Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bagian V08/P215

[المائدة: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} [المائدة: 6] يعني جل ثناؤه بقوله: {ولكن يريد ليطهركم} [المائدة: 6] ولكن الله يريد أن يطهركم بما فرض عليكم من الوضوء من الأحداث والغسل من الجنابة، والتيمم عند عدم الماء، فتنظفوا وتطهروا بذلك أجسامكم من الذنوب. كما: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الوضوء يكفر ما قبله، ثم تصير الصلاة نافلة» . قال: قلت: أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، لا مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث، ولا أربع، ولا خمس " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام ، قال: ثني أبي عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة صدي بن عجلان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحوه حدثنا أبو كريب، ومحمد بن المثنى، ويحيى بن داود الواسطي، قالوا: ثنا إبراهيم بن يزيد يزرانبه القرشي، قال: أخبرنا رقبة بن مصقلة العبدي، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه 08P217 ورجليه» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يتوضأ فيغسل وجهه إلا خرجت خطاياه من وجهه، وإذا غسل يديه أو ذراعيه خرجت خطاياه من ذراعيه، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه ، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من رجليه» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا حاتم، عن محمد بن عجلان، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عمرو بن عبسة، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا غسل المؤمن كفيه انتثرت الخطايا من كفيه، وإذا تمضمض واستنشق خرجت خطاياه من فيه ومنخريه، وإذا غسل وجهه خرجت من وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت من يديه، فإذا مسح رأسه وأذنيه خرجت من رأسه وأذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت حتى تخرج من أظفار قدميه، فإذا انتهى إلى ذلك من وضوئه كان ذلك حظه منه ، فإن قام فصلى 08P218 ركعتين مقبلا فيهما بوجهه وقلبه على ربه كان من خطاياه كيوم ولدته أمه» حدثنا أبو الوليد الدمشقي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء، أو نحو هذا. وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشت بها يداه مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء، حتى يخرج نقيا من الذنوب» حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا علي بن عياش، قال: ثنا أبو غسان ، قال: ثنا زيد بن أسلم، عن حمران، مولى عثمان، قال: أتيت عثمان بن عفان بوضوء وهو قاعد، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ كوضوئي هذا، ثم قال: «من توضأ وضوئي هذا كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وكانت خطاه إلى المساجد نافلة» وقوله: {وليتم نعمته عليكم} [المائدة: 6] فإنه يقول: ويريد ربكم مع تطهيركم من ذنوبكم بطاعتكم إياه فيما فرض عليكم من الوضوء والغسل إذا قمتم إلى الصلاة بالماء إن وجدتموه، وتيممكم إذا لم تجدوه، أن يتم نعمته عليكم بإباحته لكم التيمم ، وتصييره لكم الصعيد الطيب طهورا، رخصة منه لكم في ذلك مع سائر 08P219 نعمه التي أنعم بها عليكم أيها المؤمنون.

Bagian V08/P215

{لعلكم تشكرون} [المائدة: 6] يقول: " تشكرون الله على نعمه التي أنعمها عليكم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم 08P218

Bagian V08/P215–V08/P220

[المائدة: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور} [المائدة: 7] يعني جل ثناؤه بذلك: {واذكروا نعمة الله عليكم} [آل عمران: 103] أيها المؤمنون بالعقود التي عقدتموها لله على أنفسكم، واذكروا نعمته عليكم في ذلكم، بأن هداكم من العقود لما فيه الرضا، ووفقكم لما فيه نجاتكم من الضلالة والردى في نعم غيرها جمة. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {واذكروا نعمة الله عليكم} [آل عمران: 103] قال: " النعم: آلاء الله " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، مثله وأما قوله: {وميثاقه الذي واثقكم به} [المائدة: 7] فإنه يعني: واذكروا أيضا أيها المؤمنون في نعم الله التي أنعم عليكم ميثاقه الذي واثقكم به، وهو عهده الذي عاهدكم به. واختلف أهل التأويل في الميثاق الذي ذكر الله في هذه الآية، أي مواثيقه عنى؟ فقال بعضهم: عنى به ميثاق الله الذي واثق به المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له فيما أحبوا وكرهوا ، والعمل بكل ما أمرهم الله به ورسوله ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} [المائدة: 7] الآية، يعني: حيث بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه الكتاب، فقالوا: آمنا بالنبي وبالكتاب، وأقررنا بما في التوراة. فذكرهم الله ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء به " حدثنا محمد بن الحسين، قال : ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} [المائدة: 7] فإنه أخذ ميثاقنا، فقلنا سمعنا وأطعنا على الإيمان والإقرار به وبرسوله " وقال آخرون: بل عنى به جل ثناؤه: ميثاقه الذي أخذ على عباده حين أخرجهم من صلب آدم صلى الله عليه وسلم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ فقالوا: بلى شهدنا. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وميثاقه الذي واثقكم به} [المائدة: 7] قال: " الذي واثق به بني آدم في ظهر آدم حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه 08P221 وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك: قول ابن عباس، وهو أن معناه: واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعمها عليكم بهدايته إياكم للإسلام وميثاقه الذي واثقكم به، يعني: وعهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له في المنشط والمكره ، والعسر واليسر، إذ قلتم سمعنا ما قلت لنا، وأخذت علينا من المواثيق وأطعناك فيما أمرتنا به ونهيتنا عنه، وأنعم عليكم أيضا بتوفيقكم لقبول ذلك منه بقولكم له سمعنا وأطعنا، يقول: ففوا لله أيها المؤمنون بميثاقه الذي واثقكم به، ونعمته التي أنعم عليكم في ذلك بإقراركم على أنفسكم بالسمع له والطاعة فيما أمركم به، وفيما نهاكم عنه، يف لكم بما ضمن لكم الوفاء به إذا أنتم وفيتم له بميثاقه من إتمام نعمته عليكم، وبإدخالكم جنته وبإنعامكم بالخلود في دار كرامته، وإنقاذكم من عقابه وأليم عذابه.

