Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bagian V09/P092–V09/P094

قالوا: فإنكما خنتمانا فقبضوا المال ورفعوا أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] إلى آخر الآية. فلما نزل: أن يحبسا من بعد الصلاة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله رب السموات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنا قليلا من الدنيا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، فلما حلفا خلي سبيلهما. ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت، فأخذ الداريان فقالا: اشتريناه منه في حياته وكذبا، فكلفا البينة فلم يقدرا عليها. فرفعوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {فإن عثر} [المائدة: 107] ، يقول: فإن اطلع على أنهما استحقا إثما، يعني الداريين، إن كتما حقا، فآخران من أولياء الميت يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان، فيقسمان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي يطلب قبل الداريين لحق، وما اعتدينا، إنا إذن لمن الظالمين. هذا قول الشاهدين أولياء الميت، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، يعني: الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك " قال أبو جعفر: " ففيما ذكرنا من هذه الأخبار التي روينا دليل واضح على صحة ما قلنا من أن حكم الله تعالى باليمين على الشاهدين في هذا الموضع، إنما هو من أجل دعوى ورثته على المسند إليهما الوصية خيانة فيما دفع الميت من ماله إليهما، أو غير ذلك مما لا يبرأ فيها المدعي ذلك قبله إلا بيمين، وإن نقل اليمين إلى ورثة الميت بما أوجبه الله تعالى بعد أن عثر على الشاهدين أنهما استحقا إثما في أيمانهما، ثم ظهر على كذبهما فيها، إن القوم ادعوا فيما صح أنه كان للميت دعوى من انتقال ملك عنه إليهما ببعض ما تزول به الأملاك، مما يكون اليمين فيها على ورثة الميت دون المدعى، وتكون البينة فيها على المدعي، وفساد ما خالف في هذه الآية ما قلنا من التأويل. وفيها أيضا البيان الواضح على أن معنى الشهادة التي ذكرها الله تعالى في أول هذه القصة إنما هي اليمين، كما قال الله تعالى في مواضع أخر: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} [النور: 6] ، فالشهادة في هذا الموضع معناها القسم من قول القائل: أشهد بالله إنه لمن الصادقين، وكذلك معنى قوله: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] إنما هو قسم بينكم، {إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية} [المائدة: 106] أن يقسم {اثنان ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] إن كانا ائتمنا على ما قال، فارتيب بهما، أو ائتمن آخران من غير المؤمنين فاتهما. وذلك أن الله تعالى لما ذكر نقل اليمين من اللذين ظهر على خيانتهما إلى الآخرين قال: {فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة: 107] ، ومعلوم أن أولياء الميت المدعين قبل اللذين ظهر على خيانتهما، غير جائز أن يكونا شهداء بمعنى الشهادة التي يؤخذ بها في الحكم حق مدعى عليه لمدع، لأنه لا يعلم لله تعالى حكم قضى فيه لأحد بدعواه، ويمينه على مدعى عليه بغير بينة ولا إقرار من المدعى عليه ولا برهان. فإذا كان معلوما أن قوله: {لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة: 107] إنما معناه: قسمنا أحق من قسمهما، وكان قسم اللذين عثر على أنهما أثما هو الشهادة التي ذكر الله تعالى في قوله: {أحق من شهادتهما} [المائدة: 107] ، صح أن معنى قوله: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] بمعنى الشهادة في قوله: {لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة: 107] ، وأنها بمعنى القسم. واختلفت القراء في قراءة قوله: {من الذين استحق عليهم الأوليان} [المائدة: 107] ، فقرأ ذلك قراء الحجاز والعراق والشام: (من الذين استحق عليهم الأوليان) بضم التاء.

Bagian V09/P094–V09/P095

وروي عن علي وأبي بن كعب والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك: {من الذين استحق عليهم} [المائدة: 107] بفتح التاء واختلفت أيضا في قراءة قوله: {الأوليان} [المائدة: 107] ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والشام والبصرة: {الأوليان} [المائدة: 107] ، وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: «الأولين» . وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: (من الذين استحق عليهم الأولان) وأولى القراءتين بالصواب في قوله: (من الذين استحق عليهم) قراءة من قرأ بضم التاء، لإجماع الحجة من القراء عليه، مع مساعدة عامة أهل التأويل على صحة تأويله، وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله: فآخران من أهل الميت الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم، يقومان مقام المستحق الإثم فيهما بخيانتهما ما خانا من مال الميت وقد ذكرنا قائل ذلك أو أكثر قائليه فيما مضى قبل، ونحن ذاكروا باقيهم إن شاء الله تعالى ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] : «أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران لا يحضره غير اثنين منهم، فإن رضي ورثته ما عاجل عليه من تركته فذاك، وحلف الشاهدان إن اتهما إنهما لصادقان، فإن عثر، وجد أنهما استحقا إثما حلف الاثنان الأوليان من الورثة، فاستحقا، وأبطلا أيمان الشاهدين» وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح التاء، أرادوا أن يوجهوا تأويله إلى: فآخران يقومان مقامهما مقام المؤتمنين اللذين عثر على خيانتهما في القسم والاستحقاق 09P097 به عليهما دعواهما قبلهما من الذين استحق على المؤتمنين على المال على خيانتهما القيام مقامهما في القسم والاستحقاق في الأوليان بالميت. وكذلك كانت قراءة من رويت هذه القراءة عنه، فقرأ ذلك: {من الذين استحق} [المائدة: 107] بفتح التاء على معنى: الأوليان بالميت وماله. وذلك مذهب صحيح وقراءة غير مدفوعة صحتها، غير أنا نختار الأخرى لإجماع الحجة من القراء عليها مع موافقتها التأويل الذي ذكرنا عن الصحابة والتابعين حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن، وكريب، عن علي، أنه كان يقرأ: (من الذين استحق عليهم الأوليان) حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي بن كعب، " أنه كان يقرأ: (من الذين استحق عليهم الأوليان) وأما أولى القراءات بالصواب في قوله: {الأوليان} [المائدة: 107] عندي، فقراءة من 09P098 قرأ: {الأوليان} [المائدة: 107] بصحة معناها، وذلك لأن معنى: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم، ثم حذف (الإثم) وأقيم مقامه (الأوليان) ، لأنهما هما اللذان ظلما وأثما فيهما بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم وعثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان ائتمنهما عليه الميت، كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مثل ذلك من حذفهم الفعل اجتزاء بالاسم، وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل. ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة، وهو قوله: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان} [المائدة: 106] ، ومعناه: أن يشهد اثنان، وكما قال: {فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا} [المائدة: 106] ، فقال: {به} [المائدة: 106] ، فعاد بالهاء على اسم (الله) ، وإنما المعنى: لا نشتري بقسمنا بالله، فاجتزئ بالعود على اسم الله بالذكر، والمراد به: لا نشتري بالقسم بالله استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم. وكذلك اجتزئ بذكر الأوليين من ذكر الإثم الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إياها، إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته، وذلك قوله: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} [المائدة: 107] ، وأما الذين قرءوا ذلك: (الأولين) ، فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن (الذين) ، فأخرجوا ذلك على وجه الجمع، إذ كان (الذين) جمعا وخفضا، إذ كان (الذين) 09P099 مخفوضا.

