Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bagian V11/P388

ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله، وكنتم أذلة فأعزكم الله وكنتم وكنتم» قال: فقال سعد بن عبادة رحمه الله: ائذن لي فأتكلم، قال: «تكلم» قال: أما قولك: كنتم ضلالا فهداكم الله، فكنا كذلك، وكنتم أذلة فأعزكم الله، فقد علمت العرب ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منا، فقال الرسول: «يا سعد أتدري من تكلم؟ » فقال: نعم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار واديا والناس واديا لسلكت وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» . وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الأنصار كرشي وعيبتي، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاء، وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم؟ » فقالت الأنصار: رضينا عن الله ورسوله، والله ما قلنا ذلك إلا حرصا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته أو ظئره من بني سعد بن بكر أتته فسألته سبايا يوم حنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أملكهم وإنما لي منهم نصيبي، ولكن ائتيني غدا فسليني والناس عندي، فإني إذا أعطيتك نصيبي أعطاك الناس» فجاءت الغد فبسط لها ثوبا، فقعدت عليه، ثم سألته، فأعطاها نصيبه، فلما رأى ذلك الناس أعطوها أنصباءهم " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} [التوبة: 25] الآية: إن رجلا من أصحاب 11P390 رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قال: يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة، وأعجبته كثرة الناس، وكانوا اثني عشر ألفا. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوكلوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير العباس وأبي سفيان بن الحارث وأيمن ابن أم أيمن، قتل يومئذ بين يديه. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرة؟ » فتراجع الناس، فأنزل الله الملائكة بالنصر، فهزموا المشركين يومئذ، وذلك قوله: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} [التوبة: 26] الآية حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب، عن أبيه، قال: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون، فولى المسلمون يومئذ، قال: فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، آخذا بغرز النبي صلى الله عليه وسلم، لا يألو ما أسرع نحو المشركين. قال: فأتيت حتى أخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء، فقال: «يا عباس ناد أصحاب السمرة» وكنت رجلا صيتا، فأذنت بصوتي الأعلى: أين أصحاب السمرة؟ فالتفتوا كأنها الإبل إذا حنت إلى أولادها، يقولون: يا لبيك يا لبيك يا لبيك، وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون، وتنادت الأنصار: يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، فتنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم، فقال: «هذا حين حمي الوطيس» . ثم أخذ بيده من 11P391 الحصباء فرماهم بها، ثم قال: «انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة» قال: فوالله ما زال أمرهم مدبرا وحدهم كليلا حتى هزمهم الله.

Bagian V11/P388

قال: فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلته حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عندي من ترون، وإن خير القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم» قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن هؤلاء قد جاءوني مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فمن كان بيده منهم شيء فطابت نفسه أن يرده فليفعل ذلك، ومن لا فليعطنا، وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه» فقالوا: يا نبي الله رضينا وسلمنا. فقال: «إني لا أدري، لعل منكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا» فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا وسلموا حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا يعلى بن عطاء، عن أبي همام، عن أبي عبد الرحمن، يعني الفهري، قال: كنت مع 11P392 النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، فلما ركدت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ظل شجرة، فقلت: يا رسول الله قد حان الرواح، فقال: «أجل» فنادى: «يا بلال يا بلال» فقام بلال من تحت سمرة، فأقبل كأن ظله ظل طير، فقال: لبيك وسعديك، ونفسي فداؤك يا رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أسرج فرسي» فأخرج سرجا دفتاه حشوهما ليف، ليس فيهما أشر ولا بطر. قال: فركب النبي صلى الله عليه وسلم، فصاففناهم يومنا وليلتنا، فلما التقى الخيلان ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عباد الله، يا معشر المهاجرين» قال: ومال النبي صلى الله عليه وسلم عن فرسه، فأخذ حفنة من تراب فرمى بها وجوههم، فولوا مدبرين. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منا أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، وسأله رجل من قيس: فررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ فقال البراء: «لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، وكانت هوازن يومئذ رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، وهو 11P393 يقول» أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: سأله رجل: يا أبا عمارة، وليتم يوم حنين؟ فقال البراء وأنا أسمع: أشهد أن رسول الله لم يول يومئذ دبره، وأبو سفيان يقود بغلته، فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» فما رئي يومئذ أحد من الناس كان أشد منه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني جعفر بن سليمان، عن عوف الأعرابي، عن عبد الرحمن مولى أم برثن، قال: ثني رجل كان من المشركين يوم حنين، قال: " لما التقينا نحن وأصحاب محمد عليه الصلاة والسلام لم يقفوا لنا حلب شاة أن كشفناهم. فبينا نحن نسوقهم، إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، فتلقانا رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا، وركبنا القوم فكانت إياها " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: " 11P394 أمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم يوم حنين بخمسة آلاف من الملائكة مسومين قال: ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين.