Bagian V08/P220

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من قول من قال: عنى به الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم صلوات الله عليه، لأن الله جل ثناؤه ذكر بعقب تذكرة المؤمنين ميثاقه الذي واثق به أهل التوراة بعد ما أنزل كتابه على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم به ونهاهم فيها، فقال : {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] الآيات بعدها، منبها بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه، ومعرفهم سوء عاقبة أهل الكتاب في تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به في أمره ونهيه، وتعزير أنبيائه ورسله، زاجرا لهم عن نكث عهودهم، فيحل بهم ما أحل بالناكثين عهوده من أهل الكتاب قبلهم ، 08P222 فكان إذا كان الذي ذكرهم فوعظهم به، ونهاهم عن أن يركبوا من الفعل مثله ميثاق قوم أخذ ميثاقهم بعد إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم واجبا ، أن يكون الحال التي أخذ فيها الميثاق والموعوظين نظير حال الذين وعظوا بهم. وإذا كان ذلك كذلك، كان بينا صحة ما قلنا في ذلك وفساد خلافه. وأما قوله: {واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور} [المائدة: 7] فإنه وعيد من الله جل اسمه للمؤمنين الذين أطافوا برسوله صلى الله عليه وسلم من أصحابه ، وتهديدا لهم أن ينقضوا ميثاق الله الذي واثقهم به في رسله وعهدهم الذي عاهدوه فيه، بأن يضمروا له خلاف ما أبدوا له بألسنتهم. يقول لهم جل ثناؤه: واتقوا الله أيها المؤمنون، فخافوه أن تبدلوا عهده وتنقضوا ميثاقه الذي واثقكم به، أو تخالفوا ما ضمنتم له بقولكم: سمعنا وأطعنا، بأن تضمروا له غير الوفاء بذلك في أنفسكم، فإن الله مطلع على ضمائر صدوركم، وعالم بما تخفيه نفوسكم لا يخفى عليه شيء من ذلك، فيحل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به، كالذي حل بمن قبلكم من اليهود من المسخ وصنوف النقم، وتصيروا في معادكم إلى سخط الله وأليم عقابه 08P220

Bagian V08/P220–V08/P224

[المائدة: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [المائدة: 8] يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله، شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم، فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي، واعملوا فيه بأمري. وأما قوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} [المائدة: 8] فإنه يقول: ولا يحملنكم عداوة قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة. وقد ذكرنا الرواية عن أهل التأويل في معنى قوله: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135] وفي قوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم} [المائدة: 2] واختلاف المختلفين في قراءة ذلك والذي هو أولى بالصواب من القول فيه والقراءة بالأدلة الدالة على صحته بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد قيل: إن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين همت اليهود بقتله ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] نزلت في يهود خيبر، أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جريج: قال عبد الله بن كثير: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود يستعينهم في دية، فهموا أن يقتلوه، فذلك قوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم 08P224 على ألا تعدلوا} [المائدة: 8] الآية " 08P223 [المائدة: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [المائدة: 8] يعني جل ثناؤه بقوله: {اعدلوا} [المائدة: 8] أيها المؤمنون على كل أحد من الناس وليا لكم كان أو عدوا، فاحملوهم على ما أمرتم أن تحملوهم عليه من أحكامي، ولا تجوروا بأحد منهم عنه. وأما قوله: {هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] فإنه يعني بقوله: هو العدل عليهم أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، يعني: إلى أن تكونوا عند الله باستعمالكم إياه من أهل التقوى، وهم أهل الخوف والحذر من الله أن يخالفوه في شيء من أمره، أو يأتوا شيئا من معاصيه. وإنما وصف جل ثناؤه العدل بما وصف به من أنه أقرب للتقوى من الجور، لأن من كان عادلا كان لله بعدله مطيعا، ومن كان لله مطيعا كان لا شك من أهل التقوى، ومن كان جائرا كان لله عاصيا، ومن كان لله عاصيا كان بعيدا من تقواه. وإنما كنى بقوله: {هو أقرب} [المائدة: 8] عن الفعل، والعرب تكني عن الأفعال إذا كنت عنها بهو وبذلك، كما قال جل ثناؤه {فهو خير لكم} [البقرة: 271] {ذلكم أزكى لكم} [البقرة: 232] ولو لم يكن في الكلام «هو» لكان أقرب نصبا ، ولقيل: اعدلوا أقرب للتقوى، كما قيل: {انتهوا خيرا لكم} [النساء: 171] وأما قوله: {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [المائدة: 8] فإنه يعني: واحذروا أيها المؤمنون أن تجوروا في عباده، فتجاوزوا فيهم حكمه وقضاءه الذين بين لكم، فيحل بكم عقوبته، وتستوجبوا منه أليم نكاله {إن الله خبير بما تعملون} [المائدة: 8] يقول: " إن الله ذو خبرة وعلم بما تعملون أيها المؤمنون فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه من عمل به أو خلاف له، محص ذلكم عليكم كله، حتى يجازيكم به جزاءكم المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته ، فاتقوا أن تسيئوا 08P225

Bagian V08/P224–V08/P226

[المائدة: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم} [المائدة: 9] يعني جل ثناؤه بقوله: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [المائدة: 9] وعد الله أيها الناس الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به من عند ربهم، وعملوا بما واثقهم الله به، وأوفوا بالعقود التي عاقدهم عليها بقولهم: لنسمعن ولنطيعن الله ورسوله. فسمعوا أمر الله ونهيه، وأطاعوه فعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه. ويعني بقوله: {لهم مغفرة} [المائدة: 9] لهؤلاء الذين وفوا بالعقود والميثاق الذي واثقهم به ربهم مغفرة وهي ستر ذنوبهم السالفة منهم عليهم، وتغطيتها بعفوه لهم عنها، وتركه عقوبتهم عليها وفضيحتهم بها {وأجر عظيم} [المائدة: 9] يقول: " ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم جزاء على أعمالهم التي عملوها ووفائهم بالعقود التي عاقدوا ربهم عليها أجر عظيم، والعظيم من خير غير محدود مبلغه ولا يعرف منتهاه غيره تعالى ذكره. فإن قال قائل: إن الله جل ثناؤه أخبر في هذه الآية أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ولم يخبر بما وعدهم، فأين الخبر عن الموعود؟ قيل: بلى، إنه قد أخبر عن الموعود، والموعود هو قوله: {لهم مغفرة وأجر عظيم} [المائدة: 9] فإن قال قائل: فإن قوله: {لهم مغفرة وأجر عظيم} [المائدة: 9] خبر مبتدأ، ولو كان هو الموعود لقيل: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرا عظيما ، ولم يدخل في ذلك لهم، وفي دخول ذلك فيه دلالة على ابتداء الكلام ، وانقضاء الخبر عن الوعد؟ قيل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكرت فإنه مما اكتفى بدلالة ما ظهر من الكلام على ما بطن من معناه من ذكر بعض قد ترك ذكره فيه ، وذلك أن معنى الكلام: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يغفر لهم ، ويأجرهم أجرا عظيما؛ لأن من شأن العرب أن يصحبوا الوعد أن يعملوه فيها ، فتركت أن إذ كان الوعد قولا، ومن شأن القول أن يكون ما بعده من جمل الأخبار مبتدأ وذكر بعده جملة الخبر اجتزاء بدلالة ظاهر الكلام على معناه وصرفا للوعد الموافق للقول في معناه وإن كان للفظه مخالفا إلى معناه ، فكأنه قيل: قال الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجر عظيم. وكان بعض نحويي البصرة يقول: إنما قيل: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم} [المائدة: 9] الوعد الذي وعدوا ، فكان معنى الكلام على تأويل قائل هذا القول: وعد الله الذي آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم 08P227 [المائدة: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} [المائدة: 10] يعني بقوله جل ثناؤه: {والذين كفروا} [البقرة: 39] والذين جحدوا وحدانية الله، ونقضوا ميثاقه وعقوده التي عاقدوها إياه {وكذبوا بآياتنا} [البقرة: 39] يقول: " وكذبوا بأدلة الله وحججه الدالة على وحدانيته التي جاءت بها الرسل وغيرها {أولئك أصحاب الجحيم} [المائدة: 10] يقول: " هؤلاء الذين هذه صفتهم أهل الجحيم، يعني: أهل النار الذين يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبدا 08P227

