Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الأنعام: 82] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82] اختلف أهل التأويل في الذي أخبر تعالى ذكره عنه أنه قال هذا القول، أعني: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] الآية، فقال بعضهم: هذا فصل القضاء من الله بين إبراهيم خليله عليه السلام وبين من حاجه من قومه من أهل الشرك بالله، إذ قال لهم إبراهيم: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 81] ، فقال الله تعالى فاصلا بينه وبينهم: الذين صدقوا الله، وأخلصوا له العبادة، ولم يخلطوا عبادتهم إياه، وتصديقهم له، بظلم، يعني: بشرك، ولم يشركوا في عبادته شيئا، ثم جعلوا عبادتهم لله خالصا، أحق بالأمن من عقابه مكروه عبادته من الذين يشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأصنام، فإنهم الخائفون من عقابه مكروه عبادتهم، أما في عاجل الدنيا فإنهم وجلون من حلول سخط الله بهم، وأما في الآخرة فإنهم الموقنون بأليم عذاب الله ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثنا أحمد بن إسحاق، قال: يقول الله تعالى ذكره: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] ، " أي الذين أخلصوا كإخلاص إبراهيم صلى الله عليه وسلم لعبادة الله وتوحيده. {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] أي: بشرك، {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82] الأمن من العذاب، والهدى في الحجة بالمعرفة والاستقامة، يقول الله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 83] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 81] قال: فقال الله وقضى بينهم: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: بشرك، قال: {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82] ، فأما الذنوب فليس يبري منها أحد وقال آخرون: هذا جواب من قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم لإبراهيم حين قال لهم: أي الفريقين أحق بالأمن؟ فقالوا له: الذين آمنوا بالله فوحدوه أحق بالأمن إذا لم يلبسوا إيمانهم بظلم ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج: {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 81] أمن يعبد ربا واحدا أم من يعبد أربابا كثيرة؟ يقول قومه: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] بعبادة الأوثان، وهي حجة إبراهيم {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82] وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: هذا خبر من الله تعالى عن أولى الفريقين بالأمن، وفصل قضاء منه بين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وبين قومه، وذلك أن ذلك لو كان من قول قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الأوثان ويشركونها في عبادة الله، لكانوا قد أقروا بالتوحيد واتبعوا إبراهيم على ما كانوا يخالفونه فيه من التوحيد، ولكنه كما ذكرت من تأويله بدءا. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله تعالى بقوله: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } [الأنعام: 82] فقال بعضهم: بشرك ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا} [الأنعام: 82] إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا ترون إلى قول لقمان: إن الشرك لظلم عظيم؟ " قال أبو كريب: قال ابن إدريس: حدثنيه أولا أبي، عن أبان بن تغلب، عن الأعمش، ثم سمعته قيل له: من الأعمش؟
قال: نعم حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي قال: ثني عمي يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا} [الأنعام: 82] إيمانهم بظلم شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا وهو يظلم نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان لابنه: إن الشرك لظلم عظيم؟ " حدثنا هناد قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا} [الأنعام: 82] إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس كما تظنون، وإنما هو كما قال لقمان لابنه: لا تشرك بالله 09P371 إن الشرك لظلم عظيم " حدثنا هناد قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا} [الأنعام: 82] إيمانهم بظلم شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه؟ فقال: " إنه ليس كما تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: يا بني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم؟ إنما هو الشرك " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، في قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «بشرك» حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «بشرك» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن 09P372 عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس بذلك، ألم تسمعوا قول لقمان: إن الشرك لظلم عظيم؟ " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، وابن إدريس، عن الشيباني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن الأسود بن هلال، عن أبي بكر: {الذين آمنوا ولم يلبسوا} [الأنعام: 82] إيمانهم بظلم قال: «بشرك» حدثنا هناد قال: ثنا قبيصة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر: {الذين آمنوا ولم يلبسوا} [الأنعام: 82] إيمانهم بظلم قال: «بشرك» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سعيد بن عبيد الطائي، عن أبي الأشعر العبدي، عن أبيه، أن زيد بن صوحان، سأل سلمان، فقال: يا أبا عبد الله، آية من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] ، فقال سلمان: «هو الشرك بالله تعالى» فقال زيد: ما يسرني بها أني لم أسمعها منك وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سعيد بن عبيد، عن أبي الأشعر، عن أبيه، عن سلمان، قال: «بشرك» حدثنا ابن بشار، وابن وكيع، قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا نسير بن ذعلوق، عن درسب، عن حذيفة، في قوله: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «بشرك» حدثني المثنى قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن رجل، عن عيسى، عن حذيفة، في قوله: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «بشرك» حدثني المثنى، قال: ثنا عارم أبو النعمان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، وغيره، أن ابن عباس، كان يقول: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «بشرك» حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] يقول: «بكفر» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] يقول: " لم 09P374 يلبسوا إيمانهم بالشرك، وقال: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: ثني أبي قال: ثنا جرير بن حازم، عن علي بن زيد، عن المسيب، أن عمر بن الخطاب، قرأ: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] ، فلما قرأها فزع، فأتى أبي بن كعب فقال: يا أبا المنذر، قرأت آية من كتاب الله من يسلم؟
فقال: ما هي؟ فقرأها عليه، فأينا لا يظلم نفسه؟ فقال: " غفر الله لك، أما سمعت الله تعالى يقول: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ؟ إنما هو: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن عمر، دخل منزله، فقرأ في المصحف فمر بهذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] ، فأتى أبيا فأخبره، فقال: «يا أمير المؤمنين، إنما هو الشرك» حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن مهران، أن عمر بن الخطاب، كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأه، فدخل ذات يوم فقرأ، فأتى على هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82] فاشتغل وأخذ 09P375 رداءه، ثم أتى أبي بن كعب فقال: يا أبا المنذر، فتلا هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] ، وقد ترى أنا نظلم ونفعل ونفعل؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا ليس بذاك، يقول الله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ، إنما ذلك الشرك " حدثنا هناد، قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن أبي عثمان عمرو بن سالم قال: قرأ عمر بن الخطاب هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] ، فقال عمر: قد أفلح من لم يلبس إيمانه بظلم، فقال أبي: يا أمير المؤمنين: ذاك الشرك حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أسباط، عن محمد بن مطرف، عن ابن سالم قال: قرأ عمر بن الخطاب، فذكره نحوه حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، في قوله: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «بشرك» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين، عن علي، عن زائدة، عن الحسن بن 09P376 عبيد الله، عن إبراهيم: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «بشرك» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] ، «أي بشرك» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا حميد، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، مثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «بعبادة الأوثان» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «بشرك» حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «بشرك» حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الأعمش، أن ابن مسعود قال: لما نزلت {ولم يلبسوا} [الأنعام: 82] إيمانهم بظلم كبر 09P377 ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا وهو يظلم نفسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما سمعتم قول لقمان: إن الشرك لظلم عظيم " حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «عبادة الأوثان» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن مسعر، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، قال: «بشرك» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «بشرك» وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخلطوا إيمانهم بشيء من معاني الظلم.
