78) فدعاهم فتابعه أناس فقاتلهم فقتل أصحابه وأخذوا وأوثق ما أفلت منهم فخدوا أخدودا فملؤها نارا فمن تبع النبي رمي فيها، ومن تابعهم تركوه، فجاءوا بامرأة ومعها صبي رضيع فجزعت، فقال الصبي: يا أماه مري ولا تنافقي. وقال عكرمة: كانوا من النبط [أحرقوا بالنار] وقال مقاتل: كانت الأخدود ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، وواحدة بالشام، والأخرى بفارس، حرقوا [بالنار] أما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي، وأما التي بفارس فبختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو ذو نواس يوسف، فأما التي بالشام وفارس فلم ينزل الله فيهما قرآنا وأنزل في التي كانت بنجران ، وذلك أن رجلا مسلما ممن يقرأ الإنجيل آجر نفسه في عمل، وجعل يقرأ الإنجيل فرأت بنت المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل، فذكرت ذلك لأبيها فرمقه حتى رآه [فسأله فلم يخبره] فلم يزل به حتى أخبره بالدين والإسلام، فتابعه هو وسبعة وثمانون إنسانا من بين رجل وامرأة وهذا بعدما رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، فسمع ذلك يوسف ذو نواس فخد لهم في الأرض وأوقد فيها نارا فعرضهم على الكفر، فمن أبى أن يكفر قذفه في النار ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه، وإن امرأة جاءت ومعها ولد صغير لا يتكلم، فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت عن النار، فضربت حتى تقدمت فلم تزل كذلك ثلاث مرات، فرلما كانت في الثالثة ذهبت ترجع فقال لها ابنها: يا أماه إني أرى أمامك نارا لا تطفأ، فلما سمعت ذلك قذفا جميعا أنفسهما في النار، فجعلها الله وابنها في الجنة، فقذف في النار في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانا، فذلك قوله عز وجل: "قتل أصحاب الأخدود". {النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد } {النار ذات الوقود} بدل من الأخدود، قال الربيع بن أنس: نجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار بقبض أرواحهم قبل أن تمسهم النار، وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم . {إذ هم عليها قعود} أي: عند النار جلوس [لتعذيب] المؤمنين. قال مجاهد: كانوا قعودا على الكراسي [عند الأخدود] . {وهم} يعني الملك وأصحابه الذين خدوا [الأخدود] {على ما يفعلون بالمؤمنين} من عرضهم على النار وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم {شهود} حضور، وقال مقاتل: يعني يشهدون أن المؤمنين في ضلال حين تركوا عبادة الصنم. {وما نقموا منهم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كرهوا منهم {إلا أن يؤمنوا بالله} قال مقاتل ما عابوا منهم. وقيل: ما علموا فيهم عيبا. قال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبا إلا إيمانهم بالله {العزيز الحميد} {الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء} من أفعالهم {شهيد} {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد هل أتاك حديث الجنود } {إن الذين فتنوا} عذبوا وأحرقوا {المؤمنين والمؤمنات} يقال: فتنت الشيء إذا أحرقته، نظيره "يوم هم على النار يفتنون" (الذاريات-13) {ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم} بكفرهم 189/ب {ولهم عذاب الحريق} بما أحرقوا المؤمنين. وقيل: ولهم عذاب الحريق [في الدنيا، وذلك أن الله أحرقهم بالنار التي] أحرقوا بها المؤمنين، ارتفعت إليهم من الأخدود، قاله الربيع بن أنس والكلبي. ثم ذكر ما أعد للمؤمنين فقال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير} واختلفوا في جواب القسم: فقال بعضهم: جوابه: "قتل أصحاب الأخدود" يعني لقد قتل.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. وقال قتادة: جوابه: {إن بطش ربك لشديد} قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة لشديد، كقوله: "إن أخذه أليم شديد" (هود-102) . {إنه هو يبدئ ويعيد} أي يخلقهم أولا في الدنيا ثم يعيدهم أحياء بعد الموت. {وهو الغفور} لذنوب المؤمنين {الودود} المحب لهم، وقيل: معناه المودود، كالحلوب والركوب، بمعنى المحلوب والمركوب. وقيل: يغفر ويود أن يغفر، وقيل: المتودد إلى أوليائه بالمغفرة. {ذو العرش المجيد} قرأ حمزة والكسائي: "المجيد" بالجر، على صفة العرش أي السرير العظيم. وقيل: أراد حسنه فوصفه بالمجد كما وصفه بالكرم، فقال: "رب العرش الكريم" (المؤمنون-116) ومعناه الكمال، والعرش: أحسن الأشياء وأكملها، وقرأ الآخرون بالرفع على صفة ذو العرش. {فعال لما يريد} لا يعجزه شيء يريده ولا يمتنع منه شيء طلبه. قوله عز وجل {هل أتاك حديث الجنود} قد أتاك خبر الجموع الكافرة الذين تجندوا على الأنبياء {فرعون وثمود بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } ثم بين من هم فقال: {فرعون وثمود بل الذين كفروا} من قومك يا محمد {في تكذيب والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} لك وللقرآن كدأب [آل فرعون] من قبلهم، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار. {والله من ورائهم محيط} ، عالم بهم لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، يقدر أن ينزل بهم ما أنزل بمن كان قبلهم. {بل هو قرآن مجيد} ، كريم شريف كثير الخير، ليس كما زعم المشركون أنه شعر وكهانة. {في لوح محفوظ} ، قرأ نافع: "محفوظ" بالرفع على نعت القرآن، فإن القرآن محفوظ من التبديل والتغيير والتحريف، قال الله تعالى: "إنا نحن، نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، وهو أم الكتاب، ومنه نسخ الكتب، محفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان. أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا الحسين ابن محمد بن فنجويه، أخبرنا مخلد بن جعفر، حدثنا الحسن بن علويه، أخبرنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، أخبرني مقاتل وابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن في صدر اللوح: لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله عز وجل وصدق بوعده واتبع رسله أدخله، قال: واللوح لوح من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك. قال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش. 14 سورة الطارق مكية بسم الله الرحمن الرحيم {والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ } {والسماء والطارق} قال الكلبي: نزلت في أبي طالب، وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأ ماء ثم نارا، ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله عز وجل فعجب أبو طالب فأنزل الله عز وجل: "والسماء والطارق" وهذا قسم، و"الطارق" النجم يظهر بالليل، وما أتاك ليلا فهو طارق. {وما أدراك ما الطارق} ثم فسره فقال {النجم الثاقب} أي المضيء المنير، قال مجاهد: المتوهج، قال ابن زيد: أراد به الثريا، والعرب تسميه النجم. وقيل: هو زحل، سمي بذلك لارتفاعه، تقول العرب للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعا: قد ثقب. {إن كل نفس} جواب القسم {لما عليها حافظ} قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: "لما" بالتشديد، يعنون: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهي لغة هذيل يجعلون "لما" بمعنى "إلا" يقولون: نشدتك الله لما قمت، أي إلا قمت. وقرأ الآخرون بالتخفيف، جعلوا "ما" صلة، مجازه: إن كل نفس لعليها حافظ [من ربها] [وتأويل الآية: كل نفس عليها حافظ من ربها] يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكتسب من خير وشر.
قال ابن عباس: هم الحفظة من الملائكة. قال الكلبي: حافظ من الله يحفظها ويحفظ قولها وفعلها حتى يدفعها ويسلمها إلى المقادير، ثم يخلي عنها. {فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر } {فلينظر الإنسان مم خلق} أي من أي شيء خلقه ربه، أي فلينظر نظر المتفكر. ثم بين فقال: {خلق من ماء دافق} مدفوق أي مصبوب في الرحم، وهو المني، فاعل بمعنى مفعول كقوله: "عيشة راضية" (الحاقة-21) أي مرضية، والدفق: الصب، وأراد ماء الرجل وماء المرأة، لأن الولد مخلوق منهما، وجعله واحدا لامتزاجهما. {يخرج من بين الصلب والترائب} يعني صلب الرجل وترائب المرأة، و"الترائب" جمع التربية، وهي عظام الصدر والنحر. قال ابن عباس: هي موضع القلادة من الصدر. وروى الوالبي عنه: بين ثديي المرأة. وقال قتادة: النحر. وقال ابن زيد: الصدر. {إنه على رجعه لقادر} قال مجاهد: على رد النطفة في الإحليل. وقال عكرمة: على رد الماء في الصلب الذي خرج منه. وقال الضحاك: إنه على رد الإنسان ماء كما كان من قبل لقادر. وقال مقاتل بن حيان: [إن شاء رده] من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة، وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء لقادر حتى لا يخرج وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته قادر وهذا أولى الأقاويل لقوله: {يوم تبلى السرائر} {يوم تبلى السرائر} وذلك يوم القيامة تبلى السرائر، تظهر الخفايا قال قتادة ومقاتل: تختبر [الأعمال] قال عطاء بن أبي رباح: السرائر فرائض الأعمال، كالصوم والصلاة [والوضوء] والاغتسال من الجنابة، فإنها سرائر بين الله تعالى وبين العبد، فلو شاء العبد لقال: صمت 190/أولم يصم، وصليت، ولم يصل، واغتسلت ولم يغتسل، فيختبر حتى يظهر من أداها ممن ضيعها. قال ابن عمر: بيدي الله عز وجل يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في