Bagian V09/P095–V09/P097

وذلك وجه من التأويل، غير أنه إنما يقال للشيء أول، إذا كان له آخر هو له أول، وليس للذين استحق عليهم الإثم آخرهم له أول، بل كانت أيمان الذين عثر على أنهما استحقا إثما قبل إيمانهم، فهم إلى أن يكونوا إذ كانت أيمانهم آخرا أولى أن يكونوا آخرين من أن يكونوا أولين وأيمانهم آخرة لأولى قبلها. وأما القراءة التي حكيت عن الحسن، فقراءة عن قراءة الحجة من القراء شاذة، وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلا على بعدها من الصواب. واختلف أهل العربية في الرافع لقوله: {الأوليان} [المائدة: 107] إذا قرئ كذلك، فقال بعض نحويي البصرة: يزعم أنه رفع ذلك بدلا من (آخران) في قوله: {فآخران يقومان مقامهما} [المائدة: 107] ، وقال: إنما جاز أن يبدل الأوليان وهو معرفة من آخران وهو نكرة، لأنه حين قال: {يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم} [المائدة: 107] كان كأنه قد حدهما حتى صارا كالمعرفة في المعنى، فقال: (الأوليان) ، فأجرى المعرفة عليهما بدلا. قال: ومثل هذا مما يجري على المعنى كثير واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز: [+البحر الرجز] علي يوم يملك الأمورا صوم شهور وجبت نذورا وبادنا مقلدا منحورا 09P100 قال: فجعله (علي واجب) ، لأنه في المعنى قد أوجب. وكان بعض نحويي الكوفة ينكر ذلك ويقول: لا يجوز أن يكون (الأوليان) بدلا من (آخران) من أجل أنه قد نسق (فيقسمان) على (يقومان) في قوله: {فآخران يقومان} [المائدة: 107] ، فلم يتم الخبر عند من قال: لا يجوز الإبدال قبل إتمام الخبر، كما قال: غير جائز (مررت برجل قام زيد وقعد) ، وزيد بدل من رجل. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: (الأوليان) مرفوعان بما لم يسم فاعله، وهو قوله: (استحق عليهم) ، وإنهما موضع الخبر عنهما، فعمل فيهما ما كان عاملا في الخبر عنهما، وذلك أن معنى الكلام: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الإثم بالخيانة، فوضع (الأوليان) موضع (الإثم) كما قال تعالى في موضع آخر: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر} [التوبة: 19] ، ومعناه: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر؟ وكما قال: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} [البقرة: 93] ، وكما قال بعض الهذليين: [+البحر الوافر] يمشي بيننا حانوت خمر من الخرس الصراصرة القطاط وهو يعني صاحب حانوت خمر، فأقام الحانوت مقامه لأنه معلوم أن 09P101 الحانوت لا يمشي، ولكن لما كان معلوما عنده أنه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه حذف الصاحب واجتزأ بذكر الحانوت منه، فكذلك قوله: (من الذين استحق عليهم الأوليان) ، إنما هو من الذين استحق فيهم خيانتهما، فحذفت (الخيانة) وأقيم (المختانان) مقامها، فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر. وأما قوله: {عليهم} [المائدة: 107] في هذا الموضع، فإن معناها: فيهم، كما قال تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] ، يعني: في ملك سليمان، وكما قال: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: 71] ف (في) توضع موضع (على) ، و (على) في موضع (في) ، كل واحدة منهما تعاقب صاحبتها في الكلام، ومنه قول الشاعر: [+البحر الوافر] متى ما تنكروها تعرفوها على أقطارها علق نفيث وقد تأولت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى: ( {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان} [المائدة: 107] ) أنهما رجلان آخران من المسلمين، أو رجلان أعدل من المقسمين الأولين ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن شريح، في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم 09P102 الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ، قال: «إذا كان الرجل بأرض غربة، ولم يجد مسلما يشهده على وصيته، فأشهد يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا، فشهادتهم جائزة.

Bagian V09/P097–V09/P102

فإن جاء رجلان مسلمان فشهدا بخلاف شهادتهم، أجيزت شهادة المسلمين وأبطلت شهادة الآخرين» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فإن عثر} [المائدة: 107] «أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيزت شهادة الآخرين وأبطلت شهادة الأولين» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: كان ابن عباس يقرأ: (من الذين استحق عليهم الأولين) ، قال: كيف يكون (الأوليان) ، أرأيت لو كان الأوليان صغيرين؟ حدثنا هناد وابن وكيع، قالا: ثنا عبدة، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان يقرأ: (من الذين استحق عليهم الأولين) قال: وقال: أرأيت لو كان الأوليان صغيرين، كيف يقومان مقامهما؟ قال الإمام أبو جعفر: فذهب ابن عباس فيما أرى إلى نحو القول الذي حكيت عن شريح وقتادة، من أن ذلك رجلان آخران من المسلمين يقومان مقام 09P103 النصرانيين، أو عدلان من المسلمين هما أعدل وأجوز شهادة من الشاهدين الأولين أو المقسمين. وفي إجماع جميع أهل العلم على أن لا حكم لله تعالى يجب فيه على شاهد يمين فيما قام به من الشهادة، دليل واضح على أن غير هذا التأويل الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى: {فآخران يقومان مقامهما} [المائدة: 107] أولى به. وأما قوله {الأوليان} [المائدة: 107] ، فإن معناه عندنا: الأولى بالميت من المقسمين الأولين فالأولى، وقد يحتمل أن يكون معناه: الأولى باليمين منهما فالأولى، ثم حذف (منهما) ، والعرب تفعل ذلك فتقول: فلان أفضل، وهي تريد أفضل منك، وذلك إذا وضع أفعل موضع الخبر. وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه الألف واللام، فعلوا ذلك أيضا إذا كان جوابا لكلام قد مضى، فقالوا: هذا الأفضل، وهذا الأشرف يريدون هو الأشرف منك وقال ابن زيد: معنى ذلك: الأوليان بالميت حدثني يونس، عن ابن وهب، عنه 09P103