Bagian V11/P388–V11/P394

قال: {أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} [التوبة: 26] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} [التوبة: 25] قال: كانوا اثني عشر ألفا " حدثنا محمد بن يزيد الآدمي، قال: ثنا معن بن عيسى، عن سعيد بن السائب الطائفي، عن أبيه، عن يزيد بن عامر، قال: لما كانت انكشافة المسلمين حين انكشفوا يوم حنين، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم يده إلى الأرض، فأخذ منها قبضة من تراب، فأقبل بها على المشركين وهم يتبعون المسلمين، فحثاها في وجوهم وقال: «ارجعوا شاهت الوجوه» قال: فانصرفنا ما يلقى أحد أحدا إلا وهو يمسح القذى عن عينيه وبه عن يزيد بن عامر السوائي، قال: قيل له: يا أبا حاجز، الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين ماذا وجدتم؟ قال: " وكان أبو حاجز مع المشركين يوم حنين، فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن، ثم يقول: كان في 11P395 أجوافنا مثل هذا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسن بن عرفة، قال: ثني المعتمر بن سليمان، عن عوف، قال: سمعت عبد الرحمن مولى أم برثن أو أم مريم، قال: ثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: " لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، لم يقوموا لنا حلب شاة، قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في أدبارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا، فكانت إياها " 11P395

Bagian V11/P394–V11/P395

[التوبة: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين} [التوبة: 26] يقول تعالى ذكره: ثم من بعد ما ضاقت عليكم الأرض بما رحبت وتوليتكم الأعداء أدباركم، كشف الله نازل البلاء عنكم، بإنزاله السكينة وهي الأمنة والطمأنينة عليكم. وقد بينا أنها فعيلة من السكون فيما مضى من كتابنا هذا قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. {وأنزل جنودا لم تروها} [التوبة: 26] وهي الملائكة التي ذكرت في الأخبار التي قد مضى ذكرها. {وعذب الذين كفروا} [التوبة: 26] يقول: وعذب الله الذين جحدوا وحدانيته ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالقتل وسبي الأهلين والذراري وسلب الأموال والذلة . {وذلك جزاء الكافرين} [التوبة: 26] يقول: هذا الذي فعلنا بهم من القتل والسبي جزاء الكافرين، يقول: هو ثواب أهل جحود وحدانيته ورسالة رسوله حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وعذب الذين كفروا} [التوبة: 26] يقول: قتلهم بالسيف " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو داود الحفري، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد: " {وعذب الذين كفروا} [التوبة: 26] قال: بالهزيمة والقتل " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين} [التوبة: 26] قال: من بقي منهم " 11P396 [التوبة: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم} [التوبة: 27] يقول تعالى ذكره: ثم يتفضل الله بتوفيقه للتوبة والإنابة إليه من بعد عذابه الذي به عذب من هلك منهم قتلا بالسيف على من يشاء، أي يتوب الله على من يشاء من الأحياء يقبل به إلى طاعته. {والله غفور} [البقرة: 218] لذنوب من أناب 11P397 وتاب إليه منهم ومن غيرهم منها. {رحيم} [البقرة: 143] بهم فلا يعذبهم بعد توبتهم، ولا يؤاخذهم بها بعد إنابتهم 11P396

Bagian V11/P395–V11/P398

[التوبة: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم} [التوبة: 28] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله وأقروا بوحدانيته: ما المشركون إلا نجس. واختلف أهل التأويل في معنى النجس وما السبب الذي من أجله سماهم بذلك، فقال بعضهم: سماهم بذلك لأنهم يجنبون فلا يغتسلون، فقال: هم نجس، ولا يقربوا المسجد الحرام؛ لأن الجنب لا ينبغي له أن يدخل المسجد. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، في قوله: " {إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] لا أعلم قتادة إلا قال: النجس: الجنابة " وبه عن معمر، قال: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي حذيفة وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده، فقال حذيفة: يا رسول الله إني جنب، فقال: «إن المؤمن لا ينجس» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: " {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] أي أجناب " 11P398 وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رجس خنزير أو كلب وهذا قول روي عن ابن عباس من وجه غير حميد، فكرهنا ذكره وقوله: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] يقول للمؤمنين: فلا تدعوهم أن يقربوا المسجد الحرام بدخولهم الحرم. وإنما عنى بذلك منعهم من دخول الحرم؛ لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام. وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم فيه نحو الذي قلناه ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، وابن المثنى، قالا: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: " الحرم كله قبلة ومسجد، قال: {فلا يقربوا المسجد الحرام} [التوبة: 28] لم يعن المسجد وحده، إنما عنى مكة والحرم. قال ذلك غير مرة " وذكر عن عمر بن عبد العزيز في ذلك ما: حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثني الوليد بن مسلم، قال: ثنا أبو عمرو، أن عمر بن عبد العزيز كتب: " أن امنعوا اليهود، والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع في نهيه قول الله: {إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن الحسن: " {إنما 11P399 المشركون نجس} [التوبة: 28] قال: لا تصافحوهم، فمن صافحهم فليتوضأ " وأما قوله: {بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] فإنه يعني: بعد العام الذي نادى فيه علي رحمة الله عليه ببراءة، وذلك عام حج بالناس أبو بكر، وهي سنة تسع من الهجرة كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] وهو العام الذي حج فيه أبو بكر، ونادى علي رحمة الله عليهما بالأذان، وذلك لتسع سنين مضين من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحج نبي الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل حجة الوداع لم يحج قبلها ولا بعدها " وقوله: {وإن خفتم عيلة} [التوبة: 28] يقول للمؤمنين: وإن خفتم فاقة وفقرا، بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام. {فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} [التوبة: 28] يقال منه: عال يعيل عيلة وعيولا، ومنه قول الشاعر: [+البحر الوافر] وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل وقد حكي عن بعضهم أن من العرب من يقول في الفاقة: عال يعول بالواو. وذكر عن عمر بن فائد أنه كان تأول قوله: {وإن خفتم عيلة} [التوبة: 28] بمعنى: وإذ خفتم، ويقول: كان القوم قد خافوا وذلك نحو قول القائل لأبيه: إن كنت أبي فأكرمني، بمعنى: إذ كنت أبي.