وجوه وشينا في وجوه، يعني: من أداها كان وجهه مشرقا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر. {فما له من قوة ولا ناصر والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } {فما له من قوة ولا ناصر} أي ما لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة يمتنع بها من عذاب الله ولا ناصر ينصره من الله. ثم ذكر قسما آخر فقال: {والسماء ذات الرجع} أي ذات المطر لأنه يرجع كل عام ويتكرر. وقال ابن عباس: هو السحاب يرجع بالمطر. {والأرض ذات الصدع} أي تتصدع وتنشق عن النبات والأشجار والأنهار. وجواب القسم قوله: {إنه} يعني القرآن {لقول فصل} حق وجد يفصل بين الحق والباطل. {وما هو بالهزل} باللعب والباطل. ثم أخبر عن مشركي مكة فقال: {إنهم يكيدون كيدا} يخافون النبي صلى الله عليه وسلم ويظهرون ما هم على خلافه. {وأكيد كيدا} وكيد الله استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون. {فمهل الكافرين} قال ابن عباس: هذا وعيد من الله عز وجل لهم {أمهلهم رويدا} قليلا ومعنى مهل وأمهل: أنظر ولا تعجل، فأخذهم الله يوم بدر، ونسخ الإمهال بآية السيف. سورة الأعلى مكية بسم الله الرحمن الرحيم {سبح اسم ربك الأعلى } {سبح اسم ربك الأعلى} [يعني] قل سبحان ربي الأعلى. وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين. أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم بن البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ "سبح اسم ربك الأعلى" فقال: "سبحان ربي الأعلى" .
وقال قوم: معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه به الملحدون، وجعلوا الاسم صلة. ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحدا، لأن أحدا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا، إنما يقول: سبحان الله وسبحان ربنا، فكان معنى سبح اسم ربك الأعلى: سبح ربك. وقال آخرون: نزه تسمية ربك، بأن تذكره وأنت له معظم، ولذكره محترم [ولأوامره مطاوع] وجعلوا الاسم بمعنى التسمية. وقال ابن عباس: سبح [اسم ربك الأعلى] أي: صل بأمر ربك الأعلى. {الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى } {الذي خلق فسوى} قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فسوى اليدين والرجلين والعينين. وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويا، ومعنى "سوى" عدل قامته. {والذي قدر فهدى} قرأ الكسائي: "قدر" بتخفيف الدال، وشددها الآخرون، وهما بمعنى واحد. وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراتعها. وقال مقاتل والكلبي: قدر لكل شيء مسلكه، "فهدى" عرفها كيف يأتي الذكر الأنثى. وقيل: قدر الأرزاق وهدى لاكتساب الأرزاق والمعاش. وقيل: خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها. وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج من الرحم. قال الواسطي: قدر السعادة والشقاوة عليهم، ثم يسر لكل واحد من الطائفتين سلوك [سبيل] ما قدر عليه. {والذي أخرج المرعى} أنبت العشب وما ترعاه [النعم] من بين أخضر وأصفر وأحمر وأبيض. {فجعله} بعد الخضرة {غثاء} هشيما باليا، كالغثاء الذي تراه فوق السيل. {أحوى} أسود بعد الخضرة، وذلك أن الكلأ إذا جف ويبس اسود. {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ونيسرك لليسرى فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى } {سنقرئك} سنعلمك بقراءة جبريل [عليك] {فلا تنسى إلا ما شاء الله} أن تنساه، وما نسخ الله تلاوته من القرآن، كما قال: "ما ننسخ من آية أو ننسها" (البقرة -106) والإنساء نوع من النسخ. وقال مجاهد، والكلبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل عليه السلام، لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها، مخافة أن ينساها، فأنزل الله تعالى: "سنقرئك فلا تنسى" [فلم ينس بعد] ذلك شيئا . {إنه يعلم الجهر} من القول والفعل {وما يخفى} منهما، والمعنى: أنه يعلم السر والعلانية. {ونيسرك لليسرى} قال مقاتل: نهون عليك عمل أهل الجنة -وهو معنى قول ابن عباس -ونيسرك لأن تعمل خيرا. و"اليسرى" عمل الخير. وقيل: نوفقك للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السمحة. وقيل: هو متصل بالكلام الأول معناه: إنه يعلم الجهر مما تقرؤه على جبريل إذا فرغ من التلاوة، "وما يخفى" ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، ثم وعده فقال: {ونيسرك لليسرى} أي نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه. {فذكر} عظ بالقرآن {إن نفعت الذكرى} الموعظة والتذكير. والمعنى: نفعت أو لم تنفع، وإنما لم يذكر الحالة الثانية، كقوله: "سرابيل تقيكم الحر" وأراد: الحر والبرد