Bagian V09/P102–V09/P105

[المائدة: 107] القول في تأويل قوله تعالى: {فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين} [المائدة: 107] يقول تعالى ذكره: فيقسم الآخران اللذان يقومان مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثما بخيانتهما مال الميت الأوليان باليمين والميت من الخائنين: لشهادتنا أحق من شهادتهما، يقول: لأيماننا أحق من أيمان المقسمين المستحقين الإثم وأيمانهما الكاذبة في أنهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميتنا، وكذا في أيمانهما التي حلفا بها وما اعتدينا يقول: وما تجاوزنا الحق في أيماننا. وقد بينا أن معنى الاعتداء: المجاوزة في الشيء حده. إنا إذا لمن الظالمين يقول: إنا إن كنا اعتدينا في أيماننا، فحلفنا مبطلين فيها كاذبين، لمن الظالمين، يقول: لمن عداد من يأخذ ما ليس له أخذه، ويقتطع بأيمانه الفاجرة أموال الناس 09P104 [المائدة: 108] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين} [المائدة: 108] يعني تعالى ذكره بقوله: ذلك: هذا الذي قلت لكم في أمر الأوصياء إذا ارتبتم في أمرهم واتهمتموهم بخيانة المال من أوصى إليهم من حبسهم بعد الصلاة، واستحلافكم إياهم على ما ادعى قبلهم أولياء الميت. أدنى لهم أن يأتوا بالشهادة على وجهها يقول: هذا الفعل إذا فعلتم بهم أقرب لهم أن يصدقوا في أيمانهم، ولا يكتموا، ويقروا بالحق، ولا يخونوا. أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم، يقول: أو يخافوا هؤلاء الأوصياء إن عثر عليهم أنهم استحقوا إثما في أيمانهم بالله، أن ترد أيمانهم على أولياء الميت بعد أيمانهم التي عثر عليها أنها كذب، فيستحقوا بها ما ادعوا قبلهم من حقوقهم، فيصدقوا حينئذ في أيمانهم وشهادتهم مخافة الفضيحة على أنفسهم، وحذرا أن يستحق عليهم ما خانوا فيه أولياء الميت وورثته وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وقد تقدمت الرواية بذلك عن بعضهم، نحن ذاكرو الرواية في ذلك عن بعض من بقي منهم. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} [المائدة: 107] ، يقول: " إن اطلع على أن الكافرين كذبا، {فآخران يقومان مقامهما} [المائدة: 107] يقول: من الأولياء، فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة وأنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء. يقول تعالى ذكره: ذلك أدنى أن يأتي الكافرون بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم. وليس على شهود المسلمين أقسام، وإنما الأقسام إذا كانوا كافرين " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة} [المائدة: 108] الآية، يقول: «ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم، وأن يخافوا العقاب» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أو 09P106 يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} [المائدة: 108] ، قال: «فتبطل أيمانهم، وتؤخذ أيمان هؤلاء» وقال آخرون: معنى ذلك: {تحبسونهما من بعد الصلاة} [المائدة: 106] ، {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} [المائدة: 108] ، و {على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما} [المائدة: 107] ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنا قليلا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته، فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ولم أجز لكما شهادة وعاقبتكما. فإن قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها " 09P106

Bagian V09/P105–V09/P107

[المائدة: 108] القول في تأويل قوله تعالى: {واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين} [المائدة: 108] يقول تعالى ذكره: وخافوا الله أيها الناس، وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبة، وأن تذهبوا بها مال من يحرم عليكم ماله، وأن تخونوا من ائتمنكم واسمعوا يقول: اسمعوا ما يقال لكم وما توعظون به، فاعملوا به وانتهوا إليه والله لا يهدي القوم الفاسقين يقول: والله لا يوفق من فسق عن أمر ربه فخالفه وأطاع الشيطان وعصى ربه 09P107 وكان ابن زيد يقول: " الفاسق في هذا الموضع: هو الكاذب ". حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} [المائدة: 108] : «الكاذبين يحلفون على الكذب» وليس الذي قال ابن زيد من ذلك عندي بمدفوع، إلا أن الله تعالى عم الخبر بأنه لا يهدي جميع الفساق، ولم يخصص منهم بعضا دون بعض بخبر ولا عقل، فذلك على معاني الفسق كلها حتى يخصص شيئا منها ما يجب التسليم له، فيسلم له ثم اختلف أهل العلم في حكم هاتين الآيتين، هل هو منسوخ، أو هو محكم ثابت؟ فقال بعضهم: هو منسوخ ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن رجل، قد سماه، عن حماد، عن إبراهيم، قال: «هي منسوخة» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " هي منسوخة. يعني هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] الآية " وقال جماعة: هي محكمة وليست بمنسوخة. وقد ذكرنا قول أكثرهم فيما مضى 09P108 والصواب من القول في ذلك أن حكم الآية غير منسوخ، وذلك أن من حكم الله تعالى ذكره الذي عليه أهل الإسلام، من لدن بعث الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، أن من ادعي عليه دعوى مما يملكه بنو آدم أن المدعى عليه لا يبرئه مما ادعي عليه إلا اليمين إذا لم يكن للمدعي بينة تصحح دعواه، وأنه إن اعترف وفي يدي المدعى عليه سلعة له، فادعى أنها له دون الذي في يده، فقال الذي هي في يده: بل هي لي، اشتريتها من هذا المدعي، أن القول قول من زعم الذي هي في يده أنه اشتراها منه دون من هي في يده مع يمينه إذا لم يكن للذي هي في يده بينة تحقق به دعواه الشراء منه. فإذ كان ذلك حكم الله الذي لا خلاف فيه بين أهل العلم، وكانت الآيتان اللتان ذكر الله تعالى ذكره فيهما أمر وصية الموصي إلى عدلين من المسلمين أو إلى آخرين من غيرهم، إنما ألزم النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عنه الوصيين اليمين حين ادعى عليهما الورثة ما ادعوا ثم لم يلزم المدعى عليهما شيئا إذ حلفا، حتى اعترفت الورثة في أيديهما ما اعترفوا من الجام أو الإبريق أو غير ذلك من أموالهم، فزعما أنهما اشترياه من ميتهم، فحينئذ ألزم النبي صلى الله عليه وسلم ورثة الميت اليمين، لأن الوصيين تحولا مدعيين بدعواهما ما وجدا في أيديهما من مال الميت أنه لهما اشتريا ذلك منه فصارا مقرين بالمال للميت مدعيين منه الشراء، فاحتاجا حينئذ إلى بينة تصحح دعواهما، وورثة الميت رب السلعة أولى باليمين منهما، فذلك 09P109 قوله تعالى: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة: 107] الآية. فإذ كان تأويل ذلك كذلك فلا وجه لدعوى مدع أن هذه الآية منسوخة، لأنه غير جائز أن يقضى على حكم من أحكام الله تعالى ذكره أنه منسوخ إلا بخبر يقطع العذر، إما من عند الله، أو من عند رسوله صلى الله عليه وسلم، أو بورود النقل المستفيض بذلك، فأما ولا خبر بذلك، ولا يدفع صحته عقل، فغير جائز أن يقضى عليه بأنه منسوخ 09P107

