Taberî — Câmiü'l-Beyân
[المائدة: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45] يقول تعالى ذكره: ومن لم يحكم بما أنزل الله في التوراة من قود النفس القاتلة قصاصا بالنفس المقتولة ظلما. ولم يفقأ عين الفاقئ بعين المفقوءة ظلما قصاصا ممن أمره الله به بذلك في كتابه ، ولكن أقاد من بعض ولم يقد من بعض، أو قتل في بعض اثنين بواحد، وإن من يفعل ذلك من الظالمين، يعني ممن جار على حكم الله ووضع فعله ما فعل من ذلك في غير موضعه الذي جعله الله له موضعا 08P482 [المائدة: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين} [المائدة: 46] يعني تعالى ذكره بقوله: {وقفينا على آثارهم} [المائدة: 46] أتبعنا، يقول: أتبعنا عيسى ابن مريم على آثار النبيين الذين أسلموا من قبلك يا محمد، فبعثناه نبيا مصدقا لكتابنا الذي أنزلناه إلى موسى من قبله أنه حق وأن العمل بما لم ينسخه الإنجيل منه فرض واجب {وآتيناه الإنجيل} [المائدة: 46] يقول: وأنزلنا إليه كتابنا الذي اسمه الإنجيل {فيه هدى ونور} [المائدة: 46] يقول: " في الإنجيل هدى، وهو بيان ما جهله الناس من حكم الله في زمانه {ونور} [المائدة: 44] يقول: وضياء من عمى الجهالة {ومصدقا لما بين يديه} [المائدة: 46] يقول: أوحينا إليه ذلك، وأنزلناه إليه بتصديق ما كان قبله من كتب الله التي كان أنزلها على كل أمة أنزل إلى نبيها كتاب للعمل بما أنزل إلى نبيهم في ذلك الكتاب من تحليل ما حلل وتحريم ما حرم {وهدى وموعظة} [آل عمران: 138] يقول: أنزلنا الإنجيل إلى عيسى مصدقا للكتب التي قبله، وبيانا لحكم الله الذي ارتضاه لعباده المتقين في زمان عيسى وموعظة لهم، يقول: وزجرا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال ، وتنبيها لهم عليه. والمتقون: هم الذين خافوا الله وحذروا عقابه، فاتقوه بطاعته فيما أمرهم وحذروه بترك ما نهاهم عن فعله، وقد مضى البيان عن ذلك بشواهده قبل فأغنى ذلك عن إعادته 08P483 [المائدة: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47] اختلفت القراء في قراءة قوله: {وليحكم أهل الإنجيل} [المائدة: 47] فقرأ قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: {وليحكم} [المائدة: 47] بتسكين اللام على وجه الأمر من الله لأهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه من أحكامه. وكأن من قرأ ذلك كذلك أراد: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه. فيكون في الكلام محذوف ترك استغناء بما ذكر عما حذف. وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: «وليحكم أهل الإنجيل» بكسر اللام من ليحكم، بمعنى: كي يحكم أهل الإنجيل. وكأن معنى من قرأ ذلك كذلك: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وكي يحكم أهله بما فيه من حكم الله. والذي يتراءى في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأي ذلك قرأ قارئ فمصيب فيه الصواب؛ وذلك أن الله تعالى لم ينزل كتابا على نبي من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أمروا بالعمل بما فيه، ولم ينزله عليهم إلا وقد أمرهم بالعمل بما فيه ، فللعمل بما فيه أنزله، وأمر بالعمل بما فيه أهله. فكذلك الإنجيل، إذ كان من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، فللعمل بما فيه أنزله على عيسى ، وأمر بالعمل به أهله. فسواء قرئ على وجه الأمر بتسكين اللام أو قرئ على وجه الخبر بكسرها لاتفاق معنييهما. وأما ما ذكر عن أبي بن كعب من قراءته ذلك: «وأن احكم» على وجه الأمر، فذلك مما لم يصح به النقل عنه، ولو صح أيضا لم يكن في ذلك ما يوجب أن تكون القراءة بخلافه محظورة، إذ كان معناها صحيحا ، وكان المتقدمون من أئمة القراء قد قرءوا بها. وإذا كان الأمر في ذلك ما بينا، فتأويل الكلام إذا قرئ بكسر اللام من ليحكم: وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل، فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وهدى وموعظة للمتقين، وكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزلنا فيه؛ فبدلوا حكمه وخالفوه ، فضلوا بخلافهم إياه، إذ لم يحكموا بما أنزل الله فيه وخالفوه. {فأولئك هم الفاسقون} [آل عمران: 82] يعني: " الخارجين عن أمر الله فيه، المخالفين له فيما أمرهم ونهاهم في كتابه. فأما إذا قرئ بتسكين اللام، فتأويله: وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل ، فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزلنا فيه، فلم يطيعونا في أمرنا إياهم بما أمرناهم به فيه، ولكنهم خالفوا أمرنا، فالذين خالفوا أمرنا الذي أمرناهم به فيه هم الفاسقون. وكان ابن زيد يقول: الفاسقون في هذا الموضع وفي غيره: هم الكاذبون حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47] قال: " ومن لم يحكم من أهل الإنجيل أيضا بذلك، فأولئك هم الفاسقون؛ قال: الكاذبون بهذا. قال: وقال ابن زيد: كل شيء في القرآن إلا قليلا فاسق فهو كاذب ؛ وقرأ قول الله: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} [الحجرات: 6] قال: " الفاسق ههنا: كاذب " وقد بينا معنى الفسق بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 08P485
[المائدة: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} [المائدة: 48] وهذا خطاب من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى ذكره : {وأنزلنا إليك} [المائدة: 48] يا محمد {الكتاب} [البقرة: 2] وهو القرآن الذي أنزله عليه. ويعني بقوله: {بالحق} [البقرة: 71] بالصدق، ولا كذب فيه ، ولا شك أنه من عند الله {مصدقا لما بين يديه من الكتاب} [المائدة: 48] يقول: " أنزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التي أنزلها إلى أنبيائه {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] يقول: " أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك يا محمد مصدقا للكتب قبله، وشهيدا عليها أنها حق من عند الله، أمينا عليها ، حافظا لها. وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلان عليه، فهو يهيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. إلا أنهم اختلفت عباراتهم عنه، فقال بعضهم: معناه: شهيدا ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] يقول: «شهيدا» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] قال: «شهيدا عليه» حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب} [المائدة: 48] يقول: " الكتب 08P487 التي خلت قبله {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] أمينا وشاهدا على الكتب التي خلت قبله " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] مؤتمنا على القرآن وشاهدا ومصدقا وقال ابن جريج وآخرون: القرآن أمين على الكتب فيما إذ أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمر إن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا وقال بعضهم: معناه: أمين