Taberî — Câmiü'l-Beyân
[المائدة: 68] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين} [المائدة: 68] وهذا أمر من الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم بإبلاغ اليهود والنصارى الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، يقول تعالى ذكره له: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: {يا أهل الكتاب} [آل عمران: 64] التوراة والإنجيل، لستم على شيء مما تدعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى صلى الله عليه وسلم معشر اليهود، ولا مما جاءكم به عيسى معشر النصارى، حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم مما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم من الفرقان، فتعملوا بذلك كله وتؤمنوا بما فيه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، وتقروا بأن كل ذلك من عند الله، فلا تكذبوا بشيء منه ولا تفرقوا بين رسل الله فتؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض، فإن الكفر بواحد من ذلك كفر بجميعه، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا، فمن كذب ببعضها فقد كذب بجميعها. وبنحو ما قلنا في ذلك جاء الأثر: حدثنا هناد بن السري، وأبو كريب، قالا: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد 08P573 بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حريملة، فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة ، وتشهد أنها من الله حق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، وأنا بريء من أحداثكم» قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا ، فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك ولا نتبعك. فأنزل الله: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} [المائدة: 68] إلى: {فلا تأس على القوم الكافرين} [المائدة: 68] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} [المائدة: 68] قال: «فقد صرنا من أهل الكتاب؛ التوراة لليهود والإنجيل للنصارى، وما أنزل إليكم من ربكم، وما أنزل إلينا من ربنا، أي لستم على شيء حتى تقيموا حتى تعملوا بما فيه» 08P573
[المائدة: 68] القول في تأويل قوله تعالى: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين} [المائدة: 68] يعني تعالى ذكره بقوله: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} [المائدة: 64] وأقسم ليزيدن كثيرا من هؤلاء اليهود والنصارى الذين قص قصصهم في هذه الآيات الكتاب الذي أنزلته إليك يا محمد طغيانا، يقول: تجاوزا وغلوا في التكذيب لك على ما كانوا عليه لك من ذلك قبل نزول الفرقان {كفرا} [آل عمران: 90] يقول: " وجحودا لنبوتك. وقد أتينا على البيان عن معنى الطغيان فيما مضى قبل وأما قوله: {فلا تأس على القوم الكافرين} [المائدة: 68] يعني: " يقول {فلا تأس} [المائدة: 26] فلا تحزن، يقال: أسي فلان على كذا: إذا حزن يأسى أسى، ومنه قول الراجز: [+البحر الرجز] وانحلبت عيناه من فرط الأسى يقول تعالى ذكره لنبيه: لا تحزن يا محمد على تكذيب هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى من بني إسرائيل لك، فإن مثل ذلك منهم عادة وخلق في أنبيائهم، فكيف فيك؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن 08P575 علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} [المائدة: 64] قال: " الفرقان. يقول: فلا تحزن " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {فلا تأس على القوم الكافرين} [المائدة: 68] قال: «لا تحزن» 08P575 [المائدة: 69] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [المائدة: 69] يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام {والذين هادوا} [البقرة: 62] وهم اليهود {والصابئون} وقد بينا أمرهم {والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر} فصدق بالبعث بعد الممات ، وعمل من العمل صالحا لمعاده {فلا خوف عليهم} [البقرة: 38] فيما قدموا عليه من أهوال القيامة {ولا هم يحزنون} [البقرة: 38] على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها بعد معاينتهم ما أمرهم الله به من جزيل ثوابه. وقد بينا وجه الإعراب فيه فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته 08P575 [المائدة: 70] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا 08P576 يقتلون} [المائدة: 70] يقول تعالى ذكره: أقسم لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على الإخلاص وتوحيدنا، والعمل بما أمرناهم به، والانتهاء عما نهيناهم عنه وأرسلنا إليهم بذلك رسلا، ووعدناهم على ألسن رسلنا إليهم على العمل بطاعتنا الجزيل من الثواب، وأوعدناهم على العمل بمعصيتنا الشديد من العقاب، كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق محبتهم كذبوا منهم فريقا ويقتلون منهم فريقا، نقضا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجراءة علينا وعلى خلاف أمرنا 08P575
[المائدة: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون} [المائدة: 71] يقول تعالى: وظن هؤلاء الإسرائيليون الذين وصف تعالى ذكره صفتهم أنه أخذ ميثاقهم وأنه أرسل إليهم رسلا، وأنهم كانوا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقا وقتلوا فريقا، أن لا يكون من الله لهم ابتلاء واختبار بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون. {فعموا وصموا} [المائدة: 71] يقول: " فعموا عن الحق والوفاء بالميثاق الذي أخذته عليهم من إخلاص عبادتي، والانتهاء إلى أمري ونهيي، والعمل بطاعتي بحسبانهم ذلك وظنهم، وصموا عنه، ثم تبت عليهم، يقول: ثم هديتهم بلطف مني لهم، حتى أنابوا ورجعوا عما كانوا عليه من معاصيي وخلاف أمري، والعمل بما أكرهه منهم إلى العمل بما أحبه، والانتهاء إلى طاعتي وأمري ونهيي. {ثم عموا وصموا كثير منهم} [المائدة: 71] يقول: " ثم عموا أيضا عن الحق والوفاء بميثاقي الذي أخذته عليهم من العمل بطاعتي والانتهاء إلى أمري واجتناب