Bagian V11/P398–V11/P400

وإنما قيل ذلك لهم؛ لأن المؤمنين خافوا بانقطاع المشركين عن دخول الحرم انقطاع تجاراتهم ودخول ضرر عليهم بانقطاع ذلك، وأمنهم الله من العيلة وعوضهم مما كانوا يكرهون انقطاعه عنهم ما هو خير لهم منه، وهو الجزية، فقال لهم: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} [التوبة: 29] إلى: {صاغرون} [التوبة: 29] وقال قوم بإدرار المطر عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] قال: لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن، قال: من أين تأكلون وقد نفي المشركون وانقطعت عنكم العير؟ فقال الله: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} [التوبة: 28] فأمرهم بقتال أهل الكتاب، وأغناهم من فضله " حدثنا هناد بن السري. قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: " {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويجيئون معهم بالطعام ويتجرون فيه، فلما نهوا أن يأتوا البيت قال المسلمون: من أين لنا طعام؟ فأنزل الله: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن 11P401 شاء} [التوبة: 28] فأنزل عليهم المطر، وكثر خيرهم حين ذهب عنهم المشركون " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة: {إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] الآية، ثم ذكر نحو حديث هناد، عن أبي الأحوص حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن واقد، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت: " {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: من يأتينا بطعامنا، ومن يأتينا بالمتاع؟ فنزلت: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} [التوبة: 28] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن واقد، مولى زيد بن خلدة، عن سعيد بن جبير، قال: " كان المشركون يقدمون عليهم بالتجارة، فنزلت هذه الآية: {إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] إلى قوله: {عيلة} [التوبة: 28] قال: الفقر. {فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: 28] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية العوفي، قال: " قال المسلمون: قد كنا نصيب من تجارتهم وبياعاتهم، فنزلت: {إنما المشركون 11P402 نجس} [التوبة: 28] إلى قوله: {من فضله} [البقرة: 90] " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي أحسبه، قال: أنبأنا أبو جعفر، عن عطية، قال: " لما قيل: ولا يحج بعد العام مشرك، قالوا: قد كنا نصيب من بياعاتهم في الموسم. قال: فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: 28] يعني: بما فاتهم من بياعاتهم " حدثنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا: ثنا ابن يمان، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك: " {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: 28] قال: بالجزية " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، وأبو معاوية، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك، قال: " أخرج المشركون من مكة، فشق ذلك على المسلمين، وقالوا: كنا نصيب منهم التجارة والميرة.

Bagian V11/P400–V11/P405

فأنزل الله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: 28] كان ناس من المسلمين يتألفون العير، فلما نزلت براءة بقتال المشركين حيثما ثقفوا، وأن يقعدوا لهم كل مرصد، قذف الشيطان في قلوب المؤمنين: فمن أين تعيشون وقد أمرتم بقتال أهل العير؟ فعلم الله من 11P403 ذلك ما علم، فقال: أطيعوني، وامضوا لأمري، وأطيعوا رسولي، فإني سوف أغنيكم من فضلي، فتوكل لهم الله بذلك " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] إلى قوله: {فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} [التوبة: 28] قال: قال المؤمنون: كنا نصيب من متاجر المشركين. فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله عوضا لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام. فهذه الآية من أول براءة في القراءة، ومن آخرها في التأويل: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] إلى قوله: {عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] حين أمر محمد وأصحابه بغزوة تبوك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، شق ذلك على المسلمين، وكانوا يأتون ببياعات ينتفع بذلك المسلمون، فأنزل الله تعالى ذكره: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: 28] فأغناهم بهذا الخراج الجزية الجارية عليهم 11P404 يأخذونها شهرا شهرا، عاما عاما. فليس لأحد من المشركين أن يقرب المسجد الحرام بعد عامهم بحال إلا صاحب الجزية، أو عبد رجل من المسلمين " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول في قوله: " {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة " قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] قال: إلا صاحب جزية، أو عبدا لرجل من المسلمين " حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في هذه الآية: " {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام} [التوبة: 28] إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الجزية " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من 11P405 فضله} [التوبة: 28] قال: أغناهم الله بالجزية الجارية شهرا فشهرا وعاما فعاما " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن أبي الزبير، عن جابر: " {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] قال: لا يقرب المسجد الحرام بعد عامه هذا مشرك ولا ذمي " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة} [التوبة: 28] وذلك أن الناس قالوا: لتقطعن عنا الأسواق ولتهلكن التجارة وليذهبن ما كنا نصيب فيها من المرافق، فنزل: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: 28] من وجه غير ذلك {إن شاء} [البقرة: 70] إلى قوله: {وهم صاغرون} [التوبة: 29] ففي هذا عوض مما تخوفتم من قطع تلك الأسواق.