Bagian V09/P107–V09/P111

[المائدة: 109] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 109] يقول تعالى ذكره: واتقوا الله أيها الناس، واسمعوا وعظه إياكم وتذكيره لكم، واحذروا يوم يجمع الله الرسل. ثم حذف (واحذروا) واكتفى بقوله: واتقوا الله واسمعوا عن إظهاره، كما قال الراجز: علفتها تبنا وماء باردا حتى غدت همالة عيناها يريد: وسقيتها ماء باردا، فاستغنى بقوله (علفتها تبنا) من إظهار سقيتها، إذ كان السامع إذا سمعه عرف معناه. فكذلك في قوله: يوم يجمع الله الرسل حذف (واحذروا) لعلم السامع معناه، اكتفاء بقوله: واتقوا الله واسمعوا، إذ كان ذلك تحذيرا من أمر الله تعالى خلقه عقابه على معاصيه وأما قوله: ماذا أجبتم، فإنه يعني به: ما الذي أجابتكم به أممكم حين دعوتموهم إلى توحيدي والإقرار بي والعمل بطاعتي والانتهاء عن معصيتي؟ قالوا: لا علم لنا اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى قولهم: لا علم لنا، لم يكن ذلك من الرسل إنكارا أن يكونوا كانوا عالمين بما عملت أممهم، ولكنهم ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم، ثم أجابوا بعد أن ثابت إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} [المائدة: 109] قال: " ذلك أنهم لما نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا، قالوا: لا علم لنا. ثم نزلوا منزلا آخر، فشهدوا على قومهم " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، قال: سمعت الحسن، يقول، في قوله: {يوم يجمع الله الرسل} [المائدة: 109] الآية، قال: من هول ذلك اليوم حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن 09P111 الأعمش، عن مجاهد، في قوله: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} [المائدة: 109] فيفزعون، فيقول: ماذا أجبتم؟ فيقولون: {لا علم لنا} [البقرة: 32] وقال آخرون: معنى ذلك: لا علم لنا إلا ما علمتنا ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، في قوله: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} [المائدة: 109] ، فيقولون: {قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 109] وقال آخرون: معنى ذلك: قالوا لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} [المائدة: 109] إلا علم أنت أعلم به منا وقال آخرون: معنى ذلك ماذا أجبتم ماذا عملوا بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟ ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} [المائدة: 109] : ماذا عملوا بعدكم، وماذا أحدثوا بعدكم؟ قالوا: {قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 109] وأولى الأقوال بالصواب، قول من قال: معناه: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا: {لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 109] ، أي أنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفي العلوم وجليها. فإنما نفى القوم أن يكون لهم بما سئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو تعالى ذكره، لا أنهم نفوا أن يكونوا علموا ما شاهدوا، كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنهم يخبرون بما أجابتهم به الأمم وأنهم سيشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء، فقال تعالى ذكره: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] . وأما الذي قاله ابن جريج من أن معناه: ماذا عملت الأمم بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟

Bagian V09/P111–V09/P112

فتأويل لا معنى له، لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يحدث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك، وإذا سئلت عما عملت الأمم بعدها والأمر كذلك فإنما يقال لها: ماذا عرفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهر خبر الله تعالى ذكره عن مسألته إياهم يدل على غير ذلك. 09P112