معاصيي {وصموا كثير منهم} [المائدة: 71] يقول: " عمى كثير من هؤلاء الذين كنت أخذت ميثاقهم من بني إسرائيل باتباع رسلي والعمل بما أنزلت إليهم من كتبي عن الحق، وصموا بعد توبتي عليهم واستنقاذي إياهم من الهلكة {والله بصير بما يعملون} [البقرة: 96] يقول: " بصير فيرى أعمالهم خيرها وشرها، فيجازيهم يوم القيامة بجميعها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: {وحسبوا ألا تكون فتنة} [المائدة: 71] الآية، يقول: حسب القوم أن لا يكون بلاء فعموا وصموا، كلما عرض بلاء ابتلوا به هلكوا فيه " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا} [المائدة: 71] يقول: «حسبوا أن لا يبتلوا، فعموا عن الحق وصموا» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مبارك، عن الحسن 08P578 : {وحسبوا ألا تكون فتنة} [المائدة: 71] قال بلاء " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {وحسبوا ألا تكون فتنة} [المائدة: 71] قال: «الشرك» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قوله: {وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا} [المائدة : 71] قال: «اليهود» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {فعموا وصموا} [المائدة: 71] قال: " يهود قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قال: " هذه الآية لبني إسرائيل. قال: والفتنة: البلاء والتمحيص " 08P578
[المائدة: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} [المائدة: 72] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن بعض ما فتن به الإسرائيليين الذين أخبر عنهم أنهم حسبوا أن لا تكون فتنة. يقول تعالى ذكره: فكان مما ابتليتهم واختبرتهم به فنقضوا فيه ميثاقي وغيروا عهدي الذي كنت أخذته عليهم، بأن لا يعبدوا سواي ولا يتخذوا ربا غيري، وأن يوحدوني ، وينتهوا إلى طاعتي؛ عبدي عيسى ابن مريم، فإني خلقته وأجريت على يده نحو الذي أجريت النصارى، عليهم غضب الله. يقول الله تعالى ذكره: فلما اختبرتهم وابتليتهم بما ابتليتهم به أشركوا بي قالوا لخلق من خلقي وعبد مثلهم من عبيدي وبشر نحوهم معروف نسبه وأصله مولود من البشر يدعوهم إلى توحيدي ويأمرهم بعبادتي وطاعتي ويقر لهم بأني ربه وربهم وينهاهم عن أن يشركوا بي شيئا، هو إلههم؛ جهلا منهم بالله وكفرا به، ولا ينبغي لله أن يكون والدا ولا مولودا. ويعني بقوله: {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} [المائدة: 72] يقول: " اجعلوا العبادة والتذلل للذي له يذل كل شيء وله يخضع كل موجود، ربي وربكم، يقول: مالكي ومالككم، وسيدي وسيدكم ، الذي خلقني وإياكم {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} [المائدة: 72] أن يسكنها في الآخرة. {ومأواه النار} [المائدة: 72] يقول: " ومرجعه ومكانه الذي يأوي إليه ويصير في معاده، من جعل لله شريكا في عبادته نار جهنم. {وما للظالمين} [البقرة: 270] يقول: " وليس لمن فعل غير ما أباح الله له وعبد غير الذي له عبادة الخلق {من أنصار} [البقرة: 270] ينصرونه يوم القيامة من الله، فينقذونه منه إذا أورده جهنم 08P579 [المائدة: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} [المائدة: 73] وهذا أيضا خبر من الله تعالى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيليين الذين وصف صفتهم في الآيات قبل أنه لما ابتلاهم بعد حسبانهم أنهم لا يبتلون ولا يفتنون، قالوا كفرا بربهم وشركا: الله ثالث ثلاثة. وهذا قول كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكانية والنسطورية، كانوا فيما بلغنا يقولون: الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبا والدا غير مولود، وابنا مولودا غير والد، وزوجا متتبعة بينهما. يقول الله تعالى ذكره مكذبا لهم فيما قالوا من ذلك: {وما من إله إلا إله واحد} [المائدة: 73] يقول: " ما لكم معبود أيها الناس إلا معبود واحد، وهو الذي ليس بوالد لشيء ولا مولود ، بل هو خالق كل والد ومولود {وإن لم ينتهوا عما يقولون} [المائدة: 73] يقول: " إن لم ينتهوا قائلو هذه المقالة عما يقولون من قولهم: الله ثالث ثلاثة {ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} [المائدة: 73] يقول: " ليمسن الذين يقولون هذه المقالة، والذين يقولون المقالة الأخرى هو المسيح ابن مريم؛ لأن الفريقين كلاهما كفرة مشركون، فلذلك رجع في الوعيد بالعذاب إلى العموم. ولم يقل: ليمسنهم عذاب أليم، لأن ذلك لو قيل كذلك صار الوعيد من الله تعالى ذكره خاصا لقائل القول الثاني، وهم القائلون: الله ثالث ثلاثة ، ولم يدخل فيهم القائلون: المسيح هو الله. فعم بالوعيد تعالى ذكره كل كافر ، ليعلم المخاطبون بهذه الآيات أن وعيد الله قد شمل كلا الفريقين من بني إسرائيل ومن كان من الكفار على مثل الذي هم عليه فإن قال قائل: وإن كان الأمر على ما وصفت فعلى من عادت الهاء والميم اللتان في قوله: منهم؟ قيل: على بني إسرائيل. فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: وإن لم ينته هؤلاء الأسرائيليون عما يقولون في الله من عظيم القول، ليمسن الذين يقولون منهم إن المسيح هو الله والذين يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكل كافر سلك سبيلهم عذاب أليم بكفرهم بالله وقد قال جماعة من أهل التأويل نحو قولنا في أنه عنى بهذه الآيات: النصارى ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة قال: " قالت النصارى: هو المسيح وأمه، فذلك قول الله تعالى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة نحوه 08P581