Bagian V11/P405

فعوضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية " وأما قوله: {إن الله عليم حكيم} [التوبة: 28] فإن معناه: إن الله عليم بما حدثتكم به أنفسكم أيها المؤمنون من خوف العيلة عليها بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام، وغير ذلك من مصالح عباده، حكيم في تدبيره إياهم وتدبير جميع خلقه 11P405

Bagian V11/P405–V11/P407

[التوبة: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم: {قاتلوا} [آل عمران: 167] أيها المؤمنون القوم {الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] يقول: ولا يصدقون بجنة ولا نار. {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق} [التوبة: 29] يقول: ولا يطيعون الله طاعة الحق. يعني: أنهم لا يطيعون طاعة أهل الإسلام. {من الذين أوتوا الكتاب} [البقرة: 101] وهم اليهود والنصارى، وكل مطيع ملكا أو ذا سلطان، فهو دائن له، يقال منه: دان فلان لفلان فهو يدين له دينا، قال زهير: [+البحر البسيط] لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك وقوله: {من الذين أوتوا الكتاب} [البقرة: 101] يعني: الذين أعطوا كتاب الله، وهم أهل التوراة والإنجيل. {حتى يعطوا الجزية} [التوبة: 29] والجزية: الفعلة من جزى فلان فلانا ما عليه: إذا قضاه، يجزيه. والجزية مثل القعدة والجلسة. ومعنى الكلام: حتى يعطوا الخراج عن رقابهم الذي يبذلونه للمسلمين دفعا عنها وأما قوله: {عن يد} [التوبة: 29] فإنه يعني: من يده إلى يد من يدفعه إليه، 11P407 وكذلك تقول العرب لكل معط قاهرا له شيئا طائعا له أو كارها: أعطاه عن يده وعن يد، وذلك نظير قولهم: كلمته فما لفم ولقيته كفة لكفة، وكذلك أعطيته عن يد ليد وأما قوله: {وهم صاغرون} [التوبة: 29] فإن معناه: وهم أذلاء مقهورون، يقال للذليل الحقير: صاغر وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره بحرب الروم، فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها غزوة تبوك ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عروة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] حين أمر محمد وأصحابه بغزوة تبوك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد نحوه. واختلف أهل التأويل في معنى الصغار الذي عناه الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: أن يعطيها وهو قائم والآخذ جالس ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الرحمن بن بشر النيسابوري، قال: ثنا سفيان، عن ابن سعد، عن عكرمة: " {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] قال: أي تأخذها وأنت جالس وهو قائم " وقال آخرون: معنى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] عن أنفسهم بأيديهم يمشون بها وهم كارهون، وذلك قول روي عن ابن عباس من وجه فيه نظر. وقال آخرون: إعطاؤهم إياها هو الصغار 11P408

