Taberî — Câmiü'l-Beyân
فلما رأى ذلك موسى، دعا الله، فجعلها لهم قناطر كهيئة الطيقان. فنظر آخرهم إلى أولهم، حتى خرجوا جميعا. ثم دنا فرعون وأصحابه، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا، قال: ألا ترون البحر فرق مني قد انفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم؟ فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: {وأزلفنا ثم الآخرين} [الشعراء: 64] يقول: قربنا ثم الآخرين؛ يعني آل فرعون. فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل على ماذبانه، فشام الحصان ريح الماذبانه، فاقتحم في أثرها، حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم " وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " لما أخذ عليهم فرعون الأرض إلى البحر قال لهم فرعون: قولوا لهم يدخلون البحر إن كانوا صادقين. فلما رآهم أصحاب موسى، قالوا: {إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين} [الشعراء: 62] فقال موسى للبحر: ألست تعلم أني رسول الله؟ قال: بلى. قال: وتعلم أن هؤلاء عباد من عباد الله أمرني أن آتي بهم؟ قال: بلى. قال: أتعلم أن هذا عدو الله؟ قال: بلى. قال: فانفرق لي طريقا ولمن معي. قال: يا موسى، إنما أنا عبد مملوك ليس لي أمر إلا أن يأمرني الله تعالى. فأوحى الله عز وجل إلى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فانفرق، وأوحى إلى موسى أن يضرب البحر، وقرأ قول الله تعالى: {فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه: 77] وقرأ قوله: {واترك البحر رهوا} [الدخان: 24] سهلا ليس فيه تعد. فانفرق اثنتي عشرة فرقة، فسلك كل سبط في طريق. قال: فقالوا لفرعون: إنهم قد دخلوا البحر. قال: ادخلوا عليهم، قال: وجبريل في آخر بني إسرائيل يقول لهم: ليلحق آخركم أولكم. وفي أول آل فرعون، يقول لهم: رويدا يلحق آخركم أولكم. فجعل كل سبط في البحر يقولون للسبط الذين دخلوا قبلهم: قد هلكوا. فلما دخل ذلك قلوبهم، أوحى الله جل وعز إلى البحر، فجعل لهم قناطر ينظر هؤلاء إلى هؤلاء، حتى إذا خرج آخر هؤلاء ودخل آخر هؤلاء أمر الله البحر فأطبق على هؤلاء. ويعني بقوله: {وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] أي تنظرون إلى فرق الله لكم البحر وإهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجاكم فيه، وإلى عظيم سلطانه في الذي أراكم من طاعة البحر إياه من مصير ركاما فلقا كهيئة الأطواد الشامخة غير زائل عن حده، انقيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته، وهو سائل ذائب قبل ذلك. يوقفهم بذلك جل ذكره على موضع حججه عليهم، ويذكرهم آلاءه عند أوائلهم، ويحذرهم في تكذيبهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحل بهم ما حل بفرعون وآله في تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم " وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله: {وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] كمعنى قول القائل: ضربت وأهلك ينظرون، فما أتوك ولا أعانوك، بمعنى: وهم قريب بمرأى ومسمع، وكقول الله تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} [الفرقان: 45] وليس هناك رؤية، إنما هو علم. والذي دعاه إلى هذا التأويل أنه وجه قوله: {وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] أي وأنتم تنظرون إلى غرق فرعون. فقال: قد كانوا في شغل من أن ينظروا مما اكتنفهم من البحر إلى فرعون وغرقه. وليس التأويل الذي تأوله تأويل الكلام، إنما التأويل: وأنتم تنظرون إلى فرق الله البحر لكم على ما قد وصفنا آنفا، والتطام أمواج البحر بآل فرعون في الموضع الذي صير لكم في البحر طريقا يبسا، وذلك كان لا شك نظر عيان لا نظر علم كما ظنه قائل هذا القول الذي حكينا قوله 01P663
[البقرة: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} [البقرة: 51] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأ بعضهم: {واعدنا} [البقرة: 51] بمعنى أن الله تعالى واعد موسى ملاقاة الطور لمناجاته، فكانت المواعدة من الله لموسى، ومن موسى لربه. وكان من حجتهم على اختيارهم قراءة {واعدنا} [البقرة: 51] على (واعدنا) أن قالوا: كل إيعاد كان بين اثنين للالتقاء أو الاجتماع، فكل واحد منهما مواعد صاحبه ذلك، فلذلك زعموا أنه وجب أن يقضي لقراءة من قرأ: {واعدنا} [البقرة: 51] بالاختيار على قراءة من قرأ (واعدنا) . وقرأ بعضهم: (وعدنا) بمعنى أن الله الواعد موسى، والمنفرد بالوعد دونه. وكان من حجتهم في اختيارهم ذلك، أن قالوا: إنما تكون المواعدة بين البشر، فأما الله جل ثناؤه فإنه المنفرد بالوعد والوعيد في كل خير وشر. قالوا: وبذلك جاء التنزيل في القرآن كله، فقال جل ثناؤه: {إن الله وعدكم وعد الحق} [إبراهيم: 22] وقال: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} [الأنفال: 7] قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو المنفرد بالوعد في قوله: (وإذ وعدنا موسى) . والصواب عندنا في ذلك من القول، أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القراء، وليس في القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى، وإن كان في إحداهما زيادة معنى على الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. فأما من جهة المفهوم بهما فهما متفقتان، وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بموضع من المواضع، فمعلوم أن الموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك المكان، مثل الذي وعده من ذلك صاحبه إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفاق منهما عليه. ومعلوم أن موسى صلوات الله عليه لم يعده ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك، إذ كان موسى غير مشكوك فيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا، وإلى محبته فيه مسارعا. ومعقول أن الله تعالى لم يعد موسى ذلك إلا وموسى إليه مستجيب. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الله عز ذكره قد كان وعد موسى الطور، ووعده موسى اللقاء، وكان الله عز ذكره لموسى واعدا ومواعدا له المناجاة على الطور، وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء. فبأي القراءتين من وعد وواعد قرأ القارئ، فهو الحق في ذلك من جهة التأويل واللغة، مصيب لما وصفنا من العلل قبل. ولا معنى لقول القائل: إنما تكون المواعدة بين البشر، وأن الله بالوعد والوعيد منفرد في كل خير وشر؛ وذلك أن انفراد الله بالوعد والوعيد في الثواب والعقاب والخير والشر والنفع والضر الذي هو بيده وإليه دون سائر خلقه، لا يحيل الكلام الجاري بين الناس في استعمالهم إياه عن وجوهه ولا يغيره عن معانيه. والجاري بين الناس من الكلام المفهوم ما وصفنا من أن كل إيعاد كان بين اثنين فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه ومواعدة بينهما، وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد، وأن الوعد الذي يكون به الانفراد من الواعد دون الموعود إنما هو ما كان بمعنى الوعد الذي هو خلاف الوعيد 01P665