[المائدة: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} [المائدة: 74] يقول تعالى ذكره: أفلا يرجع هذان الفريقان الكافران، القائل أحدهما: إن الله هو المسيح ابن مريم؛ والآخر القائل: إن الله ثالث ثلاثة، عما قالا من ذلك، ويتوبان بما قالا وقطعا به من كفرهما، ويسألان ربهما المغفرة مما قالا. والله غفور لذنوب التائبين من خلقه، المنيبين إلى 08P582 طاعته بعد معصيتهم، رحيم بهم في قبوله توبتهم ومراجعتهم إلى ما يحب مما يكره، فيصفح بذلك من فعلهم عما سلف من إجرامهم قبل ذلك 08P581 [المائدة: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} [المائدة: 75] وهذا خبر من الله تعالى ذكره احتجاجا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على فرق النصارى في قولهم في المسيح. يقول مكذبا لليعقوبية في قيلهم: هو الله، والآخرين في قيلهم: هو ابن الله: ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح، ولكنه ابن مريم ولدته ولادة الأمهات أبناءهن، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر، وإنما هو لله رسول كسائر رسله الذين كانوا قبله فمضوا وخلوا، أجرى على يده ما شاء أن يجريه عليها من الآيات والعبر حجة له على صدقه وعلى أنه لله رسول إلى من أرسله إليه من خلقه، كما أجرى على أيدي من قبله من الرسل من الآيات والعبر حجة لهم على حقيقة صدقهم في أنهم لله رسل {وأمه صديقة} [المائدة: 75] يقول تعالى ذكره: وأم المسيح صديقة، والصديقة: الفعيلة من الصدق ، وكذلك قولهم فلان صديق: فعيل من الصدق، ومنه قوله تعالى ذكره: {والصديقين والشهداء} [النساء: 69] وقد قيل: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه إنما قيل له الصديق لصدقه، وقد قيل: إنما سمي صديقا لتصديقه النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره في ليلة واحدة إلى بيت المقدس من مكة وعوده إليها وقوله: {كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75] خبر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمه أنهما كانا أهل حاجة إلى ما يغذوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم. فإن من كان كذلك، فغير كائن إلها؛ لأن المحتاج إلى الغذاء قوامه بغيره، وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه دليل واضح على عجزه، والعاجز لا يكون إلا مربوبا لا ربا 08P583 [المائدة: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} [المائدة: 75] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: صلى الله عليه وسلم انظر يا محمد كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى الآيات، وهي الأدلة والإعلام والحجج على بطول ما يقولون في أنبياء الله، وفي فريتهم على الله، وادعائهم له ولدا، وشهادتهم لبعض خلقه بأنه لهم رب وإله، ثم لا يرتدعون عن كذبهم وباطل قيلهم، ولا ينزجرون عن فريتهم على ربهم وعظيم جهلهم، مع ورود الحجج القاطعة عذرهم عليهم. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ثم انظر يا محمد أنى يؤفكون؟ يقول: ثم انظر مع تبييننا لهم آياتنا على بطول قولهم: أي وجه يصرفون عن بياننا الذي بينته لهم، وكيف عن الهدى الذي نهديهم إليه من الحق يضلون؟ والعرب تقول لكل مصروف عن شيء: هو مأفوك عنه، يقال: قد أفكت فلانا عن كذا: أي صرفته عنه ، فأنا آفكه إفكا، وهو مأفوك، وقد أفكت الأرض: إذا صرف عنها المطر 08P583
[المائدة: 76] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم} [المائدة: 76] وهذا أيضا احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على النصارى القائلين في المسيح ما وصف من قيلهم فيه قبل. يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء الكفرة من النصارى الزاعمين أن المسيح ربهم والقائلين إن الله ثالث ثلاثة: أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم وهو الذي خلقكم ورزقكم وهو يحييكم ويميتكم، شيئا لا يملك لكم شرا ولا نفعا؟ يخبرهم تعالى ذكره أن المسيح الذي زعم من زعم من النصارى أنه إله، والذي زعم من زعم منهم أنه لله ابن، لا يملك لهم ضرا يدفعه عنهم إن أحله الله بهم، ولا نفعا يجلبه إليهم إن لم يقضه الله لهم. يقول تعالى ذكره: فكيف يكون ربا وإلها من كانت هذه صفته؟ بل الرب المعبود الذي بيده كل شيء والقادر على كل شيء، فإياه فاعبدوا وأخلصوا له العبادة دون غيره من العجزة الذين لا ينفعونكم ولا يضرون. وأما قوله: {والله هو السميع العليم} [المائدة: 76] فإنه يعني تعالى ذكره بذلك: والله هو السميع لاستغفارهم لو استغفروه من قيلهم ما أخبر عنهم أنهم يقولونه في المسيح، ولغير ذلك من منطقهم ومنطق خلقه، العليم بتوبتهم لو تابوا منه، وبغير ذلك من أمورهم 08P584 [المائدة: 77] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77] وهذا خطاب من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء الغالية من النصارى في المسيح: {يا أهل الكتاب} [آل عمران: 64] يعني بالكتاب: الإنجيل {لا تغلوا في دينكم} [النساء: 171] يقول: " لا تفرطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل، فتقولوا فيه: هو الله، أو هو ابنه؛ ولكن قولوا: هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا} [المائدة: 77] ويقول: ولا تتبعوا أيضا في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى في القول فيه، فتقولون فيه كما قالوا: هو لغير رشدة، وتبهتوا أمه كما يبهتونها بالفرية، وهي صديقة. {وأضلوا كثيرا} [المائدة: 77] يقول تعالى ذكره: وأضل هؤلاء اليهود كثيرا من الناس، فحادوا بهم عن طريق الحق وحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح {وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77] يقول: " وضل هؤلاء اليهود عن قصد الطريق، وركبوا غير محجة الحق وإنما يعني تعالى ذكره بذلك كفرهم بالله وتكذيبهم رسله عيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم، وذهابهم عن الإيمان وبعدهم منه. وذلك كان ضلالهم الذي وصفهم الله به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وضلوا عن سواء السبيل ،} [المائدة: 77] قال: " يهود حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا} [المائدة: 77] فهم أولئك الذين ضلوا وأضلوا أتباعهم {وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77] عن عدل السبيل " 08P586