جميعا. {سيذكر} يتعظ {من يخشى} الله عز وجل. {ويتجنبها} أي يتجنب الذكرى ويتباعد عنها {الأشقى} الشقي في علم الله. {الذي يصلى النار الكبرى} العظيمة والفظيعة، لأنها أعظم وأشد حرا من نار الدنيا. {ثم لا يموت فيها ولا يحيا قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } {ثم لا يموت فيها} فيستريح {ولا يحيا} حياة تنفعه. {قد أفلح من تزكى} تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا الله. هذا قول عطاء وعكرمة، ورواية الوالبي وسعيد بن جبير عن ابن عباس وقال الحسن: من كان عمله زاكيا . وقال آخرون: هو صدقة الفطر، روي عن أبي سعيد الخدري في قوله: "قد أفلح من تزكى" قال: أعطى صدقة الفطر .
{وذكر اسم ربه فصلى} قال خرج إلى العيد فصلى، فكان ابن مسعود يقول: رحم الله امرءا تصدق ثم صلى، ثم يقرأ هذه الآية . وروى نافع: كان ابن عمر إذا صلى الغداة -يعني من يوم العيد -قال: يا نافع أخرجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم، مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا قال: فالآن فأخرج، فإنما نزلت هذه الآية في هذا "قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى" وهو قول أبي العالية وابن سيرين. وقال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؟ لأن هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر . [قال الشيخ الإمام محيي السنة رحمه الله] 190/ب يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال: "وأنت حل بهذا البلد" فالسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح حتى قال عليه الصلاة والسلام: "أحلت لي ساعة من نهار" وكذلك نزل بمكة: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" (القمر-45) قال عمر بن الخطاب: كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب، في الدرع ويقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر "وذكر اسم ربه فصلى" أي: وذكر ربه فصلى، قيل: الذكر: تكبيرات العيد، والصلاة: صلاة العيد، وقيل: الصلاة هاهنا الدعاء. {بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } {بل تؤثرون} قرأ أبو عمرو، ويعقوب: [يؤثرون] بالياء، يعني: الأشقين الذين ذكروا، وقرأ الآخرون بالتاء، دليله: قراءة أبي بن كعب "بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا" [والمراد ب"الأشقى" الجمع، وإن كان على لفظ الواحد، لأن الشيء إذا دخله الألف واللام للجنس صار مستغرقا، فكأنه قال: ويتجنبه الأشقون، ثم قال: "بل تؤثرون الحياة الدنيا"] {والآخرة خير وأبقى} قال عرفجة الأشجعي: كنا عند ابن مسعود فقرأ هذه الآية، فقال لنا: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قلنا: لا قال: لأن الدنيا أحضرت، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وأن الآخرة نعتت لنا، وزويت عنا فأحببنا العاجل وتركنا الآجل . {إن هذا} يعني ما ذكر من قوله: "قد أفلح من تزكى" [إلى تمام] أربع آيات، {لفي الصحف الأولى} أي في الكتب الأولى التي أنزلت قبل القرآن، ذكر فيها فلاح المتزكي والمصلي، وإيثار الخلق الحياة الدنيا على الآخرة، وأن الآخرة خير وأبقى. ثم بين الصحف فقال: {صحف إبراهيم وموسى} قال عكرمة والسدي: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى. أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني، حدثنا محمد بن يحيى [بن أيوب حدثنا سعيد بن كثير حدثنا] يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما ب"سبح اسم ربك الأعلى" و"قل يا أيها الكافرون" وفي الوتر ب"قل هو الله أحد" و"قل أعوذ برب الفلق" و"قل أعوذ برب الناس" . سورة الغاشية مكية بسم الله الرحمن الرحيم {هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة } {هل أتاك حديث الغاشية} يعني: قد أتاك حديث القيامة، تغشى كل شيء بالأهوال. {وجوه يومئذ} يعني: يوم القيامة {خاشعة} ذليلة. {عاملة ناصبة} قال عطاء عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام من عبدة الأوثان وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله منهم اجتهادا في ضلالة، يدخلون النار يوم القيامة، وهو قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم. ومعنى النصب: الدأب في العمل بالتعب. وقال عكرمة والسدي: عاملة في الدنيا بالمعاصي، ناصبة في الآخرة في النار . وقال بعضهم: عاملة في النار ناصبة فيها. قال الحسن: لم تعمل لله في الدنيا، فأعملها وأنصبها في النار بمعالجة السلاسل، والأغلال. وبه قال قتادة، وهي رواية العوفي عن ابن عباس . قال ابن مسعود: تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل. وقال الكلبي: يجرون على وجوههم في النار.
