Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الأعراف: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض والشمس 10P247 والقمر والنجوم، كل ذلك بأمره، أمرهن الله فأطعن أمره، ألا لله الخلق كله، والآمر الذي لا يخالف ولا يرد أمره دون ما سواه من الأشياء كلها، ودون ما عبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تضر ولا تنفع ولا تخلق ولا تأمر، تبارك الله معبودنا الذي له عبادة كل شيء رب العالمين حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام أبو عبد الرحمن، قال: ثنا بقية بن الوليد، قال: ثني عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري، عن عبد العزيز الشامي، عن أبيه، وكانت، له صحبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح، وحمد نفسه، قل شكره وحبط عمله ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه، لقوله: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] " 10P247 [الأعراف: 55] القول في تأويل قوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] يقول تعالى ذكره: ادعوا أيها الناس ربكم وحده، فأخلصوا له الدعاء دون ما تدعون من دونه من الآلهة والأصنام. {تضرعا} [الأنعام: 63] يقول: تذللا واستكانة لطاعته. {وخفية} [الأنعام: 63] يقول: بخشوع قلوبكم وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم وبينه، لا جهارا مراءاة، وقلوبكم غير موقنة بوحدانيته وربوبيته، فعل أهل النفاق والخداع لله ولرسوله كما حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن 10P248 المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: " إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] ، وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا، فرضي فعله فقال: {إذ نادى ربه نداء خفيا} [مريم: 3] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فأشرفوا على واد يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم، فقال: «أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا معكم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] ، قال: «السر» وأما قوله: {إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] ، فإن معناه: إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حده الذي حده لعباده في دعائه ومسألته ربه، ورفعه صوته فوق الحد الذي حد لهم في دعائهم إياه ومسألتهم وفي غير ذلك من الأمور كما حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: أنبأنا إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن عباد بن عباد، عن علقمة، عن أبي مجلز: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] ، قال: «لا يسأل منازل الأنبياء عليهم السلام» حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: {إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55] " في الدعاء ولا في غيره قال ابن جريج: «إن من الدعاء اعتداء، يكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة» 10P249
[الأعراف: 56] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56] يعني تعالى ذكره بقوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} [الأعراف: 56] : لا تشركوا بالله في الأرض ولا تعصوه فيها، وذلك هو الفساد فيها. وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى وبينا معناه بشواهده. {بعد إصلاحها} [الأعراف: 56] يقول: بعد إصلاح الله إياه لأهل طاعته بابتعاثه فيهم الرسل دعاة إلى الحق، وإيضاحه حججه لهم. {وادعوه خوفا وطمعا} [الأعراف: 56] ، يقول: وأخلصوا له الدعاء والعمل، ولا تشركوا في عملكم له شيئا غيره من الآلهة والأصنام وغير ذلك، وليكن ما يكون منكم في ذلك خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه، وإن من كان دعاؤه إياه على غير ذلك فهو بالآخرة من المكذبين، لأن من لم يخف عقاب الله ولم يرج ثوابه لم يبال ما ركب من أمر يسخطه الله ولا يرضاه {إن رحمة الله قريب من المحسنين} ، يقول تعالى ذكره: إن ثواب الله الذي وعد المحسنين على إحسانهم في الدنيا قريب منهم. وذلك هو رحمته، لأنه ليس بينهم وبين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته وما أعد لهم من كرامته، إلا أن تفارق أرواحهم أجسادهم، ولذلك من المعنى ذكر قوله: {قريب} [البقرة: 186] ، وهو من خبر الرحمة والرحمة مؤنثة، لأنه أريد به القرب في الوقت لا في النسب، والأوقات بذلك المعنى، إذا رفعت أخبارا للأسماء أجرتها العرب مجرى الحال فوحدتها مع الواحد والاثنين والجميع وذكرتها مع المؤنث، فقالوا: كرامة الله بعيد من فلان، وهي قريب من فلان، كما يقولون: هند قريب منا، والهندان منا قريب، والهندات منا قريب، لأن معنى ذلك: هي في مكان قريب منا، فإذا حذفوا المكان وجعلوا القريب خلفا منه، ذكروه ووحدوه في الجمع، كما كان المكان مذكرا وموحدا في الجمع. وأما إذا أنثوه أخرجوه مثنى مع الاثنين ومجموعا مع الجميع، فقالوا: هي قريبة منا، وهما منا قريبتان، كما قال عروة بن الورد: [+البحر الطويل] عشية لا عفراء منك قريبة فتدنو ولا عفراء منك بعيد فأنث قريبة، وذكر بعيدا على ما وصفت. ولو كان القريب من القرابة في النسب لم يكن مع المؤنث إلا مؤنثا، ومع الجمع إلا مجموعا. وكان بعض نحويي البصرة يقول: ذكر قريب وهو صفة للرحمة، وذلك كقول العرب: ريح خريق، وملحفة جديد، وشاة سديس. قال: وإن شئت قلت: تفسير الرحمة ههنا المطر ونحوه، فلذلك ذكر كما قال: {وإن كان طائفة منكم آمنوا} [الأعراف: 87] فذكر لأنه أراد الناس، وإن شئت جعلته كبعض ما يذكرون من المؤنث، كقول الشاعر: [+البحر المتقارب] ولا أرض أبقل إبقالها وقد أنكر ذلك من قيله بعض أهل العربية، ورأى أنه يلزمه إن جاز أن يذكر قريبا توجيها منه للرحمة إلى معنى المطر أن يقول: هند قام، توجيها منه لهند وهي امرأة إلى معنى إنسان، ورأى أن ما شبه به قوله: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} بقوله: {وإن كان طائفة منكم آمنوا} [الأعراف: 87] غير مشبهة، وذلك أن الطائفة فيما زعم مصدر بمعنى الطيف، كما الصيحة والصياح بمعنى، ولذلك قيل: {وأخذ الذين ظلموا الصيحة} [هود: 67] 10P251
[الأعراف: 57] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} [الأعراف: 57] يقول تعالى ذكره: إن ربكم الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره (هو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته) . والنشر بفتح النون وسكون الشين في كلام العرب من الرياح الطيبة اللينة الهبوب التي تنشئ السحاب، وكذلك كل ريح طيبة عندهم فهي نشر، ومنه قول امرئ القيس: [+البحر المتقارب] كأن المدام وصوب الغمام وريح الخزامى ونشر القطر وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قراء الكوفيين خلا عاصم بن أبي النجود، فإنه كان يقرؤه: {بشرا} [الأعراف: 57] على اختلاف عنه فيه، فروى ذلك بعضهم عنه: {بشرا} [الأعراف: 57] بالباء وضمها وسكون الشين، وبعضهم بالباء وضمها وضم الشين، وكان يتأول في قراءته ذلك كذلك قوله: {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات} [الروم: 46] : تبشر بالمطر، وأنه جمع بشير بشرا، كما يجمع النذير نذرا. وأما قراء المدينة وعامة المكيين والبصريين، فإنهم قرءوا ذلك: (وهو الذي يرسل الرياح نشرا) بضم النون والشين، بمعنى جمع نشور جمع نشرا، كما يجمع الصبور صبرا، والشكور شكرا. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: معناها إذا قرئت كذلك أنها الريح التي تهب من كل ناحية وتجيء من كل وجه. وكان بعضهم يقول: إذا قرئت بضم النون فينبغي أن تسكن شينها، لأن ذلك لغة بمعنى النشر بالفتح، وقال: العرب تضم النون من النشر أحيانا، وتفتح أحيانا بمعنى واحد. قال: فاختلاف القراء في ذلك على قدر اختلافها في لغتها فيه. وكان يقول: هو نظير الخسف والخسف بفتح الخاء وضمها. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأ ذلك (نشرا) و (نشرا) بفتح النون وسكون الشين وبضم النون والشين، قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار، وأما قراءة الباء فلا أحب القراءة بها، وإن كان لها معنى صحيح ووجه مفهوم في المعنى والإعراب كما ذكرنا من العلة وأما قوله: {بين يدي رحمته} [الأعراف: 57] ، فإنه يقول: قدام رحمته وأمامها، والعرب كذلك تقول لكل شيء حدث قدام شيء وأمامه جاء بين يديه، لأن ذلك من كلامهم جرى في أخبارهم عن بني آدم، وكثر استعماله فيهم حتى قالوا ذلك في غير ابن آدم وما لا يد له. والرحمة التي ذكرها جل ثناؤه في هذا الموضع المطر. فمعنى الكلام إذن: والله الذي يرسل الرياح لينا هبوبها، طيبا نسيمها، أمام غيثه الذي يسوقه بها إلى خلقه، فينشئ بها سحابا ثقالا، حتى إذا أقلتها، والإقلال بها: حملها، كما يقال: استقل البعير بحمله وأقله: إذا حمله فقام به. ساقه الله لإحياء بلد ميت قد تعفت مزارعه ودرست مشاربه وأجدب أهله، فأنزل به المطر وأخرج به من كل الثمرات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: (وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته) إلى قوله: {لعلكم تذكرون} [الأعراف: 57] قال: " إن الله يرسل الريح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين طرف السماء والأرض من حيث يلتقيان، فيخرجه من ثم، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك.