Bagian V08/P226–V08/P228

[المائدة: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [المائدة: 11] يعني بذلك جل ثناؤه: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] أقروا بتوحيد الله ورسالة رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم {اذكروا نعمة الله عليكم} [المائدة: 20] اذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليكم، فاشكروه عليها بالوفاء له بميثاقه الذي واثقكم به، والعقود التي عاقدتم نبيكم صلى الله عليه وسلم عليها. ثم وصف نعمته التي أمرهم جل ثناؤه بالشكر عليها مع سائر نعمه، فقال: هي كفه عنكم أيدي القوم الذين هموا بالبطش بكم، فصرفهم عنكم، وحال بينهم وبين ما أرادوه بكم. ثم اختلف أهل التأويل في صفة هذه النعمة التي ذكر الله جل ثناؤه أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بها وأمرهم بالشكر له عليها. فقال بعضهم: هو استنقاذ الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه مما كانت اليهود من بني النضير هموا به يوم أتوهم يستحملونهم دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ليستعينهم على دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري؛ فلما جاءهم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن، فمروا رجلا يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه. فقام عمرو بن جحاش بن كعب. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، وانصرف عنهم، فأنزل الله عز ذكره فيهم وفيما أراد هو وقومه: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} الآية " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} [المائدة: 11] قال اليهود: دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطا لهم ، وأصحابه من وراء جداره، فاستعانهم في مغرم دية غرمها، ثم قام من عندهم ، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القهقرى ينظر إليهم، ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تتاموا إليه " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} يهود حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطا لهم، وأصحابه من وراء جدار لهم، فاستعانهم في مغرم في دية غرمها، ثم قام من عندهم ، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي معترضا ينظر إليهم خيفتهم، ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تتاموا إليه. قال الله جل وعز: {فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [المائدة: 11] حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثني أبو معشر، عن يزيد بن أبي زياد، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير يستعينهم في عقل أصابه ومعه أبو بكر وعمر وعلي فقال: «أعينوني في عقل أصابني» فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة ، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا. فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ينتظرونه، وجاء حيي بن أخطب وهو رأس القوم، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، فقال حيي لأصحابه: لا ترونه أقرب منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه ولا ترون شرا أبدا.

Bagian V08/P228–V08/P232

فجاءوا إلى رحى لهم عظيمة ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها أيديهم، حتى جاءه جبريل صلى الله عليه وسلم فأقامه من ثم، فأنزل الله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فأخبر الله عز ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم ما أرادوا به " حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم 08P230 قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} الآية، قال: يهود دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطا، فاستعانهم في مغرم غرمه، فائتمروا بينهم بقتله، فقام من عندهم، فخرج معترضا ينظر إليهم خيفتهم، ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تتاموا إليه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الأنصاري أحد بني النجار وهو أحد النقباء ليلة العقبة، فبعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار. فخرجوا، فلقوا عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر على بئر معونة، وهي من مياه بني عامر، فاقتتلوا، فقتل المنذر وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم، فلم يرعهم إلا والطير تحوم في السماء ، يسقط من بين خراطيمها علق الدم، فقال أحد النفر: قتل أصحابنا والرحمن. ثم تولى يشتد حتى لقي رجلا، فاختلفا ضربتين، فلما خالطته الضربة، رفع رأسه إلى السماء ففتح عينيه، ثم قال: الله أكبر، الجنة ورب العالمين. فكان يدعى: أعنق ليموت. ورجع صاحباه، فلقيا رجلين من بني سليم، وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر ، فقتلاهما. وقدم قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية، فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، حتى دخلوا على كعب بن الأشرف ويهود بني النضير، فاستعانهم في عقلهما. قال: فاجتمعت اليهود لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واعتلوا بصنيعه الطعام ، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم بالذي اجتمعت عليه يهود من الغدر، فخرج ثم دعا عليا، فقال: «لا تبرح مقامك، فمن خرج عليك 08P231 من أصحابي فسألك عني فقل وجه إلى المدينة فأدركوه» قال: فجعلوا يمرون على علي، فيأمرهم بالذي أمره حتى أتى عليه آخرهم، ثم تبعهم؛ فذلك قوله: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} [المائدة: 13] حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} قال: «نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه، حين أرادوا أن يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم» وقال آخرون: بل النعمة التي ذكرها الله في هذه الآية، فأمر المؤمنين من أصحاب رسول الله بالشكر له عليها، أن اليهود كانت همت بقتل النبي صلى الله عليه وسلم في طعام دعوه إليه، فأعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ما هموا به، فانتهى هو وأصحابه عن إجابتهم إليه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} [الأحزاب: 9] إلى قوله: {فكف أيديهم عنكم} [المائدة: 11] وذلك أن قوما من اليهود صنعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه طعاما ليقتلوه إذا أتى الطعام، فأوحى الله إليه بشأنهم، فلم يأت الطعام وأمر أصحابه فأبوه " وقال آخرون: عنى الله جل ثناؤه بذلك النعمة التي أنعمها على المؤمنين باطلاع نبيه صلى الله عليه وسلم على ما هم به عدوه وعدوهم من المشركين يوم بطن نخل من اغترارهم إياهم، والإيقاع بهم إذا هم اشتغلوا عنهم بصلاتهم ، فسجدوا فيها، وتعريفه نبيه صلى الله عليه وسلم الحذار من عدوه في صلاته بتعليمه إياه صلاة الخوف ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} الآية، ذكر لنا أنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببطن نخل في الغزوة السابعة، فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به، فأطلعه الله على ذلك " ذكر لنا أن رجلا انتدب لقتله ، فأتى نبي الله صلى الله عليه وسلم وسيفه موضوع، فقال: آخذه يا نبي الله؟