عليه ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنا هناد بن السري، قال: ثنا وكيع، جميعا، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي ، عن ابن عباس: {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] قال: «مؤتمنا عليه» حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] قال: «مؤتمنا عليه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله 08P488 حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق بإسناده ، عن ابن عباس، مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله حدثنا ابن حميد ، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس ، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبي إسحاق ، عن رجل من تميم، عن ابن عباس، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] قال: " والمهيمن: الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب} [المائدة: 48] وهو القرآن، شاهد على التوراة والإنجيل، مصدقا لهما {مهيمنا عليه} [المائدة: 48] يعني: «أمينا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قيس، عن أبي إسحاق ، عن التميمي، عن ابن عباس: {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] قال: «مؤتمنا عليه» حدثنا معاذ بن المثنى، ثنا محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم في الأرض قال: «تمنحها أخاك، خير من أن تأخذ عليها خراجا» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان ، وإسرائيل، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير: {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] قال: «مؤتمنا على ما قبله من الكتب» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن، عن قوله: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] قال: " مصدقا لهذه الكتب وأمينا عليها.
وسئل عنها عكرمة وأنا أسمع، فقال: مؤتمنا عليه " وقال آخرون: معنى المهيمن المصدق ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] قال: «مصدقا عليه. كل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زبور فالقرآن مصدق على ذلك، وكل شيء ذكر الله في القرآن فهو مصدق عليها وعلى ما حدث عنها أنه حق» وقال آخرون: عنى بقوله: {مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] نبي الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمن على القرآن " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ومهيمنا عليه} [المائدة: 48] قال: " محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمن على القرآن فتأويل الكلام على ما تأوله مجاهد: وأنزلنا الكتاب مصدقا الكتب قبله إليك، مهيمنا عليه. فيكون قوله مصدقا حالا من الكتاب وبعضا منه، ويكون التصديق من صفة الكتاب، والمهيمن حالا من الكاف التي في إليك، وهي كناية عن ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، والهاء في قوله: {عليه} [المائدة: 48] عائدة على الكتاب. 08P491 وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أن المهيمن عطف على المصدق، فلا يكون إلا من صفة ما كان المصدق صفة له، ولو كان معنى الكلام ما روي عن مجاهد لقيل: وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه؛ لأنه متقدم من صفة الكاف التي في إليك، وليس بعدها شيء يكون مهيمنا عليه عطفا عليه، وإنما عطف به على المصدق، لأنه من صفة الكتاب الذي من صفته المصدق. فإن ظن ظان أن المصدق على قول مجاهد وتأويله هذا من صفة الكاف التي في إليك، فإن قوله: {لما بين يديه من الكتاب} [المائدة: 48] يبطل أن يكون تأويل ذلك كذلك، وأن يكون المصدق من صفة الكاف التي في إليك، لأن الهاء في قوله: {بين يديه} [المائدة: 48] كناية اسم غير المخاطب، وهو النبي صلى الله عليه وسلم في قوله إليك، ولو كان المصدق من صفة الكاف لكان الكلام: وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا لما بين يديك من الكتاب ومهيمنا عليه، فيكون معنى الكلام حينئذ كذلك 08P490
[المائدة: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} [المائدة: 48] وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهل الملل، بكتابه الذي أنزله إليه، وهو القرآن الذي خصه بشريعته. يقول تعالى ذكره: احكم يا محمد بين أهل الكتاب والمشركين بما أنزل إليك من كتابي وأحكامي، في كل ما احتكموا فيه إليك من الحدود والجروح والقود والنفوس، فارجم الزاني المحصن، واقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة ظلما، وافقأ العين بالعين، واجدع الأنف بالأنف، فإني أنزلت إليك القرآن مصدقا في ذلك ما بين يديه من الكتب، ومهيمنا عليه، رقيبا يقضي على ما قبله من سائر الكتب قبله. ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود، الذين يقولون: إن أوتيتم الجلد في الزاني المحصن دون الرجم، وقتل الوضيع بالشريف إذا قتله، وترك قتل الشريف بالوضيع إذا قتله، فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا، عن الذي جاءك من عند الله من الحق، وهو كتاب الله الذي أنزله إليك. يقول له: اعمل بكتابي الذي أنزلته إليك إذا احتكموا إليك، فاختر الحكم عليهم، ولا تتركن العمل بذلك اتباعا منك أهواءهم وإيثارا لها على الحق الذي أنزلته إليك في كتابي. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فاحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 48] يقول: " بحدود الله {ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} [المائدة: 48] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن عامر، عن مسروق: أنه كان يحلف اليهودي والنصراني بالله؛ ثم قرأ: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] وأنزل الله: {ألا تشركوا به شيئا} [الأنعام: 151] " 08P492
[المائدة: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] يقول تعالى ذكره: لكل قوم منكم جعلنا شرعة. والشرعة: هي الشريعة بعينها، تجمع الشرعة شراعا، والشريعة شرائع، ولو جمعت الشرعة شرائع كان صوابا، لأن معناها ومعنى الشريعة واحد، فيردها عند الجمع إلى لفظ نظيرها. وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة، ومن ذلك قيل لشريعة الماء: شريعة، لأنه يشرع منها إلى الماء، ومنه سميت شرائع الإسلام شرائع ، لشروع أهله فيه، ومنه قيل للقوم إذا تساووا في الشيء: هم شرع سواء. وأما المنهاج، فإن أصله: الطريق البين الواضح، يقال منه: هو طريق نهج ومنهج بين، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] من يك في شك فهذا فلج ماء رواء وطريق نهج ثم يستعمل في كل شيء كان بينا واضحا يعمل به. ثم اختلف أهل التأويل في المعني بقوله: {لكل جعلنا منكم} [المائدة: 48] فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الملل المختلفة، أي أن الله جعل لكل ملة شريعة ومنهاجا ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لكل 08P494 جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] يقول سبيلا وسنة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء بلاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به الرسل " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] قال: «الدين واحد، والشريعة مختلفة» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي، قال: الإيمان منذ بعث الله تعالى ذكره آدم صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله ، والإقرار بما جاء من عند الله، لكل قوم ما جاءهم من شرعة أو منهاج، فلا يكون المقر تاركا ولكنه مطيع " وقال آخرون: بل عنى بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقالوا: إنما معنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أيها الناس لكلكم: أي لكل من دخل في الإسلام وأقر بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لي نبي، شرعة ومنهاجا. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] قال: " سنة {ومنهاجا} [المائدة: 48] السبيل 08P495 لكلكم، من دخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجا، يقول: القرآن هو له شرعة ومنهاج وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: لكل أهل ملة منكم أيها الأمم جعلنا شرعة ومنهاجا، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لقوله: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} [المائدة: 48] ولو كان عنى بقوله: {لكل جعلنا منكم} [المائدة: 48] أمة محمد وهم أمة واحدة، لم يكن لقوله: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} [المائدة: 48] وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة معنى مفهوم، ولكن معنى ذلك على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدم إليهم بالعمل بما فيها. ثم ذكر أنه قفى بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنزل عليه الإنجيل، وأمر من بعثه إليه بالعمل بما فيه.
ثم ذكر نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنزل إليه الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعة غير شرائع الأنبياء والأمم قبله الذين قص عليهم قصصهم، وإن كان دينه ودينهم في توحيد الله والإقرار بما جاءهم به من عنده والانتهاء إلى أمره ونهيه واحدا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكل واحد منهم ، ولأمته فيما أحل لهم وحرم عليهم. وبنحو الذي قلنا في الشرعة والمنهاج من التأويل قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا مسعر، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] قال: «سنة وسبيلا» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] قال: «سنة وسبيلا» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل وأبيه ، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله حدثنا هناد، قال: ثنا أبو يحيى الرازي، عن أبي شيبان، عن أبي إسحاق ، عن يحيى بن وثاب، قال: سألت ابن عباس عن قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] قال: «سنة وسبيلا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق ، عن التميمي، عن ابن عباس: {شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] قال: «سنة وسبيلا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس ، بمثله ". 08P497 حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي ، عن ابن عباس، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] يعني: «سبيلا وسنة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، قال: سمعت الحسن، يقول: " الشرعة: السنة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، قال: «سنة وسبيلا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: {شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] قال: " الشرعة: السنة، ومنهاجا، قال: السبيل " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] يقول: «سبيلا وسنة» 08P498 حدثني المثنى، قال: ثنا الحوضي، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو إسحاق ، قال: سمعت رجلا من بني تميم، عن ابن عباس بنحوه حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] يقول: «سبيلا وسنة» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «السنة والسبيل» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] يقول: «سبيلا وسنة» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرني عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] قال: «سبيلا وسنة» 08P498
[المائدة: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم} [المائدة: 48] يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربكم لجعل شرائعكم واحدة، ولم يجعل لكل أمة شريعة ومنهاجا غير شرائع الأمم الآخر ومنهاجهم، فكنتم تكونون أمة واحدة، لا تختلف شرائعكم ومنهاجكم. ولكنه تعالى ذكره يعلم ذلك، فخالف بين 08P499 شرائعكم ليختبركم فيعرف المطيع منكم من العاصي والعامل بما أمره في الكتاب الذي أنزله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم من المخالف. والابتلاء: هو الاختيار، وقد ثبت ذلك بشواهده فيما مضى قبل. وقوله {فيما آتاكم} يعني: " فيما أنزل عليكم من الكتب. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ولكن ليبلوكم فيما آتاكم} قال عبد الله بن كثير: لا أعلمه إلا قال: ليبلوكم فيما آتاكم من الكتب " فإن قال قائل: وكيف قال: ليبلوكم فيما آتاكم، ومن المخاطب بذلك، وقد ذكرت أن المعنى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا لكل نبي مع الأنبياء الذين مضوا قبله وأممهم الذين قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ، والمخاطب النبي وحده؟ قيل: إن الخطاب وإن كان لنبينا صلى الله عليه وسلم ، فإنه قد أريد به الخبر عن الأنبياء قبله وأممهم، ولكن العرب من شأنها إذا خاطبت إنسانا وضمت إليه غائبا فأرادت الخبر عنه أن تغلب المخاطب فيخرج الخبر عنهما على وجه الخطاب، فلذلك قال تعالى ذكره: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] 08P499 [المائدة: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} [المائدة: 48] يقول تعالى ذكره: فبادروا أيها الناس، إلى الصالحات من الأعمال والقرب إلى ربكم بإدمان العمل بما في كتابكم الذي أنزله إلى نبيكم، فإنه إنما أنزله امتحانا لكم وابتلاء ، ليتبين المحسن منكم من المسيء، فيجازي جميعكم على عمله جزاءه عند مصيركم إليه، فإن مصيركم إليه جميعا، فيخبر كل فريق منكم بما كان يخالف فيه الفرق الأخرى، فيفصل بينهم بفصل القضاء، ويبين المحق بمجازاته إياه بجناته من المسيء بعقابه إياه بالنار، فيتبين حينئذ كل حزب عيانا، المحق منهم من المبطل. فإن قال قائل: أو لم ينبئنا ربنا في الدنيا قبل مرجعنا إليه ما نحن فيه مختلفون ؟ قيل: إنه بين ذلك في الدنيا بالرسل والأدلة والحجج، دون الثواب والعقاب عيانا، فمصدق بذلك ومكذب. وأما عند المرجع إليه، فإنه ينبئهم بذلك بالمجازاة التي لا يشكون معها في معرفة المحق والمبطل، ولا يقدرون على إدخال اللبس معها على أنفسهم، فكذلك خبره تعالى ذكره أنه ينبئنا عند المرجع إليه بما كنا فيه نختلف في الدنيا. وإنما معنى ذلك: إلى الله مرجعكم جميعا، فتعرفون المحق حينئذ من المبطل منكم. كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن أبي سنان قال: سمعت الضحاك يقول: {فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا} [المائدة: 48] قال: «أمة محمد صلى الله عليه وسلم البر والفاجر» 08P500