[البقرة: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {موسى} [البقرة: 51] وموسى فيما بلغنا بالقبطية كلمتان، يعني بهما: ماء وشجر، فمو: هو الماء، وسا: هو الشجر. وإنما سمي بذلك فيما 01P666 بلغنا، لأن أمه لما جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليم كما أوحى الله إليها، وقيل: إن اليم الذي ألقته فيه هو النيل، دفعته أمواج اليم، حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت، فأخذنه، فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه. وكان ذلك المكان فيه ماء وشجر، فقيل: موسى ماء وشجر " كذلك حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن السدي «وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله» فيما زعم ابن إسحاق حدثني بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عنه 01P666 [البقرة: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {أربعين ليلة} [البقرة: 51] ومعنى ذلك {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} [البقرة: 51] بتمامها، فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد. وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى 01P667 انقضاء أربعين ليلة أي رأس الأربعين، ومثل ذلك بقوله: {واسأل القرية} [يوسف: 82] وبقولهم اليوم أربعون منذ خرج فلان، واليوم يومان، أي اليوم تمام يومين وتمام أربعين. وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل وخلاف ظاهر التلاوة، فأما ظاهر التلاوة، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن بغير برهان دال على صحته. وأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره وهو ما حدثني به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قوله: " {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} [البقرة: 51] قال: يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة. وذلك حين خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون، فمكث على الطور أربعين ليلة، وأنزل عليه التوراة في الألواح، وكانت الألواح من زبرجد. فقربه الرب إليه نجيا، وكلمه، وسمع صريف القلم. وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور " وحدثت عن عمار بن الحسن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، قال: " وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه، ونجاه وقومه ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، تلقاه ربه فيها بما شاء. واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال: إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلا للقائه شوقا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به " حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: «انطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة وأتمها الله بعشر» 01P668
[البقرة: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} [البقرة: 51] وتأويل قوله: {ثم اتخذتم العجل من بعده} [البقرة: 51] ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد. والهاء في قوله {من بعده} [البقرة: 51] عائدة على ذكر موسى. فأخبر جل ثناؤه المخالفين نبينا صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل المكذبين به المخاطبين بهذه الآية، عن فعل آبائهم وأسلافهم وتكذيبهم رسلهم وخلافهم أنبياءهم، مع تتابع نعمه عليهم وسبوغ آلائه لديهم، معرفهم بذلك أنهم من خلافهم محمدا صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به وجحودهم لرسالته، مع علمهم بصدقه على مثل منهاج آبائه وأسلافهم، ومحذرهم من نزول سطوته بهم بمقامهم على ذلك من تكذيبهم ما نزل بأوائلهم المكذبين بالرسل من المسخ واللعن وأنواع النقمات وكان سبب اتخاذهم العجل ما حدثني به عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان؛ فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق، فلما رآها الحصان تقحم خلفها. قال: وعرف السامري جبريل لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه، فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، فيجد في بعض أصابعه لبنا، وفي الأخرى عسلا، وفي الأخرى سمنا. فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تحت الحافر قبضة. قال سفيان: فكان ابن مسعود يقرؤها: «فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول» قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس: وألقي في روع السامري أنك لا تلقيها على 01P670 شيء فتقول كن كذا وكذا إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر. فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، وأغرق الله آل فرعون، قال موسى لأخيه هارون: {اخلفني في قومي وأصلح} [الأعراف: 142] ومضى موسى لموعد ربه. قال: وكان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون قد تعوروه، فكأنهم تأثموا منه، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله، فلما جمعوه، قال السامري بالقبضة التي كانت في يده هكذا، فقذفها فيه، وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا، وقال: كن عجلا جسدا له خوار. فصار عجلا جسدا له خوار. وكان يدخل الريح في دبره ويخرج من فيه يسمع له صوت، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون: {يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} [طه: 91] " حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: " لما أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل، يعني من أرض مصر، أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط. فلما نجى الله موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر، وغرق آل فرعون، أتى جبريل إلى موسى يذهب به إلى الله، فأقبل على فرس فرآه السامري، فأنكره، وقال: إنه فرس الحياة. فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا. فأخذ من تربة الحافر حافر الفرس. فانطلق موسى، واستخلف هارون 01P671 على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر. فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل. إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن حلي القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا، واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحلي في تلك الحفرة، وجاء السامري بتلك القبضة، فقذفها، فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار. وعدت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدوا الليلة يوما واليوم يوما، فلما كان تمام العشرين خرج لهم العجل؛ فلما رأوه قال لهم السامري: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88] يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. فعكفوا عليه يعبدونه.