وذلك فعل ما نهى الله عن فعله، أو ترك ما أمر الله بفعله، وقالوا: الآية على العموم، لأن الله لم يخص به معنى من معاني الظلم. قالوا: فإن قال لنا قائل: أفلا أمن في الآخرة إلا لمن لم يعص الله في صغيرة ولا كبيرة، وإلا لمن لقي الله ولا ذنب له؟ قلنا: إن الله عنى بهذه الآية خاصا من خلقه دون الجميع منهم، والذي عنى بها وأراده بها خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فأما غيره فإنه إذا لقي الله لا يشرك به شيئا فهو في مشيئته إذا كان قد أتى بعض معاصيه التي لا تبلغ أن تكون كفرا، فإن شاء لم يؤمنه من عذابه، وإن شاء تفضل عليه فعفا عنه. 09P378 قالوا: وذلك قول جماعة من السلف وإن كانوا مختلفين في المعني بالآية، فقال بعضهم: عنى بها إبراهيم، وقال بعضهم: عنى بها المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال: عنى بهذه الآية إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، وحميد بن عبد الرحمن، عن قيس بن الربيع، عن زياد بن علاقة، عن زياد بن حرملة، عن علي، قال: «هذه الآية لإبراهيم صلى الله عليه وسلم خاصة، ليس لهذه الأمة منها شيء » ذكر من قال: عني بها المهاجرون خاصة حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، وحميد بن عبد الرحمن، عن قيس بن الربيع، عن سماك، عن عكرمة: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] قال: «هي لمن هاجر إلى المدينة» وأولى القولين بالصحة في ذلك، ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الخبر الذي رواه ابن مسعود عنه أنه قال: «الظلم الذي ذكره الله تعالى في هذا الموضع هو الشرك» وأما قوله: {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82] فإنه يعني: هؤلاء الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، لهم الأمن يوم القيامة من عذاب الله، {وهم مهتدون} [الأنعام: 82] يقول: وهم المصيبون سبيل الرشاد، والسالكون طريق النجاة 09P378
[الأنعام: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 83] يعني تعالى ذكره بقوله: {وتلك حجتنا} [الأنعام: 83] قول إبراهيم لمخاصميه من قومه المشركين: أي الفريقين أحق بالأمن، أمن يعبد ربا واحدا مخلصا له الدين والعبادة أم من يعبد أربابا كثيرة؟ وإجابتهم إياه بقولهم: بل من يعبد ربا واحدا أحق بالأمن، وقضاءهم له على أنفسهم، فكان في ذلك قطع عذرهم، وانقطاع حجتهم، واستعلاء حجة إبراهيم عليهم، فهي الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه كالذي حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] قال: هي {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: قال إبراهيم حين سأل: أي الفريقين أحق بالأمن؟ قال: هي حجة إبراهيم. وقوله: و {آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] يقول: لقناها إبراهيم وبصرناه إياها، وعرفناه على قومه {نرفع درجات من نشاء} [الأنعام: 83] واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة: (نرفع درجات من نشاء) بإضافة الدرجات إلى من، بمعنى: نرفع الدرجات لمن نشاء. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة {نرفع درجات من نشاء} [الأنعام: 83] بتنوين (الدرجات) ، بمعنى نرفع من نشاء درجات. والدرجات: جمع درجة، وهي المرتبة، وأصل ذلك مراقي السلم ودرجه، ثم تستعمل في ارتفاع المنازل والمراتب. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: هما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء، متقارب معناهما، وذلك أن من رفعت درجته فقد رفع في الدرج، ومن رفع في الدرج فقد رفعت درجته، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك. فمعنى الكلام إذن: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه فرفعنا بها درجته عليهم، وشرفناه بها عليهم في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا فآتيناه فيها أجره، وأما في الآخرة فهو من الصالحين، {نرفع درجات من نشاء} [الأنعام: 83] أي بما فعل من ذلك وغيره وأما قوله: {إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 83] فإنه يعني: إن ربك يا محمد حكيم في سياسته خلقه، وتلقينه أنبياءه الحجج على أممهم المكذبة لهم الجاحدة توحيد ربهم، وفي غير ذلك من تدبيره، عليم بما يئول إليه أمر رسله والمرسل إليهم من 09P381 ثبات الأمم على تكذيبهم إياهم، وهلاكهم على ذلك، وإنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد الله تعالى وتصديق رسله والرجوع إلى طاعته، يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: تأس يا محمد في نفسك وقومك المكذبيك والمشركين بأبيك خليلي إبراهيم صلى الله عليه وسلم، واصبر على ما ينوبك منهم صبره، فإني بالذي يئول إليه أمرك وأمرهم عالم التدبير، فيك وفيهم حكيم 09P380
[الأنعام: 84] القول في تأويل قوله تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين} [الأنعام: 84] يقول تعالى ذكره: فجزينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم على طاعته إيانا، وإخلاصه توحيد ربه، ومفارقته دين قومه المشركين بالله بأن رفعنا درجته في عليين، وآتيناه أجره في الدنيا، ووهبنا له أولادا خصصناهم بالنبوة، وذرية شرفناهم منا بالكرامة وفضلناهم على العالمين، منهم ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب. {كلا هدينا} [الأنعام: 84] يقول: هدينا جميعهم لسبيل الرشاد، فوفقناهم للحق والصواب من الأديان. {ونوحا هدينا من قبل} [الأنعام: 84] يقول: وهدينا لمثل الذي هدينا إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الحق والصواب فوفقناه له، نوحا من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب. {ومن ذريته داود} ، والهاء التي في قوله: {ومن ذريته} [الأنعام: 84] من ذكر نوح، وذلك أن الله تعالى ذكر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطا فقال: {وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين} [الأنعام: 86] ، ومعلوم أن لوطا لم يكن من ذرية إبراهيم صلى الله عليه وسلم أجمعين. فإذا كان ذلك كذلك، وكان معطوفا على أسماء من سمينا من ذريته، كان لا شك أنه لو أريد بالذرية ذرية إبراهيم لما دخل يونس ولوط فيهم، ولا شك أن لوطا ليس من ذرية إبراهيم، ولكنه من ذرية نوح، فلذلك وجب أن تكون الهاء في (الذرية) من ذكر نوح. فتأويل الكلام: ونوحا وفقنا للحق والصواب من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهدينا أيضا من ذرية نوح داود وسليمان. وداود: هو داود بن إيشا. وسليمان هو ابنه، سليمان بن داود. وأيوب هو أيوب بن موص بن روح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم. ويوسف: هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وموسى: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. وهارون: أخو موسى. {وكذلك نجزي المحسنين} [الأنعام: 84] يقول