Bagian V09/P112–V09/P115

[المائدة: 110] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} [المائدة: 110] يقول تعالى ذكره لعباده: احذروا يوم يجمع الله الرسل فيقول لهم: ماذا أجابتكم أممكم في الدنيا إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس ف (إذ) من صلة (أجبتم) ، كأن معناها: ماذا أجابت عيسى الأمم التي أرسل إليها عيسى فإن قال قائل: وكيف سئلت الرسل عن إجابة الأمم إياها في عهد عيسى، ولم يكن في عهد عيسى من الرسل إلا أقل ذلك؟ قيل: جائز أن يكون الله تعالى عنى بقوله: فيقول ماذا أجبتم الرسل الذين كانوا أرسلوا في عهد عيسى. فخرج الخبر مخرج الجميع، والمراد منهم من كان في عهد عيسى، كما قال تعالى: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم والمراد: واحد من الناس، وإن كان مخرج الكلام على جميع الناس ومعنى الكلام: إذ قال الله حين قال يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس يقول: يا عيسى، اذكر أيادي عندك وعند والدتك، إذ قويتك بروح القدس وأعنتك به وقد اختلف أهل العربية في أيدتك ما هو من الفعل، فقال بعضهم: هو فعلتك، كما في قولك: قويتك، فعلت من القوة. وقال آخرون: بل هو فاعلتك من الأيد. وروي عن مجاهد أنه قرأ: (إذ آيدتك) بمعنى: أفعلتك من القوة والأيد. وقوله: بروح القدس يعني بجبريل، يقول: إذ أعنتك بجبريل. وقد بينت معنى ذلك وما معنى القدس فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. 09P114 [المائدة: 110] القول في تأويل قوله تعالى: {تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} [المائدة: 110] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله لعيسى: اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس في حال تكليمك الناس في المهد وكهلا. وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره أنه أيده بروح القدس صغيرا في المهد وكهلا كبيرا، فرد (الكهل) على قوله في المهد لأن معنى ذلك: صغيرا، كما قال الله تعالى ذكره: دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما. وقوله: وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل يقول: واذكر أيضا نعمتي عليك إذ علمتك الكتاب: وهو الخط، والحكمة: وهي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنزلته إليك وهو الإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير يقول: كصورة الطير، بإذني يعني بقوله، تخلق تعمل وتصلح من الطين، كهيئة الطير بإذني يقول: بعوني على ذلك وعلم مني. فتنفخ فيها يقول: فتنفخ في الهيئة، فتكون الهيئة والصورة طيرا بإذني وتبرئ الأكمه يقول: وتشفي الأكمه: وهو الأعمى الذي لا يبصر شيئا المطموس البصر، والأبرص بإذني وقد بينت معاني هذه الحروف فيما مضى من كتابنا هذا مفسرا بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات يقول: واذكر أيضا نعمتي عليك، بكفي عنك بني إسرائيل إذ كففتهم عنك وقد هموا بقتلك، إذ جئتهم بالبينات يقول: إذ جئتهم بالأدلة والأعلام المعجزة على نبوتك وحقية ما أرسلتك به إليهم فقال الذين كفروا منهم، يقول تعالى ذكره: فقال الذين جحدوا نبوتك وكذبوك من بني إسرائيل: إن هذا إلا سحر مبين. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة: إن هذا إلا سحر مبين يعني: يبين عما أتى به لمن رآه ونظر إليه أنه سحر لا حقيقة له. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (إن هذا إلا ساحر مبين) بمعنى: ما هذا، يعني به عيسى، إلا ساحر مبين، يقول: يبين بأفعاله وما يأتي به من هذه الأمور العجيبة عن نفسه أنه ساحر لا نبي صادق. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متفقتان غير مختلفتين، وذلك أن كل من كان موصوفا بفعل السحر فهو موصوف بأنه ساحر، ومن كان موصوفا بأنه ساحر فإنه موصوف بفعل السحر، فالفعل دال على فاعله والصفة تدل على موصوفها، والموصوف يدل على صفته والفاعل يدل على فعله، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته 09P116

Bagian V09/P115–V09/P116

[المائدة: 111] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} [المائدة: 111] يقول تعالى ذكره: واذكر أيضا يا عيسى إذ ألقيت إلى الحواريين، وهم وزراء عيسى على دينه. وقد بينا معنى ذلك، ولم قيل لهم الحواريون فيما مضى بما أغنى عن إعادته. - وقد اختلفت ألفاظ أهل التأويل في تأويل قوله: {وإذ أوحيت} [المائدة: 111] وإن كانت متفقة المعاني، فقال بعضهم بما حدثني به، محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإذ أوحيت إلى الحواريين} [المائدة: 111] يقول: قذفت في قلوبهم 09P117 وقال آخرون: معنى ذلك: ألهمتهم. فتأويل الكلام إذن: وإذ ألقيت إلى الحواريين أن صدقوا بي وبرسولي عيسى، فقالوا: آمنا: أي صدقنا بما أمرتنا أن نؤمن يا ربنا. {واشهد} [المائدة: 111] علينا {بأننا مسلمون} [المائدة: 111] ، يقول: واشهد علينا بأننا خاضعون لك بالذلة سامعون، مطيعون لأمرك 09P116

Bagian V09/P116–V09/P119

[المائدة: 112] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 112] يقول تعالى ذكره: واذكر يا عيسى أيضا نعمتي عليك، إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي، إذ قالوا لعيسى ابن مريم: هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ف (إذ) الثانية من صلة (أوحيت) . واختلفت القراء في قراءة قوله: يستطيع ربك، فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين: (هل تستطيع) بالتاء، (ربك) بالنصب، بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك، وهل تستطيع أن تدعو ربك، أو هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكين أن الله تعالى ذكره قادر أن ينزل عليهم ذلك، وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي 09P118 مليكة، قال: قالت عائشة: " كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة، ولكن قالوا: يا عيسى، هل تستطيع ربك؟ " حدثني أحمد بن يوسف الثعلبي، قال : ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا ابن مهدي، عن جابر بن يزيد بن رفاعة، عن حيان بن مخارق، عن سعيد بن جبير، أنه قرأها كذلك: (هل تستطيع ربك) ، وقال: تستطيع أن تسأل ربك؟ وقال: ألا ترى أنهم مؤمنون؟ . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والعراق: {هل يستطيع} [المائدة: 112] بالياء {ربك} [المائدة: 112] ، بمعنى أن ينزل علينا ربك، كما يقول الرجل لصاحبه: أتستطيع أن تنهض معنا في كذا؟ وهو يعلم أنه يستطيع، ولكنه إنما يريد: أتنهض معنا فيه؟ وقد يجوز أن يكون مراد قارئه كذلك: هل يستجيب لك ربك ويطيعك أن تنزل علينا؟ وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ ذلك: {هل يستطيع} [المائدة: 112] بالياء {ربك} [المائدة: 112] برفع الرب، بمعنى: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟ وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب لما بينا قبل من أن قوله: {إذ قال الحواريون} [المائدة: 112] من صلة {إذ أوحيت} [المائدة: 111] ، وأن معنى الكلام: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك} [المائدة: 112] ، فبين إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكره قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قيلهم ذلك، والإقرار لله بالقدرة على كل شيء، وتصديق رسوله فيما أخبرهم عن ربهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظاما منه لما قالوا: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 112] ، ففي استتابة الله إياهم، ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك، واستعظام نبي الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم، الدلالة الكافية من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع الرب، إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى لو كانوا قالوا له: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ أن تستكبر هذا الاستكبار. فإن ظن ظان أن قولهم ذلك له إنما هو استعظام منهم، لأن ذلك منهم كان مسألة آية، فإن الآية إنما يسألها الأنبياء من كان بها مكذبا، ليتقرر عنده حقيقة ثبوتها وصحة أمرها، كما كانت مسألة قريش نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحول لهم الصفا ذهبا، ويفجر فجاج مكة أنهارا من سأله من مشركي قومه، وكما كانت مسألة صالح الناقة من مكذبي قومه، ومسألة شعيب أن يسقط كسفا من السماء من كفار من أرسل إليهم.