وكان يخور ويمشي، فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل {إنما فتنتم به} [طه: 90] يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل، وإن ربكم الرحمن. فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم. وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه، فلما كلمه قال له: {وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى} [طه: 84] {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري} [طه: 85] فأخبره خبرهم، قال موسى: يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل، أرأيت الروح من نفخها فيه؟ قال الرب: أنا. قال: رب أنت إذا أضللتهم " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " كان فيما ذكر لي 01P672 أن موسى قال لبني إسرائيل فيما أمره الله عز وجل به: استعيروا منهم، يعني من آل فرعون، الأمتعة والحلي والثياب، فإني منفلكم أموالهم مع هلاكهم. فلما أذن فرعون في الناس، كان مما يحرض به على بني إسرائيل أن قال: حين سار ولم يرضوا أن يخرجوا بأنفسهم حتى ذهبوا بأموالكم معهم " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " كان السامري رجلا من أهل باجرما، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل. فلما فضل هارون في بني إسرائيل وفصل موسى إلى ربه، قال لهم هارون: أنتم قد حملتم أوزارا من زينة القوم، آل فرعون، وأمتعة وحليا، فتطهروا منها، فإنها نجس. وأوقد لهم نارا، فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها. قالوا: نعم. فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الأمتعة وذلك الحلي، فيقذفون به فيها، حتى إذا تكسر الحلي فيها ورأى السامري أثر فرس جبريل أخذ ترابا من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار فقال لهارون: يا نبي الله ألقي ما في يدي؟ قال: نعم. ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة. فقذفه فيها فقال: كن عجلا جسدا له خوار. فكان للبلاء 01P673 والفتنة، فقال: {هذا إلهكم وإله موسى} [طه: 88] فعكفوا عليه، وأحبوه حبا لم يحبوا مثله شيئا قط. يقول الله عز وجل: {فنسي} [طه: 88] أي ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني السامري {أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} وكان اسم السامري موسى بن ظفر، وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل. فلما رأى هارون ما وقعوا فيه: قال {يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} [طه: 91] فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل. وتخوف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: {فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} [طه: 94] وكان له هائبا مطيعا " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " لما أنجى الله عز وجل بني إسرائيل من فرعون، وأغرق فرعون ومن معه، قال موسى لأخيه هارون: {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142] قال: لما خرج موسى وأمر هارون بما أمره به وخرج موسى متعجلا مسرورا إلى الله. قد عرف موسى أن المرء إذا نجح في حاجة سيده كان يسره أن يتعجل إليه. قال: وكان حين خرجوا استعاروا حليا وثيابا من آل فرعون، فقال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم، فاجمعوا نارا، فألقوه فيها فأحرقوه. قال: فجمعوا نارا. قال: وكان السامري قد نظر إلى أثر دابة جبريل، وكان جبريل على فرس أنثى، وكان السامري في قوم موسى.
قال: فنظر إلى أثره فقبض منه قبضة، فيبست عليها يده؛ فلما ألقى قوم موسى الحلي في النار، وألقى السامري معهم القبضة، صور الله جل وعز ذلك لهم عجلا ذهبا، فدخلته الريح، فكان له خوار، فقالوا: ما هذا؟ فقال السامري الخبيث: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88] الآية، إلى قوله: {حتى يرجع إلينا موسى} [طه: 91] قال: حتى إذا أتى موسى الموعد، قال الله: {وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري} [طه: 84] فقرأ حتى بلغ: {أفطال عليكم العهد} [طه: 86] " حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " في قوله: {ثم اتخذتم العجل من بعده} [البقرة: 51] قال: العجل حسيل البقرة. قال: حلي استعاروه من آل فرعون، فقال لهم هارون: أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه. وكان السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريل، فطرحه فيه فانسبك، وكان له كالجوف تهوي فيه الرياح " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: «إنما سمي العجل، لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى» حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثني 01P675 عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحو حديث القاسم، عن الحسن حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه وتأويل قوله {وأنتم ظالمون} [البقرة: 51] يعني وأنتم واضعو العبادة في غير موضعها؛ لأن العبادة لا تنبغي إلا لله عز وجل وعبدتم أنتم العجل ظلما منكم ووضعا للعبادة في غير موضعها. وقد دللنا في غير هذا الموضع مما مضى من كتابنا أن أصل كل ظلم وضع الشيء في غير موضعه فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع 01P674
[البقرة: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون} [البقرة: 52] وتأويل قوله: {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك} [البقرة: 52] يقول: تركنا معاجلتكم بالعقوبة من بعد ذلك، أي من بعد اتخاذكم العجل إلها كما حدثني به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: 01P676 حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك} [البقرة: 52] يعني من بعد ما اتخذتم العجل " وأما تأويل قوله: {لعلكم تشكرون} [البقرة: 52] فإنه يعني به: لتشكروا. ومعنى لعل في هذا الموضع معنى كي، وقد بينت فيما مضى قبل أن أحد معاني لعل كي بما فيه الكفاية عن إعادته في هذا الموضع. فمعنى الكلام إذا: ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلها لتشكروني على عفوي عنكم، إذ كان العفو يوجب الشكر على أهل اللب والعقل 01P676 [البقرة: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون} [البقرة: 53] يعني بقوله: {وإذ آتينا موسى الكتاب} [البقرة: 53] واذكروا أيضا إذ آتينا موسى الكتاب والفرقان. ويعني بالكتاب: التوراة، وبالفرقان: الفصل بين الحق والباطل كما حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: " في قوله : {وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان} [البقرة: 53] قال: فرق به بين الحق والباطل " حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله: {وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان} [البقرة: 53] قال: الكتاب: هو الفرقان، فرقان بين الحق والباطل " حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله وحدثني القاسم بن الحسن، قالا: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " {وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان} [البقرة: 53] قال: الكتاب: هو الفرقان، فرق بين الحق والباطل " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: وقال ابن عباس: " الفرقان: جماع اسم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان " وقال ابن زيد في ذلك بما حدثني به، يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألته، يعني ابن زيد، عن قول الله عز وجل: " {وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان} [البقرة: 53] فقال: أما الفرقان الذي قال الله جل وعز: {يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} [الأنفال: 41] فذلك يوم بدر، يوم فرق الله بين الحق والباطل، والقضاء الذي فرق به بين الحق والباطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان، فرق الله بينهم، وسلمه الله وأنجاه فرق بينهم بالنصر، فكما جعل الله ذلك بين محمد والمشركين، فكذلك جعله بين موسى وفرعون " قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية ما روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد، من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى في هذا الموضع هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها. فيكون تأويل الآية حينئذ: وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح، وفرقنا بها بين الحق والباطل. فيكون الكتاب نعتا للتوراة أقيم مقامها استغناء به عن ذكر التوراة، ثم عطف عليه بالفرقان، إذ كان من نعتها. وقد بينا معنى الكتاب فيما مضى من كتابنا هذا، وأنه بمعنى المكتوب. وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالآية وإن كان محتملا غيره من التأويل، لأن الذي قبله ذكر الكتاب، وأن معنى الفرقان الفصل، وقد دللنا على ذلك فيما مضى من كتابنا هذا، فإلحاقه إذ كان كذلك بصفة ما وليه أولى من إلحاقه بصفة ما بعد منه وأما تأويل قوله: {لعلكم تهتدون} [البقرة: 53] فنظير تأويل قوله تعالى: {لعلكم تشكرون} [البقرة: 52] ومعناه لتهتدوا. وكأنه قال: واذكروا أيضا إذ آتينا موسى التوراة التي تفرق بين الحق والباطل لتهتدوا بها وتتبعوا الحق الذي فيها لأني جعلتها كذلك هدى لمن اهتدى بها واتبع ما فيها 01P678