تعالى ذكره: جزينا نوحا بصبره على ما امتحن به فينا بأن هديناه فوفقناه لإصابة الحق الذي خذلنا عنه من عصانا فخالف أمرنا ونهينا من قومه، وهدينا من ذريته من بعده من ذكر تعالى ذكره من أنبيائه لمثل الذي هديناه له. وكما جزينا هؤلاء بحسن طاعتهم إيانا وصبرهم على المحن فينا، كذلك نجزي بالإحسان كل محسن 09P382 [الأنعام: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين} [الأنعام: 85] 09P383 يقول تعالى ذكره: وهدينا أيضا لمثل الذي هدينا له نوحا من الهدى والرشاد من ذريته زكريا بن أزن بن بركيا، ويحيى بن زكريا، وعيسى ابن مريم ابنة عمران بن أشيم بن أمور بن حزقيا، وإلياس. واختلفوا في إلياس، فكان ابن إسحاق يقول: هو إلياس بن يسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران ابن أخي موسى نبي الله صلى الله عليه وسلم. وكان غيره يقول: هو إدريس، وممن ذكر ذلك عنه عبد الله بن مسعود حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيدة بن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود، قال: " إدريس هو إلياس، وإسرائيل هو يعقوب وأما أهل الأنساب فإنهم يقولون: إدريس جد نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ: هو إدريس بن يرد بن مهلائيل. وكذلك روي عن وهب بن منبه. والذي يقول أهل الأنساب أشبه بالصواب، وذلك أن الله تعالى نسب إليه في هذه الآية إلى نوح، وجعله من ذريته، ونوح ابن إدريس عند أهل العلم، 09P384 فمحال أن يكون جد أبيه منسوبا إلى أنه من ذريته. وقوله: {كل من الصالحين} [الأنعام: 85] يقول: من ذكرناه من هؤلاء الذين سمينا من الصالحين، يعني: زكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس صلى الله عليهم 09P383
[الأنعام: 86] القول في تأويل قوله تعالى: {وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين} [الأنعام: 86] يقول تعالى ذكره: وهدينا أيضا من ذرية نوح إسماعيل، وهو إسماعيل بن إبراهيم، واليسع: هو اليسع بن أخطوب بن العجوز. واختلف القراء في قراءة اسمه، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق: {واليسع} [الأنعام: 86] بلام واحدة مخففة. وقد زعم قوم أنه (يفعل) ، من قول القائل: وسع يسع، ولا تكاد العرب تدخل الألف واللام على اسم يكون على هذه الصورة، أعني: على (يفعل) ، لا يقولون: رأيت اليزيد، ولا أتاني التجيب، ولا مررت باليشكر، إلا في ضرورة شعر، وذلك أيضا إذا تحري به المدح، كما قال بعضهم: [+البحر الطويل] وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله فأدخل في (اليزيد) الألف واللام، وذلك لإدخاله إياهما في الوليد، فأتبعه اليزيد بمثل لفظه. وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين: (والليسع) بلامين وبالتشديد، وقالوا: إذا قرئ كذلك كان أشبه بأسماء العجم. وأنكروا التخفيف وقالوا: لا نعرف في كلام العرب اسما على (يفعل) فيه ألف ولام. والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه بلام واحدة مخففة، لإجماع أهل الأخبار على أن ذلك هو المعروف من اسمه دون التشديد، مع أنه اسم أعجمي، فينطق به على ما هو به. وإنما لا يستقيم دخول الألف واللام فيما جاء من أسماء العرب على (يفعل) ، وأما الاسم الذي يكون أعجميا فإنما ينطق به على ما سموا به، فإن غير منه شيء إذا تكلمت العرب، فإنما يغير بتقويم حرف منه من غير حذف ولا زيادة فيه ولا نقصان، واليسع إذا شدد لحقته زيادة لم تكن فيه قبل التشديد. وأخرى أنه لم يحفظ عن أحد من أهل العلم علمنا أنه قال: اسمه (ليسع) ، فيكون مشددا عند دخول الألف واللام اللتين تدخلان للتعريف، {ويونس} [النساء: 163] هو يونس بن متى، {ولوطا وكلا فضلنا} [الأنعام: 86] من ذرية نوح ونوحا، لهم بينا الحق ووفقناهم له. وفضلنا جميعهم {على العالمين} [البقرة: 47] يعني: على عالم أزمانهم 09P385 [الأنعام: 87] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم} [الأنعام: 87] يقول تعالى ذكره: وهدينا أيضا من آباء هؤلاء الذين سماهم تعالى ذكره ومن ذرياتهم وإخوانهم آخرين سواهم لم يسمهم للحق والدين الخالص الذي لا 09P386 شرك فيه، فوفقناهم له. {واجتبيناهم} [الأنعام: 87] يقول: واخترناهم لديننا وبلاغ رسالتنا إلى من أرسلناهم إليه، كالذي اخترنا ممن سمينا، يقال منه: اجتبى فلان لنفسه كذا: إذا اختاره واصطفاه، يجتبيه اجتباء. وكان مجاهد يقول في ذلك ما حدثني به محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: {واجتبيناهم} [الأنعام: 87] قال: «أخلصناهم» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله {وهديناهم إلى صراط مستقيم} [الأنعام: 87] يقول: وسددناهم فأرشدناهم إلى طريق غير معوج، وذلك دين الله الذي لا عوج فيه، وهو الإسلام الذي ارتضاه الله ربنا لأنبيائه، وأمر به عباده 09P386 [الأنعام: 88] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} [الأنعام: 88] يعني تعالى ذكره بقوله: {ذلك هدى الله} [الأنعام: 88] : هذا الهدى الذي هديت به من سميت من الأنبياء والرسل فوفقتهم به لإصابة الدين الحق، الذي نالوا بإصابتهم إياه رضا ربهم وشرف الدنيا وكرامة الآخرة، هو هدى الله، يقول: هو توفيق الله ولطفه، الذي يوفق به من يشاء ويلطف به لمن أحب من خلقه، حتى ينيب إلى طاعة الله وإخلاص العمل له وإقراره بالتوحيد ورفض الأوثان والأصنام {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} [الأنعام: 88] يقول: ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم بربهم تعالى ذكره، فعبدوا معه غيره، {لحبط عنهم} [الأنعام: 88] يقول: لبطل فذهب عنهم أجر أعمالهم التي كانوا يعملون، لأن الله لا يقبل مع الشرك به عملا 09P387
[الأنعام: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] يعني تعالى ذكره بقوله: {أولئك} [البقرة: 5] : هؤلاء الذين سميناهم من أنبيائه ورسله نوحا وذريته الذين هداهم لدين الإسلام واختارهم لرسالته إلى خلقه، هم {الذين آتيناهم الكتاب} [البقرة: 121] ، يعني بذلك: صحف إبراهيم وموسى، وزبور داود، وإنجيل عيسى صلوات الله عليهم أجمعين. {والحكم} [آل عمران: 79] يعني: الفهم بالكتاب ومعرفة ما فيه من الأحكام. وروي عن مجاهد في ذلك ما حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان، قال: ثنا مالك بن شداد، عن مجاهد: {والحكم والنبوة} [الأنعام: 89] قال: " الحكم: هو اللب " وعنى بذلك مجاهد إن شاء الله ما قلت، لأن اللب هو العقل، فكأنه أراد: أن الله آتاهم العقل بالكتاب، وهو بمعنى ما قلنا أنه الفهم به. وقد بينا معنى النبوة والحكم فيما مضى بشواهدهما، فأغنى ذلك عن إعادته 09P387