Bagian V11/P407–V11/P408

[التوبة: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} [التوبة: 30] اختلف أهل التأويل في القائل: {عزير ابن الله} [التوبة: 30] فقال بعضهم: كان ذلك رجلا واحدا، هو فنحاص ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: 11P409 سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير، قوله: " {وقالت اليهود عزير ابن الله} [التوبة: 30] قال: قالها رجل واحد، قالوا: إن اسمه فنحاص، وقالوا: هو الذي قال: {إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] " وقال آخرون: بل كان ذلك قول جماعة منهم ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله؟ فأنزل في ذلك من قولهم: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} [التوبة: 30] إلى: {أنى يؤفكون} [التوبة: 30] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وقالت اليهود عزير ابن الله} [التوبة: 30] وإنما قالوا: هو ابن الله من أجل أن عزيرا، كان في أهل الكتاب وكانت التوراة عندهم يعملون بها ما شاء الله أن يعملوا، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق. وكان التابوت فيهم، فلما 11P410 رأى الله أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء، رفع الله عنهم التابوت، وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم، وأرسل الله عليهم مرضا، فاستطلقت بطونهم، حتى جعل الرجل يمشي كبده، حتى نسوا التوراة، ونسخت من صدورهم، وفيهم عزير. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم، وكان عزير قبل من علمائهم، فدعا عزير الله وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدره من التوراة. فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله، نزل نور من الله فدخل جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذن في قومه فقال: يا قوم قد آتاني الله التوراة، وردها إلي، فعلق يعلمهم، فمكثوا ما شاء الله وهو يعلمهم. ثم إن التابوت نزل بعد ذلك، وبعد ذهابه منهم، فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلمهم، فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أوتي عزير هذا إلا إنه ابن الله " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وقالت اليهود عزير ابن الله} [التوبة: 30] إنما قالت ذلك؛ لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم، وأخذوا التوراة، وذهب علماؤهم الذين بقوا فدفنوا كتب التوراة في الجبال. وكان عزير غلاما يتعبد في رءوس الجبال لا ينزل إلا يوم عيد، فجعل الغلام يبكي ويقول: رب تركت بني إسرائيل بغير عالم، فلم يزل يبكي حتى سقطت أشفار عينيه. فنزل مرة إلى العيد، فلما رجع إذا هو بامرأة قد مثلت له 11P411 عند قبر من تلك القبور تبكي وتقول: يا مطعماه، ويا كاسياه، فقال لها: ويحك، من كان يطعمك ويكسوك ويسقيك وينفعك قبل هذا الرجل؟ قالت: الله. قال: فإن الله حي لم يمت. قالت: يا عزير، فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي عليهم؟ فلما عرف أنه قد خصم ولى مدبرا، فدعته فقالت: يا عزير إذا أصبحت غدا فأت نهر كذا وكذا فاغتسل فيه، ثم اخرج فصل ركعتين، فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذه، فلما أصبح، انطلق عزير إلى ذلك النهر، فاغتسل فيه، ثم خرج فصلى ركعتين، فجاءه الشيخ فقال: افتح فمك، ففتح فمه، فألقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعا كهيئة القوارير ثلاث مرار.

Bagian V11/P408–V11/P415

فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة، فقال: يا بني إسرائيل، إني قد جئتكم بالتوراة. فقالوا يا عزير ما كنت كذابا. فعمد فربط على كل أصبع له قلما، وكتب بأصابعه كلها، فكتب التوراة كلها. فلما رجع العلماء أخبروا بشأن عزير، فاستخرج أولئك العلماء كتبهم التي كانوا دفنوها من التوراة في الجبال، وكانت في خواب مدفونة، فعارضوها بتوراة عزير فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاك الله هذا إلا أنك ابنه " واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين: (وقالت اليهود عزير ابن الله) لا ينونون عزيرا. وقرأه بعض 11P412 المكيين والكوفيين: {عزير ابن الله} [التوبة: 30] بتنوين عزير. قال: هو اسم مجرى وإن كان أعجميا لخفته، وهو مع ذلك غير منسوب إلى الله، فيكون بمنزلة قول القائل: زيد ابن عبد الله، وأوقع الابن موقع الخبر، ولو كان منسوبا إلى الله لكان الوجه فيه إذا كان الابن خبرا: الإجراء والتنوين، فكيف وهو منسوب إلى غير أبيه. وأما من ترك تنوين عزير، فإنه لما كانت الباء من ابن ساكنة مع التنوين الساكن والتقى ساكنان فحذف الأول منهما استثقالا لتحريكه، قال الراجز: [+البحر الرجز] لتجدني بالأمير برا وبالقناة مدعسا مكرا إذا غطيف السلمي فرا فحذف النون للساكن الذي استقبلها. قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: {عزير ابن الله} [التوبة: 30] بتنوين عزير؛ لأن العرب لا تنون الأسماء إذا كان الابن نعتا 11P413 للاسم، كقولهم: هذا زيد بن عبد الله، فأرادوا الخبر عن عزير بأنه ابن الله، ولم يريدوا أن يجعلوا الابن له نعتا. والابن في هذا الموضع خبر لعزير؛ لأن الذين ذكر الله عنهم أنهم قالوا ذلك، إنما أخبروا عن عزير أنه كذلك، وإن كانوا بقيلهم ذلك كانوا كاذبين على الله مفترين. {وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} يعني قول اليهود: {عزير ابن الله} [التوبة: 30] يقول: نسبة قول هؤلاء في الكذب على الله والفرية عليه ونسبتهم المسيح إلى أنه لله ابن ككذب اليهود وفريتهم على الله في نسبتهم عزيرا إلى أنه لله ابن، ولا ينبغي أن يكون لله ولد سبحانه، بل له ما في السموات والأرض، كل له قانتون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} يقول: يشبهون " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: « {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: « {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} النصارى يضاهئون قول اليهود في عزير» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج: " {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} يقول: النصارى يضاهئون قول اليهود " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} يقول: قالوا مثل ما قال أهل الأوثان " وقد قيل: إن معنى ذلك: يحكون بقولهم قول أهل الأديان الذين قالوا: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. 11P415 واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق: (يضاهون) بغير همز . وقرأه عاصم: {يضاهئون} بالهمز، وهي لغة لثقيف. وهما لغتان، يقال: ضاهيته على كذا أضاهيه مضاهاة وضاهأته عليه مضاهأة، إذا مالأته عليه وأعنته قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك ترك الهمز؛ لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار واللغة الفصحى وأما قوله: {قاتلهم الله} [التوبة: 30] فإن معناه فيما ذكر عن ابن عباس ما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {قاتلهم الله} [التوبة: 30] يقول: لعنهم الله، وكل شيء في القرآن قتل.