[المائدة: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون} [المائدة: 49] يعني تعالى ذكره بقوله: وأن احكم بينهم بما أنزل الله: وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب، مصدقا لما بين يديه من الكتاب، وأن احكم بينهم فأن في موضع نصب بالتنزيل، ويعني بقوله: {بما أنزل الله} [البقرة: 90] بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه. وأما قوله: {ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 48] فإنه نهي من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهواء اليهود الذين احتكموا إليه في قتيلهم وفاجريهم، وأمر منه له بلزوم العمل بكتابه الذي أنزله إليه. وقوله: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49] يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: واحذر يا محمد هؤلاء اليهود الذين جاءوك محتكمين إليك أن يفتنوك، فيصدوك عن بعض ما أنزل الله إليك من حكم كتابه، فيحملوك على ترك العمل به واتباع أهوائهم. وقوله: {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} [المائدة: 49] يقول تعالى ذكره: فإن تولى هؤلاء اليهود الذين اختصموا إليك عنك، فتركوا العمل بما حكمت به عليهم، وقضيت فيهم، فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، يقول: فاعلم أنهم لم يتولوا عن الرضا بحكمك وقد قضيت بالحق إلا من أجل أن الله يريد أن يتعجل عقوبتهم في عاجل الدنيا ببعض ما قد سلف من ذنوبهم {وإن كثيرا من الناس لفاسقون} [المائدة: 49] يقول: " وإن كثيرا من اليهود لفاسقون، يقول: لتاركو العمل بكتاب الله، ولخارجون عن طاعته إلى معصيته. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الرواية عن أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال كعب بن أسد وابن صوريا وشأس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك ، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله فيهم: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49] إلى قوله: {لقوم يوقنون} [البقرة: 118] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49] قال: " أن يقولوا في التوراة كذا، وقد بينا لك ما في التوراة. وقرأ: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} [المائدة: 45] بعضها ببعض " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: " دخل المجوس مع أهل الكتاب في هذه الآية: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] " 08P502
[المائدة: 50] القول في تأويل قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة: 50] يقول تعالى ذكره: أيبغي هؤلاء اليهود الذين احتكموا إليك فلم يرضوا بحكمك، وقد حكمت فيهم بالقسط حكم الجاهلية، يعني أحكام عبدة الأوثان من أهل الشرك، وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم الذي حكمت به فيهم، وإنه الحق الذي لا يجوز خلافه. ثم قال تعالى ذكره موبخا لهؤلاء الذين أبوا قبول حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ولهم من اليهود، ومستجهلا فعلهم ذلك منهم: ومن هذا الذي هو أحسن حكما أيها اليهود من الله تعالى ذكره عند من كان يوقن بوحدانية الله ويقر بربوبيته، يقول تعالى ذكره: أي حكم أحسن من حكم الله إن كنتم موقنين أن لكم ربا وكنتم أهل توحيد وإقرار به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة: 50] قال: «يهود» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة: 50] يهود " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا شيخ، عن مجاهد: {أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة: 50] قال: «يهود» 08P503
[المائدة: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [المائدة: 51] اختلف أهل التأويل في المعني بهذه الآية وإن كان مأمورا بذلك جميع المؤمنين، فقال بعضهم: عنى بذلك: عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول في براءة عبادة من حلف اليهود ، وفي تمسك عبد الله بن أبي ابن سلول بحلف اليهود بعد ما ظهرت عداوتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وأخبره الله أنه إذا تولاهم وتمسك بحلفهم أنه منهم في براءته من الله ورسوله كبراءتهم منهما ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي ، عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحرث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي: «يا أباالحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه» قال: قد قبلت. فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} [المائدة: 51] إلى قوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض} [المائدة: 52] " حدثنا هناد، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثني عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، قال: لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال مالك بن صيف: غركم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أسررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا، فقال عبادة: يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم كثيرا سلاحهم شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاء يهود، إني رجل لا بد لي منهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا حباب، أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود على عبادة ، فهو لك دونه» قال: إذن أقبل. فأنزل الله تعالى ذكره: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} [المائدة: 51] إلى أن بلغ إلى قوله: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] " حدثنا هناد، قال: ثنا يونس، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي، وقام دونهم. ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد بني عوف بن الخزرج من له حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم ، وقال: يا رسول الله أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم.
ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} [المائدة: 51] الآية ، وقال آخرون: بل عني بذلك قوم من المؤمنين كانوا هموا حين نالهم بأحد من أعدائهم من المشركين ما نالهم أن يأخذوا من اليهود عصما، فنهاهم الله عن ذلك، وأعلمهم أن من فعل ذلك منهم فهو منهم " ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] قال: " لما كانت وقعة أحد، اشتد على طائفة من الناس وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار ، فقال رجل لصاحبه: أما أنا فألحق بدهلك اليهودي فآخذ منه أمانا وأتهود معه ، فإني أخاف أن تدال علينا اليهود. وقال الآخر: أما أنا فألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام فآخذ منه أمانا وأنتصر معه. فأنزل الله تعالى ذكره ينهاهما: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [المائدة: 51] " وقال آخرون: بل عني بذلك أبو لبابة بن عبد المنذر في إعلامه بني قريظة إذ رضوا بحكم سعد أنه الذبح ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة بن عبد المنذر من الأوس، وهو من بني عمرو بن عوف، فبعثه إلى قريظة حين نقضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حلقه: الذبح الذبح " والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرا وحليفا ووليا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان. وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول وحلفائهما من اليهود، ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة، ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرجلين اللذين ذكر السدي أن أحدهما هم باللحاق بدهلك اليهودي والآخر بنصراني بالشأم، ولم يصح من هذه الأقوال الثلاثة خبر يثبت بمثله حجة فيسلم لصحته القول بأنه كما قيل. فإذ كان ذلك كذلك فالصواب أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عم، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه؛ غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهود أو نصارى، خوفا على نفسه من دوائر الدهر ، لأن الآية التي بعد هذه تدل على ذلك، وذلك قوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} [المائدة: 52] الآية. وأما قوله: {بعضهم أولياء بعض} [المائدة: 51] فإنه عنى بذلك أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم، وأن النصارى كذلك بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم، معرفا بذلك عباده المؤمنين أن من كان لهم أو لبعضهم وليا فإنما هو وليهم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حرب، فقال تعالى ذكره للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضا بعضكم أولياء بعض، ولليهودي والنصراني حربا كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولياء؛ لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحرب ومنهم البراءة، وأبان قطع ولايتهم 08P508
[المائدة: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] يعني تعالى ذكره بقوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه، ولذلك حكم من حكم من أهل العلم لنصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم بأحكام نصارى بني إسرائيل ، لموالاتهم إياهم ورضاهم بملتهم ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقا. وفي ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما نقول، من أن كل من كان يدين بدين فله حكم أهل ذلك الدين كانت دينونته به قبل مجيء الإسلام أو بعده، إلا أن يكون مسلما من أهل ديننا انتقل إلى ملة غيرها، فإنه لا يقر على ما دان به فانتقل إليه، ولكن يقتل لردته عن الإسلام ومفارقته دين الحق، إلا أن يرجع قبل القتل إلى الدين الحق، وفساد ما خالفه من قول من زعم أنه لا يحكم بحكم أهل الكتابين لمن دان بدينهم، إلا أن يكون إسرائيليا أو منتقلا إلى دينهم من غيرهم قبل نزول الفرقان. فأما من دان بدينهم بعد نزول الفرقان ممن لم يكن منهم ممن خالف نسبه نسبهم وجنسه جنسهم، فإنه حكمه لحكمهم مخالف ذكر من قال بما قلنا من التأويل: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب، فقرأ: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] أنها في الذبائح، من دخل في دين قوم فهو منهم " حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوجوا من نسائهم ، فإن الله يقول في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] ولو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام، قال: 08P510 كان الحسن لا يرى بذبائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأسا، وكان يتلو هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن هارون بن إبراهيم، قال: سئل ابن سيرين عن رجل، يبيع داره من نصارى يتخذونها بيعة ، قال: فتلا هذه الآية: {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} [المائدة: 51] 08P510 [المائدة: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [المائدة: 51] يعني تعالى ذكره بذلك، أن الله لا يوفق من وضع الولاية في غير موضعها فوالى اليهود والنصارى مع عداوتهم الله ورسوله والمؤمنين على المؤمنين، وكان لهم ظهيرا ونصيرا، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حرب. وقد بينا معنى الظلم في غير هذا الموضع وأنه وضع الشيء في غير موضعه بما أغنى عن إعادته 08P510
[المائدة: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة: 52] اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها عبد الله بن أبي ابن سلول ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي ، عن عطية بن سعد: {فترى الذين في قلوبهم مرض} [المائدة: 52] عبد الله بن أبي {يسارعون فيهم} [المائدة: 52] 08P511 في ولايتهم {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} [المائدة: 52] إلى آخر الآية {فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة: 52] " حدثنا هناد، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: {فترى الذين في قلوبهم مرض} [المائدة: 52] يعني: " عبد الله بن أبي {يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} [المائدة: 52] لقوله: إني أخشى دائرة تصيبني " وقال آخرون: بل عني بذلك قوم من المنافقين كانوا يناصحون اليهود ويغشون المؤمنين ويقولون: نخشى أن تكون دائرة لليهود على المؤمنين ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم} [المائدة: 52] قال: " المنافقون في مصانعة يهود ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادهم إياهم. وقول الله تعالى ذكره: {نخشى أن تصيبنا دائرة} [المائدة: 52] قال: " يقول: نخشى أن تكون الدائرة لليهود " 08P512 حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض} [المائدة: 52] إلى قوله: {نادمين} [المائدة: 52] أناس من المنافقين كانوا يودون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فترى الذين في قلوبهم مرض} [المائدة: 52] قال: " شك {يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} [المائدة: 52] والدائرة: ظهور المشركين عليهم " والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى، ويغشون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر، إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان أو غيرهم على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلة، فيكون بنا إليهم حاجة. وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين. فتأويل الكلام إذن: فترى يا محمد الذين في قلوبهم مرض وشك إيمان بنبوتك، وتصديق ما جئتهم به من عند ربك {يسارعون فيهم} [المائدة: 52] يعني في اليهود والنصارى. ويعني بمسارعتهم فيهم: مسارعتهم في موالاتهم ومصانعتهم {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} [المائدة: 52] يقول هؤلاء المنافقون: إنما نسارع في موالاة 08P513 هؤلاء اليهود والنصارى خوفا من دائرة تدور علينا من عدونا. ويعني بالدائرة: الدولة، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] ترد عنك القدر المقدورا ودائرات الدهر أن تدورا يعني: أن تدول للدهر دولة فنحتاج إلى نصرتهم إيانا، فنحن نواليهم لذلك. فقال الله تعالى ذكره لهم: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة: 52] 08P512