[الأنعام: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] يقول تعالى ذكره: فإن يكفر يا محمد بآيات كتابي الذي أنزلته إليك، فيجحد هؤلاء المشركون العادلون بربهم كالذي حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89] يقول: «إن يكفروا بالقرآن» ثم اختلف أهل التأويل في المعني بهؤلاء، فقال بعضهم: عني بهم كفار قريش، وعني بقوله: {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] : الأنصار ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة، في قول الله تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89] ، قال: «أهل مكة، فقد وكلنا بها أهل المدينة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك: {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] قال: الأنصار حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك: {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89] قال: «إن يكفر بها أهل مكة، فقد وكلنا بها أهل المدينة الأنصار، ليسوا بها بكافرين» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89] يقول: «إن يكفر بها قريش فقد وكلنا بها الأنصار» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج: {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89] : " أهل مكة، {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] : أهل المدينة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] ، قال: " كان أهل المدينة قد تبوءوا الدار والإيمان قبل أن يقدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أنزل الله عليهم الآيات جحد بها أهل مكة، فقال الله تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] قال عطية: ولم أسمع هذا من ابن عباس، ولكن سمعته من غيره حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89] يعني أهل مكة.
يقول: إن يكفروا بالقرآن {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] ، يعني أهل المدينة والأنصار وقال آخرون: معنى ذلك: فإن يكفر بها أهل مكة، فقد وكلنا بها الملائكة ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن عوف، عن أبي رجاء: {فإن يكفر 09P390 بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] قال: «هم الملائكة» حدثنا ابن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر، وابن أبي عدي، وعبد الوهاب، عن عوف، عن أبي رجاء، مثله وقال آخرون: عني بقوله: {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89] يعني قريشا، وبقوله: {فقد وكلنا بها قوما} [الأنعام: 89] الأنبياء الذين سماهم في الآيات التي مضت قبل هذه الآية ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89] يعني أهل مكة {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] : وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89] قال: يعني قوم محمد، ثم قال: {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] يعني: النبيين الذين قص قبل هذه الآية قصصهم، ثم قال: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: {فإن يكفر بها هؤلاء} [الأنعام: 89] كفار قريش، {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] يعني به: الأنبياء الثمانية عشر الذين سماهم الله تعالى ذكره في الآيات قبل هذه الآية، 09P391 وذلك أن الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى، وفي التي بعدها عنهم ذكر، فما بينها بأن يكون خبرا عنهم أولى وأحق من أن يكون خبرا عن غيرهم. فتأويل الكلام إذا كان ذلك كذلك: فإن يكفر قومك من قريش يا محمد بآياتنا، وكذبوا وجحدوا حقيقتها، فقد استحفظناها واسترعينا القيام بها رسلنا وأنبياءنا من قبلك الذين لا يجحدون حقيقتها ولا يكذبون بها، ولكنهم يصدقون بها ويؤمنون بصحتها. وقد قال بعضهم: معنى قوله: {فقد وكلنا بها قوما} [الأنعام: 89] : رزقناها قوما 09P390
[الأنعام: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين} [الأنعام: 90] يقول تعالى ذكره: {أولئك} [البقرة: 5] هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين، هم الذين هداهم الله لدينه الحق، وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه، والقيام بحدوده، واتباع حلاله وحرامه، والعمل بما فيه من أمر الله، والانتهاء عما فيه من نهيه، فوفقهم جل ثناؤه لذلك. {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] يقول تعالى ذكره: فبالعمل الذي عملوا، والمنهاج الذي سلكوا، وبالهدى الذي هديناهم، والتوفيق الذي وفقناهم، اقتده يا محمد: أي فاعمل وخذ به واسلكه، فإنه عمل لله فيه رضا، ومنهاج من سلكه اهتدى. وهذا التأويل على مذهب من تأول قوله: {فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] أنهم الأنبياء المسمون في الآيات المتقدمة، وهو القول الذي اخترناه في تأويل ذلك. وأما على تأويل من تأول ذلك أن القوم الذين وكلوا بها هم أهل المدينة، أو أنهم هم الملائكة، فإنهم جعلوا قوله: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] اعتراضا بين الكلامين، ثم ردوا قوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] على قوله: {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة} [الأنعام: 89] ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب} [الأنعام: 84] إلى قوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] يا محمد حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أولئك الذين هدى الله} [الأنعام: 90] يا محمد، {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ، ولا تقتد بهؤلاء حدثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] حدثنا علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: " ثم قال في الأنبياء الذين سماهم في هذه الآية: {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ومعنى الاقتداء في كلام العرب بالرجل: اتباع أثره والأخذ بهديه، يقال: فلان يقدو فلانا، إذا نحا نحوه واتبع أثره، قدة وقدوة وقدوة وقدية 09P392 [الأنعام: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين} [الأنعام: 90] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الذين أمرتك أن تذكرهم بآياتي أن تبسل نفس بما كسبت من مشركي قومك يا محمد: لا أسألكم على تذكيري إياكم، والهدى الذي أدعوكم إليه، والقرآن الذي جئتكم به، عوضا أعتاضه منكم عليه، وأجرا آخذه منكم، وما ذلك مني إلا تذكير لكم ولكل من كان مثلكم ممن هو مقيم على باطل، بأس الله أن يحل بكم، وسخطه أن ينزل بكم على شرككم به وكفركم، وإنذار لجميعكم بين يدي عذاب شديد، لتذكروا وتنزجروا 09P393