Bagian V08/P232

قال: «خذه» قال: أستله؟ قال: «نعم» فسله، فقال: من يمنعك مني؟ قال: «الله يمنعني منك» فهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغلظوا له القول ، فشام السيف، وأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالرحيل، فأنزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، ذكره عن ابن أبي سلمة، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلا، وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف 08P233 رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه فسله، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الله» فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه. قال معمر: وكان قتادة يذكر نحو هذا ، وذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسلوا هذا الأعرابي. وتأول: {اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} الآية " وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك، قول من قال: عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية نعمته على المؤمنين به وبرسوله ، التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم، مما كانت يهود بني النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم في الدية التي كان تحملها عن قتيلي عمرو بن أمية وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك، لأن الله عقب ذكر ذلك برمي اليهود بصنائعها وقبيح أفعالها وخيانتها ربها وأنبياءها. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالعفو عنهم والصفح عن عظيم جهلهم، فكان معلوما بذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالعفو عنهم والصفح عقيب قوله: {إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} [المائدة: 11] ومن غيرهم كان يبسط الأيدي إليهم ، لأنه لو كان الذين هموا ببسط الأيدي إليهم غيرهم لكان حريا أن يكون الأمر بالعفو والصفح عنهم لا عمن لم يجر لهم بذلك ذكر، ولكان الوصف بالخيانة في وصفهم في هذا الموضع لا في وصف من لم يجر لخيانته ذكر، ففي ذلك ما ينبئ عن صحة ما قضينا له بالصحة من التأويلات في ذلك دون ما خالفه 08P232

Bagian V08/P232

[المائدة: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [المائدة: 11] يعني جل ثناؤه: واحذروا الله أيها المؤمنون أن تخالفوه فيما أمركم ونهاكم أن تنقضوا الميثاق الذي واثقكم به فتستوجبوا منه العقاب الذي لا قبل لكم به {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 122] يقول: " وإلى الله فليلق أزمة أمورهم، ويستسلم لقضائه، ويثق بنصرته وعونه، المقرون بوحدانية الله ورسالة رسوله، العاملون بأمره ونهيه، فإن ذلك من كمال دينهم وتمام إيمانهم، وأنهم إذا فعلوا ذلك كلأهم ورعاهم وحفظهم ممن أرادهم بسوء، كما حفظكم ودافع عنكم أيها المؤمنون اليهود الذين هموا بما هموا به من بسط أيديهم إليكم، كلاءة منه لكم، إذ كنتم من أهل الإيمان به وبرسوله دون غيره، فإن غيره لا يطيق دفع سوء أراد بكم ربكم ولا اجتلاب نفع لكم لم يقضه لكم 08P234

Bagian V08/P232–V08/P236

[المائدة: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل} [المائدة: 12] وهذه الآية أنزلت إعلاما من الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، أخلاق الذين هموا ببسط أيديهم إليهم من اليهود. كالذي: حدثنا الحرث بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبارك، عن الحسن ، في قوله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} [المائدة: 12] قال: " اليهود من أهل الكتاب. وأن الذي هموا به من الغدر ونقض العهد الذي بينهم وبينه من صفاتهم وصفات أوائلهم وأخلاقهم وأخلاق أسلافهم قديما، واحتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود بإطلاعه إياه على ما كان علمه عندهم دون العرب من خفي أمورهم ومكنون علومهم، وتوبيخا لليهود في تماديهم في الغي ، وإصرارهم على الكفر مع علمهم بخطإ ما هم عليهم مقيمون. يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تستعظموا أمر الذين هموا ببسط أيديهم إليكم من هؤلاء اليهود بما هموا به لكم، ولا أمر الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسلافهم، لا يعدون أن يكونوا على منهاج أولهم وطريق سلفهم. ثم ابتدأ الخبر عز ذكره عن بعض غدراتهم وخياناتهم وجراءتهم على ربهم ونقضهم ميثاقهم الذي واثقهم عليه بارئهم، مع نعمه التي خصهم بها، وكراماته التي طوقهم شكرها، فقال: ولقد أخذ الله ميثاق من سلف ممن هم ببسط يده إليكم من يهود بني إسرائيل يا معشر المؤمنين بالوفاء له بعهوده وطاعته فيما أمرهم ونهاهم كما: حدثني المثنى، قال: ثنا آدم العسقلاني، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} [المائدة: 12] قال: " أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره {وبعثنا منهم} [المائدة: 12] يعني بذلك: وبعثنا منهم اثني عشر كفيلا ، كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه. والنقيب في كلام العرب، كالعريف على القوم، غير أنه فوق العريف، يقال منه: نقب فلان على بني فلان فهو ينقب نقبا، فإذا أريد أنه لم يكن نقيبا فصار نقيبا، قيل: قد نقب فهو ينقب نقابة، ومن العريف: عرف عليهم يعرف عرافة. 08P236 فأما المناكب فإنهم كالأعوان يكونون مع العرفاء، واحدهم منكب. وكان بعض أهل العلم بالعربية يقول: هو الأمين الضامن على القوم. فأما أهل التأويل فإنهم قد اختلفوا بينهم في تأويله، فقال بعضهم: هو الشاهد على قومه " ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] من كل سبط رجل شاهد على قومه " وقال آخرون: النقيب: الأمين ذكر من قال ذلك حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه ، عن الربيع، قال: " النقباء: الأمناء " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله وإنما كان الله أمر موسى نبيه صلى الله عليه وسلم ببعثه النقباء الاثني عشر من قومه بني إسرائيل إلى أرض الجبابرة بالشام ليتجسسوا لموسى أخبارهم إذ أراد هلاكهم ، وأن يورث أرضهم وديارهم موسى وقومه، وأن يجعلها مساكن لبني إسرائيل بعد ما أنجاهم من فرعون وقومه، وأخرجهم من أرض مصر، فبعث موسى الذين أمره الله 08P237 ببعثهم إليها من النقباء.