وأما رحمته: فهو المطر " وأما قوله: {كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} [الأعراف: 57] ، فإنه يقول تعالى ذكره: كما نحيي هذا البلد الميت بما ننزل به من الماء الذي ننزله من السحاب، فنخرج به من الثمرات بعد موته وجدوبته وقحوط أهله، كذلك نخرج الموتى من قبورهم أحياء بعد فنائهم ودروس آثارهم {لعلكم تذكرون} [الأنعام: 152] ، يقول تعالى ذكره للمشركين به من عبدة الأصنام، المكذبين بالبعث بعد الممات، المنكرين للثواب والعقاب: ضربت لكم أيها القوم هذا المثل الذي ذكرت لكم من إحياء البلد الميت بقطر المطر الذي يأتي به السحاب، الذي تنشره الرياح التي وصفت صفتها، لتعتبروا فتذكروا وتعلموا أن من كان ذلك من قدرته فيسير في إحياء الموتى بعد فنائها وإعادتها خلقا سويا بعد دروسها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} [الأعراف: 57] «وكذلك تخرجون، وكذلك النشور، كما نخرج الزرع بالماء» وقال أبو هريرة: " إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان أربعين سنة، فينبتون كما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا استكملت أجسامهم نفخ فيهم الروح، ثم يلقى عليهم نومة، فينامون في 10P256 قبورهم، فإذا نفخ في الصور الثانية، عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رءوسهم وأعينهم، كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} [يس: 52] ، فناداهم المنادي: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [يس: 52] " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {كذلك نخرج الموتى} [الأعراف: 57] ، قال: «إذا أراد الله أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى تتشقق عنهم الأرض، ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها، فكذلك يحيي الله الموتى بالمطر كإحيائه الأرض» 10P256
[الأعراف: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون} [الأعراف: 58] يقول تعالى ذكره: والبلد الطيبة تربته العذبة مشاربه، يخرج نباته إذا أنزل الله الغيث وأرسل عليه الحيا بإذنه طيبا ثمره في حينه ووقته. {والذي خبث} [الأعراف: 58] فردؤت تربته وملحت مشاربه، {لا يخرج} [الأعراف: 58] نباته {إلا نكدا} [الأعراف: 58] يقول: إلا عسرا في شدة، كما قال الشاعر: [+البحر المنسرح] لا تنجز الوعد إن وعدت وإن أعطيت أعطيت تافها نكدا يعني بالتافه: القليل، وبالنكد، العسر، يقال منه: نكد ينكد نكدا ونكدا، فهو نكد ونكد، والنكد المصدر، ومن أمثالهم نكدا وجحدا ونكدا وجحدا، والجحد: الشدة والضيق، ويقال إذا شفه وسئل قد نكدوه ينكدونه نكدا، كما قال الشاعر: [+البحر السريع] وأعط ما أعطيته طيبا لا خير في المنكود والناكد واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل المدينة: (إلا نكدا) بفتح الكاف. وقرأه بعض الكوفيين بسكون الكاف: (نكدا) . وخالفهما بعض سائر القراء في الأمصار، فقرءوه: {إلا نكدا} [الأعراف: 58] بكسر الكاف. كأن من قرأه: (نكدا) بنصب الكاف أراد المصدر، وكأن من قرأه بسكون الكاف أراد كسرها فسكنها على لغة من قال: هذه فخذ وكتد، وكان الذي يجب عليه إذا أراد ذلك أن يكسر النون من (نكد) حتى يكون قد أصاب القياس. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: {نكدا} [الأعراف: 58] بفتح النون وكسر الكاف لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه. وقوله {كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون} [الأعراف: 58] يقول: كذلك نبين آية بعد آية، وندلي بحجة بعد حجة، ونضرب مثلا بعد مثل، لقوم يشكرون الله على إنعامه عليهم بالهداية وتبصيره إياهم سبيل أهل الضلالة، باتباعهم ما أمرهم باتباعه وتجنبهم ما أمرهم بتجنبه من سبل الضلالة. وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالبلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه مثل للمؤمن، والذي خبث فلا يخرج نباته إلا نكدا مثل للكافر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} [الأعراف: 58] " فهذا مثل ضربه الله للمؤمن يقول: هو طيب وعمله طيب، كما البلد الطيب ثمره طيب.