[الأنعام: 91] القول في تأويل قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} [الأنعام: 91] يقول تعالى ذكره: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] : وما أجلوا الله حق إجلاله، ولا عظموه حق تعظيمه. {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] يقول: حين قالوا: لم ينزل الله على آدمي كتابا ولا وحيا. واختلف أهل التأويل في المعني بقوله: {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] ، وفي تأويل ذلك، فقال بعضهم: كان قائل ذلك رجلا من اليهود. ثم اختلفوا في اسم ذلك الرجل، فقال بعضهم: كان اسمه مالك بن الصيف. وقال بعضهم : كان اسمه فنحاص. واختلفوا أيضا في السبب الذي من أجله قال ذلك. ذكر من قال: كان قائل ذلك مالك بن الصيف حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد 09P394 بن جبير، قال: " جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ » وكان حبرا سمينا، فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له أصحابه الذين معه: ويحك، ولا موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} [الأنعام: 91] الآية حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] قال: نزلت في مالك بن الصيف، كان من قريظة من أحبار اليهود، قل يا محمد {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} [الأنعام: 91] الآية ذكر من قال: نزلت في فنحاص اليهودي حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] قال: قال فنحاص اليهودي: ما أنزل الله على محمد من شيء وقال آخرون: بل عنى بذلك جماعة من اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم آيات مثل آيات موسى ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا يونس، قال: ثنا أبو معشر المدني، عن محمد بن كعب القرظي، قال: " جاء ناس من يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب، فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحا يحملها من عند الله، فأنزل الله: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} [النساء: 153] الآية، فجثا رجل من يهود فقال: ما أنزل الله عليك، ولا على موسى، ولا على عيسى، ولا على أحد شيئا، فأنزل الله: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] . قال محمد بن كعب: ما علموا كيف الله {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا} [الأنعام: 91] ، فحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حبوته، وجعل يقول: «ولا على أحد؟
» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] إلى قوله: {في خوضهم يلعبون} [الأنعام: 91] : هم اليهود والنصارى، قوم آتاهم الله علما فلم يهتدوا به، ولم يأخذوا به، ولم يعملوا به، فذمهم الله في عملهم ذلك، ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول: إن من أكثر ما أنا مخاصم به غدا أن يقال: يا أبا الدرداء، قد علمت، فماذا عملت فيما علمت؟ " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] يعني: من بني إسرائيل. قالت اليهود: يا محمد، أنزل الله عليك كتابا؟ قال: «نعم» ، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزل الله: {قل} [الأنعام: 91] يا محمد {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} [الأنعام: 91] إلى قوله: {ولا آباؤكم} [الأنعام: 91] قال: «الله أنزله» وقال آخرون: هذا خبر من الله جل ثناؤه عن مشركي قريش أنهم قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال عبد الله بن كثير: إنه سمع مجاهدا، يقول : {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] ، قالها مشركو قريش، قال: وقوله: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} [الأنعام: 91] ، قال: هم يهود الذين يبدونها ويخفون كثيرا. قال: وقوله: {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} [الأنعام: 91] ، قال: هذه للمسلمين " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] قال: «هم الكفار لم 09P397 يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] يقول: «مشركو قريش» وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: عني بقوله: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] مشركو قريش. وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولا، فأن يكون ذلك أيضا خبرا عنهم أشبه من أن يكون خبرا عن اليهود، ولما يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلا، مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئا من الكتب وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى، وزبور داود.
وإذا لم يكن بما روي من الخبر بأن قائل ذلك كان رجلا من اليهود خبر صحيح متصل السند، ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماع، وكان الخبر من أول السورة ومبتدئها إلى هذا الموضع، خبرا عن المشركين من عبدة الأوثان، وكان قوله: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] موصولا بذلك غير مفصول منه، لم يجز لنا أن ندعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل، ولكني أظن أن الذين تأولوا ذلك خبرا عن اليهود وجدوا قوله: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون 09P398 كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} [الأنعام: 91] ، فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة، فقرءوه على وجه الخطاب لهم: {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} [الأنعام: 91] ، فجعلوا ابتداء الآية خبرا عنهم، إذ كانت خاتمتها خطابا لهم عندهم. وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنزيل لما وصفت قبل من أن قوله: {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91] في سياق الخبر عن مشركي العرب وعبدة الأوثان، وهو به متصل، فالأولى أن يكون ذلك خبرا عنهم. والأصوب من القراءة في قوله: (يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا) أن يكون بالياء لا بالتاء، على معنى أن اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا، ويكون الخطاب بقوله: {قل من أنزل الكتاب} [الأنعام: 91] لمشركي قريش. وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد إن شاء الله في تأويل ذلك، وكذلك كان يقرأ حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن مجاهد، " أنه كان يقرأ هذا الحرف: (يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا) 09P398