[البقرة: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 54] وتأويل ذلك: واذكروا أيضا إذ قال موسى لقومه من بني إسرائيل: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم. وظلمهم إياها كان فعلهم بها ما لم يكن لهم أن يفعلوه بها مما أوجب لهم العقوبة من الله تعالى، وكذلك كل فاعل فعلا يستوجب به العقوبة من الله تعالى فهو ظالم لنفسه بإيجابه العقوبة لها من الله تعالى. وكان الفعل الذي فعلوه فظلموا به أنفسهم، هو ما أخبر الله عنهم من ارتدادهم باتخاذهم العجل ربا بعد فراق موسى إياهم، ثم أمرهم موسى بالمراجعة من ذنبهم والإنابة إلى الله من ردتهم بالتوبة إليه، والتسليم لطاعته فيما أمرهم به وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم. وقد دللنا فيما مضى على أن معنى التوبة: الأوبة مما يكرهه الله إلى ما يرضاه من طاعته. فاستجاب القوم لما أمرهم به موسى من التوبة مما ركبوا من ذنوبهم إلى ربهم على ما أمرهم به كما حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال. حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن أنه قال في هذه الآية: " {فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] قال: عمدوا إلى الخناجر، فجعل يطعن بعضهم بعضا " حدثني عباس بن محمد، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال ابن جريج ، أخبرني القاسم بن أبي بزة، أنه سمع سعيد بن جبير، ومجاهدا، قالا: «قام بعضهم إلى 01P680 بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحن رجل على رجل قريب ولا بعيد، حتى ألوى موسى بثوبه فطرحوا ما بأيديهم، فتكشف عن سبعين ألف قتيل، وإن الله أوحى إلى موسى أن حسبي قد اكتفيت، فذلك حين ألوى بثوبه» حدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " قال موسى لقومه: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 54] قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل أن يقتلوا أنفسهم، قال: فاحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل وأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضا. فانجلت الظلمة عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة " وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما رجع موسى إلى قومه {قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا} [طه: 86] إلى قوله: {فكذلك ألقى السامري} [طه: 87] {ألقى} [الأعراف: 150] موسى 01P681 {الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه} [الأعراف: 150] {قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} [طه: 94] فترك هارون ومال إلى السامري، ف {قال فما خطبك يا سامري} [طه: 95] إلى قوله: {ثم لننسفنه في اليم نسفا} [طه: 97] ثم أخذه فذبحه، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه. فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب، فذلك حين يقول: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} [البقرة: 93] فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى، {ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 149] فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل، فقال لهم موسى: {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] قال: فصفوا صفين ثم اجتلدوا بالسيوف.
فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدا، حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل بينهم سبعون ألفا، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيل، ربنا البقية البقية. فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم. فكان من قتل شهيدا، ومن بقي كان مكفرا عنه. فذلك قوله: {فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 54] " حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله تعالى: {باتخاذكم العجل} [البقرة: 54] قال: كان موسى أمر قومه، عن أمر ربه، أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر، فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده، فتاب الله عليهم " حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم} [البقرة: 54] الآية. قال: فصاروا صفين، فجعل يقتل بعضهم بعضا، فبلغ القتلى ما شاء الله، ثم قيل لهم: قد تيب على القاتل والمقتول " حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: " لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى، فتضاربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه. حتى إذا فتر أتاه بعضهم قالوا: يا نبي الله ادع الله لنا. وأخذوا بعضديه يشدون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض، 01P683 فألقوا السلاح. وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: لا يحزنك، أما من قتل منكم فحي عندي يرزق، وأما من بقي فقد قبلت توبته. فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، وقتادة: " في قوله: {فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54] قال: قاموا صفين فقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم كفوا. قال قتادة: كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي " حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء: سمعت عبيد بن عمير، يقول: «قام بعضهم إلى بعض يقتل بعضهم بعضا، ما يتوقى الرجل أخاه ولا أباه ولا ابنه ولا أحدا حتى نزلت التوبة» قال ابن جريج، وقال ابن عباس: بلغ قتلاهم سبعين ألفا، ثم رفع الله عز وجل عنهم القتل، وتاب عليهم. 01P684 قال ابن جريج: قاموا صفين، فاقتتلوا بينهم، فجعل الله القتل لمن قتل منهم شهادة، وكانت توبة لمن بقي. وكان قتل بعضهم بعضا أن الله علم أن ناسا منهم علموا أن العجل باطل فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلا مخافة القتال، فلذلك أمر أن يقتل بعضهم بعضا حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذراه في اليم؛ خرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثوا. سأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله، فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية وأصلت عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى وبهش إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " لما رجع موسى إلى قومه، وكانوا سبعين رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه. فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم، فقالوا: يا موسى أما من توبة؟ قال: بلى {فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم} [البقرة: 54] الآية. فاخترطوا السيوف والجرزة والخناجر والسكاكين . قال: وبعث عليهم ضبابة، قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضا. قال: ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري، ويتنادون فيها: رحم الله عبدا صبر حتى يبلغ الله رضاه.