ثم ضرب مثل الكافر كالبلدة السبخة المالحة التي لا تخرج منها البركة، فالكافر هو الخبيث وعمله خبيث " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {والبلد الطيب} [الأعراف: 58] {والذي خبث} [الأعراف: 58] قال: «كل ذلك من أرض 10P259 السباخ وغيرها مثل آدم وذريته، فيهم طيب وخبيث» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} [الأعراف: 58] ، قال: «هذا مثل ضربه الله في الكافر والمؤمن» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد يعني ابن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث} [الأعراف: 58] هي السبخة {لا يخرج} [الأعراف: 58] نباتها {إلا نكدا} [الأعراف: 58] ، " والنكد: الشيء القليل الذي لا ينفع، كذلك القلوب لما نزل القرآن، فالقلب المؤمن لما دخله القرآن آمن به، وثبت الإيمان فيه، والقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه، ولم يثبت فيه من الإيمان شيء إلا ما لا ينفع، كما لم يخرج هذا البلد إلا ما لا ينفع من النبات " حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، عن مجاهد: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا 10P260 نكدا} [الأعراف: 58] ، قال: " الطيب ينفعه المطر فينبت، والذي خبث السباخ لا ينفعه المطر لا يخرج نباته إلا نكدا، قال: هذا مثل ضربه الله لآدم وذريته كلهم، إنما خلقوا من نفس واحدة، فمنهم من آمن بالله وكتابه فطاب، ومنهم من كفر بالله وكتابه فخبث " 10P259
[الأعراف: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} [الأعراف: 59] أقسم ربنا جل ثناؤه للمخاطبين بهذه الآية أنه أرسل نوحا إلى قومه منذرهم بأسه، ومخوفهم سخطه على عبادتهم غيره، فقال لمن كفر منهم: {يا قوم اعبدوا الله} [الأعراف: 59] الذي له العبادة، وذلوا له بالطاعة واخضعوا له بالاستكانة، ودعوا عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، فإنه ليس لكم معبود يستوجب عليكم العبادة غيره، فإني أخاف عليكم إن لم تفعلوا ذلك {عذاب يوم عظيم} [الأنعام: 15] ، يعني: عذاب يوم يعظم فيه بلاؤكم بمجيئه إياكم بسخط ربكم. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: {غيره} [البقرة: 230] ، فقرأ ذلك بعض أهل المدينة والكوفة: (ما لكم من إله غيره) يخفض (غير) على النعت لإله. وقرأ جماعة من أهل المدينة والبصرة والكوفة: {ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59] برفع (غير) ، رد الهاء على موضع (من) لأن موضعها رفع لو نزعت من الكلام لكان الكلام رفعا، وقيل: ما لكم إله غير الله، فالعرب لما وصفت من أن المعلوم بالكلام أدخلت (من) فيه أو أخرجت، وأنها تدخلها أحيانا في مثل هذا من الكلام وتخرجها منه أحيانا ترد ما نعتت به الاسم الذي عملت فيه على لفظه، فإذا خفضت فعلى كلام واحد، لأنها نعت لإله، وأما إذا رفعت فعلى كلامين: ما لكم غيره من إله، وهذا قول يستضعفه أهل العربية 10P261 [الأعراف: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين} [الأعراف: 60] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن جواب مشركي قوم نوح لنوح، وهم الملأ والملأ: الجماعة من الرجال لا امرأة فيهم أنهم قالوا له حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له: {إنا لنراك} [الأعراف: 60] يا نوح {في ضلال مبين} [الأنعام: 74] ، يعنون: في أمر زائل عن الحق، مبين زواله عن قصد الحد لمن تأمله 10P261 [الأعراف: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين} [الأعراف: 61] يقول تعالى ذكره: قال نوح لقومه مجيبا لهم: يا قوم، لم آمركم بما أمرتكم به من إخلاص التوحيد لله وإفراده بالطاعة دون الأنداد والآلهة زوالا مني عن محجة الحق وضلالا لسبيل الصواب، وما بي ما تظنون من 10P262 الضلال، ولكني رسول إليكم من رب العالمين بما أمرتكم به من إفراده بالطاعة والإقرار له بالوحدانية والبراءة من الأنداد والآلهة 10P261 [الأعراف: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 62] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن نبيه نوح عليه السلام أنه قال لقومه الذين كفروا بالله وكذبوه: ولكني رسول من رب العالمين أرسلني إليكم، فأنا أبلغكم رسالات ربي، وأنصح لكم في تحذيري إياكم عقاب الله على كفركم به وتكذيبكم إياي وردكم نصيحتي. {وأعلم من الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 62] : من أن عقابه لا يرد عن القوم المجرمين 10P262
[الأعراف: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون} [الأعراف: 63] وهذا أيضا خبر من الله عز ذكره عن قيل نوح لقومه أنه قال لهم إذ ردوا عليه النصيحة في الله، وأنكروا أن يكون الله بعثه نبيا، وقالوا له: {ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين} [هود: 27] : {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم} [الأعراف: 63] يقول: أوعجبتم أن جاءكم تذكير من الله وعظة، يذكركم بما أنزل ربكم على رجل منكم. قيل: معنى قوله: {على رجل منكم} [الأعراف: 63] مع رجل منكم، {لينذركم} [الأعراف: 63] يقول: لينذركم بأس الله، ويخوفكم عقابه على كفركم به {ولتتقوا} [الأعراف: 63] يقول: وكي تتقوا عقاب الله وبأسه، بتوحيده وإخلاص الإيمان به والعمل بطاعته. {ولعلكم ترحمون} [الأعراف: 63] يقول: وليرحمكم ربكم إن اتقيتم الله وخفتموه وحذرتم بأسه. وفتحت الواو من قوله: {أوعجبتم} [الأعراف: 63] لأنها واو عطف دخلت عليها ألف استفهام 10P263 [الأعراف: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين} [الأعراف: 64] يقول تعالى ذكره: فكذب نوحا قومه، إذ أخبرهم أنه لله رسول إليهم يأمرهم بخلع الأنداد والإقرار بوحدانية الله والعمل بطاعته، وخالفوا أمر ربهم ولجوا في طغيانهم يعمهون، فأنجاه الله في الفلك والذين معه من المؤمنين به. وكانوا بنوح عليه السلام ثلاث عشرة فيما حدثني به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " نوح وبنوه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، وأزواجهم، وستة أناسي ممن كان آمن به " وكان حمل معه في الفلك من كل زوجين اثنين، كما قال تبارك وتعالى: {ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] ، والفلك: هو السفينة. {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} [الأعراف: 64] يقول: وأغرق الله الذين كذبوا بحججه ولم يتبعوا رسله ولم يقبلوا نصيحته إياهم في الله بالطوفان. {إنهم كانوا قوما عمين} [الأعراف: 64] يقول: عمين عن الحق كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {عمين} [الأعراف: 64] قال: «عن الحق» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {قوما عمين} [الأعراف: 64] قال: " العمي: العامي عن الحق " 10P264 [الأعراف: 65] القول في تأويل قوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} [الأعراف: 65] يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، ولذلك نصب (هودا) ، لأنه معطوف به على نوح عليهما السلام. {قال} [البقرة: 30] هود: {يا قوم اعبدوا الله} [الأعراف: 59] فأفردوا له العبادة، ولا تجعلوا معه إلها غيره، فإنه ليس لكم إله غيره. {أفلا تتقون} [الأعراف: 65] ربكم فتحذرونه وتخافون عقابه بعبادتكم غيره، وهو خالقكم ورازقكم دون كل ما سواه؟ 