[الأنعام: 91] القول في تأويل قوله تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} [الأنعام: 91] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} [البقرة: 80] يا محمد لمشركي قومك القائلين لك: ما أنزل على بشر من شيء، قل: {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا} [الأنعام: 91] يعني: جلاء وضياء من ظلمة الضلالة {وهدى للناس} [الأنعام: 91] يقول: بيانا للناس، يبين لهم به الحق من الباطل فيما أشكل عليهم من أمر دينهم، يجعلونه قراطيس يبدونها. فمن قرأ ذلك: {تجعلونه} [الأنعام: 91] جعله خطابا لليهود على ما بينت من تأويل من تأول ذلك كذلك، ومن قرأه بالياء: (يجعلونه) فتأويله في قراءته: يجعله أهله قراطيس، وجرى الكلام في (يبدونها) بذكر القراطيس ، والمراد منه: المكتوب في القراطيس، يراد يبدون كثيرا مما يكتبون في القراطيس، فيظهرونه للناس ويخفون كثيرا مما يثبتونه في القراطيس فيسرونه ويكتمونه الناس. ومما كانوا يكتمونه إياهم ما فيها من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته كالذي حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا} : اليهود حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {قل} [الأنعام: 91] يا محمد: (من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها) ، يعني يهود لما أظهروا من التوراة. (وتخفون كثيرا) مما أخفوا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه قال ابن جريج: وقال عبد الله بن كثير: إنه سمع مجاهدا يقول: (يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا) ، قال: «هم يهود الذين يبدونها ويخفون كثيرا» 09P399 [الأنعام: 91] القول في تأويل قوله تعالى: {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} [الأنعام: 91] يقول تعالى ذكره: وعلمكم الله جل ثناؤه الكتاب الذي أنزله إليكم ما لم تعلموا أنتم من أخبار من قبلكم ومن أنباء من بعدكم وما هو كائن في 09P400 معادكم يوم القيامة، {ولا آباؤكم} [الأنعام: 91] يقول: ولم يعلمه آباؤكم أيها المؤمنون بالله من العرب وبرسوله صلى الله عليه وسلم كالذي حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن مجاهد: {وعلمتم} [الأنعام: 91] معشر العرب {ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} [الأنعام: 91] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عبد الله بن كثير: إنه سمع مجاهدا، يقول، في قوله: {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} [الأنعام: 91] ، قال: «هذه للمسلمين» وأما قوله: {قل الله} [النساء: 127] فإنه أمر من الله جل ثناؤه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجيب استفهامه هؤلاء المشركين عما أمره باستفهامهم عنه بقوله: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} [الأنعام: 91] بقيله: الله، كأمره إياه في موضع آخر في هذه السورة بقوله: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين} [الأنعام: 63] ، فأمره باستفهام المشركين عن ذلك، كما أمره باستفهامهم {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] عمن أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس. ثم أمره بالإجابة عنه هنالك بقيله: {قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون} [الأنعام: 64] ، كما أمره بالإجابة ههنا عن ذلك بقيله: الله أنزله على موسى كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} [الأنعام: 91] قال: «الله أنزله» ولو قيل: معناه: (قل هو الله) على وجه الأمر من الله له بالخبر عن ذلك لا على وجه الجواب إذ لم يكن قوله: {قل من أنزل الكتاب} [الأنعام: 91] مسألة من المشركين لمحمد صلى الله عليه وسلم، فيكون قوله: {قل الله} [الأنعام: 91] جوابا لهم عن مسألتهم، فإنما هو أمر من الله لمحمد بمسألة القوم: من أنزل الكتاب، فيجب أن يكون الجواب منهم غير الذي قاله ابن عباس من تأويله كان جائزا من أجل أنه استفهام، ولا يكون للاستفهام جواب، وهو الذي اخترنا من القول في ذلك لما بينا وأما قوله: {ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} [الأنعام: 91] فإنه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ثم ذر هؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثان والأصنام بعد احتجاجك عليهم في قيلهم: {ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] بقولك {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} [الأنعام: 91] ، وإجابتك ذلك بأن الذي أنزله الله الذي أنزل عليك كتابه {في خوضهم} [الأنعام: 91] يعني: فيما يخوضون فيه من باطلهم وكفرهم بالله وآياته، يقول: يستهزئون ويسخرون. وهذا من الله وعيد لهؤلاء المشركين وتهديد لهم، يقول الله جل ثناؤه: ثم دعهم لاعبين يا محمد ، فإني من وراء ما هم فيه من استهزائهم بآياتي بالمرصاد وأذيقهم بأسي، وأحل بهم إن تمادوا في غيهم سخطي 09P401
[الأنعام: 92] القول في تأويل قوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون} [الأنعام: 92] يقول تعالى ذكره: {وهذا} [آل عمران: 68] القرآن يا محمد {كتاب} [البقرة: 89] وهو اسم من أسماء القرآن قد بينته وبينت معناه فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. ومعناه: مكتوب، فوضع الكتاب مكان المكتوب. {أنزلناه} [الأنعام: 92] يقول: أوحيناه إليك، {مبارك} [الأنعام: 92] وهو مفاعل من البركة، {مصدق الذي بين يديه} [الأنعام: 92] يقول: صدق هذا الكتاب ما قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه قبلك، لم يخالفها ولا بنبأ، وهو معنى {نورا وهدى للناس} [الأنعام: 91] ، يقول: هو الذي أنزل إليك يا محمد هذا الكتاب مباركا مصدقا كتاب موسى وعيسى وغير ذلك من كتب الله، ولكنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عنه، إذ كان قد تقدم الخبر عن ذلك ما يدل على أنه به متصل، فقال: وهذا {كتاب أنزلناه إليك مبارك} [ص: 29] ، ومعناه: وكذلك أنزلت إليك كتابي هذا مباركا، كالذي أنزلت من التوراة إلى موسى هدى ونورا وأما قوله: {ولتنذر أم القرى ومن حولها} [الأنعام: 92] فإنه يقول: أنزلنا إليك يا محمد هذا الكتاب مصدقا ما قبله من الكتب، ولتنذر به عذاب الله وبأسه من في أم القرى وهي مكة ومن حولها شرقا وغربا من العادلين بربهم غيره من الآلهة والأنداد، والجاحدين برسله وغيرهم من أصناف الكفار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ولتنذر أم القرى ومن حولها} [الأنعام: 92] يعني بأم القرى: مكة ومن حولها من القرى إلى المشرق والمغرب " حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ولتنذر أم القرى ومن حولها} [الأنعام: 92] : وأم القرى: مكة، ومن حولها: الأرض كلها حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: {ولتنذر أم القرى} [الأنعام: 92] قال: هي مكة " وبه عن معمر، عن قتادة قال: «بلغني أن الأرض دحيت من مكة» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولتنذر أم القرى ومن حولها} [الأنعام: 92] : كنا نحدث أن أم القرى: مكة، وكنا نحدث أن منها دحيت الأرض حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولتنذر أم القرى ومن حولها} [الأنعام: 92] : «أما أم القرى فهي مكة، وإنما سميت أم 09P404 القرى لأنها أول بيت وضع بها» وقد بينا فيما مضى العلة التي من أجلها سميت مكة أم القرى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 09P403 [الأنعام: 92] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون} [الأنعام: 92] يقول تعالى ذكره: ومن كان يؤمن بقيام الساعة والمعاد في الآخرة إلى الله، ويصدق بالثواب والعقاب، فإنه يؤمن بهذا الكتاب الذي أنزلناه إليك يا محمد، ويصدق به ويقر بأن الله أنزله، ويحافظ على الصلوات المكتوبات التي أمره الله بإقامتها لأنه منذر من بلغه وعيد الله على الكفر به وعلى معاصيه، وإنما يجحد به وبما فيه ويكذب أهل التكذيب بالمعاد والجحود لقيام الساعة، لأنه لا يرجو من الله إن عمل بما فيه ثوابا، ولا يخاف إن لم يجتنب ما يأمره باجتنابه عقابا 09P404