Bagian V09/P119–V09/P121

وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، على هذا الوجه كانت مسألتهم، فقد أحلهم الذين قرءوا ذلك بالتاء ونصب الرب محلا أعظم من المحل الذي ظنوا أنهم نزهوا ربهم عنه، أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبي مبعوث ورسول مرسل، وأن الله تعالى على ما سألوا من ذلك قادر. فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتهم إياه ذلك على نحو ما يسأل أحدهم نبيه، إذا كان فقيرا أن يسأل له ربه أن يغنيه، وإن عرضت به حاجة أن يسأل له ربه أن يقضيها، فأنى ذلك من مسألة الآية في شيء؟ بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيه مسألة ربه أن يقضيها له. وخبر الله تعالى عن القوم ينبئ بخلاف ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى، إذ قال لهم: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين، قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا} [المائدة: 113] ، فقد أنبأ هذا من قيلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوته، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم مرض وشك في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختبارا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس، أنه كان يحدث عن عيسى، صلى الله عليه وسلم أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم؟ فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير، قلت لنا: إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا حين نفرغ طعاما، ف {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال} [المائدة: 112] عيسى {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين، قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين} [المائدة: 113] إلى قوله: {لا أعذبه أحدا من العالمين} [المائدة: 115] ، قال: فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} [المائدة: 112] ، قالوا: هل يطيعك ربك إن سألته؟ فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطعام إلا اللحم، فأكلوا منها " 09P122 وأما المائدة فإنها الفاعلة، من ماد فلان القوم يميدهم ميدا: إذا أطعمهم ومارهم، ومنه قول رؤبة: [+البحر الرجز] نهدي رءوس المترفين الأنداد إلى أمير المؤمنين الممتاد يعني بقوله: الممتاد: المستعطي، فالمائدة المطعمة سميت (الخوان) بذلك، لأنها تطعم الآكل مما عليها. والمائد: المدار به في البحر، يقال: ماد يميد ميدا وأما قوله: {قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 112] ، فإنه يعني: قال عيسى للحواريين القائلين له: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} [المائدة: 112] : راقبوا الله أيها القوم، وخافوا أن ينزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا، فإن الله لا يعجزه شيء أراده، وفي شككم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء كفر به، فاتقوا الله أن ينزل بكم نقمته. {إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] ، يقول: إن كنتم مصدقي على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} [المائدة: 112] . 09P122

Bagian V09/P121–V09/P122

[المائدة: 113] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين} [المائدة: 113] يعني تعالى ذكره بذلك: قال الحواريون مجيبي عيسى على قوله لهم: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين في قولكم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء: إنا إنما قلنا ذلك وسألناك أن تسأل لنا ربنا لنأكل من المائدة، فنعلم يقينا قدرته على كل شيء. وتطمئن قلوبنا، يقول: وتسكن قلوبنا وتستقر على وحدانيته وقدرته على كل ما شاء وأراد، ونعلم أن قد صدقتنا، ونعلم أنك لم تكذبنا في خبرك أنك لله رسول مرسل، ونبي مبعوث ونكون عليها، يقول: ونكون على المائدة، من الشاهدين يقول: ممن يشهد أن الله أنزلها حجة لنفسه علينا في توحيده وقدرته على ما شاء، ولك على صدقك في نبوتك. 09P123

Bagian V09/P122–V09/P124

[المائدة: 114] القول في تأويل قوله تعالى: {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين} [المائدة: 114] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم أنه أجاب القوم إلى ما سألوه من مسألة ربه مائدة تنزل عليهم من السماء ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا، فقال بعضهم: معناه: نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} [المائدة: 114] يقول: «نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} [المائدة: 114] ، قال: «أرادوا أن تكون لعقبهم من بعدهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا} [المائدة: 114] قال: الذين هم أحياء منهم يومئذ، {وآخرنا} [المائدة: 114] من بعدهم منهم حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: قال سفيان: {تكون لنا عيدا} [المائدة: 114] قالوا: نصلي فيه، نزلت مرتين وقال آخرون: معناه: نأكل منها جميعا ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس، أنه قال: «أكل منها يعني من المائدة حين وضعت بين أيديهم آخر الناس كما أكل منها أولهم» وقال آخرون: معنى قوله: {عيدا} [المائدة: 114] : عائدة من الله تعالى علينا حجة وبرهانا وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: تكون لنا عيدا، نعبد ربنا في اليوم الذي تنزل فيه ونصلي له فيه، كما يعيد الناس في أعيادهم. لأن المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في العيد ما ذكرنا دون القول الذي قاله من قال معناه: عائدة من الله علينا، وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام من خوطب به 09P125 أولى من توجيهه إلى المجهول منه ما وجد إليه السبيل. وأما قوله: {لأولنا وآخرنا} [المائدة: 114] ، فإن الأولى من تأويله بالصواب قول من قال: تأويله للأحياء منا اليوم ومن يجيء بعدنا منا للعلة التي ذكرناها في قوله: {تكون لنا عيدا} [المائدة: 114] ، لأن ذلك هو الأغلب من معناه وأما قوله: {وآية منك} [المائدة: 114] فإن معناه: وعلامة وحجة منك يا رب على عبادك في وحدانيتك، وفي صدقي على أني رسول إليهم بما أرسلتني به. {وارزقنا وأنت خير الرازقين} [المائدة: 114] : وأعطنا من عطائك، فإنك يا رب خير من يعطي، وأجود من تفضل، لأنه لا يدخل عطاءه من ولا نكد. وقد اختلف أهل التأويل في المائدة، هل أنزلت عليهم أم لا؟ وما كانت؟