10P264 [الأعراف: 66_67] القول في تأويل قوله تعالى: {قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين} [الأعراف: 66_67] يقول تعالى ذكره مخبرا عما أجاب هودا به قومه الذين كفروا بالله: {قال الملأ الذين كفروا} [الأعراف: 66] يعني الذين جحدوا توحيد الله، وأنكروا رسالة هود إليهم: {إنا لنراك} [الأعراف: 60] يا هود {في سفاهة} [الأعراف: 66] يعنون في ضلالة عن الحق والصواب، بتركك ديننا وعبادة آلهتنا. {وإنا لنظنك من الكاذبين} [الأعراف: 66] في قيلك إني رسول من رب العالمين. {قال يا قوم ليس بي سفاهة} [الأعراف: 67] يقول: أي ضلالة عن الحق والصواب. {ولكني رسول من رب العالمين} [الأعراف: 61] أرسلني، فأنا أبلغكم رسالات ربي وأؤديها إليكم كما أمرني أن أؤديها 10P265
[الأعراف: 68_69] القول في تأويل قوله تعالى: {أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون} [الأعراف: 68_69] يعني بقوله: {أبلغكم رسالات ربي} [الأعراف: 62] : أؤدي ذلك إليكم أيها القوم. {وأنا لكم ناصح} [الأعراف: 68] يقول: وأنا لكم في أمري إياكم بعبادة الله دون ما سواه من الأنداد والآلهة، ودعائكم إلى تصديقي فيما جئتكم به من عند الله، ناصح، فاقبلوا نصيحتي، فإني أمين على وحي الله وعلى ما ائتمنني الله عليه من الرسالة، لا أكذب فيه ولا أزيد ولا أبدل، بل أبلغ ما أمرت به كما أمرت {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم} [الأعراف: 63] ، يقول: أوعجبتم أن أنزل الله وحيه بتذكيركم وعظتكم على ما أنتم عليه مقيمون من الضلالة، على رجل منكم، لينذركم بأس الله ويخوفكم عقابه. {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} [الأعراف: 69] ، يقول: فاتقوا الله في أنفسكم، واذكروا ما حل بقوم نوح من العذاب إذ عصوا رسولهم وكفروا بربهم، فإنكم إنما جعلكم ربكم خلفاء في الأرض منهم، لما أهلكهم أبدلكم منهم فيها، فاتقوا الله أن يحل بكم نظير ما حل بهم من العقوبة فيهلككم ويبدل منكم غيركم، سنته في قوم نوح قبلكم على معصيتكم إياه وكفركم به. {وزادكم في الخلق بسطة} [الأعراف: 69] : زاد في أجسامكم طولا وعظما على أجسام قوم نوح، وفي قوامكم على قوامهم، نعمة منه بذلك عليكم ، فاذكروا نعمه وفضله الذي فضلكم به عليهم في أجسامكم وقوامكم، واشكروا الله على ذلك بإخلاص العبادة له وترك الإشراك به وهجر الأوثان والأنداد. {لعلكم تفلحون} [البقرة: 189] يقول: كي تفلحوا، فتدركوا الخلود والبقاء في النعم في الآخرة، وتنجحوا في طلباتكم عنده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} [الأعراف: 69] يقول: «ذهب بقوم نوح واستخلفكم من بعدهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} [الأعراف: 69] : «أي ساكني الأرض بعد قوم نوح» وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وزادكم في الخلق بسطة} [الأعراف: 69] ، قال: «ما لقوام قوم عاد» وأما الآلاء فإنها جمع، واحدها: (إلى) بكسر الألف في تقدير (معى) ، ويقال: (ألى) في تقدير (قفا) بفتح الألف، وقد حكي سماعا من العرب (إلي) مثل (حسي) .
والآلاء: النعم وكذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فاذكروا آلاء الله} [الأعراف: 69] : «أي نعم الله» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {آلاء الله} [الأعراف: 69] : «فنعم الله» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله 10P268 : {فاذكروا آلاء الله} [الأعراف: 69] قال: " آلاؤه: نعمه " قال أبو جعفر: وعاد هؤلاء القوم الذين وصف الله صفتهم وبعث إليهم هودا يدعوهم إلى توحيد الله واتباع ما أتاهم به من عنده هم فيما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: «ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح» وكانت مساكنهم الشحر من أرض اليمن، وما والى بلاد حضرموت إلى عمان كما حدثني محمد بن الحسين، قال : ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «إن عادا قوم كانوا باليمن بالأحقاف» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: سمعت علي بن أبي طالب، عليه السلام يقول لرجل من حضرموت: " هل رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة حمراء ذا أراك وسدر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه. قال: لا، ولكني 10P269 قد حدثت عنه. فقال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: «فيه قبر هود صلوات الله عليه» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " كانت منازل عاد وجماعتهم حين بعث الله فيهم هودا الأحقاف، قال: والأحقاف: الرمل فيما بين عمان إلى حضرموت باليمن، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض كلها، وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله: صنم يقال له: صداء، وصنم يقال له: صمود، وصنم يقال له: الهباء. فبعث الله إليهم هودا، وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا، فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلها غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، ولم يأمرهم فيما يذكر والله أعلم بغير ذلك. فأبوا عليه وكذبوه، وقالوا: من أشد منا قوة؟ واتبعه منهم ناس وهم يسير، يكتمون إيمانهم، وكان ممن آمن به وصدقه رجل من عاد يقال له مرثد بن سعد بن عفير، وكان يكتم إيمانه، فلما عتوا على الله وكذبوا نبيهم، وأكثروا في الأرض الفساد، وتجبروا وبنوا بكل ريع آية عبثا بغير نفع، كلمهم هود فقال: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء: 129] ، {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 53] : 10P270 أي ما هذا الذي جئتنا به إلا جنون أصابك به بعض آلهتنا هذه التي تعيب، {قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} [هود: 54] إلى قوله: {صراط مستقيم} [البقرة: 142] ، فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر من السماء ثلاث سنين فيما يزعمون، حتى جهدهم ذلك. وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد، فطلبوا إلى الله الفرج منه، كانت طلبتهم إلى الله عند بيته الحرام بمكة، مسلمهم ومشركهم، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم، وكلهم معظم لمكة يعرف حرمتها ومكانها من الله.