[المائدة: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [المائدة: 78] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء النصارى الذين وصف تعالى ذكره صفتهم: لا تغلوا فتقولوا في المسيح غير الحق، ولا تقولوا فيه ما قالت اليهود الذين قد لعنهم الله على لسان أنبيائه ورسله داود وعيسى ابن مريم. وكان لعن الله إياهم على ألسنتهم، كالذي: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} قال: «لعنوا بكل لسان، لعنوا على عهد موسى في التوراة ، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} يقول: «لعنوا في الإنجيل على 08P587 لسان عيسى ابن مريم، ولعنوا في الزبور على لسان داود» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} قال: «خالطوهم بعد النهي في تجاراتهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، فهم ملعونون على لسان داود وعيسى ابن مريم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن حصين، عن مجاهد: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} قال: «لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، ولعنوا على لسان عيسى فصاروا خنازير» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} [المائدة: 78] بكل لسان؛ لعنوا على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن " قال ابن جريج، وقال آخرون: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} على عهده، فلعنوا بدعوته. قال: مر داود على نفر منهم وهم في بيت ، فقال من في البيت؟ قالوا: خنازير، قال: اللهم اجعلهم خنازير. فكانوا خنازير؛ ثم أصابتهم لعنته. ودعا عليهم عيسى فقال: اللهم العن من افترى علي وعلى 08P588 أمي، واجعلهم قردة خاسئين حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} [المائدة: 78] الآية، لعنهم الله على لسان داود في زمانه فجعلهم قردة خاسئين، وفي الإنجيل على لسان عيسى فجعلهم خنازير حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا أبو محصن حصين بن نمير، عن حصين، يعني ابن عبد الرحمن، عن أبي مالك، قال: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} قال: «مسخوا على لسان داود قردة، وعلى لسان عيسى خنازير» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك ، مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريبه، فلما رأى ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» .
ثم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن 08P589 المنكر، ولتأخذن على يدي المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، وليلعننكم كما لعنهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير بن سلمان، قال: ثنا عمرو بن قيس الملائي، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: لما فشا المنكر في بني إسرائيل، جعل الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله. ثم لا يمنعه ذلك أن يؤاكله ويشاربه. فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم أنزل فيهم كتابا: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا ، فجلس وقال: «كلا والذي نفسي بيده حتى تأطروا الظالم على الحق أطرا» حدثنا علي بن سهل الرملي، قال: ثنا المؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان ، قال: ثنا علي بن بذيمة عن أبي عبيدة، أظنه عن مسروق، عن عبد الله ، قال: قال 08P590 رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن بني إسرائيل لما ظهر منهم المنكر جعل الرجل يرى أخاه وجاره وصاحبه على المنكر فينهاه، ثم لا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وشريبه ونديمه، فضرب الله قلوب بعضهم على بعض، ولعنوا {على لسان داود وعيسى ابن مريم؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} إلى {فاسقون} [المائدة: 81] ". قال عبد الله: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فاستوى جالسا، فغضب وقال: «لا والله حتى تأخذوا على يدي الظالم فتأطروه على الحق أطرا» حدثنا ابن بشار، قال ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفيان عن علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص كان الرجل يرى أخاه على الريب فينهاه عنه، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه؛ فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن، فقال: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} حتى بلغ: {ولكن كثيرا منهم فاسقون} [المائدة: 81] " قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا، فجلس وقال: «لا حتى تأخذوا يدي الظالم فتأطروه على الحق أطرا» حدثنا ابن بشار ، قال: ثنا أبو داود، قال: أملاه علي، قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن 08P591 سفيان، عن علي بن بذيمة، قال: سمعت أبا عبيدة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر. نحوه. غير أنهما قالا في حديثهما: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا، فاستوى جالسا ثم قال: «كلا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا على يدي الظالم، فتأطروه على الحق أطرا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} قال: " فقال: لعنوا في الإنجيل وفي الزبور. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رحى الإيمان قد دارت، فدوروا مع القرآن حيث دار، فإنه قد فرغ الله مما افترض فيه، وإنه كانت أمة من بني إسرائيل كانوا أهل عدل، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فأخذهم قومهم فنشروهم بالمناشير، وصلبوهم على الخشب ، وبقيت منهم بقية، فلم يرضوا حتى داخلوا الملوك وجالسوهم، ثم لم يرضوا حتى واكلوهم، فضرب الله تلك القلوب بعضها ببعض فجعلها واحدة» فذلك قول الله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} إلى {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61] ماذا كانت معصيتهم؟