[المائدة: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة: 52] يعني تعالى ذكره بقوله: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده} [المائدة: 52] فلعل الله أن يأتي بالفتح. ثم اختلفوا في تأويل الفتح في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى به ههنا القضاء ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فعسى الله أن يأتي، بالفتح} [المائدة: 52] قال: «بالقضاء» وقال آخرون: عني به فتح مكة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فعسى الله أن يأتي، بالفتح} [المائدة: 52] قال: «فتح مكة» والفتح في كلام العرب: هو القضاء كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} [الأعراف: 89] وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعد الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: {فعسى الله أن يأتي بالفتح} [المائدة: 52] فتح مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاء الله وفصل حكمه بين أهل الإيمان والكفر، ويقرر عند أهل الكفر والنفاق أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين. وأما قوله: {أو أمر من عنده} [المائدة: 52] فإن السدي كان يقول في ذلك ما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {أو أمر من عنده} [المائدة: 52] قال: " الأمر: الجزية " وقد يحتمل أن يكون الأمر الذي وعد الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يأتي به ، هو الجزية، ويحتمل أن يكون غيرها. غير أنه أي ذلك كان فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرهم؛ وذلك أن الله تعالى قد أخبر عنهم أن ذلك الأمر إذا جاء أصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين. وأما قوله: {فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة: 52] فإنه يعني: هؤلاء المنافقين الذين يوالون اليهود والنصارى ، يقول تعالى ذكره: لعل الله أن يأتي 08P515 بأمر من عنده يديل به المؤمنين على الكافرين اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسروا في أنفسهم من مخالة اليهود والنصارى ومودتهم وبغضة المؤمنين ومحادتهم نادمين. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة: 52] من موادتهم اليهود، ومن غشهم للإسلام وأهله " 08P515
[المائدة: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين} [المائدة: 53] اختلف القراء في قراءة قوله: {ويقول الذين آمنوا} [المائدة: 53] فقرأتها قراء أهل المدينة: «فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله» بغير واو. وتأويل الكلام على هذه القراءة: فيصبح المنافقون إذا أتى الله بالفتح أو أمر من عنده، على ما أسروا في أنفسهم نادمين، يقول المؤمنين تعجبا منهم ومن نفاقهم وكذبهم واجترائهم على الله في أيمانهم الكاذبة بالله: أهؤلاء الذين أقسموا لنا بالله إنهم لمعنا وهم كاذبون في أيمانهم لنا وهذا المعنى قصد مجاهد في تأويله ذلك الذي: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده} [المائدة: 52] حينئذ ، يقول الذين آمنوا : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد إيمانهم، إنهم لمعكم ، حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين 08P516 كذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة بغير واو وقرأ ذلك بعض البصريين: {ويقول الذين آمنوا} [المائدة: 53] بالواو، ونصب يقول عطفا به على: فعسى الله أن يأتي بالفتح، وذكر قارئ ذلك أنه كان يقول: إنما يريد بذلك: فعسى الله أن يأتي بالفتح، وعسى أن يقول الذين آمنوا. ومحال غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يقال: وعسى الله أن يقول الذين آمنوا، وكان يقول: ذلك نحو قولهم: أكلت خبزا ولبنا، وكقول الشاعر: [+البحر الكامل] ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا فتأويل الكلام على هذه القراءة: فعسى الله أن يأتي بالفتح المؤمنين، أو أمر من عنده يديلهم به على أهل الكفر من أعدائهم، فيصبح المنافقون على ما أسروا في أنفسهم نادمين، وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذ: هؤلاء الذين أقسموا بالله كذبا جهد أيمانهم إنهم لمعكم. وهي في مصاحف أهل العراق بالواو: {ويقول الذين آمنوا} [المائدة: 53] وقرأ ذلك قراء الكوفيين: {ويقول الذين آمنوا} [المائدة: 53] بالواو ورفع يقول بالاستقبال والسلامة من الجوازم والنواصب. وتأويل من قرأ ذلك كذلك: فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم يندمون، ويقول الذين آمنوا؛ فيبتدئ يقول فيرفعها. وقراءتنا التي نحن عليها: {ويقول} [المائدة: 53] بإثبات الواو في: ويقول، لأنها كذلك 08P517 هي في مصاحفنا مصاحف أهل الشرق بالواو، وبرفع يقول على الابتداء. فتأويل الكلام إذ كان القراءة عندنا على ما وصفنا: فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويقول المؤمنون: أهؤلاء الذين حلفوا لنا بالله جهد أيمانهم كذبا إنهم لمعنا. يقول الله تعالى ذكره مخبرا عن حالهم عنده بنفاقهم وخبث أعمالهم: {حبطت أعمالهم} [المائدة: 53] يقول: " ذهبت أعمالهم التي عملوها في الدنيا باطلا لا ثواب لها ولا أجر، لأنهم عملوها على غير يقين منهم بأنها عليهم لله فرض واجب ولا على صحة إيمان بالله ورسوله، وإنما كانوا يعملونها ليدفعوا المؤمنين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم، فأحبط الله أجرها إذ لم تكن له {فأصبحوا خاسرين} [المائدة: 53] يقول: " فأصبح هؤلاء المنافقون عند مجيء أمر الله بإدالة المؤمنين على أهل الكفر قد وكسوا في شرائهم الدنيا بالآخرة، وخابت صفقتهم وهلكوا 08P515
[المائدة: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [المائدة: 54] قول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله: {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 54] أي " صدقوا الله ورسوله ، وأقروا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم {من يرتد منكم عن دينه} [المائدة: 54] يقول: " من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم ، فيبدله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر، فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه؛ يقول: فسوف يجيء الله بدلا منهم المؤمنين الذين لم يبدلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا، بقوم خير من الذين ارتدوا وبدلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله. وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك وعده من وعد من المؤمنين ما وعده في هذه الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه ولا يرتد. فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم ارتد أقوام من أهل الوبر وبعض أهل المدر، فأبدل الله المؤمنين بخير منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب: أن عمر بن عبد العزيز، أرسل إليه يوما وعمر أمير المدينة يومئذ، فقال: يا أبا حمزة، آية أسهرتني البارحة. قال محمد: وما هي أيها الأمير؟ قال: قول الله: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} [المائدة: 54] حتى بلغ: {ولا يخافون لومة لائم} فقال محمد: أيها الأمير، إنما عنى الله بالذين آمنوا: الولاة من قريش، من يرتد عن الحق " ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين وأبدل المؤمنين مكان من ارتد منهم، فقال بعضهم: هو أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الفضل بن دلهم، عن 08P519 الحسن، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] قال: «هذا والله أبو بكر وأصحابه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، مثله حدثنا هناد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن سهل، عن الحسن في قوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] قال: «أبو بكر وأصحابه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين بن علي، عن أبي موسى، قال: قرأ الحسن: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] قال: «هي والله لأبي بكر وأصحابه» حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا أحمد بن بشير، عن هشام، عن الحسن في قوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] قال: «نزلت في أبي بكر وأصحابه» حدثني علي بن سعيد بن مسروق الكندي، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} قال: «هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردهم إلى الإسلام» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] إلى قوله: {والله واسع عليم} [البقرة: 247] أنزل الله هذه الآية، وقد علم أن سيرتد مرتدون من الناس.
فلما قبض الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ، ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة وأهل البحرين من عبد القيس قالوا: نصلي ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا. فكلم أبو بكر في ذلك، فقيل له: إنهم لو قد فقهوا لهذا، أعطوها وزادوها: فقال: لا والله، لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالا مما فرض الله ورسوله، لقاتلناهم عليه. فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم، حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون وهي الزكاة صغرة أقمياء. فأتته وفود العرب، فخيرهم بين خطة مخزية أو حرب مجلية ، فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم، أن يعتدوا أن قتلاهم في النار وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردوه عليهم ، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله 08P521 : {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] قال ابن جريج: ارتدوا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم أبو بكر " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هشام، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} [المائدة: 54] قال: " علم الله المؤمنين، وأوقع معنى السوء على الحشو الذي فيهم من المنافقين ومن في علمه أن يرتدوا، قال: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله} [المائدة: 54] المرتدة عن دينهم بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه " وقال آخرون: يعني بذلك قوما من أهل اليمن. وقال بعض من قال ذلك منهم: هم رهط أبي موسى الأشعري: عبد الله بن قيس ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري، قال: لما نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] قال: " أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال: «هم قوم هذا» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب ، قال: سمعت عياضا يحدث عن أبي موسى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] قال: «يعني قوم أبي موسى» حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال: ثنا ابن إدريس، عن شعبة - قال أبو السائب: قال أصحابنا: هو - عن سماك بن حرب، - وأنا لا أحفظ سماكا - عن عياض الأشعري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم قوم هذا» يعني أبا موسى " حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: «هم قوم هذا» في قوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] " حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عياضا الأشعري يقول: لما نزلت: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم قومك يا أبا موسى»، أو قال: «هم قوم هذا» يعني أبا موسى " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو سفيان الحميري، عن حصين، عن عياض، أو ابن عياض: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] قال: «هم أهل اليمن» حدثنا محمد بن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا عبد الرحمن بن جبير، عن شريح بن عبيد، قال: لما أنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} [المائدة: 54] إلى آخر الآية، قال عمر: أنا وقومي هم يا رسول الله؟
08P523 قال: «لا بل هذا وقومه » يعني أبا موسى الأشعري " وقال آخرون منهم: بل هم أهل اليمن جميعا ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] قال: «أناس من أهل اليمن» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، قال: هم قوم سبأ " حدثنا مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة، قال: أخبرني من، سمع شهر بن حوشب، قال: «هم أهل اليمن» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أن عمر بن عبد العزيز، أرسل إليه يوما وهو أمير المدينة يسأله عن ذلك، فقال محمد: يأتي الله بقوم، وهم أهل اليمن. قال عمر: يا ليتني منهم. قال: آمين " وقال آخرون: هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] يزعم أنهم الأنصار " وتأويل الآية على قول من قال: عنى الله بقوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] أبا بكر وأصحابه في قتالهم أهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله من ارتد منكم عن دينه بقوم يحبهم ويحبونه، ينتقم بهم منهم على أيديهم. وبذلك جاء الخبر والرواية عن بعض من تأول ذلك كذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هشام، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم} [المائدة: 54] قال: " يقول: فسوف يأتي الله المرتدة في دورهم، بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه " وأما على قول من قال: عني بذلك: أهل اليمن؛ فإن تأويله: يا أيها الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله المؤمنين الذين لم يرتدوا بقوم يحبهم ويحبونه، أعوانا لهم وأنصارا. وبذلك جاءت الرواية عن بعض من كان يتأول ذلك كذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} [المائدة: 54] 08P525 الآية؛ وعيد من الله أنه من ارتد منكم أنه سيستبدل خيرا منهم " وأما على قول من قال: عنى بذلك الأنصار، فإن تأويله في ذلك نظير تأويل من تأوله أنه عني به أبو بكر وأصحابه. وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما روي به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل اليمن قوم أبي موسى الأشعري. ولولا الخبر الذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر الذي روي عنه ما كان القول عندي في ذلك إلا قول من قال: هم أبو بكر وأصحابه؛ وذلك أنه لم يقاتل قوما كانوا أظهروا الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتدوا على أعقابهم كفارا، غير أبي بكر ومن كان معه ممن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنا تركنا القول في ذلك للخبر الذي روي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن كان صلى الله عليه وسلم معدن البيان عن تأويل ما أنزل الله من وحيه وآي كتابه.