قال ابن إسحاق: وكان البيت في ذلك الزمان معروفا مكانه، والحرم قائما فيما يذكرون، وأهل مكة يومئذ العماليق، وإنما سموا العماليق لأن أباهم عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان سيد العماليق إذ ذاك بمكة فيما يزعمون رجلا يقال له: معاوية بن بكر، وكان أبوه حيا في ذلك الزمان ولكنه كان قد كبر، وكان ابنه يرأس قومه، وكان السؤدد والشرف من العماليق فيما يزعمون في أهل ذلك البيت، وكانت أم معاوية بن بكر كلهدة ابنة الخيبري رجل من عاد. فلما قحط المطر عن عاد وجهدوا، قالوا: جهزوا منكم وفدا إلى مكة، فليستسقوا لكم، فإنكم قد هلكتم، فبعثوا قيل بن عير، ولقيم بن هزال من هذيل، وعقيل بن ضد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير، وكان مسلما يكتم إسلامه، وجلهمة بن الخيبري 10P271 خال معاوية بن بكر أخو أمه، ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان بن ضد بن عاد الأكبر. فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا. فلما قدموا مكة، نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره. فلما نزل وفد عاد على معاوية بن بكر، أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان، قينتان لمعاوية بن بكر، وكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا. فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذي أصابهم، شق ذلك عليه، فقال: هلك أخوالي وأصهاري، وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي نازلون علي، والله ما أدري كيف أصنع بهم، إن أمرتهم بالخروج إلى ما بعثوا له فيظنوا أنه ضيق مني بمقامهم عندي، وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا. أو كما قال. فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله، لعل ذلك أن يحركهم. فقال معاوية بن بكر حين أشارتا عليه بذلك: [+البحر الوافر] ألا يا قيل ويحك قم فهينم لعل الله يسقينا غماما فيسقي أرض عاد إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهم بخير فقد أمست نساؤهم عيامى 10P272 وإن الوحش يأتيهم جهارا ولا يخشى لعادي سهاما وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما فلما قال معاوية ذلك الشعر، غنتهم به الجرادتان، فلما سمع القوم ما غنتا به قال بعضهم لبعض: يا قوم، إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم واستسقوا لقومكم، فقال لهم مرثد بن سعد بن عفير: إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وأنبتم إليه سقيتم. فأظهر إسلامه عند ذلك، فقال لهم جلهمة بن الخيبري خال معاوية بن بكر حين سمع قوله وعرف أنه قد اتبع دين هود وآمن به: [+البحر الوافر] أبا سعد فإنك من قبيل ذوي كرم وأمك من ثمود فإنا لا نطيعك ما بقينا ولسنا فاعلين لما تريد أتأمرنا لنترك دين رفد ورمل والصداء مع الصمود ونترك دين آباء كرام ذوي رأي ونتبع دين هود ثم قالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احبسا عنا مرثد بن سعد، فلا يقدمن معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فلما ولوا إلى مكة ، خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية بن بكر، حتى أدركهم 10P273 بها، فقال: لا أدعو الله بشيء مما خرجوا له، فلما انتهى إليهم، قام يدعو الله بمكة، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون يقول: اللهم أعطني سؤلي وحدي، ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد، وكان قيل بن عير رأس وفد عاد، وقال وفد عاد: اللهم أعط قيلا ما سألك، واجعل سؤلنا مع سؤله.
وكان قد تخلف عن وفد عاد حين دعا لقمان بن عاد وكان سيد عاد، حتى إذا فرغوا من دعوتهم قام فقال: اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي، فأعطني سؤلي، وقال قيل بن عير حين دعا: يا إلهنا، إن كان هود صادقا فاسقنا، فإنا قد هلكنا، فأنشأ الله لهم سحائب ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السحاب: يا قيل اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب، فقال: اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء، فناداه مناد: اخترت رمادا رمددا، لا تبق من آل عاد أحدا، لا والدا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا، إلا بني اللوذية المهدى. وبني اللوذية بنو لقيم بن هزال بن هزيلة بن بكر، وكانوا سكانا بمكة مع أخوالهم، ولم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد. وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختارها قيل بن عير بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت عليهم من واد يقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا بها، {وقالوا هذا عارض} ممطرنا، يقول الله: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها 10P274 عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 24] ، أي كل شيء أمرت به. وكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها مهدد. فلما تيقنت ما فيها، صاحت ثم صعقت، فلما أن أفاقت قالوا: ماذا رأيت يا مهدد؟ قالت: رأيت ريحا فيها كشهب النار، أمامها رجال يقودونها. فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما ، كما قال الله، والحسوم: الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك. فاعتزل هود فيما ذكر لي ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلتذ به الأنفس، وإنها لتمر على عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة. وخرج وفد عاد من مكة، حتى مروا بمعاوية بن بكر وابنه، فنزلوا عليه، فبينما هم عنده إذ أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد، فأخبرهم الخبر، فقالوا له: أين فارقت هودا وأصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر، فكأنهم شكوا فيما حدثهم به، فقالت هذيلة بنت بكر: صدق ورب الكعبة " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا عاصم، عن الحارث بن حسان البكري، قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت على امرأة بالربذة، فقالت: هل أنت حاملي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم. فحملتها حتى قدمت المدينة، فدخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وإذا بلال متقلد السيف، وإذا رايات سود، قال: قلت: ما هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص قدم من غزوته. فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من على منبره أتيته فاستأذنت فأذن لي، فقلت: يا رسول الله، إن بالباب امرأة من بني تميم، وقد سألتني أن أحملها إليك. قال: «يا بلال ائذن لها» ، قال: فدخلت، فلما جلست قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل بينكم وبين تميم شيء؟ » قلت: نعم، وكانت لنا الدائرة عليهم، فإن رأيت أن تجعل الدهناء بيننا وبينهم حاجزا فعلت. قال تقول المرأة: فإلى أين يضطر مضطرك يا رسول الله؟ قال: قلت: إن مثلي مثل ما قال الأول: معزى حملت حتفها. قال: قلت: وحملتك تكونين علي خصما؟ أعوذ بالله أن أكون كوافد عاد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما وافد عاد؟ » قال: قلت: على الخبير سقطت، إن عادا قحطت، فبعثت من يستسقي لها، فبعثوا رجالا، فمروا على بكر بن معاوية فسقاهم الخمر وتغنتهم الجرادتان شهرا، ثم 10P276 فصلوا من عنده حتى أتوا جبال مهرة، فدعوا، فجاءت سحابات، قال: وكلما جاءت سحابة قال: اذهبي إلى كذا، حتى جاءت سحابة، فنودي: خذها رمادا رمددا، لا تدع من عاد أحدا. قال فسمعه وكلمهم، حتى جاءهم العذاب.
قال أبو كريب: قال أبو بكر بعد ذلك في حديث عاد، قال: فأقبل الذين أتاهم فأتى جبال مهرة، فصعد فقال: اللهم إني لم أجئك لأسير فأفاديه، ولا لمريض فأشفيه، فاسق عادا ما كنت مسقيه قال: فرفعت له سحابات، قال: فنودي منها: اختر قال: فجعل يقول: اذهبي إلى بني فلان، اذهبي إلى بني فلان. قال فمرت آخرها سحابة سوداء، فقال: اذهبي إلى عاد. فنودي منها: خذها رمادا رمددا لا تدع من عاد أحدا. قال: وكلمهم، والقوم عند بكر بن معاوية يشربون، قال: وكره بكر بن معاوية أن يقول لهم من أجل أنهم عنده وأنهم في طعامه. قال: فأخذ في الغناء وذكرهم " حدثنا أبو كريب قال: ثنا زيد بن الحباب قال: ثنا سلام أبو المنذر النحوي قال: ثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكري قال: خرجت 10P277 لأشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة، فإذا عجوز منقطع بها من بني تميم، فقالت: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فقدمت المدينة. قال: فإذا رايات، قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها، قال: فجلست حتى فرغ. قال: فدخل منزله أو قال: رحله فاستأذنت عليه، فأذن لي فدخلت، فقعدت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ » قلت: نعم، وكانت لنا الدائرة عليهم، وقد مررت بالربذة فإذا عجوز منهم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب. فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت فقلت: يا رسول الله، اجعل بيننا وبين تميم الدهناء حاجزا، فحميت العجوز واستوفزت وقالت: إلى أين يضطر مضطرك يا رسول الله؟ قال: قلت: أنا كما قال الأول: معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: «وما وافد عاد؟ » قال: على الخبير سقطت، قال: وهو يستطعمني الحديث، قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا قيلا وافدا، فنزل على بكر، فسقاه الخمر شهرا، وغنته جاريتان يقال لهما الجرادتان، فخرج إلى جبال مهرة، فنادى: إني لم أجئ لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت مسقيه، فمرت به سحابات سود، فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تبق من 10P278 عاد أحدا. قال: فكانت المرأة تقول: لا تكن كوافد عاد، ففيما بلغني أنه ما أرسل عليهم من الريح يا رسول الله إلا قدر ما يجري في خاتمي قال أبو وائل: فكذلك بلغني حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 65] ، " إن عادا أتاهم هود، فوعظهم وذكرهم بما قص الله في القرآن. فكذبوه وكفروا، وسألوه أن يأتيهم العذاب، فقال لهم: {إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به} [الأحقاف: 23] ، وإن عادا أصابهم حين كفروا قحوط المطر، حتى جهدوا لذلك جهدا شديدا، وذلك أن هودا دعا عليهم، فبعث الله عليهم الريح العقيم، وهي الريح التي لا تلقح الشجر، فلما نظروا إليها قالوا: {هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24] ، فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأوها تنادوا: البيوت فلما دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فأصابتهم في يوم نحس، والنحس: هو الشؤم، ومستمر استمر عليهم العذاب سبع ليال وثمانية أيام حسوما، حسمت كل شيء مرت به. فلما أخرجتهم من البيوت 10P279 قال الله: {تنزع الناس} [القمر: 20] من البيوت، {كأنهم أعجاز نخل منقعر} [القمر: 20] ، انقعر من أصوله، خاوية: خوت فسقطت.