[الأنعام: 93] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} [الأنعام: 93] يعني جل ذكره بقوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} [الأنعام: 21] : ومن أخطأ قولا وأجهل فعلا ممن افترى على الله كذبا، يعني : ممن اختلق على الله كذبا، فادعى عليه أنه بعثه نبيا وأرسله نذيرا، وهو في دعواه مبطل وفي قيله كاذب. وهذا تسفيه من الله لمشركي العرب، وتجهيل منه لهم في معارضة عبد الله بن سعد بن أبي سرح والحنفي مسيلمة لنبي الله صلى الله عليه وسلم بدعوى أحدهما النبوة، ودعوى الآخر أنه قد جاء بمثل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفي منه عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم اختلاق الكذب عليه ودعوى الباطل. وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا فيه ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} [الأنعام: 93] قال: نزلت في مسيلمة أخي بني عدي بن حنيفة فيما كان يسجع ويتكهن به. {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام: 93] : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أخي بني عامر بن لؤي، كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيما يملي «عزيز حكيم» ، فيكتب «غفور رحيم» ، فيغيره، ثم يقرأ عليه كذا وكذا لما حول، فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش وقال لهم: لقد كان ينزل عليه (عزيز حكيم) ، فأحوله ثم أقول لما أكتب، فيقول: «نعم سواء» ، ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة، إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمر " وقال بعضهم: بل نزل ذلك في عبد الله بن سعد خاصة ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} [الأنعام: 93] 09P406 إلى قوله: {تجزون عذاب الهون} [الأنعام: 93] قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أملى عليه «سميعا عليما» كتب هو : «عليما حكيما» ، وإذا قال: «عليما حكيما» كتب: «سميعا عليما» ، فشك وكفر وقال: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إلي، وإن كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله، قال محمد: (سميعا عليما) ، فقلت أنا: (عليما حكيما) .
فلحق بالمشركين، ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمي أو لبني عبد الدار، فأخذوهم فعذبوا حتى كفروا، وجدع أذن عمار يومئذ، فانطلق عمار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما لقي والذي أعطاهم من الكفر، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولاه، فأنزل الله في شأن ابن أبي سرح وعمار وأصحابه: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا} [النحل: 106] ، فالذي أكره عمار وأصحابه، والذي شرح بالكفر صدرا فهو ابن أبي سرح وقال آخرون: بل القائل: {أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} [الأنعام: 93] مسيلمة الكذاب ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام: 93] ، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في مسيلمة، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت فيما يرى النائم، كأن في يدي سوارين من ذهب، فكبرا علي وأهماني، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما في منامي الكذابين اللذين أنا بينهما: كذاب اليمامة مسيلمة، وكذاب صنعاء العنسي "، وكان يقال له: الأسود حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: {أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} [الأنعام: 93] ، قال: «نزلت في مسيلمة» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، وزاد فيه: وأخبرني الزهري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم، رأيت في يدي سوارين من ذهب، فكبر ذلك علي، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولت ذلك كذاب اليمامة، وكذاب صنعاء العنسي» وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، أن يقال: إن الله قال: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} [الأنعام: 93] ولا تمانع بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال: إني قد قلت مثل ما قال محمد، وأنه ارتد عن إسلامه ولحق بالمشركين. فكان لا شك بذلك من قيله مفتريا كذبا. وكذلك لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعنسي الكذابين ادعيا على الله كذبا أنه بعثهما نبيين، وقال كل واحد منهما: إن الله أوحى إليه، وهو كاذب في قيله. فإذ كان ذلك كذلك، فقد دخل في هذه الآية كل من كان مختلقا على الله كذبا، وقائلا في ذلك الزمان وفي غيره أوحى الله إليه، وهو في قيله كاذب لم يوح الله إليه شيئا. فأما التنزيل فإنه جائز أن يكون نزل بسبب بعضهم، وجائز أن يكون نزل بسبب جميعهم، وجائز أن يكون عني به جميع المشركين من العرب، إذ كان قائلو ذلك منهم فلم يغيروه، فعيرهم الله بذلك وتوعدهم بالعقوبة على 09P408 تركهم نكير ذلك. ومع تركهم نكيره، هم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مكذبون، ولنبوته جاحدون، ولآيات كتاب الله وتنزيله دافعون، فقال لهم جل ثناؤه: ومن أظلم ممن ادعى على النبوة كاذبا وقال: {أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} [الأنعام: 93] ، ومع ذلك يقول: {ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] ، فينقض قوله بقوله، ويكذب بالذي تحققه، وينفي ما يثبته، وذلك إذا تدبره العاقل الأريب علم أن فاعله من عقله عديم. وقد روي عن ابن عباس، أنه كان يقول في قوله: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام: 93] ما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام: 93] ، قال: «زعم أنه لو شاء قال مثله، يعني الشعر» فكان ابن عباس في تأويله هذا على ما تأوله يوجه معنى قول قائل: سأنزل مثل ما أنزل الله، إلى: سأنزل مثل ما قال الله من الشعر. وكذلك تأوله السدي، وقد ذكرنا الرواية عنه قبل فيما مضى 09P408