Bagian V08/P236

كما: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: أمر الله بني إسرائيل بالسير إلى أريحاء، وهي أرض بيت المقدس ، فساروا حتى إذا كانوا قريبا منهم بعث موسى اثني عشر نقيبا من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبابرة، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عاج، فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حجزته وعلى رأسه حزمة حطب، فانطلق بهم إلى امرأته، فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا. فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا. ففعل ذلك. فلما خرج القوم، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ، ارتدوا عن نبي الله عليه السلام لكن اكتموه وأخبروا نبيي الله، فيكونان فيما يريان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه. ثم رجعوا فانطلق عشرة منهم فنكثوا العهد، فجعل الرجل يخبر أخاه وأباه بما رأى من عاج، وكتم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون، فأخبروهما الخبر، فذلك حين يقول الله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] من كل سبط من بني إسرائيل رجل أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كم 08P238 أحدهم اثنان منهم يلفونهم لفا، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربع. فرجع النقباء كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وكالب بن يوقنا يأمران الأسباط بقتال الجبابرة وبجهادهم، فعصوا هذين وأطاعوا الآخرين " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال: من بني إسرائيل رجال، وقال أيضا: يلقونهما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أمر موسى أن يسير ، ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة، وقال: إني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلا، فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو، فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا من كل سبط نقيبا يكون على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به، وقل لهم إن الله يقول لكم: إني معكم {لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة} [المائدة: 12] إلى قوله: {فقد ضل سواء السبيل} [البقرة: 108] وأخذ موسى منهم اثني عشر نقيبا اختارهم من أسباط كفلاء على قومهم بما هم فيه على الوفاء بعهده وميثاقه، وأخذ من كل سبط منهم خيرهم وأوفاهم رجلا. يقول الله عز وجل: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] فسار بهم موسى إلى الأرض 08P239 المقدسة بأمر الله، حتى إذا نزل التيه بين مصر والشام، وهي بلاد ليس فيها شجر ولا ظل، دعا موسى ربه حين آذاهم الحر، فظلل عليهم بالغمام ، ودعا لهم بالرزق، فأنزل الله عليهم المن والسلوى. وأمر الله موسى فقال: أرسل رجالا يتجسسون إلى أرض كنعان التي وهبت لبني إسرائيل، من كل سبط رجلا. فأرسل موسى الرءوس كلهم الذين فيهم، وهذه أسماء الرهط الذين بعث الله من بني إسرائيل إلى أرض الشام، فيما يذكر أهل التوراة ليجوسوها لبني إسرائيل: من سبط روبيل: شامون بن ركون، ومن سبط شمعون سافاط بن حربي، ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا، ومن سبط كاذ ميخائيل بن يوسف، ومن سبط يوسف وهو سبط إفرائيم يوشع بن نون، ومن سبط بنيامين فلط بن ذنون، 08P240 ومن سبط ربالون كرابيل بن سودي، ومن سبط منشا بن يوسف حدي بن سوشا، ومن سبط دان حملائل بن حمل، ومن سبط أشار سابور بن ملكيل، ومن سبط نفتالي محر بن وقسي، ومن سبط يساخر حولايل بن منكد.

Bagian V08/P236

فهذه أسماء الذين بعثهم موسى يتجسسون له الأرض، ويومئذ سمى يوشع بن نون: يوشع بن نون، فأرسلهم وقال لهم: ارتفعوا قبل الشمس، فارقوا الجبل، وانظروا ما في الأرض، وما الشعب الذي يسكنونه، أقوياء هم أم ضعفاء؟ أقليل هم أم هم كثير؟ وانظروا أرضهم التي يسكنون أشمسة هي أم ذات شجر؟ واحملوا إلينا من ثمرة تلك الأرض. وكان في أول 08P241 ما سمى لهم من ذلك ثمرة العنب " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] فهم من بني إسرائيل، بعثهم موسى لينظروا له إلى المدينة، فانطلقوا فنظروا إلى المدينة، فجاءوا بحبة من فاكهتهم وقر رجل، فقالوا: قدروا قوة قوم وبأسهم هذه فاكهتهم. فعند ذلك فتنوا، فقالوا: لا نستطيع القتال {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] " حدثت عن الحسين بن الفرج المروزي، قال: سمع أبا معاذ الفضل بن خالد ، يقول في قوله: {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] أمر الله بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم؛ فلما كانوا قريبا من المدينة، قال لهم موسى: ادخلوها. فأبوا وجبنوا ، وبعثوا اثني عشر نقيبا لينظروا إليهم. فانطلقوا فنظروا، فجاءوا بحبة من فاكهتهم بوقر الرجل، فقالوا: قدروا قوة قوم وبأسهم، هذه فاكهتهم. فعند ذلك قالوا لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا} 08P241

Bagian V08/P236–V08/P244

[المائدة: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا} [المائدة: 12] يقول الله تعالى ذكره {وقال الله} [المائدة: 12] لبني إسرائيل {إني معكم} [المائدة: 12] يقول: " إني ناصركم على عدوكم وعدوي الذين أمرتكم بقتالهم إن قاتلتموهم ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم. وفي الكلام محذوف استغنى ، بما ظهر من الكلام عما حذف منه، وذلك أن معنى الكلام: وقال الله لهم: إني معكم، فترك ذكر لهم، استغناء بقوله: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} [المائدة: 12] إذ كان متقدم الخبر عن قوم مسمين بأعيانهم كان معلوما أن سياق ما في الكلام من الخبر عنهم، إذ لم يكن الكلام مصروفا عنهم إلى غيرهم. ثم ابتدأ ربنا جل ثناؤه القسم، فقال: قسم {لئن أقمتم} [المائدة: 12] معشر بني إسرائيل {الصلاة وآتيتم الزكاة} [المائدة: 12] أي " أعطيتموها من أمرتكم بإعطائها {وآمنتم برسلي} [المائدة: 12] يقول: «وصدقتم بما آتاكم به رسلي من شرائع ديني» وكان الربيع بن أنس يقول: هذا خطاب من الله للنقباء الاثني عشر حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: أن موسى، صلى الله عليه وسلم قال للنقباء الاثني عشر سيروا إليهم يعني إلى الجبارين فحدثوني حديثهم، وما أمرهم، ولا تخافوا إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا " 08P243 وليس الذي قاله الربيع في ذلك ببعيد من الصواب، غير أن من قضاء الله في جميع خلقه أنه ناصر من أطاعه، وولي من اتبع أمره وتجنب معصيته وجافى ذنوبه. فإذ كان ذلك كذلك، وكان من طاعته: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ، والإيمان بالرسل، وسائر ما ندب القوم إليه؛ كان معلوما أن تكفير السيئات بذلك وإدخال الجنات به لم يخصص به النقباء دون سائر بني إسرائيل غيرهم ، فكان ذلك بأن يكون ندبا للقوم جميعا وحضا لهم على ما حضهم عليه، أحق وأولى من أن يكون ندبا لبعض وحضا لخاص دون عام. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وعزرتموهم} [المائدة: 12] فقال بعضهم: تأويل ذلك: ونصرتموهم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وعزرتموهم} [المائدة: 12] قال: «نصرتموهم» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: قوله: {وعزرتموهم} [المائدة: 12] قال: «نصرتموهم بالسيف» وقال آخرون: هو الطاعة والنصرة ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد، يقول في قوله: {وعزرتموهم} [المائدة: 12] قال: " التعزر والتوقير: الطاعة والنصرة " واختلف أهل العربية في تأويله، فذكر عن يونس الحرمزي أنه كان يقول: تأويل ذلك: أثنيتم عليهم «حدثت بذلك عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عنه» وكان أبو عبيدة يقول: معنى ذلك نصرتموهم وأعنتموهم ووقرتموهم وعظمتموهم وأيدتموهم، وأنشد في ذلك: [+البحر الوافر] وكم من ماجد لهم كريم ومن ليث يعزز في الندي وكان الفراء يقول: العزر الرد عزرته رددته: إذا رأيته يظلم، فقلت: اتق الله أو نهيته، فذلك العزر وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: نصرتموهم، وذلك أن الله جل ثناؤه قال في سورة الفتح: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه} [الفتح: 9] فالتوقير: هو التعظيم. وإذا كان ذلك كذلك، كان القول في ذلك إنما هو بعض ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه.