فلما أهلكهم الله، أرسل إليهم طيرا سودا، فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه، فذلك قوله: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25] ، ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها، وذلك قوله: {فأهلكوا بريح صرصر عاتية} [الحاقة: 6] ، والصرصر: ذات الصوت الشديد " 10P278
[الأعراف: 70] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} [الأعراف: 70] يقول تعالى ذكره: قالت عاد لهود: أجئتنا تتوعدنا بالعقاب من الله على ما نحن عليه من الدين كي نعبد الله وحده وندين له بالطاعة خالصا ونهجر عبادة الآلهة والأصنام التي كان آباؤنا يعبدونها ونتبرأ منها؟ فلسنا فاعلي ذلك ولا متبعيك على ما تدعونا إليه، فأتنا بما تعدنا من العقاب والعذاب على تركنا إخلاص التوحيد لله، وعبادتنا ما نعبد من دونه من الأوثان إن كنت من أهل الصدق على ما تقول وتعد 10P279 [الأعراف: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين} [الأعراف: 71] 10P280 يقول تعالى ذكره: قال هود لقومه: قد حل بكم عذاب وغضب من الله. وكان أبو عمرو بن العلاء فيما ذكر لنا عنه، يزعم أن الرجز والرجس بمعنى واحد، وأنها مقلوبة، قلبت السين زايا، كما قلبت شئز وهي من شئس بسين، وكما قالوا قربوس وقربوز، وكما قال الراجز: [+البحر الرجز] ألا لحى الله بني السعلات عمرو بن يربوع لئام النات ليسوا بأعفاف ولا أكيات يريد الناس وأكياس، فقلبت السين تاء، كما قال رؤبة: [+البحر الرجز] كم قد رأينا من عديد مبزي حتى وقمنا كيده بالرجز وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: الرجز: السخط حدثني بذلك المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي بن أبى طلحة، عن ابن عباس، قوله: {قد وقع عليكم من ربكم 10P281 رجس} [الأعراف: 71] ، يقول: «سخط» وأما قوله: {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} [الأعراف: 71] ، فإنه يقول: أتخاصمونني في أسماء سميتموها أصناما لا تضر ولا تنفع أنتم وآباؤكم {ما نزل الله بها من سلطان} [الأعراف: 71] ، يقول: ما جعل الله لكم في عبادتكم إياها من حجة تحتجون بها ولا معذرة تعتذرون بها، لأن العبادة إنما هي لمن ضر ونفع، وأثاب على الطاعة وعاقب على المعصية، ورزق ومنع، فأما الجماد من الحجارة والحديد والنحاس فإنه لا نفع فيه ولا ضر، إلا أن تتخذ منه آلة، ولا حجة لعابد عبده من دون الله في عبادته إياه، لأن الله يأذن بذلك، فيعذر من عبده بأنه يعبده اتباعا منه أمر الله في عبادته إياه، ولا هو إذ كان الله لم يأذن في عبادته مما يرجى نفعه أو يخاف ضره في عاجل أو آجل، فيعبد رجاء نفعه أو دفع ضره. {فانتظروا إني معكم من المنتظرين} [الأعراف: 71] ، يقول: فانتظروا حكم الله فينا وفيكم، إني معكم من المنتظرين حكمه وفصل قضائه فينا وفيكم 10P281 [الأعراف: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين} [الأعراف: 72] يقول تعالى ذكره: فأنجينا نوحا والذين معه من أتباعه على الإيمان به والتصديق به وبما عاد إليه من توحيد الله وهجر الآلهة والأوثان {برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا} [الأعراف: 72] ، يقول: وأهلكنا الذين كذبوا من قوم هود بحججنا جميعا عن آخرهم، فلم نبق منهم أحدا كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { 10P282 وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا} [الأعراف: 72] ، قال: «استأصلناهم» وقد بينا فيما مضى معنى قوله: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} [الأنعام: 45] بشواهده بما أغنى عن إعادته. {وما كانوا مؤمنين} [الأعراف: 72] يقول: لم يكونوا مصدقين بالله ولا برسوله هود 10P281
[الأعراف: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم} [الأعراف: 73] يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا. وثمود: هو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عابر، وكانت مساكنهما الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله. ومعنى الكلام: وإلى بني ثمود أخاهم صالحا. وإنما منع ثمود، لأن ثمود قبيلة كما بكر قبيلة، وكذلك تميم. قال: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59] يقول: قال صالح لثمود: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فما لكم إله يجوز أن تعبدوه غيره، وقد جاءتكم حجة وبرهان على صدق ما أقول وحقيقة ما إليه أدعو من إخلاص التوحيد لله وإفراده بالعبادة دون ما سواه وتصديقي على أني له رسول، وبينتي على ما أقول وحقيقة ما جئتكم به من عند ربي، وحجتي عليه هذه الناقة التي أخرجها الله من هذه الهضبة دليلا على نبوتي وصدق مقالتي، فقد علمتم أن ذلك من المعجزات التي لا يقدر على مثلها أحد إلا الله. وإنما استشهد صالح فيما بلغني على صحة نبوته عند قومه ثمود بالناقة لأنهم سألوه إياها آية ودلالة على حقيقة قوله. ذكر من قال ذلك، وذكر سبب قتل قوم صالح الناقة حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، قال: " قالت ثمود لصالح: ائتنا {بآية إن كنت من الصادقين} [الشعراء: 154] ، قال: فقال لهم صالح: اخرجوا إلى هضبة من الأرض، فخرجوا، فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل. ثم إنها انفرجت، فخرجت من وسطها الناقة، فقال صالح: {هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم} [الأعراف: 73] ، {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} [الشعراء: 155] ، فلما ملوها عقروها، فقال لهم: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} [هود: 65] قال عبد العزيز: وحدثني رجل آخر، " أن صالحا قال لهم: إن آية العذاب أن تصبحوا غدا حمرا، واليوم الثاني صفرا، واليوم الثالث سودا . قال: فصبحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنطوا واستعدوا " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإلى ثمود أخاهم صالحا} [الأعراف: 73] ، قال: " إن الله بعث صالحا إلى ثمود، فدعاهم فكذبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، فسألوه أن يأتيهم بآية، فجاءهم بالناقة، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، وقال: ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء، فأقروا بها جميعا، فذلك قوله: {فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] ، وكانوا قد أقروا به على وجه النفاق والتقية، وكانت الناقة لها شرب، فيوم تشرب فيه الماء تمر بين جبلين فيرجمونها، ففيهما أثرها حتى الساعة، ثم تأتي فتقف لهم حتى يحلبوا اللبن فيرويهم، فكانت تصب اللبن صبا، ويوم يشربون الماء لا تأتيهم.