[الأنعام: 93] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولو ترى يا محمد حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين، العادلين بربهم الآلهة والأنداد، والقائلين: ما أنزل الله على بشر من شيء، والمفترين على الله كذبا، الزاعمين أن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء، والقائلين: سأنزل مثل ما أنزل الله، فتعاينهم وقد غشيتهم سكرات الموت، ونزل بهم أمر الله، وحان فناء آجالهم، والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم، كما قال جل ثناؤه: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه} [محمد: 28] ، يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم. والغمرات: جمع غمرة، وغمرة كل شيء: كثرته ومعظمه، وأصله: الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها، ومنه قول الشاعر: [+البحر الوافر] وهل ينجي من الغمرات إلا براكاء القتال أو الفرار وروي عن ابن عباس في ذلك ما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} [الأنعام: 93] قال: «سكرات الموت» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {في غمرات الموت} [الأنعام: 93] يعني: «سكرات الموت» وأما بسط الملائكة أيديهم فإنه مدها. ثم اختلف أهل التأويل في سبب بسطها أيديها عند ذلك، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم} قال: " هذا عند الموت والبسط: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي: قال: ثني أبي، عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم} يقول: «الملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم. والظالمون في غمرات الموت، وملك الموت يتوفاهم» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {والملائكة باسطو أيديهم} : «يضربونهم» وقال آخرون: بل بسطها أيديها بالعذاب ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: {والملائكة باسطو أيديهم} قال: «بالعذاب» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، 09P411 عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: {والملائكة باسطو أيديهم} «بالعذاب» وكان بعض نحويي الكوفيين يتأول ذلك بمعنى: باسطو أيديهم بإخراج أنفسهم. فإن قال قائل: ما وجه قوله: {أخرجوا أنفسكم} [الأنعام: 93] ، ونفوس بني آدم إنما يخرجها من أبدان أهلها رب العالمين؟ فكيف خوطب هؤلاء الكفار، وأمروا في حال الموت بإخراج أنفسهم؟ فإن كان ذلك كذلك فقد وجب أن يكون بنو آدم هم يقبضون أنفس أجسامهم؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف الذي إليه ذهبت، وإنما ذلك أمر من الله على ألسن رسله الذين يقبضون أرواح هؤلاء القوم من أجسامهم، بأداء ما أسكنها ربها من الأرواح إليه وتسليمها إلى رسله الذين يتوفونها 09P410
[الأنعام: 93] القول في تأويل قوله تعالى: {اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} [الأنعام: 93] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما تقول رسل الله التي تقبض أرواح هؤلاء الكفار لها، يخبر عنها أنها تقول لأجسامها ولأصحابها: أخرجوا أنفسكم إلى سخط الله ولعنته، فإنكم اليوم تثابون على كفركم بالله، وقيلكم عليه الباطل، وزعمكم أن الله أوحى إليكم ولم يوح إليكم شيئا، وإنكاركم أن يكون الله أنزل على بشر 09P412 شيئا، واستكباركم عن الخضوع لأمر الله وأمر رسوله، والانقياد لطاعته. {عذاب الهون} [الأنعام: 93] وهو عذاب جهنم الذي يهينهم فيذلهم، حتى يعرفوا صغار أنفسهم وذلتها كما حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " أما {عذاب الهون} [الأنعام: 93] فالذي يهينهم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {اليوم تجزون عذاب الهون} [الأنعام: 93] قال: «عذاب الهون في الآخرة بما كنتم تعملون» والعرب إذا أرادت بالهون معنى الهوان ضمت الهاء، وإذا أرادت به الرفق والدعة وخفة المؤونة فتحت الهاء، فقالوا: هو قليل هون المؤونة، ومنه قول الله: {الذين يمشون على الأرض هونا} [الفرقان: 63] يعني: بالرفق والسكينة والوقار، ومنه قول جندل بن المثنى الطهوي: [+البحر الرجز] ونقض أيام نقضن أسره هونا وألقى كل شيخ فخره ومنه قول الآخر: [+البحر البسيط] هونكما لا يرد الدهر ما فاتا لا تهلكا أسفا في إثر من ماتا يريد: رودا. وقد حكي فتح الهاء في ذلك بمعنى الهوان، واستشهدوا على ذلك ببيت عامر بن جوين: [+البحر المتقارب] نهين النفوس وهون النفو س عند الكريهة أعلى لها والمعروف من كلامهم ضم الهاء منه إذا كان بمعنى الهوان والذل، كما قال ذو الإصبع العدواني: [+البحر البسيط] اذهب إليك فما أمي براعية ترعى المخاض ولا أغضي على الهون يعني على الهوان. وإذا كان بمعنى الرفق ففتحها 09P413 [الأنعام: 94] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به الآلهة والأنداد، يخبر عباده أنه يقول لهم عند ورودهم عليه: {لقد جئتمونا فرادى} [الأنعام: 94] ، ويعني بقوله: (فرادى) : وحدانا، لا مال معهم، ولا أثاث، ولا رفيق، ولا شيء مما كان الله خولهم في الدنيا. {كما خلقناكم أول مرة} [الأنعام: 94] عراة غلفا غرلا حفاة كما ولدتهم أمهاتهم، وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم، لا شيء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهون به في الدنيا. وفرادى جمع، يقال لواحدها: فرد، كما قال نابغة بني ذبيان: [+البحر البسيط] من وحش وجرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد وفرد وفريد، كما يقال: وحد ووحد ووحيد في واحد (الأوحاد) ، وقد يجمع الفرد الفراد، كما يجمع الوحد الوحاد، ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] ترى النعرات الزرق فوق لبانه فراد ومثنى أصعقتها صواهله وكان يونس الجرمي فيما ذكر عنه يقول: فراد جمع فرد، كما قيل: توءم وتؤام للجميع، ومنه الفرادى والردافى والغواني. ويقال: رجل فرد، وامرأة فرد، إذا لم يكن لها أخ، وقد فرد الرجل فهو يفرد فرودا، يراد به تفرد، فهو فارد حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: أخبرني عمرو، أن ابن أبي هلال، حدثه أنه، سمع القرطبي، يقول: قرأت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قول الله: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} [الأنعام: 94] ، فقالت: " واسوأتاه، إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض» وأما قوله: {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} [الأنعام: 94] فإنه يقول: خلفتم أيها القوم ما مكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به فيها خلفكم في الدنيا، فلم تحملوه معكم. وهذا تعيير من الله جل ثناؤه لهؤلاء المشركين بمباهاتهم التي كانوا يتباهون بها في الدنيا بأموالهم، وكل ما ملكته غيرك وأعطيته فقد خولته، يقال منه: خال الرجل يخال أشد الخيال بكسر الخاء، وهو خائل، ومنه قول أبي النجم: [+البحر الرجز] أعطى فلم يبخل ولم يبخل كوم الذرا من خول المخول وقد ذكر أن أبا عمرو بن العلاء كان ينشد بيت زهير: [+البحر الطويل] 09P416 هنالك إن يستخولوا المال يخولوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وتركتم ما خولناكم} [الأنعام: 94] من المال والخدم {وراء ظهوركم} [الأنعام: 94] في الدنيا 09P416
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?