Bagian V08/P244–V08/P245

وإذا فسد أن يكون معناه التعظيم، وكان النصر قد يكون باليد واللسان؛ فأما باليد فالذب بها عنه بالسيف وغيره، وأما باللسان فحسن الثناء، والذب عن العرض، صح أنه النصر إذ كان النصر يحوي معنى كل قائل قال فيه قولا مما حكينا عنه وأما قوله: {وأقرضتم الله قرضا حسنا } [المائدة: 12] فإنه يقول: وأنفقتم في سبيل الله ، وذلك في جهاد عدوه وعدوكم، {قرضا حسنا} [البقرة: 245] يقول: " وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله، فأصبتم الحق في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك، ولم تتعدوا فيه حدود الله وما ندبكم إليه وحثكم عليه إلى غيره. فإن قال لنا قائل: وكيف قال: {وأقرضتم الله قرضا حسنا} [المائدة: 12] ولم يقل: إقراضا حسنا، وقد علمت أن مصدر أقرضت: الإقراض؟ قيل: لو قيل ذلك كان صوابا، ولكن قوله: {قرضا حسنا} [البقرة: 245] أخرج مصدرا من معناه لا من لفظه، وذلك أن في قوله: أقرض معنى قرض، كما في معنى أعطى أخذ، فكان معنى الكلام: وقرضتم الله قرضا حسنا، ونظير ذلك: {والله أنبتكم من الأرض نباتا} [نوح: 17] إذ كان في أنبتكم معنى فنبتم، وكما قال امرؤ القيس: [+البحر الطويل] ورضت فذلت صعبة أي إذلال إذ كان في رضت معنى أذللت، فخرج الإذلال مصدرا من معناه لا من لفظه 08P246

Bagian V08/P245–V08/P246

[المائدة: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار} [المائدة: 12] يعني جل ثناؤه بذلك بني إسرائيل، يقول لهم جل ثناؤه: لئن أقمتم الصلاة أيها القوم الذين أعطوني ميثاقهم بالوفاء بطاعتي، واتباع أمري، وآتيتم الزكاة، وفعلتم سائر ما وعدتكم عليه جنتي {لأكفرن عنكم سيئاتكم} [المائدة: 12] يقول: " لأغطين بعفوي عنكم وصفحي عن عقوبتكم، على سالف إجرامكم التي أجرمتموها فيما بيني وبينكم على ذنوبكم التي سلفت منكم من عبادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم. {ولأدخلنكم} [المائدة: 12] مع تغطيتي على ذلك منكم بفضلي يوم القيامة {جنات تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] فالجنات: البساتين. وإنما قلت: معنى قوله: {لأكفرن} [آل عمران: 195] لأغطين، لأن الكفر معناه الجحود والتغطية والستر، كما قال لبيد: [+البحر الكامل] في ليلة كفر النجوم غمامها يعني: غطاها. التفعيل من الكفر واختلف أهل العربية في معنى اللام التي في قوله: {لأكفرن} [آل عمران: 195] فقال بعض نحويي البصرة: اللام الأولى على معنى القسم، يعني اللام التي في قوله: {لئن أقمتم الصلاة} [المائدة: 12] قال: " والثانية معنى قسم آخر وقال بعض نحويي الكوفة : بل اللام الأولى وقعت موقع اليمين، فاكتفى بها عن اليمين، يعني باللام الأولى: لئن أقمتم الصلاة. قال: واللام الثانية ، يعني قوله: {لأكفرن عنكم سيئاتكم} [المائدة: 12] جواب لها، يعني للام التي في قوله: {لئن أقمتم الصلاة} [المائدة: 12] واعتل لقيله ذلك بأن قوله: {لئن أقمتم الصلاة} [المائدة: 12] غير تام ولا مستغن عن قوله: {لأكفرن عنكم سيئاتكم} [المائدة: 12] وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز أن يكون قوله: {لأكفرن عنكم سيئاتكم} [المائدة: 12] قسما مبتدأ، بل الواجب أن يكون جوابا لليمين إذ كانت غير مستغنية عنه. وقوله: {تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] يقول: «يجري من تحت أشجار هذه البساتين التي أدخلكموها الأنهار» 08P247 [المائدة: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل} [المائدة: 12] يقول عز ذكره: فمن جحد منكم يا معشر بني إسرائيل شيئا مما أمرته به، فتركه، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتناب معصيتي {فقد ضل سواء السبيل} [البقرة: 108] يقول: " فقد أخطأ قصد الطريق الواضح، وزل عن منهج السبيل القاصد. والضلال: الركوب على غير هدى؛ وقد بينا ذلك بشاهده في غير هذا الموضع. وقوله: {سواء} [البقرة: 6] يعني به: وسط السبيل، وقد بينا تأويل 08P248 ذلك كله في غير هذا الموضع، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع 08P247