[وقال الضحاك: يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار] والكلام خرج على "الوجوه" والمراد منها أصحابها. {تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ضريع } {تصلى نارا} قرأ أهل البصرة وأبو بكر: "تصلى" بضم التاء اعتبارا بقوله: "تسقى من عين آنية" [وقرأ الآخرون بفتح التاء {نارا حامية} قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله. {تسقى من عين آنية} متناهية في الحرارة قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها [وردا] عطاشا. قال المفسرون: لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت. هذا شرابهم ثم ذكر طعامهم فقال: {ليس لهم طعام إلا من ضريع} قال مجاهد وعكرمة وقتادة: هو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، تسميه قريش الشبرق فإذا هاج سموها الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه. وهو رواية العوفي عن ابن عباس. قال الكلبي: لا تقربه دابة إذا يبس. قال ابن زيد: أما في الدنيا فإن "الضريع" الشوك اليابس الذي يبس له ورق، وهو في الآخرة شوك من نار وجاء في الحديث عن ابن عباس: "الضريع: شيء في النار [شبه] الشوك أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار" . وقال أبو الدرداء، والحسن: إن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة ولا مريئة، فلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها فذلك قوله عز جل: "وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم" (محمد-15) . {لا يسمن ولا يغني من جوع وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع، وكذبوا في ذلك، فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا، وتسمى "شبرقا" فإذا يبس لا يأكله شيء. فأنزل الله: {لا يسمن ولا يغني من جوع} ثم وصف أهل الجنة فقال: {وجوه يومئذ ناعمة} قال مقاتل: في نعمة وكرامة. {لسعيها} في الدنيا {راضية} في الآخرة حين أعطيت الجنة بعملها. {في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية} لغو وباطل، قرأ أهل مكة والبصرة: "لا يسمع" بالياء وضمها، "لاغية" رفع. وقرأ نافع "لا تسمع" بالتاء وضمها، "لاغية" رفع، وقرأ الآخرون بالتاء وفتحها "لاغية" [بالنصب] على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. {فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة} قال ابن عباس: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، مرتفعة ما لم يجيء أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى مواضعها. {وأكواب موضوعة} عندهم، جمع كوب، وهو الإبريق الذي 191/ألا عروة له. {ونمارق} وسائد ومرافق {مصفوفة} بعضها بجنب بعض، واحدتها "نمرقة" بضم النون. {وزرابي} يعني البسط العريضة. قال ابن عباس: هي الطنافس التي لها خمل واحدتها زربية، {مبثوثة} مبسوطة، وقيل متفرقة في المجالس. {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} قال أهل التفسير: لما نعت الله تعالى في هذه السورة ما في الجنة عجب من ذلك أهل الكفر وكذبوه، فذكرهم الله تعالى صنعه فقال: {أفلا ينظرون إلى الإبل} [من بين سائر الحيوانات] {كيف خلقت} وكانت الإبل من عيش العرب لهم فيها منافع كثيرة، فلما صنع لهم ذلك في الدنيا صنع لأهل الجنة فيها ما صنع. وتكلمت الحكماء في وجه تخصيص الإبل من بين سائر الحيوانات؛ فقال مقاتل: لأنهم لم يروا بهيمة قط أعظم منها، ولم [يشاهد] الفيل إلا الشاذ منهم. وقال الكلبي: لأنها تنهض بحملها وهي باركة. وقال قتادة: ذكر الله تعالى ارتفاع سرر الجنة وفرشها، فقالوا: كيف نصعدها فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة؟ فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد بها. ثم هو [لا خير فيه] لا يركب ظهرها ولا يؤكل لحمها ولا يحلب درها، والإبل أعز مال للعرب وأنفسها تأكل النوى والقت وتخرج اللبن. وقيل: [إنها] مع عظمها تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف، حتى إن الصبي الصغير يأخذ بزمامها فيذهب بها حيث شاء، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا إلى [كناسة اسطبل] حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت . {وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت } {وإلى السماء كيف رفعت} عن الأرض حتى لا ينالها شيء بغير عمد. {وإلى الجبال كيف نصبت} على وجه الأرض [مرساة] لا تزول. {وإلى الأرض كيف سطحت} [بسطت] قال عطاء عن ابن عباس: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض غيري؟. {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم } {فذكر} [أي: عظ يا محمد] {إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} بمسلط فتقتلهم وتكرههم على الإيمان. نسختها آية القتال . {إلا من تولى وكفر} استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير. {فيعذبه الله العذاب الأكبر} وهو أن يدخله النار وإنما قال "الأكبر" لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر. {إن إلينا إيابهم} رجوعهم بعد الموت، يقال آب يؤب أوبا وإيابا، وقرأ أبو جعفر: "إيابهم" بتشديد الياء، وهو شاذ لم يجزه أحد غير الزجاج فإنه قال يقال: أيب إيابا، على: فعل فيعالا. {ثم إن علينا حسابهم} يعني جزاءهم بعد المرجع إلى الله عز وجل. سورة الفجر مكية بسم الله الرحمن الرحيم {والفجر وليال عشر والشفع والوتر } {والفجر} أقسم الله عز وجل بالفجر، روى أبو صالح عن ابن عباس قال: هو انفجار الصبح كل يوم وهو قول عكرمة، وقال عطية عنه: صلاة الفجر. وقال قتادة: هو فجر أول يوم من المحرم، تنفجر منه السنة. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة لأنه [قرنت] به الليالي العشر. {وليال عشر} روي عن ابن عباس: أنها العشر الأول من ذي الحجة. وهو قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، والكلبي. وقال أبو روق عن الضحاك: هي العشر [الأواخر] من شهر رمضان. وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: هي العشر [الأوائل] من شهر رمضان. وقال يمان بن رباب: هي العشر الأول من المحرم التي عاشرها يوم عاشوراء . {والشفع والوتر} قرأ حمزة، والكسائي: "الوتر" بكسر الواو، وقرأ الآخرون بفتحها، واختلفوا في الشفع والوتر. قيل: "الشفع: الخلق، قال الله تعالى: "وخلقناكم أزواجا" و"الوتر" هو الله عز وجل. روي ذلك عن [ابن مسعود وعن] أبي سعيد الخدري، وهو قول عطية العوفي. وقال مجاهد ومسروق: "الشفع" الخلق كله، كما قال الله تعالى: "ومن كل شيء خلقنا زوجين" (الذاريات-49) الكفر والإيمان، والهدى والضلالة، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والجن والإنس، والوتر هو الله عز وجل، قال الله تعالى: "قل هو الله أحد" (الإخلاص-1) . قال الحسن وابن زيد: "الشفع والوتر" الخلق كله، منه شفع، ومنه وتر. وروى قتادة عن الحسن قال: هو العدد منه شفع ومنه وتر. وقال قتادة: هما الصلوات منها شفع ومنها وتر. وروى ذلك عن عمران بن حصين مرفوعا، وروى عطية عن ابن عباس: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب. وعن عبد الله بن الزبير قال: "الشفع" يوم النفر الأول، و"الوتر" يوم النفر الأخير. روي أن رجلا سأله عن الشفع والوتر والليالي العشر؟ فقال: أما الشفع والوتر: فقول الله عز وجل: "فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه" (البقرة-203) فهما الشفع والوتر، وأما الليالي العشر: فالثمان وعرفة والنحر. وقال مقاتل بن حيان: "الشفع" الأيام والليالي، و"الوتر" اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة.