قال: «كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون» فتأويل الكلام إذن: لعن الله الذين كفروا من اليهود بالله على لسان داود وعيسى ابن مريم، ولعن والله آباؤهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، بما عصوا الله فخالفوا أمره وكانوا يعتدون ، يقول: وكانوا يتجاوزون حدوده 08P591
[المائدة: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما 08P592 كانوا يفعلون} [المائدة: 79] يقول تعالى ذكره: كان هؤلاء اليهود الذين لعنهم الله {لا يتناهون} [المائدة: 79] يقول: " لا ينتهون عن منكر فعلوه ، ولا ينهى بعضهم بعضا. ويعني بالمنكر: المعاصي التي كانوا يعصون الله بها. فتأويل الكلام: كانوا لا ينتهون عن منكر أتوه. {لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 79] وهذا قسم من الله تعالى ذكره، يقول: أقسم لبئس الفعل كانوا يفعلون في تركهم الانتهاء عن معاصي الله تعالى وركوب محارمه وقتل أنبياء الله ورسله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {كانوا لا يتناهون عن منكر، فعلوه} [المائدة: 79] لا تتناهى أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر " 08P592 [المائدة: 80] القول في تأويل قوله تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} [المائدة: 80] يقول تعالى ذكره: ترى يا محمد كثيرا من بني إسرائيل يتولون الذين كفروا، يقول: يتولون المشركين من عبدة الأوثان، يعادون أولياء الله ورسله. {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} [المائدة: 80] يقول تعالى ذكره: أقسم لبئس الشيء الذي قدمت لهم أنفسهم أمامهم إلى معادهم في الآخرة {أن سخط الله عليهم} [المائدة: 80] في موضع رفع ترجمة عن ما الذي في قوله: {لبئس ما} [المائدة: 62] . {وفي العذاب هم خالدون} [المائدة: 80] يقول: " وفي عذاب الله يوم القيامة هم 08P593 خالدون، دائم مقامهم ومكثهم فيه 08P592 [المائدة: 81] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} [المائدة: 81] يقول تعالى ذكره: ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا من بني إسرائيل {يؤمنون بالله والنبي} [المائدة: 81] يقول: " يصدقون بالله ويقرون به ويوحدونه ويصدقون نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه لله نبي مبعوث ورسول مرسل {وما أنزل إليه} [المائدة: 81] يقول: " يقرون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله من آي الفرقان {ما اتخذوهم أولياء} [المائدة: 81] يقول: " ما اتخذوهم أصحابا وأنصارا من دون المؤمنين. {ولكن كثيرا منهم فاسقون} [المائدة: 81] يقول: " ولكن كثيرا منهم أهل خروج عن طاعة الله إلى معصيته وأهل استحلال لما حرم الله عليهم من القول والفعل وكان مجاهد يقول في ذلك ما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} [المائدة: 81] قال: «المنافقون» 08P593
[المائدة: 82] القول في تأويل قوله تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} [المائدة: 82] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لتجدن يا محمد أشد الناس عداوة للذين صدقوك واتبعوك وصدقوا بما جئتهم به من أهل الإسلام اليهود والذين أشركوا يعني عبدة الأوثان الذين اتخذوا الأوثان آلهة يعبدونها من دون الله ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا، يقول: ولتجدن أقرب الناس مودة ومحبة. والمودة: المفعلة من قول الرجل: وددت كذا أوده ودا وودا وودا ومودة، إذا أحببته. للذين آمنوا، يقول: للذين صدقوا الله ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم. الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون عن قبول الحق واتباعه والإذعان به. وقيل: إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآن أسلموا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحاب له أسلموا معه: ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، عن سعيد بن جبير، قال: بعث النجاشي وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا. قال: فأنزل الله تعالى فيهم: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} [المائدة: 82] إلى آخر الآية. قال: " فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه، فأسلم النجاشي، فلم يزل مسلما حتى مات. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه» ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، والنجاشي بالحبشة حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} [المائدة: 82] ، قال: «هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} [المائدة: 82] ، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ ذلك المشركين، بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، ذكر أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، فقالوا: إنه خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبي، وإنه بعث إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم. قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون. فقدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقاموا بباب النجاشي فقالوا: أتأذن لأولياء الله؟ فقال: ائذن لهم، فمرحبا بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ترى أيها الملك أنا صدقناك، لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها؟ فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ فقالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. قال لهم: ما يقول 08P596 صاحبكم في عيسى وأمه؟ قال: يقول: هو عبد الله وكلمة من الله ألقاها إلى مريم، وروح منه، ويقول في مريم: إنها العذراء البتول. قال: فأخذ عودا من الأرض فقال: ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم قدر هذا العود، فكره المشركون قوله، وتغيرت وجوههم. قال لهم: هل تعرفون شيئا مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرءوا، فقرؤوا، وهنالك منهم قسيسون ورهبان وسائر النصارى، فعرفت كل ما قرأوا، وانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق.