Bagian V08/P246–V08/P250

[المائدة: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين} [المائدة: 13] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا تعجبن من هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك، ونكثوا العهد الذي بينك وبينهم، غدرا منهم بك وأصحابك، فإن ذلك من عاداتهم وعادات سلفهم؛ ومن ذلك أني أخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى صلى الله عليه وسلم على طاعتي، وبعثت منهم اثني عشر نقيبا وقد تخيروا من جميعهم ليتجسسوا أخبار الجبابرة، ووعدتهم النصر عليهم، وأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، بعد ما أريتهم من العبر والآيات بإهلاك فرعون وقومه في البحر وفلق البحر لهم وسائر العبر ما أريتهم، فنقضوا ميثاقهم الذي واثقوني ونكثوا عهدي، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم؛ فإذا كان ذلك من فعل خيارهم مع أيادي عندهم، فلا تستنكروا مثله من فعل أراذلهم. وفي الكلام محذوف اكتفي بدلالة الظاهر عليه، وذلك أن معنى الكلام: فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل، فنقضوا الميثاق، فلعنتهم، فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ، فاكتفى بقوله: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] من ذكر فنقضوا. ويعني بقوله جل ثناؤه: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] فبنقضهم ميثاقهم. كما قال قتادة حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} [المائدة: 13] يقول: «فبنقضهم ميثاقهم لعناهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {فبما نقضهم ميثاقهم} [النساء: 155] قال: «هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه» وقد ذكرنا معنى اللعن في غير هذا الموضع. والهاء والميم من قوله: {فبما نقضهم} [النساء: 155] عائدتان على ذكر بني إسرائيل قبل 08P249 [المائدة: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة: 13] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل مكة والبصرة والكوفة: {قاسية} [المائدة: 13] بالألف، على تقدير فاعله، من قسوة القلب، من قول القائل: قسا قلبه، فهو يقسو وهو قاس، وذلك إذا غلظ واشتد وصار يابسا صلبا، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] وقد قسوت وقست لداتي فتأويل الكلام على هذه القراءة: فلعنا الذين نقضوا عهدي ولم يفوا بميثاقي من بني إسرائيل بنقضهم ميثاقهم الذي واثقوني، وجعلنا قلوبهم قاسية غليظة يابسة عن الإيمان بي والتوفيق لطاعتي، منزوعة منها الرأفة والرحمة. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: " وجعلنا قلوبهم قسية. ثم اختلف الذين قرءوا ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: معنى القسوة، لأن فعيلة في الذم أبلغ من فاعلة، فاخترنا قراءتها قسية على قاسية لذلك. وقال آخرون منهم: بل معنى قسية غير معنى القسوة ؛ وإنما القسية في هذا الموضع القلوب التي لم يخلص إيمانها بالله، ولكن يخالط إيمانها كفر كالدراهم القسية، وهي التي يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص وغير ذلك، كما قال أبو زبيد الطائي: [+البحر البسيط] لها صواهل في صم السلام كما صاح القسيات في أيدي الصياريف يصف بذلك وقع مساحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور، وهي السلام. وأعجب القراءتين إلي في ذلك قراءة من قرأ: «وجعلنا قلوبهم قسية» على فعيلة ، لأنها أبلغ في ذم القوم من قاسية " وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله فعيلة من القسوة، كما قيل: نفس زكية وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة؛ لأن الله جل ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقهم وكفرهم به، ولم يصفهم بشيء من الإيمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش " 08P251

Bagian V08/P250–V08/P252

[المائدة: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {يحرفون الكلم عن مواضعه} [المائدة: 13] يقول عز ذكره: وجعلنا قلوب هؤلاء الذين نقضوا عهودنا من بني إسرائيل قسية، منزوعا منها الخير، مرفوعا منها التوفيق، فلا يؤمنون، ولا يهتدون، فهم لنزع الله عز وجل التوفيق من قلوبهم والإيمان يحرفون كلام ربهم الذي أنزله على نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم، وهو التوراة ، فيبدلونه ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله جل وعز على نبيهم ويقولون لجهال الناس: هذا هو كلام الله الذي أنزله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم والتوراة التي أوحاها إليه. وهذا من صفة القرون التي كانت بعد موسى من اليهود ممن أدرك بعضهم عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عز ذكره أدخلهم في عداد الذين ابتدأ الخبر عنهم ممن أدرك موسى منهم، إذ كانوا من أبنائهم وعلى منهاجهم في الكذب على الله والفرية عليه ونقض المواثيق التي أخذها عليهم في التوراة. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {يحرفون الكلم عن مواضعه} [النساء: 46] يعني: " حدود الله في التوراة، ويقولون: إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه ، وإن خالفكم فاحذروا " 08P251 [المائدة: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {ونسوا حظا مما ذكروا به} [المائدة: 13] يعني تعالى ذكره بقوله: {ونسوا حظا} [المائدة: 13] وتركوا نصيبا، وهو كقوله: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] أي " تركوا أمر الله فتركهم الله؛ وقد مضى بيان ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فأغنى ذلك عن إعادته. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ونسوا حظا مما ذكروا به} [المائدة: 13] يقول: «تركوا نصيبا» حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، في قوله: {ونسوا حظا مما ذكروا به} [المائدة: 13] قال: «تركوا عرى دينهم ووظائف الله جل ثناؤه التي لا تقبل الأعمال إلا بها» 08P252 [المائدة: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم} [المائدة: 13] يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تزال يا محمد تطلع من اليهود الذين أنبأتك نبأهم من نقضهم ميثاقي، ونكثهم عهدي، مع أيادي عندهم، ونعمتي عليهم، على مثل ذلك من الغدر والخيانة، إلا قليلا منهم. 08P253 والخائنة في هذا الموضع: الخيانة، وهو اسم وضع موضع المصدر، كما قيل خاطئة: للخطيئة، وقائلة: للقيلولة. وقوله: {إلا قليلا منهم} [البقرة: 246] استثناء من الهاء والميم اللتين في قوله: {على خائنة منهم} [المائدة: 13] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} [المائدة: 13] قال: «على خيانة وكذب وفجور» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} [المائدة: 13] قال: «هم يهود مثل الذي هموا به من النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل حائطهم» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد وعكرمة: قوله: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} [المائدة: 13] من يهود، مثل 08P254 الذي هموا بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل عليهم " وقال بعض القائلين: معنى ذلك: ولا تزال تطلع على خائن منهم، قال: والعرب تزيد الهاء في آخر المذكر كقولهم: هو راوية للشعر، ورجل علامة، وأنشد: [+البحر الكامل] حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مغل الأصبع فقال: خائنة، وهو يخاطب رجلاوالصواب من التأويل في ذلك القول الذي رويناه عن أهل التأويل، لأن الله عنى بهذه الآية القوم من يهود بني النضير الذين هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إذ أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية العامريين، فأطلعه الله عز ذكره على ما قد هموا به. ثم قال جل ثناؤه بعد تعريفه أخبار أوائلهم وإعلامه منهج أسلافهم وأن آخرهم على منهاج أولهم في الغدر والخيانة، لئلا يكبر فعلهم ذلك على نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال جل ثناؤه: ولا تزال تطلع من اليهود على خيانة وغدر ونقض عهد. ولم يرد أنه لا يزال يطلع على رجل منهم خائن، وذلك أن الخبر ابتدئ به عن جماعتهم، فقيل: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم}، ثم قيل: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم} [المائدة: 13] فإذ كان الابتداء عن الجماعة فلتختم بالجماعة أولى 08P253