وقال الحسين بن الفضل: "الشفع" درجات الجنة لأنها ثمان، و"الوتر" دركات النار لأنها سبع، كأنه أقسم بالجنة والنار. وسئل أبو بكر الوراق عن الشفع والوتر فقال: "الشفع" تضاد [أخلاق] المخلوقين من العز والذل، والقدرة والعجز، والقوة والضعف، والعلم والجهل، والبصر والعمى، و"الوتر" انفراد صفات الله عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا ممات . {والليل إذا يسري هل في ذلك قسم لذي حجر ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد } {والليل إذا يسر} أي إذا سار وذهب كما قال تعالى "والليل إذ أدبر" (المدثر-33) وقال قتادة: إذا جاء وأقبل، وأراد كل ليلة. وقال مجاهد وعكرمة والكلبي: هي ليلة المزدلفة. قرأ أهل الحجاز، والبصرة: "يسري" بالياء في الوصل، ويقف ابن كثير ويعقوب بالياء أيضا، والباقون يحذفونها في الحالين، فمن حذف فلوفاق رءوس الآي، ومن أثبت فلأنها لام الفعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف، نحو قوله: هو يقضي وأنا أقضي. وسئل الأخفش عن العلة 191/ب في سقوط الياء؟ فقال: الليل لا يسري، ولكن يسرى فيه، فهو مصروف، فلما صرفه بخسه حقه من الإعراب، كقوله: "وما كانت أمك بغيا" ولم يقل: "بغية" لأنها صرفت من باغية. {هل في ذلك} أي فيما ذكرت {قسم} أي: مقنع ومكتفى في القسم {لذي حجر} لذي عقل سمي بذلك لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل ولا ينبغي، [كما يسمى عقلا لأنه يعقله عن القبائح، ونهى لأنه ينهى عما لا ينبغي] وأصل "الحجر" المنع: وجواب القسم قوله: "إن ربك لبالمرصاد" واعترض بين القسم وجوابه قوله عز وجل: {ألم تر} قال الفراء: ألم تخبر؟ وقال الزجاج: ألم تعلم؟ ومعناه التعجب. {كيف فعل ربك بعاد إرم} يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول أعمارا وأشد قوة من هؤلاء. واختلفوا في إرم ذات العماد، فقال سعيد بن المسيب: "إرم ذات العماد" دمشق، وبه قال عكرمة. وقال القرظي هي الإسكندرية، وقال مجاهد: هي أمة. وقيل: معناها: القديمة. وقال قتادة، ومقاتل: هم قبيلة من عاد قال مقاتل: كان فيهم الملك، وكانوا [بمهرة] وكان عاد أباهم، فنسبهم إليه، وهو إرم بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. وقال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح . وقال الكلبي: "إرم" هو الذي يجتمع إليه نسب عاد وثمود وأهل الجزيرة، كان يقال: عاد إرم، وثمود إرم، فأهلك الله عادا ثم ثمود، وبقي أهل السواد والجزيرة، وكانوا أهل عمد وخيام وماشية سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا أهل جنان وزروع، ومنازلهم بوادي القرى، وهي التي يقول الله فيها: {التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي وفرعون ذي الأوتاد } {التي لم يخلق مثلها في البلاد} وسموا ذات العماد [لهذا] لأنهم كانوا أهل عمد سيارة، وهو قول قتادة ومجاهد والكلبي، ورواية عطاء عن ابن عباس، وقال بعضهم: سموا ذات العماد لطول قامتهم. قال ابن عباس: يعني طولهم مثل العماد. وقال مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ذراعا. وقوله {لم يخلق مثلها في البلاد} أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: "من أشد منا قوة". وقيل: سموا ذات العماد لبناء بناه بعضهم فشيد [عنده] ورفع بناءه، يقال: بناه شداد بن عاد على صفة لم يخلق في الدنيا مثله، وسار إليه في قومه، فلما كان منه على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه وعلى من معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا. {وثمود} أي: وبثمود، {الذين جابوا الصخر} قطعوا الحجر، واحدتها: صخرة، {بالواد} يعني [وادي القرى] كانوا يقطعون الجبال فيجعلون فيها بيوتا. وأثبت ابن كثير ويعقوب الياء في الوادي وصلا ووقفا على الأصل، وأثبتها ورش وصلا والآخرون بحذفها في الحالين على وفق رءوس الآي. {وفرعون ذي الأوتاد} سمي بذلك لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، وقد ذكرناه في سورة (ص) .