Bagian V11/P415–V11/P416

فهو لعن " وقال ابن جريج في ذلك، ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {قاتلهم الله} [التوبة: 30] يعني النصارى، كلمة من كلام العرب " فأما أهل المعرفة بكلام العرب فإنهم يقولون معناه: قتلهم الله، والعرب تقول: قاتعك الله، وقاتعها الله، بمعنى: قاتلك الله، قالوا: وقاتعك الله أهون من قاتله الله. وقد ذكروا أنهم يقولون: شاقاه الله ما باقاه، يريدون: أشقاه الله ما أبقاه. قالوا: ومعنى قوله: {قاتلهم الله} [التوبة: 30] كقوله: {قتل الخراصون} [الذاريات: 10] و {قتل أصحاب الأخدود} [البروج: 4] واحد، وهو بمعنى التعجب. فإن كان الذي قالوا كما قالوا، فهو من نادر الكلام الذي جاء على غير القياس؛ لأن فاعلت لا تكاد أن تجيء فعلا إلا من اثنين، كقولهم: خاصمت فلانا وقاتلته، وما أشبه ذلك. وقد زعموا أن قولهم: عافاك الله منه، وأن معناه: أعفاك الله، بمعنى الدعاء لمن دعا له بأن يعفيه من السوء وقوله: {أنى يؤفكون} [المائدة: 75] يقول: أي وجه يذهب بهم ويحيدون، كيف يصدون عن الحق، وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل

Bagian V11/P416

[التوبة: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة: 31] يقول جل ثناؤه: اتخذ اليهود أحبارهم، وهم العلماء. وقد بينت تأويل ذلك بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا. قيل واحدهم حبر وحبر بكسر الحاء منه وفتحها. وكان يونس الجرمي فيما ذكر عنه يزعم أنه لم يسمع ذلك إلا حبر بكسر الحاء، ويحتج بقول الناس: هذا مداد حبر، يراد به: مداد عالم. وذكر الفراء أنه سمعه حبرا وحبرا بكسر الحاء وفتحها. 11P417 والنصارى رهبانهم، وهم أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد في دينهم منهم كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك: " {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم} [التوبة: 31] قال: قراءهم وعلماءهم " {أربابا من دون الله} [آل عمران: 64] يعني: سادة لهم من دون الله يطيعونهم في معاصي الله، فيحلون ما أحلوه لهم مما قد حرمه الله عليهم ويحرمون ما يحرمونه عليهم مما قد أحله الله لهم كما: حدثني الحسن بن يزيد الطحان، قال: ثنا عبد السلام بن حرب الملائي، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم، قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] فقال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكن كانوا يحلون لهم فيحلون» حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا مالك بن إسماعيل، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد جميعا عن عبد السلام بن حرب، قال: ثنا غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك» 11P418 قال: فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] قال: قلت: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ » قال: قلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم» واللفظ لحديث أبي كريب حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية عن قيس بن الربيع، عن عبد السلام بن حرب النهدي، عن غطيف، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة براءة، فلما قرأ: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] قلت: يا رسول الله، أما إنهم لم يكونوا يصلون لهم؟ قال: «صدقت، ولكن كانوا يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون ما أحل الله لهم فيحرمونه» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، عن حذيفة، أنه سئل عن قوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] كانوا يعبدونهم؟