وقرأ قول الله جل ثناؤه: {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} [الدخان: 33] قال: فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم. وقرأ: {فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 54] " فالذي ذكرنا عمن روينا عنه الأخبار التي رويناها كان توبة القوم من الذنب الذي أتوه فيما بينهم وبين ربهم بعبادتهم العجل مع ندمهم على ما سلف منهم من ذلك وأما معنى قوله: {فتوبوا إلى بارئكم} [البقرة: 54] فإنه يعني به: ارجعوا إلى طاعة خالقكم وإلى ما يرضيه عنكم كما حدثني به المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {فتوبوا إلى بارئكم} [البقرة: 54] أي إلى خالقكم " وهو من برأ الله الخلق يبرؤه فهو بارئ والبرية: 01P686 الخلق، وهي فعيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا تهمز كما لا يهمز ملك، وهو من لأك، لكنه جرى بترك الهمزة، كذلك قال نابغة بني ذبيان: إلا سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند وقد قيل: إن البرية إنما لم تهمز لأنها فعيلة من البرى، والبرى: التراب فكأن تأويله على قول من تأوله كذلك أنه مخلوق من التراب. وقال بعضهم: إنما أخذت البرية من قولك بريت العود، فلذلك لم يهمز. قال أبو جعفر: وترك الهمز من بارئكم جائز، والإبدال منها جائز، فإذ كان ذلك جائزا في باريكم فغير مستنكر أن تكون البرية من برى الله الخلق بترك الهمزة وأما قوله: {ذلكم خير لكم عند بارئكم} [البقرة: 54] فإنه يعني بذلك توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم خير لكم عند بارئكم؛ لأنكم تنجون بذلك من عقاب الله في الآخرة على ذنبكم، وتستوجبون به الثواب منه وقوله: {فتاب عليكم} [البقرة: 54] أي بما فعلتم مما أمركم به 01P687 من قتل بعضكم بعضا. وهذا من المحذوف الذي استغنى بالظاهر منه عن المتروك، لأن معنى الكلام : فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم، فتبتم فتاب عليكم. فترك ذكر قوله فتبتم إذ كان في قوله: {فتاب عليكم} [البقرة: 54] دلالة بينة على اقتضاء الكلام فتبتم. ويعني بقوله: {فتاب عليكم} [البقرة: 54] رجع لكم وبكم إلى ما أحببتم من العفو عن ذنوبكم، وعظيم ما ركبتم، والصفح عن جرمكم قوله: {إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: 37] يعني الراجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه. ويعني بالرحيم: العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته
[البقرة: 55] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} [البقرة: 55] وتأويل ذلك: واذكروا أيضا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك ولن نقر بما جئتنا به حتى نرى الله جهرة عيانا، برفع الساتر بيننا وبينه، وكشف الغطاء دوننا ودونه حتى ننظر إليه بأبصارنا، كما تجهر الركية، وذلك إذا كان ماؤها قد غطاه الطين، فنفى ما قد غطاه حتى ظهر الماء وصفا، يقال منه: قد جهرت الركية أجهرها جهرا وجهرة؛ ولذلك قيل: قد جهر فلان بهذا الأمر 01P688 مجاهرة وجهارا: إذا أظهره لرأي العين وأعلنه، كما قال الفرزدق بن غالب: من اللائي يضل الألف منه مسحا من مخالفته جهارا وكما حدثنا به القاسم بن الحسن، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] قال: علانية " وحدثت عن عمارة بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] يقول: عيانا " وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] حتى يطلع إلينا " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] أي عيانا " 01P689 فذكرهم بذلك جل ذكره اختلاف آبائهم وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعز وعبره ما تثلج بأقلها الصدور، وتطمئن بالتصديق معها النفوس؛ وذلك مع تتابع الحجج عليهم، وسبوغ النعم من الله لديهم. وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله، ومرة يقولون لا نصدقك حتى نرى الله جهرة، وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] ومرة يقال لهم: {وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم} [الأعراف: 161] فيقولون: حنطة في شعيرة، ويدخلون الباب من قبل أستاههم، مع غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم عليه السلام التي يكثر إحصاؤها. فأعلم ربنا تبارك وتعالى ذكره الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، وجحودهم نبوته، وتركهم الإقرار به وبما جاء به مع علمهم به ومعرفتهم بحقيقة أمره كأسلافهم وآبائهم الذين فصل عليهم قصصهم في ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى، وتوثبهم على نبيهم موسى صلوات الله وسلامه عليه تارة بعد أخرى، مع عظيم بلاء الله جل وعز عندهم وسبوغ آلائه عليهم 01P688
[البقرة: 55] القول في تأويل قوله تعالى: {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} [البقرة: 55] اختلف أهل التأويل في صفة الصاعقة التي أخذتهم فقال بعضهم بما حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {فأخذتهم الصاعقة} [البقرة: 55] قال: ماتوا " وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {فأخذتكم الصاعقة} [البقرة: 55] قال: سمعوا صوتا، فصعقوا. يقول: فماتوا " وقال آخرون بما حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {فأخذتكم الصاعقة} [البقرة: 55] والصاعقة: نار " وقال آخرون بما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «أخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فماتوا جميعا» وأصل الصاعقة: كل أمر هائل رآه أو عاينه أو أصابه حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض آلات الجسم، صوتا كان ذلك، أو نارا، أو زلزلة، أو رجفا ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت، قول الله عز وجل: {وخر موسى صعقا} [الأعراف: 143] يعني مغشيا عليه. ومنه قول جرير بن عطية: وهل كان الفرزدق غير قرد أصابته الصواعق فاستدارا فقد علم أن موسى لم يكن حين غشي عليه وصعق ميتا؛ لأن الله جل وعز أخبر عنه أنه لما أفاق قال: {تبت إليك} [الأعراف: 143] ولا شبه جرير الفرزدق وهو حي بالقرد ميتا، ولكن معنى ذلك ما وصفنا ويعني بقوله: {وأنتم تنظرون} [البقرة: 50] وأنتم تنظرون إلى الصاعقة التي أصابتكم، يقول: أخذتكم الصاعقة عيانا جهارا وأنتم تنظرون إليها