فإن قال لنا قائل: فإن كان القوم الذين ذكر الله أنه سيأتي بهم عند ارتداد من ارتد عن دينه ممن كان قد أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هم أهل اليمن، فهل كان أهل اليمن أيام قتال أبي بكر أهل الردة أعوان أبي بكر على قتالهم، حتى تستجيز أن توجه تأويل الآية إلى ما وجهت إليه؟ أم لم يكونوا أعوانا له عليهم، فكيف استجزت أن توجه تأويل الآية إلى ذلك، وقد علمت أنه لا خلف لوعد الله؟ قيل له: إن الله تعالى ذكره لم يعد المؤمنين أن يبدلهم بالمرتدين منهم يومئذ 08P526 خيرا من المرتدين لقتال المرتدين، وإنما أخبر أنه سيأتيهم بخير منهم بدلا منهم، يعد فعل ذلك بهم قريبا غير بعيد، فجاء بهم على عهد عمر، فكان موقعهم من الإسلام وأهله أحسن موقع، وكانوا أعوان أهل الإسلام وأنفع لهم ممن كان ارتد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من طغام الأعراب وجفاة أهل البوادي الذين كانوا على أهل الإسلام كلا لا نفعا. واختلف القراء في قراءة قوله: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} [المائدة: 54] فقرأته قراء أهل المدينة: «يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه» بإظهار التضعيف بدالين مجزومة الدال الآخرة، وكذلك ذلك في مصاحفهم. وأما قراء أهل العراق فإنهم قرءوا ذلك: {من يرتد منكم عن دينه} [المائدة: 54] بالإدغام بدال واحدة وتحريكها إلى الفتح بناء على التثنية، لأن المجزوم الذي يظهر تضعيفه في الواحد إذا ثني أدغم، ويقال للواحد: اردد يا فلان إلى فلان حقه ، فإذا ثني قيل: ردا إليه حقه، ولا يقال: ارددا. وكذلك في الجمع ردوا ، ولا يقال: ارددوا. فتبني العرب أحيانا الواحد على الاثنين، وتظهر أحيانا في الواحد التضعيف لسكون لام الفعل، وكلتا اللغتين فصيحة مشهورة في العرف. والقراءة في ذلك عندنا على ما هو به في مصاحفنا ومصاحف أهل المشرق بدال واحدة مشددة بترك إظهار التضعيف وبفتح الدال للعلة التي وصفت 08P524
[المائدة: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] يعني تعالى ذكره بقوله: أذلة على المؤمنين أرقاء عليهم رحماء بهم، من قول القائل: ذل فلان لفلان: إذا خضع له واستكان. ويعني بقوله: أعزة على الكافرين أشداء عليهم غلظاء بهم، من قول القائل: قد عزني فلان: إذا أظهر العزة من نفسه له، وأبدى له الجفوة والغلظة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي، في قوله: {أذلة على المؤمنين} [المائدة: 54] أهل رقة على أهل دينهم {أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] أهل غلظة على من خالفهم في دينهم " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] يعني بالذلة: الرحمة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج ، في قوله: {أذلة على المؤمنين} [المائدة: 54] قال: " رحماء بينهم {أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] قال: « 08P528 أشداء عليهم» حدثنا الحرث بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: قال سفيان: سمعت الأعمش، يقول في قوله: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] ضعفاء على المؤمنين " 08P528 [المائدة: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [المائدة: 54] يعني تعالى ذكره بقوله: يجاهدون في سبيل الله هؤلاء المؤمنين الذين وعد الله المؤمنين أن يأتيهم بهم إن ارتد منهم مرتد بدلا منهم، يجاهدون في قتال أعداء الله، على النحو الذي أمر الله بقتالهم والوجه الذي أذن لهم به، ويجاهدون عدوهم، فذلك مجاهدتهم في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم يقول: " ولا يخافون في ذات الله أحدا، ولا يصدهم عن العمل بما أمرهم الله به من قتال عدوهم لومة لائم لهم في ذلك. وأما قوله: ذلك فضل الله فإنه يعني: هذا النعت الذي نعتهم به تعالى ذكره من أنهم أذلة على المؤمنين ، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومة لائم ، فضل الله الذي تفضل به عليهم، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، منة عليه وتطولا والله واسع يقول: " والله جواد بفضله على من جاد به عليه، لا يخاف نفاد خزائنه فيكف من عطائه عليم بموضع جوده وعطائه، فلا يبذله إلا لمن استحقه ولا يبذل لمن استحقه إلا على قدر المصلحة لعلمه بموضع صلاحه له من موضع ضره 08P529
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?