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا مخلد بن جعفر، حدثنا الحسين بن علويه، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر عن ابن سمعان عن عطاء عن ابن عباس: أن فرعون إنما سمي "ذي الأوتاد" لأنه كانت امرأة، وهي امرأة خازن فرعون حزبيل، وكان مؤمنا كتم إيمانه مائة سنة، وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون، فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله، فقالت بنت فرعون: وهل لك من إله غير أبي؟ فقالت: إلهي وإله أبيك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له، فقامت فدخلت على أبيها وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم أن إلهك وإلهها وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له. فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت: صدقت، فقال لها: ويحك اكفري بإلهك وأقري بأني إلهك، قالت: لا أفعل فمدها بين أربعة أوتاد، ثم أرسل عليها الحيات والعقارب، وقال لها: اكفري بإلهك وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين، فقالت له: ولو عذبتني سبعين شهرا ما كفرت بالله. وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على قرب منها. وقال لها: اكفري بالله وإلا ذبحت الصغرى على قلبك، وكانت رضيعا، فقالت: لو ذبحت من على وجه الأرض على في ما كفرت بالله عز وجل، فأتى بابنتها الصغرى فلما أضجعت على صدرها وأرادوا ذبحها جزعت المرأة، فأطلق الله لسان ابنتها فتكلمت، وهي من الأربعة الذين تكلموا أطفالا وقالت: يا أماه لا تجزعي فإن الله قد بنى لك بيتا في الجنة. اصبري فإنك تفضين إلى رحمة الله وكرامته، فذبحت فلم تلبث أن ماتت فأسكنها الله الجنة، قال: وبعث في طلب زوجها حزبيل فلم يقدروا عليه، فقيل لفرعون: إنه قد رئي في موضع كذا وكذا في جبل كذا، فبعث رجلين في طلبه فانتهيا إليه وهو يصلي ويليه صفوف من الوحوش خلفه يصلون، فلما رأيا ذلك انصرفا، فقال حزبيل: اللهم إنك تعلم أني كتمت إيماني مائة سنة، ولم يظهر علي أحد، فأيما هذان الرجلين كتم علي فاهده إلى دينك وأعطه من الدنيا سؤله، وأيما هذين الرجلين أظهر علي فعجل عقوبته في الدنيا واجعل مصيره في الآخرة إلى النار، فانصرف الرجلان إلى فرعون فأما أحدهما فاعتبر وآمن، وأما الآخر فأخبر فرعون بالقصة على رءوس الملأ فقال له فرعون: وهل كان معك غيرك؟ قال: نعم فلان، فدعا به فقال: أحق ما يقول هذا؟ قال: لا ما رأيت مما قال شيئا فأعطاه فرعون وأجزل، وأما الآخر فقتله، ثم صلبه. قال: وكان فرعون قد تزوج امرأة من نساء بني إسرائيل يقال لها "آسية بنت مزاحم" فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما يأتي به فرعون، وأنا مسلمة وهو كافر؟ فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريبا منها، فقالت: يا فرعون أنت شر، الخلق وأخبثهم عمدت إلى الماشطة فقتلتها، قال: فلعل بك الجنون الذي كان بها قالت: ما بي من جنون، وإن إلهي وإلهها وإلهك 192/أوإله السماوات والأرض واحد لا شريك له، فمزق عليها ثيابها وضربها وأرسل إلى أبويها فدعاهما، فقال لهما: ألا تريان أن الجنون الذي كان بالماشطة أصابها؟ قالت: أعوذ بالله من ذلك، إني أشهد أن ربي وربك ورب السماوات والأرض واحد لا شريك له، فقال لها أبوها: يا آسية ألست من خير نساء [العماليق] وزوجك إله العماليق؟ قالت أعوذ بالله من ذلك، إن كان ما يقول حقا فقولا له أن يتوجني تاجا تكون الشمس أمامه والقمر خلفه والكواكب حوله، فقال لهما فرعون: اخرجا عني، فمدها بين أربعة أوتاد يعذبها، ففتح الله لها بابا إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ذلك قالت: "رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين" (التحريم-11) فقبض الله روحها وأسكنها الجنة . {الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد }
Questions
- Quels sont les six piliers de la foi (iman) en islam ?
- Qu'enseigne l'islam sur la vie après la mort ?
- Quelles sont les règles du jeûne du Ramadan ?
- Qu'a enseigné le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) sur le bon caractère ?
- Que dit le Coran sur le but de la vie ?
- Qui était le Prophète Muhammad (que la paix soit sur lui) ?