[البقرة: 56] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} [البقرة: 56] يعني بقوله: {ثم بعثناكم} [البقرة: 56] ثم أحييناكم وأصل البعث: إثارة الشيء من محله، ومنه قيل: بعث فلان راحلته: إذا أثارها من مبركها للسير كما قال الشاعر: 01P692 فأبعثها وهي صنيع حول كركن الرعن ذعلبة وقاحا والرعن: منقطع أنف الجبل، والذعلبة: الخفيفة، والوقاح، الشديدة الحافر أو الخف ومن ذلك قيل: بعثت فلانا لحاجتي: إذا أقمته من مكانه الذي هو فيه للتوجه فيها. ومن ذلك قيل ليوم القيامة: يوم البعث، لأنه يوم يثار الناس فيه من قبورهم لموقف الحساب ويعني بقوله: {من بعد موتكم} [البقرة: 56] من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم وقوله: {لعلكم تشكرون} [البقرة: 52] يقول: فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم بإحيائي إياكم استبقاء مني لكم لتراجعوا التوبة من عظيم ذنبكم بعد إحلالي العقوبة بكم بالصاعقة التي أحللتها بكم، فأماتتكم بعظيم خطئكم الذي كان منكم فيما بينكم وبين ربكم. وهذا القول على تأويل من تأول قوله قول {ثم بعثناكم} [البقرة: 56] ثم أحييناكم. وقال آخرون: معنى قوله: " {ثم بعثناكم} [البقرة: 56] أي بعثناكم أنبياء " حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، 01P693 عن السدي قال أبو جعفر: وتأويل الكلام على ما تأوله السدي: «فأخذتكم الصاعقة، ثم أحييناكم من بعد موتكم، وأنتم تنظرون إلى إحيائنا إياكم من بعد موتكم، ثم بعثناكم أنبياء لعلكم تشكرون» وزعم السدي أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم. ، حدثنا بذلك، موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، وهذا تأويل يدل ظاهر التلاوة على خلافه مع إجماع أهل التأويل على تخطئته. والواجب على تأويل السدي الذي حكيناه عنه أن يكون معنى قوله: {لعلكم تشكرون} [البقرة: 56] تشكروني على تصييري إياكم أنبياء. وكان سبب قيلهم لموسى ما أخبر الله جل وعز عنهم أنهم قالوا له من قولهم: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] ما حدثنا به، محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: " لما رجع موسى إلى قومه، ورأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذراه في اليم؛ اختار موسى منهم سبعين رجلا الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله 01P694 عز وجل، فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم. فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله: يا موسى اطلب لنا إلى ربك لنسمع كلام ربنا. فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب. ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلما فرغ من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة} [البقرة: 55] وهي الصاعقة فماتوا جميعا. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه، ويرغب إليه ويقول: {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} [الأعراف: 155] قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما تفعل السفهاء منا؟ أي أن هذا لهم هلاك، اخترت منهم سبعين رجلا، الخير فالخير أرجع إليهم، وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟
{إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156] فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل 01P695 ويطلب إليه، حتى رد إليهم أرواحهم، فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط بن نصر، عن السدي: " لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدا، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا. فلما أتوا ذلك المكان قالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] ، فإنك قد كلمته فأرناه. فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي، ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} [الأعراف: 155] فأوحى الله إلى موسى إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل، فذلك حين يقول موسى: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} [الأعراف: 155] {إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156] ، وذلك قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة} [البقرة: 55] ثم إن الله جل ثناؤه أحياهم، فقاموا وعاشوا رجلا رجلا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون، فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك، فادعه يجعلنا 01P696 أنبياء. فدعا الله تعالى، فجعلهم أنبياء، فذلك قوله: {ثم بعثناكم من بعد موتكم} [البقرة: 56] ولكنه قدم حرفا وأخر حرفا " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح، قد كتب فيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم، فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه. فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ وقرأ قول الله تعالى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] قال: فجاءت غضبة من الله عز وجل، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله تعالى: {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} [البقرة: 56] فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا لا، فقال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنا متنا ثم حيينا. قال: خذوا كتاب الله. قالوا لا. فبعث الله تعالى ملائكة، فنتقت الجبل فوقهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد 01P697 موتكم} [البقرة: 56] قال: أخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله تعالى ليكملوا بقية آجالهم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " في قوله: {فأخذتهم الصاعقة} [البقرة: 55] قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال: فسمعوا كلاما، فقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] قال: فسمعوا صوتا فصعقوا. يقول: ماتوا. فذلك قوله: {ثم بعثناكم من بعد موتكم} [البقرة: 56] فبعثوا من بعد موتهم؛ لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم، فبعثوا لبقية آجالهم " فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة فتسلم لهم.
وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة، فالصواب من القول فيه أن يقال: إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: {يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] كما أخبر عنهم أنهم قالوه. وإنما أخبر الله عز وجل بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات توبيخا 01P698 لهم في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد قامت حجته على من احتج به عليه، ولا حاجة لمن انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي لهم إلى قيل ذلك. وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التي ذكرناها، وجائز أن يكون بعضها حقا كما قال 01P697
[البقرة: 57] القول في تأويل قوله تعالى: {وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [البقرة: 57] {وظللنا عليكم} [البقرة: 57] عطف على قوله: {ثم بعثناكم من بعد موتكم} [البقرة: 56] فتأويل الآية: ثم بعثناكم من بعد موتكم، وظللنا عليكم الغمام، وعدد عليهم سائر ما أنعم به عليهم لعلكم تشكرون. والغمام جمع غمامة كما السحاب جمع سحابة، والغمام هو ما غم السماء فألبسها من سحاب وقتام وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين، وكل مغطى فإن العرب تسميه مغموما. وقد قيل: إن الغمام التي ظللها الله على بني إسرائيل لم تكن سحابا حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " قوله: {وظللنا عليكم الغمام} [البقرة: 57] قال: ليس بالسحاب " وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، 01P699 عن مجاهد: " قوله: {وظللنا عليكم الغمام} [البقرة: 57] قال: ليس بالسحاب هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة لم يكن إلا لهم " وحدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله جل ثناؤه: {وظللنا عليكم الغمام} [البقرة: 57] قال: هو بمنزلة السحاب " وحدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {وظللنا عليكم الغمام} [البقرة: 57] قال: هو غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله عز وجل فيه يوم القيامة في قوله: {في ظلل من