Bagian V11/P416–V11/P421

قال: «لا، كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه» 11P419 حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البختري، قال: قيل لأبي حذيفة فذكر نحوه، غير أنه قال: ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيستحلونه، ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، عن حبيب، عن أبي البختري قال: قيل لحذيفة: أرأيت قول الله: {اتخذوا أحبارهم} [التوبة: 31] قال: «أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا أحله الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم» قال: ثنا جرير، وابن فضيل، عن عطاء، عن أبي البختري: " {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] قال: انطلقوا إلى حلال الله فجعلوه حراما، وانطلقوا إلى حرام الله فجعلوه حلالا، فأطاعوهم في ذلك، فجعل الله طاعتهم عبادتهم، ولو قالوا لهم اعبدونا لم يفعلوا " حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، قال: سأل رجل حذيفة، فقال: يا أبا عبد الله أرأيت قوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] 11P420 أكانوا يعبدونهم؟ قال: «لا، كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن أشعث، عن الحسن: " {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا} [التوبة: 31] قال: في الطاعة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي ، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] يقول: وزينوا لهم طاعتهم " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] قال عبد الله بن عباس: «لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله، فأطاعوهم، فسماهم الله بذلك أربابا» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا} [التوبة: 31] قال: قلت لأبي العالية: كيف كانت الربوبية التي كانت في بني إسرائيل؟ قال قالوا: " ما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنا انتهينا، لقولهم: وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه، فاستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم " حدثني بشر عن سويد، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي 11P421 البختري، عن حذيفة: " {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] قال: لم يعبدوهم، ولكنهم أطاعوهم في المعاصي " وأما قوله {والمسيح ابن مريم} [التوبة: 31] فإن معناه: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابا من دون الله وأما قوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا} [التوبة: 31] فإنه يعني به: وما أمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبار والرهبان والمسيح أربابا إلا أن يعبدوا معبودا واحدا، وأن يطيعوا إلا ربا واحدا دون أرباب شتى، وهو الله الذي له عبادة كل شيء وطاعة كل خلق، المستحق على جميع خلقه الدينونة له بالوحدانية والربوبية، لا إله إلا هو. يقول تعالى ذكره: لا تنبغي الألوهة إلا لواحد الذي أمر الخلق بعبادته، ولزمت جميع العباد طاعته. {سبحانه عما يشركون} [التوبة: 31] يقول: تنزيها وتطهيرا لله عما يشرك في طاعته وربوبيته القائلون عزير ابن الله، والقائلون: المسيح ابن الله، المتخذون أحبارهم أربابا من دون الله 11P421

Bagian V11/P421–V11/P424

[التوبة: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} [التوبة: 32] يقول تعالى ذكره: يريد هؤلاء المتخذون أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابا {أن يطفئوا نور الله بأفواههم} يعني: أنهم يحاولون بتكذيبهم بدين 11P422 الله الذي ابتعث به رسوله وصدهم الناس عنه بألسنتهم أن يبطلوه، وهو النور الذي جعله الله لخلقه ضياء. {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} [التوبة: 32] يعلو دينه وتظهر كلمته، ويتم الحق الذي بعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، ولو كره إتمام الله إياه الكافرون، يعني: جاحديه المكذبين به. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} يقول: يريدون: أن يطفئوا الإسلام بكلامهم " 11P422 [التوبة: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [التوبة: 33] يقول تعالى ذكره: الله الذي يأبى إلا إتمام دينه ولو كره ذلك جاحدوه ومنكروه، الذي أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى، يعني: ببيان فرائض الله على خلقه، وجميع اللازم لهم، وبدين الحق وهو الإسلام {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] يقول: ليعلي الإسلام على الملل كلها. {ولو كره المشركون} [التوبة: 33] بالله ظهوره عليها. وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] فقال بعضهم: ذلك عند خروج عيسى حين تصير الملل كلها واحدة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا شقيق، قال: ثني ثابت الحداد أبو المقدام، عن شيخ، عن أبي هريرة، في قوله: " {ليظهره على الدين كله} [سورة: التوبة، آية رقم: 33] قال: حين خروج عيسى ابن مريم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن فضيل بن مرزوق، قال: ثني من سمع أبا جعفر: " {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] قال: إذا خرج عيسى عليه السلام اتبعه أهل كل دين " وقال آخرون: معنى ذلك: ليعلمه شرائع الدين كلها فيطلعه عليها ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح ، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] قال: ليظهر الله نبيه على أمر الدين كله، فيعطيه إياه كله، ولا يخفى عليه منه شيء. وكان المشركون واليهود يكرهون ذلك " 11P423 [التوبة: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بوحدانية ربهم، إن كثيرا من العلماء والقراء من بني إسرائيل من اليهود والنصارى {ليأكلون أموال الناس بالباطل} [التوبة: 34] يقول: يأخذون الرشى في أحكامهم، ويحرفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتبا ثم يقولون: هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمنا قليلا من سفلتهم. {ويصدون عن سبيل الله} [الأنفال: 47] يقول: ويمنعون من أراد الدخول في الإسلام الدخول فيه بينهم إياهم عنه. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل} [التوبة: 34] أما الأحبار، فمن اليهود، وأما الرهبان: فمن النصارى، وأما سبيل الله: فمحمد صلى الله عليه وسلم " 11P424