Bagian V09/P124–V09/P128

فقال بعضهم: نزلت وكانت حوتا وطعاما، فأكل القوم منها، ولكنها رفعت بعدما نزلت بأحداث منهم أحدثوها فيما بينهم وبين الله تعالى ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: «نزلت المائدة خبزا وسمكا» حدثني الحسين بن علي الصدائي، قال: ثنا أبي، عن الفضيل، عن عطية، قال: «المائدة سمكة فيها طعم كل طعام» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عبيد الله، عن فضيل، عن مسروق، عن عطية قال: " 09P126 المائدة: سمك فيه من طعم كل طعام " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن قال: «نزلت المائدة خبزا وسمكا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: «نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاءوا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا المنذر بن النعمان، أنه سمع وهب بن منبه، يقول في قوله: {أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا} [المائدة: 114] قال: «نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات» قال الحسن: قال أبو بكر: فحدثت به عبد الصمد بن معقل، فقال: سمعت وهبا، وقيل له: وما كان ذلك يغني عنهم؟ فقال: لا شيء، ولكن الله حثا بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ويجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكلوا جميعهم وأفضلوا حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، قال: «هو الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 09P127 نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {مائدة من السماء} [المائدة: 112] قال: «مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تنزل عليهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، عن إسحاق بن عبد الله: أن المائدة، نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها ما شاءوا. قال: فسرق بعضهم منها، وقال: لعلها لا تنزل غدا فرفعت " حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن سماك بن حرب، عن رجل، من بني عجل قال: صليت إلى جنب عمار بن ياسر، فلما فرغ قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: فقلت : لا. قال: إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد، قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني أعذبكم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. قال: فما تم يومهم حتى خبئوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين. وإنكم معشر العرب كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم على لسان نبيكم أنكم ستظهرون على العرب، ونهاكم أن تكنزوا الذهب والفضة، وايم الله لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما ويعذبكم عذابا أليما " حدثنا الحسن بن قزعة البصري، قال: ثنا سفيان بن حبيب، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نزلت المائدة خبزا ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير» حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال: ثنا يوسف بن خالد قال: ثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في المائدة قال: «كانت طعاما ينزل عليهم من السماء حيثما نزلوا» ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار، قال: " نزلت المائدة، وعليها ثمر من ثمر الجنة، فأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا.

Bagian V09/P128–V09/P130

قال: فخان القوم وخبئوا وادخروا، فحولهم الله قردة وخنازير " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنها كانت مائدة ينزل عليها الثمر من ثمار الجنة، وأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا لغد، بلاء ابتلاهم الله به، وكانوا إذا فعلوا شيئا من ذلك أنبأهم به عيسى، فخان القوم فيه فخبئوا وادخروا لغد " وقال آخرون: كان عليها من كل طعام إلا اللحم ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: «كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل، اختلفت عليها الأيدي بكل طعام» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عطاء، عن ميسرة، وزاذان، قالا: «كانت الأيدي تختلف عليها بكل طعام» حدثني الحرث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن زاذان وميسرة، في: {هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} [المائدة: 112] ، قالا: «رأوا الأيدي تختلف عليها بكل شيء إلا اللحم» وقال آخرون: لم ينزل الله على بني إسرائيل مائدة. ثم اختلف قائلو هذه المقالة، فقال بعضهم: إنما هذا مثل ضربه الله تعالى لخلقه نهاهم به عن مسألة نبي الله الآيات ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {أنزل علينا مائدة من السماء} [المائدة: 114] ، قال: مثل ضرب، لم ينزل عليهم شيء " وقال آخرون: إن القوم لما قيل لهم: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} [المائدة: 115] استعفوا منها فلم تنزل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول لما قيل لهم: {فمن يكفر بعد منكم} [المائدة: 115] إلى آخر الآية، قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن أنه قال في المائدة: لم تنزل حدثني الحرث، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: «مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تنزل، عليهم» 09P131 والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربه. وإنما قلنا ذلك للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم غير من انفرد بما ذكرنا عنه. وبعد، فإن الله تعالى لا يخلف وعده ولا يقع في خبره الخلف، وقد قال تعالى مخبرا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم حين سأله ما سأله من ذلك: {إني منزلها عليكم} [المائدة: 115] ، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره: {إني منزلها عليكم} [المائدة: 115] ، ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه تعالى خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول: {إني منزلها عليكم} [المائدة: 115] ، ثم لا ينزلها عليهم، جاز أن يقول: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} [المائدة: 115] ، ثم يكفر منهم بعد ذلك فلا يعذبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة، وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى بذلك. وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون كان سمكا وخبزا، وجائز أن يكون كان ثمرا من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل 09P130

Bagian V09/P130–V09/P131

[المائدة: 115] القول في تأويل قوله تعالى: {قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} [المائدة: 115] وهذا جواب من الله تعالى القوم فيما سألوا نبيهم عيسى مسألة ربهم من إنزاله مائدة عليهم، فقال تعالى ذكره: إني منزلها عليكم أيها الحواريون فمطعمكوها فمن يكفر بعد منكم يقول: فمن يجحد بعد إنزالها 09P132 عليكم وإطعامكموها منكم رسالتي إليه، وينكر نبوة نبيي عيسى صلى الله عليه وسلم، ويخالف طاعتي فيما أمرته ونهيته، فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من عالمي زمانه. ففعل القوم، فجحدوا وكفروا بعدما أنزلت عليهم فيما ذكر لنا، فعذبوا فيما بلغنا بأن مسخوا قردة وخنازير كالذي حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إني منزلها عليكم} [المائدة: 115] الآية، ذكر لنا أنهم حولوا خنازير " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، ومحمد بن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن أبي المغيرة القواس، عن عبد الله بن عمرو، قال: " إن أشد الناس عذابا ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون " حدثنا الحسن بن عرفة قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن عوف قال: سمعت أبا المغيرة القواس يقول: قال عبد الله بن عمرو: " إن أشد الناس عذابا يوم القيامة: من كفر من أصحاب المائدة، والمنافقون، وآل فرعون " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {فمن يكفر بعد منكم} [المائدة: 115] بعدما جاءته المائدة، {فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} [المائدة: 115] يقول: أعذبه بعذاب لا أعذبه أحدا من العالمين غير أهل المائدة " 09P132