الغمام} [البقرة: 210] ، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس: وكان معهم في التيه. وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا مما غم السماء من شيء فغطى وجهها عن الناظر إليها، فليس الذي ظلله الله عز وجل على بني إسرائيل فوصفه بأنه كان غماما بأولى بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابا منه بأن يكون غير ذلك مما ألبس وجه السماء من شيء، وقد قيل: إنه ما أبيض من السحاب " 01P699 [البقرة: 57] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنزلنا عليكم المن} [البقرة: 57] اختلف أهل التأويل في صفة المن فقال بعضهم بما حدثني به، محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله عز وجل: {وأنزلنا عليكم المن} [البقرة: 57] قال: المن: صمغة " حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} [البقرة: 57] يقول: كان المن ينزل عليهم مثل الثلج. وقال آخرون: هو شراب " ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: " المن: شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء، ثم يشربونه " وقال آخرون: المن: عسل ذكر من قال ذلك حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " المن: عسل كان ينزل لهم من السماء " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، قال: «عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن» وقال آخرون: المن: خبز الرقاق ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد، قال سمعت وهبا: وسئل، ما المن؟ قال: «خبز الرقاق، مثل الذرة، ومثل النقي» وقال آخرون: المن: الترنجبين ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: «المن 01P702 كان يسقط على شجر الترنجبين» وقال آخرون: المن هو الذي يسقط على الشجر الذي تأكله الناس ذكر من قال ذلك حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: «كان المن ينزل على شجرهم فيغدون عليه فيأكلون منه ما شاءوا» وحدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن مجالد، عن عامر: " في قوله: {وأنزلنا عليكم المن} [البقرة: 57] قال: المن: الذي يقع على الشجر " وحدثنا عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " في قوله: {المن} [البقرة: 57] قال: المن: الذي يسقط من السماء على الشجر فتأكله الناس " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا شريك، عن مجالد، عن عامر، قال: " المن: هذا الذي يقع على الشجر. وقد قيل. إن المن: هو الترنجبين " وقال بعضهم: المن: هو الذي يسقط على الثمام والعشر، وهو حلو كالعسل، وإياه عنى الأعشى ميمون بن قيس بقوله: لو أطعموا المن والسلوى مكانهم ما أبصر الناس طعما فيهم نجعا وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين» وقال بعضهم: المن: شراب حلو كانوا يطبخونه فيشربونه. وأما أمية بن أبي الصلت فإنه جعله في شعره عسلا، فقال يصف أمرهم في التيه وما رزقوا فيه: فرأى الله أنهن بمضيع لا بذي مزرع ولا مثمورا فنساها عليهم غاديات ومرى مزنهم خلايا وخورا عسلا ناطفا وماء فراتا وحليبا ذا بهجة ممرورا الممرور: الصافي من اللبن، فجعل المن الذي كان ينزل عليهم عسلا ناطفا، والناطف: هو القاطر 01P704
[البقرة: 57] القول في تأويل قوله تعالى: {والسلوى} [البقرة: 57] والسلوى: اسم طائر يشبه السمانى، واحده وجماعه بلفظ واحد، كذلك السمانى لفظ جماعها وواحدها سواء. وقد قيل: إن واحدة السلوى سلواة ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " السلوى: طير يشبه 01P705 السمانى " حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: «كان طيرا أكبر من السمانى» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: " السلوى: طائر كانت تحشرها عليهم الريح الجنوب " حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " السلوى: طائر " حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " السلوى: طير " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد، قال: سمعت وهبا: وسئل: ما السلوى؟ فقال: «طير سمين مثل الحمام» حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " السلوى: طير " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " السلوى: كان طيرا يأتيهم مثل السمانى " حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن 01P706 مجالد، عن عامر، قال: " السلوى: السمانى " حدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " السلوى: هو السمانى " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن مجالد، عن عامر، قال: " السلوى: السمانى " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الضحاك، قال: «السمانى هو السلوى» فإن قال قائل: وما سبب تظليل الله جل ثناؤه الغمام وإنزاله المن والسلوى على هؤلاء القوم؟ قيل: قد اختلف أهل العلم في ذلك، ونحن ذاكرون ما حضرنا منه فحدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط بن نصر، عن السدي: " لما تاب الله على قوم موسى وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم، أمرهم الله بالمسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس. فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا. وكان من أمرهم وأمر الجبارين، وأمر قوم موسى ما قد قص الله في كتابه فقال قوم موسى لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] فغضب موسى، فدعا عليهم قال: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25] فكانت عجلة من موسى عجلها فقال الله تعالى: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} [المائدة: 26] فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه، فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم أوحى الله إليه أن لا تأس على القوم الفاسقين؛ أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين. فلم يحزن. فقالوا: يا موسى كيف لنا بماء ههنا، أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على شجر الترنجبين، والسلوى: وهو طير يشبه السمانى، فكان يأتي أحدهم، فينظر إلى الطير إن كان سمينا ذبحه، وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الطعام والشراب، فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل فأين اللباس؟