وكان معها فصيل لها، فقال لهم صالح: إنه يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبل ذلك شيء، فكان ابن العاشر أزرق أحمر، فنبت نباتا سريعا، فإذا مر بالتسعة فرأوه، قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء كانوا مثل هذا، فغضب التسعة على صالح لأنه أمرهم بذبح أبنائهم، ف {تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون} [النمل: 49] ، قالوا: نخرج، فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد أتيناه فقتلناه ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه، ثم رجعنا فقلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون، يصدقوننا يعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر. فانطلقوا، فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا من الليل، فسقط عليهم 10P285 الغار فقتلهم، فذلك قوله: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} [النمل: 48] حتى بلغ ههنا: {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين} [النمل: 51] ، وكبر الغلام ابن العاشر، ونبت نباتا عجبا من السرعة، فجلس مع قوم يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد ذلك عليهم وقالوا في شأن الناقة: ما نصنع نحن باللبن؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة، فنسقيه أنعامنا وحروثنا، كان خيرا لنا، فقال الغلام ابن العاشر: هل لكم في أن أعقرها لكم؟ قالوا: نعم. فأظهروا دينهم، فأتاها الغلام، فلما بصرت به شدت عليه، فهرب منها، فلما رأى ذلك، دخل خلف صخرة على طريقها فاستتر بها، فقال: أحيشوها علي، فأحاشوها عليه، فلما جازت به نادوه: عليك، فتناولها فعقرها، فسقطت، فذلك قوله تعالى: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} [القمر: 29] ، وأظهروا حينئذ أمرهم، وعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا: يا صالح، ائتنا بما تعدنا، وفزع ناس منهم إلى صالح وأخبروه أن الناقة قد عقرت، فقال: علي بالفصيل، فطلبوا الفصيل فوجدوه على رابية من الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلقت به في السماء، فلم يقدروا عليه. ثم دعا الفصيل إلى الله، فأوحى الله إلى صالح أن مرهم فليتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، فقال لهم صالح: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} [هود: 65] ، وآية 10P286 ذلك أن تصبح وجوهكم أول يوم مصفرة، والثاني محمرة، واليوم الثالث مسودة، واليوم الرابع فيه العذاب. فلما رأوا العلامات تكفنوا وتحنطوا ولطخوا أنفسهم بالمر، ولبسوا الأنطاع، وحفروا الأسراب، فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة، حتى جاءهم العذاب فهلكوا، فذلك قوله: ف {دمرناهم وقومهم أجمعين} [النمل: 51] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " لما أهلك الله عادا وتقضى أمرها، عمرت ثمود بعدها واستخلفوا في الأرض، فنزلوا فيها وانتشروا. ثم عتوا على الله، فلما ظهر فسادهم وعبدوا غير الله، بعث إليهم صالحا وكانوا قوما عربا، وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا رسولا. وكانت منازلهم الحجر إلى قرح، وهو وادي القرى، وبين ذلك ثمانية عشر ميلا فيما بين الحجاز والشام. فبعث الله إليهم غلاما شابا، فدعاهم إلى الله، حتى شمط وكبر، لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون، فلما ألح عليهم صالح بالدعاء، وأكثر لهم التحذير ، وخوفهم من الله العذاب والنقمة، سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا لما يقول فيما يدعوهم إليه، فقال لهم: أي آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا هذا وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإن استجيب لنا اتبعتنا. فقال 10P287 لهم صالح: نعم.
فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك، وخرج صالح معهم إلى الله، فدعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال له جندع بن عمرو بن حراش بن عمرو بن الدميل، وكان يومئذ سيد ثمود وعظيمهم: يا صالح، أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاثبة ناقة مخترجة جوفاء وبراء والمخترجة: ما شاكلت البخت من الإبل. وقالت ثمود لصالح مثل ما قال جندع بن عمرو فإن فعلت آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو حق، وأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلت وفعل الله لتصدقني ولتؤمنن بي؟ قالوا: نعم، فأعطوه على ذلك عهودهم، فدعا صالح ربه بأن يخرجها لهم من تلك الهضبة كما وصفت " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدث " أنهم، نظروا إلى الهضبة حين دعا الله صالح بما دعا به تتمخض بالناقة تمخض النتوج بولدها، فتحركت الهضبة ثم أسقطت الناقة، فانصدعت عن ناقة كما وصفوا جوفاء وبراء نتوج، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عظما. فآمن به جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره من رهطه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدقوا، فنهاهم ذواب بن عمرو بن لبيد، والحباب 10P288 صاحب أوثانهم ورباب بن صمعر بن جلهس، وكانوا من أشراف ثمود، وردوا أشرافها عن الإسلام، والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرحمة والنجاة. وكان لجندع ابن عم يقال له شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس، فأراد أن يسلم فنهاه أولئك الرهط عن ذلك، فأطاعهم، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فقال رجل من ثمود يقال له مهوس بن عنمة بن الدميل، وكان مسلما: [+البحر الوافر] وكانت عصبة من آل عمرو إلى دين النبي دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعا فهم بأن يجيب ولو أجابا لأصبح صالحا فينا عزيزا وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا ولكن الغواة من ال حجر تولوا بعد رشدهم ذئابا فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سقبها في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء، فقال لهم صالح عليه السلام: {هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم} [الأعراف: 73] ، وقال الله لصالح: إن الماء قسمة بينهم، كل شرب محتضر، أي أن الماء نصفان: لهم يوم ولها يوم وهي محتضرة، فيومها لا تدع شربها، وقال {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} [الشعراء: 155] ، فكانت فيما بلغني والله أعلم إذا وردت وكانت ترد غبا وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها بئر الناقة، فيزعمون أنها منها كانت تشرب، إذا وردت تضع رأسها فيها، فما ترفعه حتى تشرب كل قطرة ماء في الوادي، ثم ترفع رأسها فتفشج، يعني 10P289 تفحج لهم، فيحتلبون ما شاءوا من لبن، فيشربون ويدخرون حتى يملئوا كل آنيتهم، ثم تصدر من غير الفج الذي منه وردت، لا تقدر على أن تصدر من حيث ترد لضيقه عنها، فلا ترجع منه، حتى إذا كان الغد كان يومهم، فيشربون ما شاءوا من الماء، ويدخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة. وكانت الناقة فيما يذكرون تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي، فتهرب منها المواشي أغنامهم وأبقارهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حره وجدبه، وذلك أن المواشي تنفر منها إذا رأتها، وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب، فأضر ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار. وكانت مراتعها فيما يزعمون الجناب وحسمى، كل ذلك ترعى مع وادي الحجر. فكبر ذلك عليهم، فعتوا عن أمر ربهم، وأجمعوا في عقر الناقة رأيهم.
وكانت امرأة من ثمود يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلز، تكنى بأم غنم، وهي من بني عبيد بن المهل أخي دميل بن المهل، وكانت امرأة ذواب بن مرو، وكانت عجوزا مسنة، وكانت ذات بنات حسان، وكانت ذات مال من إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يقال لها: صدوف بنت المحيا بن زهير بن المحيا 10P290 سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول. وكان الوادي يقال له: وادي المحيا، وهو المحيا الأكبر جد المحيا الأصغر أبي صدوف. وكانت صدوف من أحسن الناس، وكانت غنية ذات مال من إبل وغنم وبقر، وكانتا من أشد امرأتين في ثمود عداوة لصالح وأعظمهم به كفرا، وكانتا تحبان أن تعقر الناقة مع كفرهما به لما أضرت به من مواشيهما. وكانت صدوف عند ابن خال لها يقال له صنتم بن هراوة بن سعد بن النطريف من بني هليل، فأسلم فحسن إسلامه، وكانت صدوف قد فوضت إليه مالها، فأنفقه على من أسلم معه من أصحاب صالح حتى رق المال. فاطلعت على ذلك من إسلامه صدوف، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه ودعاها إلى الله وإلى الإسلام، فأبت عليه، وسبت ولده، فأخذت بنيه وبناته منه فغيبتهم في بني عبيد بطنها الذي هي منه. وكان صنتم زوجها من بني هليل، وكان ابن خالها، فقال لها: ردي علي ولدي، فقالت: حتى أنافرك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جندع بن عبيد. فقال لها صنتم: بل أنا أقول إلى بني مرداس بن عبيد، وذلك أن بني مرداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام وأبطأ عنه الآخرون، فقالت: لا أنافرك إلا إلى من دعوتك إليه، فقال بنو مرداس: والله لتعطينه ولده طائعة أو كارهة، فلما رأت ذلك أعطته إياهم. 10P291 ثم إن صدوف وعنيزة تحيلا في عقر الناقة للشقاء الذي نزل، فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له الحباب، لعقره الناقة، وعرضت عليه نفسها بذلك إن هو فعل، فأبى عليها. فدعت ابن عم لها يقال مصدع بن مهرج بن المحيا، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن الناس. وكانت غنية كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك. ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جندع، رجلا من أهل قرح. وكان قدار رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه كان لزنية من رجل يقال له صهياد، ولم يكن لأبيه سالف الذي يدعى إليه، ولكنه قد ولد على فراش سالف، وكان يدعى له وينسب إليه، فقالت: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكانت عنيزة شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو من أشراف رجال ثمود. وكان قدار عزيزا منيعا في قومه. فانطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج، فاستنفرا غواة من ثمود، فاتبعهما سبعة نفر، فكانوا تسعة نفر، أحد النفر الذين اتبعوهما رجل يقال له هويل بن ميلغ خال قدار بن سالف أخو أمه لأبيها وأمها، وكان عزيزا من أهل حجر، ودعير بن غنم بن داعر، وهو من بني حلاوة بن المهل. ودأب بن مهرج أخو مصدع بن مهرج، وخمسة لم تحفظ لنا 10P292 أسماؤهم. فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى، فمرت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها. وخرجت أم غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها. فأسفرت عنه لقدار وأرته إياه، ثم ذمرته، فشد على الناقة بالسيف، فكشف عرقوبها، فخرت ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها. ثم طعن في لبنها فنحرها. وانطلق سقبها حتى أتى جبلا منيعا، ثم أتى صخرة في رأس الجبل فرغا ولاذ بها واسم الجبل فيما يزعمون صور فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت قال: انتهكتم حرمة الله، فأبشروا بعذاب الله تبارك وتعالى ونقمته فاتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم مصدع بن مهرج، فرماه مصدع بسهم، فانتظم قلبه، ثم جر برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه.
فلما قال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ونقمته، قالوا له وهم يهزءون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد: أول، 10P293 والاثنين: أهون، والثلاثاء: دبار، والأربعاء: جبار، والخميس: مؤنس، والجمعة: العروبة، والسبت: شيار، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تصبحون غداة يوم مؤنس يعني يوم الخميس وجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم العروبة يعني يوم الجمعة ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شيار يعني يوم السبت ووجوهكم مسودة. ثم يصحبكم العذاب يوم الأول يعني يوم الأحد. فلما قال لهم صالح ذلك قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلموا فلنقتل صالحا إن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا يكون قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة. فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم مشدخين قد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثم هموا به، فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدا، فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك، والنفر الذين رضختهم الملائكة بالحجارة التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} [النمل: 48] إلى قوله: {لآية لقوم يعلمون} [النمل: 52] ، فأصبحوا من تلك الليلة 10P294 التي انصرفوا فيها عن صالح وجوههم مصفرة، فأيقنوا بالعذاب، وعرفوا أن صالحا قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هاربا منها حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم بنو غنم، فنزل على سيدهم: رجل منهم يقال له نفيل يكنى بأبي دب، وهو مشرك، فغيبه فلم يقدروا عليه. فغدوا على أصحاب صالح، فعذبوهم ليدلوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له ميدع بن رم: يا نبي الله، إنهم ليعذبوننا لندلهم عليك، أفندلهم عليك؟ قال: نعم، فدلهم عليه ميدع بن هرم، فلما علموا بمكان صالح أتوا أبا هدب فكلموه، فقال لهم: عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل ، فأعرضوا عنه وتركوه، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه، فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أن وجوههم أصبحت مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة، حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام، فنزل رملة فلسطين، وتخلف رجل من أصحابه يقال له ميدع بن هرم، فنزل قرح وهي وادي القرى، وبين القرح وبين الحجر ثمانية عشر ميلا، فنزل على سيدهم: رجل يقال له عمرو بن غنم، وقد كان أكل من لحم الناقة ولم يشترك في قتلها، فقال له ميدع بن هرم: يا عمرو بن غنم، اخرج من هذا البلد، فإن صالحا قال من 10P295 أقام فيه هلك، ومن خرج منه نجا، فقال عمرو: ما شركت في عقرها، وما رضيت ما صنع بها. فلما كانت صبيحة الأحد أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، إلا جارية مقعدة يقال لها الدريعة، وهي كلبية ابنة السلق، كانت كافرة شديدة العداوة لصالح، فأطلق الله لها رجليها بعدما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما يرى شيء قط، حتى أتت حيا من الأحياء، فأخبرتهم بما عاينت من العذاب وما أصاب ثمود منه، ثم استسقت من الماء فسقيت، فلما شربت ماتت " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال معمر: أخبرني من، سمع الحسن، يقول: " لما عقرت ثمود الناقة ذهب فصيلها حتى صعد تلا، فقال: يا رب أين أمي؟
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?