Bagian V08/P252

[المائدة: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين} [المائدة: 13] 08P255 وهذا أمر من الله عز ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالعفو عن هؤلاء القوم الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود، يقول الله جل وعز له: اعف يا محمد عن هؤلاء اليهود الذين هموا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جرمهم بترك التعرض لمكروههم، فإني أحب من أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه وكان قتادة يقول: " هذه منسوخة ، ويقول: نسختها آية براءة: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] الآية حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فاعف عنهم واصفح} [المائدة: 13] قال: " نسختها: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} [التوبة: 29] " حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا همام، عن قتادة: {فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين} [المائدة: 13] ولم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمره الله عز ذكره أن يعفو عنهم ويصفح، ثم نسخ ذلك في براءة فقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] وهم أهل الكتاب. فأمر الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتلهم حتى يسلموا، أو يقروا بالجزية " حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: قرأت على ابن أبي 08P256 عروبة، عن قتادة نحوه. والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانه، غير أن الناسخ الذي لا شك فيه من الأمر، هو ما كان نافيا كل معاني خلافه الذي كان قبله. فأما ما كان غير ناف جميعه، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا بخبر من الله جل وعز، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم. وليس في قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] دلالة على الأمر بنفي معاني الصفح والعفو عن اليهود. وإذ كان ذلك كذلك، وكان جائزا مع إقرارهم بالصغار وأدائهم الجزية بعد القتال، الأمر بالعفو عنهم في غدرة هموا بها أو نكثة عزموا عليها، ما لم ينصبوا حربا دون أداء الجزية ، ويمتنعوا من الأحكام اللازمة منهم، لم يكن واجبا أن يحكم لقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] الآية، بأنه ناسخ قوله: {فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين} [المائدة: 13] 08P255 [المائدة: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} [المائدة: 14] يقول عز ذكره: وأخذنا من النصارى الميثاق على طاعتي وأداء فرائضي واتباع رسلي والتصديق بهم، فسلكوا في ميثاقي الذي أخذته عليهم منهاج الأمة الضالة من اليهود، فبدلوا كذلك دينهم ونقضوا نقضهم وتركوا حظهم من ميثاقي الذي أخذته عليهم بالوفاء بعهدي وضيعوا أمري. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ومن 08P257 الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به} [المائدة: 14] نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهد الله الذي عهده إليهم، وأمر الله الذي أمرهم به " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «قالت النصارى مثل ما قالت اليهود، ونسوا حظا مما ذكروا به» 08P257

Bagian V08/P252–V08/P260

[المائدة: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [المائدة: 14] يعني تعالى ذكره بقوله: {فأغرينا بينهم} [المائدة: 14] حرشنا بينهم وألقينا، كما تغري الشيء بالشيء. يقول جل ثناؤه: لما ترك هؤلاء النصارى الذين أخذت ميثاقهم بالوفاء بعهدي حظهم، مما عهدت إليهم من أمري ونهيي، أغريت بينهم العداوة والبغضاء. ثم اختلف أهل التأويل في صفة إغراء الله بينهم العداوة والبغضاء، فقال بعضهم: كان إغراؤه بينهم بالأهواء التي حدثت بينهم ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي، في قوله: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} [المائدة: 14] قال: «هذه الأهواء المختلفة، والتباغض فهو الإغراء» حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب ، قال: سمعت النخعي يقول: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} [المائدة: 14] قال: «أغرى بعضهم ببعض بخصومات بالجدال في الدين» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم النخعي، والتيمي، قوله: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} [المائدة: 14] قال: " ما أرى الإغراء في هذه الآية إلا الأهواء المختلفة. وقال معاوية بن قرة: الخصومات في الدين تحبط الأعمال " وقال آخرون: بل ذلك هو العداوة التي بينهم والبغضاء ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [المائدة: 14] الآية. إن القوم لما تركوا كتاب الله، وعصوا رسله، وضيعوا فرائضه ، وعطلوا حدوده، ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة بأعمالهم أعمال السوء، ولو أخذ القوم كتاب الله وأمره، ما افترقوا ولا تباغضوا " 08P259 وأولى التأويلين في ذلك عندنا بالحق، تأويل من قال: أغرى بينهم بالأهواء التي حدثت بينهم، كما قال إبراهيم النخعي؛ لأن عداوة النصارى بينهم، إنما هي باختلافهم في قولهم في المسيح، وذلك أهواء لا وحي من الله. واختلف أهل التأويل في المعني بالهاء والميم اللتين في قوله: {فأغرينا بينهم} [المائدة: 14] فقال بعضهم: عني بذلك: اليهود والنصارى. فمعنى الكلام على قولهم وتأويلهم: فأغرينا بين اليهود والنصارى، لنسيانهم حظا مما ذكروا به ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، وقال: ثنا أسباط، عن السدي: قال في النصارى أيضا: {فنسوا حظا} [المائدة: 14] مما ذكروا به، فلما فعلوا ذلك أغرى الله عز وجل بينهم وبين اليهود العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [المائدة: 14] قال: " هم اليهود والنصارى. قال ابن زيد: كما تغري بين اثنين من البهائم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} [المائدة: 14] قال: «اليهود والنصارى» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة ، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 08P260 مجاهد، مثله حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال: هم اليهود والنصارى، أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " وقال آخرون: بل عنى الله بذلك: النصارى وحدها. وقالوا: معنى ذلك : فأغرينا بين النصارى عقوبة لها بنسيانها حظا مما ذكرت به. قالوا: وعليها عادت الهاء والميم في بينهم دون اليهود ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: إن الله عز ذكره تقدم إلى بني إسرائيل أن لا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وعلموا الحكمة ولا تأخذوا عليها أجرا.

Pertanyaan