فكانت ثيابهم تطول 01P708 معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب، فذلك قوله: {وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى} [البقرة: 57] وقوله: {وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم} [البقرة: 60] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " لما تاب الله عز وجل على بني إسرائيل وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف من عبادة العجل، أمر موسى أن يسير بهم إلى الأرض المقدسة، وقال: إنني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلا، فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإنى ناصركم عليهم. فسار بهم موسى إلى الأرض المقدسة بأمر الله عز وجل، حتى إذا نزل التيه بين مصر والشام وهي أرض ليس فيها خمر ولا ظل، دعا موسى ربه حين آذاهم الحر، فظلل عليهم بالغمام، ودعا لهم بالرزق، فأنزل الله لهم المن والسلوى " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، وحدثت عن عمار بن الحسن، ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " قوله: {وظللنا عليكم الغمام} [البقرة: 57] قال: ظلل عليهم الغمام في التيه: تاهوا في خمسة فراسخ أو ستة، كلما أصبحوا ساروا غادين، فأمسوا فإذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه، فكانوا كذلك حتى مرت أربعون سنة. قال: وهم في ذلك ينزل عليهم المن والسلوى ولا تبلى ثيابهم، ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم، فإذا 01P709 نزلوا ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد، قال: سمعت وهبا، يقول: " إن بني إسرائيل لما حرم الله عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض شكوا إلى موسى، فقالوا: ما نأكل؟ فقال: إن الله سيأتيكم بما تأكلون. قالوا: من أين لنا إلا أن يمطر علينا خبزا؟ قال: إن الله عز وجل سينزل عليكم خبزا مخبوزا. فكان ينزل عليهم المن، سئل وهب: ما المن؟ قال: خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقي، قالوا: وما نأتدم، وهل بدلنا من لحم؟ قال: فإن الله يأتيكم به. فقالوا: من أين لنا إلا أن تأتينا به الريح؟ قال: فإن الريح تأتيكم به وكانت الريح تأتيهم بالسلوى فسئل وهب: ما السلوى؟ قال: طير سمين مثل الحمام كانت تأتيهم فيأخذون منه من السبت إلى السبت، قالوا: فما نلبس؟ قال: لا يخلق لأحد منكم ثوب أربعين سنة. قالوا: فما نحتذي؟ قال: لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة، قالوا: فإن فينا أولادا فما نكسوهم؟ قال: ثوب الصغير يشب معه. قالوا: فمن أين لنا الماء؟ قال: يأتيكم به الله. قالوا: فمن أين؟ إلا أن يخرج لنا من الحجر. فأمر الله تبارك وتعالى موسى، أن يضرب بعصاه الحجر. قالوا: فيم نبصر؟ تغشانا الظلمة. فضرب لهم عمود من نور في وسط عسكرهم أضاء عسكرهم كله، قالوا: فبم نستظل؟ فإن الشمس علينا 01P710 شديدة قال: يظلكم الله بالغمام " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، فذكر نحو حديث موسى بن هارون عن عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي حدثني القاسم بن الحسن، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال عبد الله بن عباس: «خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن» قال: وقال ابن جريج: «إن أخذ الرجل من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدا» 01P710
[البقرة: 57] القول في تأويل قوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 57] وهذا مما استغنى بدلالة ظاهرة على ما ترك منه، وذلك أن تأويل الآية: وظللنا عليكم الغمام، وأنزلنا عليكم المن والسلوى، وقلنا لكم: كلوا من طيبات ما رزقناكم. فترك ذكر قوله: وقلنا لكم لما بينا من دلالة الظاهر في الخطاب عليه. وعنى جل ذكره بقوله: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 57] كلوا من مشتهيات رزقنا الذي رزقناكموه. وقد قيل عنى بقوله: {من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 57] من حلاله الذي أبحناه لكم، فجعلناه لكم رزقا. والأول من القولين أولى بالتأويل لأنه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم، فوصف ذلك بالطيب الذي هو بمعنى اللذة أحرى من وصفه بأنه حلال مباح. وما التي مع رزقناكم بمعنى الذي كأنه قيل: كلوا من طيبات الرزق الذي رزقناكموه 01P711 [البقرة: 57] القول في تأويل قوله تعالى: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [البقرة: 57] وهذا أيضا من الذي استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه. وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبات ما رزقناكم، فخالفوا ما أمرناهم به وعصوا ربهم ثم رسولنا إليهم، وما ظلمونا. فاكتفى بما ظهر عما ترك. وقوله: {وما ظلمونا} [البقرة: 57] يقول: وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [البقرة: 57] ويعني بقوله: {وما ظلمونا} [البقرة: 57] وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها كما حدثنا عن المنجاب، قال: ثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [البقرة: 57] قال: يضرون " وقد دللنا فيما مضى على أن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه بما فيه الكفاية، فأغنى ذلك عن إعادته. وكذلك ربنا جل ذكره لا تضره معصية عاص، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم، ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد في ملكه عدل عادل؛ بل نفسه يظلم الظالم، وحظها يبخس العاصي، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب العادل 01P712 [البقرة: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين} [البقرة: 58] والقرية التي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخلوها، فيأكلوا منها رغدا حيث شاءوا فيما ذكر لنا: بيت المقدس ذكر الرواية بذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {ادخلوا هذه القرية} [البقرة: 58] قال: بيت المقدس " حدثني موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وإذ 01P713 قلنا ادخلوا هذه القرية} [البقرة: 58] أما القرية فقرية بيت المقدس " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} [البقرة: 58] يعني بيت المقدس " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألته، يعني ابن زيد، عن قوله: " {ادخلوا هذه القرية فكلوا منها} [البقرة: 58] قال: هي أريحا، وهي قريبة من بيت المقدس " 01P713 [البقرة: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {فكلوا منها حيث شئتم رغدا } [البقرة: 58] يعني بذلك: فكلوا من هذه القرية حيث شئتم عيشا هنيا واسعا بغير حساب. وقد بينا معنى الرغد فيما مضى من كتابنا، وذكرنا أقوال أهل التأويل فيه 01P713
[البقرة: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {وادخلوا الباب سجدا} [البقرة: 58] أما الباب الذي أمروا أن يدخلوه، فإنه قيل: هو باب الحطة من بيت المقدس ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 01P714 نجيح، عن مجاهد: " {ادخلوا الباب سجدا} [النساء: 154] قال: باب الحطة من باب إيلياء من بيت المقدس " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وادخلوا الباب سجدا} [البقرة: 58] أما الباب فباب من أبواب بيت المقدس " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " قوله: {وادخلوا الباب سجدا} [البقرة: 58] أنه أحد أبواب بيت المقدس، وهو يدعى باب حطة " وأما قوله: {سجدا} [البقرة: 58] فإن ابن عباس كان يتأوله بمعنى الركع حدثني محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " في قوله: {ادخلوا الباب سجدا} [النساء: 154] قال: ركعا من باب صغير " حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس: " في قوله: {ادخلوا الباب 01P715 سجدا} [النساء: 154] قال: أمروا أن يدخلوا ركعا " وأصل السجود: الانحناء لمن سجد له معظما بذلك فكل منحن لشيء تعظيما له فهو ساجد ومنه قول الشاعر: بجمع تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيه سجدا للحوافر يعني بقوله: سجدا: خاشعة خاضعة. ومن ذلك قول أعشى بني قيس بن ثعلبة: يراوح من صلوات الملي ك طورا سجودا وطورا جؤارا فذلك تأويل ابن عباس قوله: {سجدا} [البقرة: 58] ركعا، لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناء منه 01P714
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?