قال الله تعالى ذكره: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} [المائدة: 83] الآية " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} [المائدة: 82] الآية. قال: " بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر رجلا من الحبشة، سبعة قسيسين وخمسة رهبانا، ينظرون إليه ويسألونه. فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا، فأنزل الله عليه فيهم: {وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 83] ، فآمنوا ثم رجعوا إلى النجاشي، فهاجر النجاشي معهم، فمات في الطريق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون واستغفروا له " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء في قوله: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} [المائدة: 82] الآية، هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين " وقال آخرون: بل هذه صفة قوم كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان، فلما بعث الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم آمنوا به ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا} [المائدة: 82] ، فقرأ حتى بلغ {فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 83] : «أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى، يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم صدقوا به وآمنوا، وعرفوا الذي جاء به أنه الحق، فأثنى عليهم ما تسمعون» والصواب في ذلك من القول عندي أن الله تعالى وصف صفة قوم قالوا: إنا نصارى، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس ودادا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسم لنا أسماءهم. وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشي، ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه وأما قوله تعالى: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} [المائدة: 82] ، فإنه يقول: قربت مودة هؤلاء الذين وصف الله صفتهم للمؤمنين من أجل أن منهم قسيسين 08P598 ورهبانا. والقسيسون: جمع قسيس، وقد يجمع القسيس: «قسوس» ، لأن القس والقسيس بمعنى واحد. وكان ابن زيد يقول في القسيس بما: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " القسيسين: عبادهم " وأما الرهبان، فإنه يكون واحدا وجمعا، فأما إذا كان جمعا فإن واحدهم يكون راهبا، ويكون الراهب حينئذ فاعلا من قول القائل: رهب الله فلان، بمعنى: خافه، يرهبه رهبا ورهبا، ثم يجمع الراهب رهبان، مثل راكب وركبان، وفارس وفرسان. ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب جمعا قول الشاعر: [+البحر الكامل] رهبان مدين لو رأوك تنزلوا والعصم من شعف العقول الفادر وقد يكون الرهبان واحدا، وإذا كان واحدا كان جمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان وجرادين. ويجوز جمعه أيضا رهابنة إذا كان كذلك. ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحدا قول الشاعر: [+البحر الرجز] لو عاينت رهبان دير في القلل لانحدر الرهبان يمشي ونزل واختلف أهل التأويل في المعني بقوله: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} [المائدة: 82] ، فقال بعضهم: عني بذلك قوم كانوا استجابوا لعيسى ابن مريم حين دعاهم، واتبعوه على شريعته. ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عمن حدثه، عن ابن عباس، في قوله: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} [المائدة: 82] ، قال: " كانوا نواتي في البحر يعني ملاحين قال: فمر بهم عيسى ابن مريم، فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه.
قال: فذلك قوله: {قسيسين ورهبانا} [المائدة: 82] " وقال آخرون: بل عني بذلك القوم الذين كان النجاشي بعثهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، قال: ثنا عنبسة، عمن حدثه، عن أبي صالح، في قوله: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} [المائدة: 82] قال: «ستة وستون، أو سبعة وستون، أو اثنان وستون من الحبشة، كلهم صاحب صومعة، عليهم ثياب الصوف» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير، {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} [المائدة: 82] قال: " بعث النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم خمسين أو سبعين من خيارهم، فجعلوا يبكون، فقال: هم 08P600 هؤلاء " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} [المائدة: 82] قال: " هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلا اختارهم الخير فالخير. فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم: {يس والقرآن الحكيم} [يس: 2] ، فبكوا وعرفوا الحق، فأنزل الله فيهم: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} [المائدة: 82] ، وأنزل فيهم: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} [القصص: 52] إلى قوله: {يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} [القصص: 54] " والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن النفر الذين أثنى عليهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيمان بالله ورسوله، أن ذلك إنما كان منهم لأن منهم أهل اجتهاد في العبادة وترهيب في الديارات والصوامع، وأن منهم علماء بكتبهم، وأهل تلاوة لها، فهم لا يبعدون من المؤمنين لتواضعهم للحق إذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبينوه لأنهم أهل دين واجتهاد فيه ونصيحة لأنفسهم في ذات الله، وليسوا كاليهود الذين قد دربوا بقتل الأنبياء والرسل ومعاندة الله في أمره ونهيه وتحريف تنزيله الذي أنزله في كتبه 08P600
[المائدة: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من 08P601 الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 83] يقول تعالى ذكره: وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى الذين وصفت لك يا محمد صفتهم أنك تجدهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا، ما أنزل إليك من الكتاب يتلى {ترى أعينهم تفيض من الدمع} [المائدة: 83] ، وفيض العين من الدمع: امتلاؤها منه ثم سيلانه منها كفيض النهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدة امتلائه، ومنه قول الأعشى: [+البحر المتقارب] ففاضت دموعي فطل الشؤو ن إما وكيفا وإما انحدارا وقوله: {مما عرفوا من الحق} [المائدة: 83] يقول: فيض دموعهم لمعرفتهم بأن الذي يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسول الله حق: كما حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، قال: بعث النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم اثنى عشر رجلا يسألونه ويأتونه بخبره، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فبكوا. وكان منهم سبعة رهبان وخمسة قسيسون، أو خمسة رهبان وسبعة قسيسون، فأنزل الله فيهم: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع} [المائدة: 83] إلى آخر الآية " حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عمر بن علي بن مقدم، قال: سمعت هشام بن عروة، يحدث، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: " نزلت في النجاشي وأصحابه: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع} [المائدة: 83] " حدثنا هناد قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله: {ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} [المائدة: 83] ، قال: «ذلك في النجاشي» حدثنا هناد وابن وكيع، قالا: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: " كانوا يرون أن هذه الآية أنزلت في النجاشي: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع} [المائدة: 83] حدثنا هناد، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: قال ابن إسحاق، سألت الزهري عن الآيات: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع} [المائدة: 83] الآية، وقوله: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] ، قال: " ما زلت أسمع علماءنا يقولون: نزلت في النجاشي وأصحابه " وأما قوله: {يقولون} [المائدة: 83] ، فإنه لو كان بلفظ اسم كان نصبا على الحال، لأن معنى الكلام: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق قائلين: ربنا آمنا.