Bagian V09/P131–V09/P133

[المائدة: 116] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت 09P133 قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 116] يقول تعالى ذكره: يوم يجمع الله الرسل، فيقول ماذا أجبتم، إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ وقيل: إن الله قال هذا القول لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] قال: لما رفع الله عيسى ابن مريم إليه، قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله عن قوله، ف {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 116] إلى قوله: {وأنت على كل شيء شهيد} [المائدة: 117] . وقال آخرون: بل هذا خبر من الله تعالى ذكره عن أنه يقول لعيسى ذلك في القيامة ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] قال: «والناس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت، وأقر له بالعبودية على نفسه، فعلم من 09P134 كان يقول في عيسى ما يقول أنه إنما كان يقول باطلا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: {قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] فأرعدت مفاصله، وخشي أن يكون قد قال، ف {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته} [المائدة: 116] الآية حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] ، متى يكون ذلك؟ قال: يوم القيامة، ألا ترى أنه يقول: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} [المائدة: 119] فعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن جريج يجب أن يكون {وإذ} [البقرة: 30] بمعنى (وإذا) ، كما قال في موضع آخر: {ولو ترى إذ فزعوا} [سبأ: 51] بمعنى: يفزعون. وكما قال أبو النجم: [+البحر الرجز] ثم جزاه الله عنا إذ جزى جنات عدن في العلالي العلا والمعنى: إذا جزى. وكما قال الأسود: [+البحر الطويل] 09P135 فالآن إذ هازلتهن فإنما يقلن ألا لم يذهب الشيخ مذهبا بمعنى: إذا هازلتهن. وكأن من قال في ذلك بقول ابن جريج هذا، وجه تأويل الآية إلى: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} [المائدة: 115] في الدنيا، وأعذبه أيضا في الآخرة، {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] . وأولى القولين عندنا بالصواب في ذلك، قول من قال بقول السدي، وهو أن الله تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه، وأن الخبر خبر عما مضى لعلتين: إحداهما: أن (إذ) إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها الماضي من الفعل، وإن كانت قد تدخلها أحيانا في موضع الخبر عما يحدث إذا عرف السامعون معناها، وذلك غير فاش ولا فصيح في كلامهم، فتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر.

Bagian V09/P133

والأخرى: أن عيسى لم يشك هو ولا أحد من الأنبياء أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه، فيجوز أن يتوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيبا لربه تعالى: إن تعذب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. فإن قال قائل: وما كان وجه سؤال الله عيسى: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] ، وهو العالم بأن عيسى لم يقل ذلك؟ قيل: يحتمل ذلك وجهين من التأويل. 09P136 أحدهما: تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيه، كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا؟ مما يعلم المقول له ذلك أن القائل يستعظم فعل ما قال له: (أفعلته) على وجه النهي عن فعله والتهديد له فيه. والآخر: إعلامه أن قومه الذين فارقهم قد خالفوا عهده وبدلوا دينهم بعده، فيكون بذلك جامعا إعلامه حالهم بعده وتحذيره له قيله. وأما تأويل الكلام، فإنه: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين} [المائدة: 116] ، أي معبودين تعبدونهما من دون الله؟ قال عيسى: تنزيها لك يا رب وتعظيما أن أفعل ذلك أو أتكلم به، ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، يقول: ليس لي أن أقول ذلك لأني عبد مخلوق، وأمي أمة لك، فهل يكون للعبد والأمة ادعاء ربوبية؟ {إن كنت قلته فقد علمته} [المائدة: 116] ، يقول: إنك لا يخفى عليك شيء، وأنت عالم أني لم أقل ذلك ولم آمرهم به 09P134

Bagian V09/P133–V09/P138

[المائدة: 116] القول في تأويل قوله تعالى: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 117] يقول تعالى ذكره مخبرا عن نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم أنه يبرأ إليه مما قالت فيه وفي أمه الكفرة من النصارى أن يكون دعاهم إليه أو أمرهم به، فقال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته، ثم قال: تعلم ما في نفسي، يقول: إنك يا رب لا يخفى عليك ما أضمرته نفسي مما لم أنطق به ولم أظهره بجوارحي، فكيف بما قد نطقت به وأظهرته بجوارحي؟ يقول: لو كنت قد قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله كنت قد علمته، لأنك تعلم ضمائر النفوس مما لم تنطق به، فكيف بما قد نطقت به؟ ولا أعلم ما في نفسك يقول: ولا أعلم أنا ما أخفيته عني فلم تطلعني عليه، لأني إنما أعلم من الأشياء ما أعلمتنيه. إنك أنت علام الغيوب يقول: إنك أنت العالم بخفيات الأمور التي لا يطلع عليها سواك ولا يعلمها غيرك 09P137 [المائدة: 117] القول في تأويل قوله تعالى: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} [المائدة: 117] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول عيسى يقول: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم، وهو أن قلت لهم: اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم. فلما توفيتني يقول: فلما قبضتني إليك، كنت أنت الرقيب عليهم يقول: كنت أنت الحفيظ عليهم دوني، لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم. وفي هذا تبيان أن الله تعالى إنما عرفه أفعال القوم ومقالتهم بعدما قبضه إليه وتوفاه بقوله: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، وأنت على كل شيء شهيد يقول: وأنت تشهد على كل شيء، لأنه لا يخفى عليك شيء، وأما أنا فإنما شهدت بعض الأشياء، وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظهر القوم، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيت وشهدت. وبنحو الذي قلنا في قوله: كنت أنت الرقيب عليهم قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين ، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {كنت أنت الرقيب عليهم} [المائدة: 117] أما الرقيب: فهو الحفيظ " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {كنت أنت الرقيب عليهم} [المائدة: 117] قال: الحفيظ وكانت جماعة من أهل العلم تقول: كان جواب عيسى الذي أجاب به ربه من الله تعالى توقيفا منه له فيه ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} [المائدة: 116] ، قال: الله وقفه حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو داود الحفري قال: قرئ على سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه طاوس قال: " احتج عيسى والله وقفه: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] الآية حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: قال الله تعالى: {يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] قال: فأرعدت مفاصله، وخشي أن يكون قد قالها، ف {قال سبحانك ما يكون لي أن 09P139 أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} [المائدة: 116] 09P138

Pertanyaan