ويعني بقوله تعالى ذكره: {يقولون ربنا آمنا} [المائدة: 83] أنهم يقولون: يا ربنا صدقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى نبيك محمد صلى الله عليه وسلم من كتابك، وأقررنا به أنه من عندك، وأنه الحق لا شك فيه وأما قوله: {فاكتبنا مع الشاهدين} [آل عمران: 53] ، فإنه روي عن ابن عباس وغيره في تأويله ما حدثنا به، هناد قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي وابن نمير، جميعا عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 83] ، قال: «أمة محمد صلى الله عليه وسلم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 83] «مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم» حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 83] «يعنون بالشاهدين محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته» حدثني الحرث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 83] ، قال: «محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، أنهم شهدوا أنه قد بلغ، وشهدوا أن الرسل قد بلغت» حدثنا الربيع قال: ثنا أسد بن موسى قال: ثنا يحيى بن زكريا قال: ثني 08P604 إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثل حديث الحارث بن عبد العزيز غير أنه قال: وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا " فكأن متأول هذا التأويل قصد بتأويله هذا إلى معنى قول الله تعالى ذكره: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] ، فذهب ابن عباس إلى أن الشاهدين هم الشهداء في قوله: {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] ، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإذا كان التأويل ذلك كان معنى الكلام: يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة أنهم قد بلغوا أممهم رسالاتك ولو قال قائل: معنى ذلك: فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون أن ما أنزلته إلى رسولك من الكتب حق، كان صوابا لأن ذلك خاتمة قوله: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 83] ، وذلك صفة من الله تعالى ذكره لهم بإيمانهم لما سمعوا من كتاب الله، فتكون مسألتهم أيضا الله أن يجعلهم ممن صحت عنده شهادتهم بذلك، ويلحقهم في الثواب والجزاء منازلهم. ومعنى الكتاب في هذا الموضع: الجعل، يقول: فاجعلنا مع الشاهدين، وأثبتنا معهم في عدادهم 08P603
[المائدة: 84] القول في تأويل قوله تعالى: {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} [المائدة: 84] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، أنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من كتابه، آمنوا به وصدقوا كتاب الله، وقالوا: ما لنا لا نؤمن بالله؟ يقول: لا نقر بوحدانية الله، {وما جاءنا من الحق} [المائدة: 84] يقول: وما جاءنا من عند الله من كتابه وآي تنزيله، ونحن نطمع بإيماننا بذلك {أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} [المائدة: 84] ، يعني بالقوم الصالحين: المؤمنين بالله المطيعين له، الذين استحقوا من الله الجنة بطاعتهم إياه. وإنما معنى ذلك: ونحن نطمع أن يدخلنا ربنا مع أهل طاعته مداخلهم من جنته يوم القيامة، ويلحق منازلنا بمنازلهم، ودرجاتنا بدرجاتهم في جناته وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} [المائدة: 84] ، قال: " القوم الصالحون: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه " 08P605 [المائدة: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين} [المائدة: 85] يقول تعالى ذكره: فجزاهم الله بقولهم: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين {جنات تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] ، يعني: بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار، {خالدين فيها} [البقرة: 162] ، يقول: دائما فيها مكثهم، لا يخرجون منها ولا يحولون عنها {وذلك جزاء المحسنين} [المائدة: 85] ، يقول: وهذا الذي جزيت هؤلاء القائلين بما وصفت عنهم من قيلهم على ما قالوا من الجنات التي هم فيها خالدون، جزاء كل محسن في قيله وفعله . وإحسان المحسن في ذلك أن يوحد الله توحيدا خالصا محضا لا شرك فيه، ويقر بأنبياء الله وما جاءت به من عند الله من الكتب، ويؤدي فرائضه، ويجتنب معاصيه، فذلك كمال إحسان المحسنين الذين قال الله تعالى: {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} [آل عمران: 15] . 08P606 [المائدة: 86] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} [المائدة: 86] يقول تعالى ذكره: وأما الذين جحدوا توحيد الله، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكذبوا بآيات كتابه، فإن أولئك أصحاب الجحيم، يقول: هم سكانها واللابثون فيها. والجحيم: ما اشتد من النار، وهو الجاحم والجحيم. 08P606
[المائدة: 87] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه حق من عند الله {، لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] ، يعني بالطيبات: اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب، فتمنعوها إياها، كالذي فعله القسيسون والرهبان، فحرموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، وحبس في الصوامع بعضهم أنفسهم، وساح في الأرض بعضهم. يقول تعالى ذكره: فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك، ولا تعتدوا حد الله الذي حد لكم فيما أحل لكم وفيما حرم عليكم، فتجاوزوا حده الذي حده، فتخالفوا بذلك طاعته، فإن الله لا يحب من اعتدى حده الذي حده لخلقه فيما أحل لهم وحرم عليهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر أبو زبيد، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك، في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] الآية، قال: «عثمان بن مظعون وأناس من المسلمين حرموا عليهم النساء، وامتنعوا من الطعام الطيب، وأراد بعضهم أن يقطع ذكره، فنزلت هذه الآية» حدثنا حميد بن مسعدة، قال : ثنا يزيد بن زريع، قال: ثني خالد الحذاء، عن عكرمة، قال: " كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، " أن رجالا، أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يختصوا، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] إلى قوله: {الذي أنتم به مؤمنون} [المائدة: 88] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، {يا أيها الذين 08P608 آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] قال: «كانوا حرموا الطيب واللحم، فأنزل الله تعالى هذا فيهم» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي قال: ثنا خالد، عن عكرمة: " أن أناسا قالوا: لا نتزوج، ولا نأكل، ولا نفعل كذا وكذا.
فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: أراد أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا ويتركوا النساء ويترهبوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقالة، ثم قال: «إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم لكم» قال: ونزلت فيهم: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] الآية حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] ، قال: «نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أرادوا أن يتخلوا من اللباس ويتركوا النساء ويتزهدوا، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي 08P609 عبد الرحمن، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] الآية، ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رفضوا النساء واللحم وأرادوا أن يتخذوا الصوامع، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس في ديني ترك النساء واللحم، ولا اتخاذ الصوامع» وخبرنا أن ثلاثة نفر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل لا أنام، وقال أحدهم: أما أنا فأصوم النهار فلا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساء. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: «ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا؟ » قالوا: بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير. قال: «لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» . وكان في بعض القراءة: «من رغب عن سنتك فليس من أمتك، وقد ضل عن سواء السبيل» . وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأناس من أصحابه: «إن من قبلكم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فهؤلاء إخوانهم في الدور والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم لكم» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما، فذكر الناس، ثم قام 08P610 ولم يزدهم على التخويف، فقال أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عشرة، منهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون: ما حقنا إن لم نحدث عملا، فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم، فنحن نحرم. فحرم بعضهم أكل اللحم والودك، وأن يأكل بالنهار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة، وكان يقال لها: الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم: ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تطيبين؟ فقالت: وكيف أتطيب وأمتشط وما وقع علي زوجي ولا رفع عني ثوبا منذ كذا وكذا، فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يضحكن، فقال: «وما يضحككن؟ » قالت: يا رسول الله، الحولاء سألتها عن أمرها، فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا.
فأرسل إليه فدعاه فقال: «ما بالك يا عثمان؟ » قال: إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة. وقص عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك» ، فقال: يا رسول الله إني صائم. قال: «أفطر» ، فأفطر وأتى أهله فرجعت الحولاء إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيبت. فضحكت عائشة فقالت: ما بالك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم؟ ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما 08P611 أحل الله لكم ولا تعتدوا} [المائدة: 87] ، يقول لعثمان: لا تجب نفسك، فإن هذا هو الاعتداء، وأمرهم أن يكفروا أيمانهم، فقال: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] قال: هم رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا. ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم فذكر ذلك لهم. فقالوا: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني» حدثني محمد بن سعد قال: ثنا أبي قال ثنا عمي قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] ، وذلك أن رجالا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم منهم عثمان بن مظعون حرموا النساء واللحم على أنفسهم، وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكي تنقطع الشهوة ويتفرغوا لعبادة ربهم. فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما أردتم؟ » فقالوا: أردنا أن تنقطع الشهوة عنا ونتفرغ لعبادة ربنا، ونلهو عن النساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم أومر بذلك، ولكني أمرت في ديني أن أتزوج النساء» . فقالوا: نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] 08P612 إلى قوله: {الذي أنتم به مؤمنون} [المائدة: 88] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا، ويخصوا، أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله: {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} [المائدة: 88] " قال ابن جريج عن عكرمة: إن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالما مولى أبي حذيفة، في أصحاب تبتلوا، فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما أكل ولبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] ، يقول: لا تستنوا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من صيام النهار وقيام الليل، وما هموا له من الإخصاء. فلما نزلت فيهم بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا» قالوا: اللهم أسلمنا واتبعنا ما أنزلت حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] ، قال: قال أبي: ضاف عبد الله بن رواحة ضيف، فانقلب ابن رواحة ولم يتعش، فقال لأهله: ما عشيته؟
فقالت: كان الطعام قليلا فانتظرت أن تأتي. قال: فحبست ضيفي من أجلي؟ فطعامك علي حرام إن ذقته، فقالت هي: وهو علي حرام إن ذقته إن لم تذقه، وقال الضيف: هو علي حرام إن ذقته إن لم تذوقوه. فلما رأى ذلك، قال ابن رواحة: قربي طعامك، كلوا بسم الله، وغدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أحسنت» ، فنزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] وقرأ حتى بلغ: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] إذا قلت: «والله لا أذوقه» ، فذلك العقد حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا عكرمة، عن ابن عباس، " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني إذا أصبت من اللحم انتشرت وأخذتني شهوتي، فحرمت اللحم. فأنزل الله تعالى ذكره: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا خالد الحذاء، عن 08P614 عكرمة، قال: " هم أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك النساء والخصاء، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] الآية واختلفوا في معنى الاعتداء الذي قال تعالى ذكره: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] ، فقال بعضهم: " الاعتداء الذي نهى الله عنه في هذا الموضع هو ما كان عثمان بن مظعون هم به من جب نفسه، فنهي عن ذلك، وقيل له: هذا هو الاعتداء " وممن قال ذلك السدي حدثنا محمد بن الحسين قال: ثني أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط عنه به وقال آخرون: «بل ذلك» هو ما كان الجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا به من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم، فنهوا أن يفعلوا ذلك وأن يستنوا بغير سنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم " وممن قال ذلك عكرمة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عنه به وقال بعضهم: بل ذلك نهي من الله تعالى ذكره أن يتجاوز الحلال إلى الحرام ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن عاصم، عن الحسن، {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا} [المائدة: 87] ، قال: «لا تعتدوا إلى ما حرم عليكم» وقد بينا أن معنى الاعتداء: تجاوز المرء ماله إلى ما ليس له في كل شيء، فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد عم بقوله: {لا تعتدوا} [البقرة: 190] النهي عن العدوان كله، كان الواجب أن يكون محكوما لما عمه بالعموم حتى يخصه ما يجب التسليم له. وليس لأحد أن يتعدى حد الله تعالى في شيء من الأشياء مما أحل أو حرم، فمن تعداه فهو داخل في جملة من قال تعالى ذكره: {إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] ، وغير مستحيل أن تكون الآية نزلت في أمر عثمان بن مظعون والرهط الذين هموا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هموا به من تحريم بعض ما أحل الله لهم على أنفسهم، ويكون مرادا بحكمها كل من كان في مثل معناهم ممن حرم على نفسه ما أحل الله له، أو أحل ما حرم الله عليه، أو تجاوز حدا حده الله له، وذلك أن الذين هموا بما هموا به من تحريم بعض ما أحل لهم على أنفسهم إنما عوتبوا على ما هموا به من تجاوزهم ما سن لهم وحد إلى غيره 08P615
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?