Bagian V11/P424–V11/P426

[التوبة: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] يقول تعالى ذكره: {إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل} [التوبة: 34] ويأكلها أيضا معهم {والذين يكنزون الذهب والفضة 11P425 ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] يقول: بشر الكثير من الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، بعذاب أليم لهم يوم القيامة موجع من الله. واختلف أهل العلم في معنى الكنز، فقال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته. قالوا: وعنى بقوله: {ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] ولا يؤدون زكاتها ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «كل مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا، وكل مال لم تؤد زكاته فهو الكنز الذي ذكره الله في القرآن يكوى به صاحبه وإن لم يكن مدفونا» حدثنا الحسين بن الجنيد، قال: ثنا سعيد بن مسلمة، قال: ثنا إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: «كل مال أديت منه الزكاة فليس بكنز وإن كان مدفونا، وكل مال لم تؤد منه الزكاة وإن لم يكن مدفونا فهو كنز» حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن 11P426 ابن عمر، قال: «أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو بكنز يكوى به صاحبه، وإن كان على وجه الأرض» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي وجرير، عن الأعمش، عن عطية، عن ابن عمر، قال: «ما أديت زكاته فليس بكنز» قال: ثنا أبي، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا» قال: ثنا جرير، عن الشيباني، عن عكرمة، قال: «ما أديت زكاته فليس بكنز» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " أما الذين يكنزون الذهب والفضة فهؤلاء أهل القبلة. والكنز: ما لم تؤد زكاته وإن كان على ظهر الأرض وإن قل، وإن كان كثيرا قد أديت زكاته فليس بكنز " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، قال: قلت لعامر: " مال على رف بين السماء والأرض لا تؤدى زكاته، أكنز هو؟

Bagian V11/P426–V11/P427

قال: 11P427 يكوى به يوم القيامة " وقال آخرون: كل مال زاد على أربعة آلاف درهم، فهو كنز، أديت منه الزكاة أو لم تؤد ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي، رحمة الله عليه قال: «أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، فما كان أكثر من ذلك فهو كنز» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي مثله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الشعبي، قال: أخبرني أبو حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي رحمة الله عليه، في قوله: " {والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34] قال: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، وما فوقها كنز " وقال آخرون: الكنز كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا 11P428 شعبة، عن أنس، عن عبد الواحد، أنه سمع أبا مجيب، قال: كان نعل سيف أبي هريرة من فضة، فنهاه عنها أبو ذر، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن الأعمش، وعمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، قال: لما نزلت: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تبا للذهب تبا للفضة» يقولها ثلاثا. قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: فأي مال نتخذه؟ فقال عمر: أنا أعلم لكم ذلك. فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا: فأي المال نتخذ، فقال: «لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة تعين أحدكم على دينه» 11P429 حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا إسرائيل، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، بمثله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، قال: لما نزلت هذه الآية: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] قال المهاجرون: وأي المال نتخذ؟ فقال عمر: أسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه. قال: فأدركته على بعير، فقلت: يا رسول الله إن المهاجرين قالوا: فأي المال نتخذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه» حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، قال: توفي رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كية» ثم توفي آخر، فوجد في مئزره ديناران، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيتان» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن صدي بن عجلان أبي أمامة، قال: مات رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره 11P430 دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كية» ثم توفي آخر، فوجد في مئزره ديناران فقال نبي الله: «كيتان» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سالم، عن ثوبان، قال: كنا في سفر ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال المهاجرون: لوددنا أنا علمنا أي المال خير فنتخذه؛ إذ نزل في الذهب والفضة ما نزل، فقال عمر: إن شئتم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقالوا: أجل.

Bagian V11/P427–V11/P432

فانطلق فتبعته أوضع على بعيري، فقال: يا رسول الله إن المهاجرين لما أنزل الله في الذهب والفضة ما أنزل قالوا: وددنا أنا علمنا أي المال خير فنتخذه، قال: «نعم، فيتخذ أحدكم لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة تعين أحدكم على إيمانه» قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة: القول الذي ذكر عن ابن عمر من أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كل ما لم تؤد زكاته فصاحبه معاقب مستحق وعيد الله إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قل إذا كان مما يجب فيه الزكاة. وذلك أن الله أوجب في خمس أواق من الورق على لسان رسوله ربع عشرها، وفي عشرين مثقالا من الذهب مثل ذلك ربع عشرها. فإذ كان ذلك فرض الله في الذهب والفضة على لسان رسوله، فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوف ألوف لو كان، وإن أديت زكاته من الكنوز التي أوعد الله أهلها عليها العقاب، لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا 11P431 من ربع العشر؛ لأن ما كان فرضا إخراج جميعه من المال وحرام اتخاذه فزكاته الخروج من جميعه إلى أهله لا ربع عشره، وذلك مثل المال المغصوب الذي هو حرام على الغاصب إمساكه وفرض عليه إخراجه من يده إلى يده، فالتطهر منه رده إلى صاحبه. فلو كان ما زاد من المال على أربعة آلاف درهم، أو ما فضل عن حاجة ربه التي لا بد منها مما يستحق صاحبه باقتنائه إذا أدى إلى أهل السهمان حقوقهم منها من الصدقة وعيد الله لم يكن اللازم ربه فيه ربع عشره، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهله وصرفه فيما يجب عليه صرفه، كالذي ذكرنا من أن الواجب على غاصب رجل ماله رده على ربه. وبعد فإن فيما: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: قال معمر: أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل يوم القيامة صفائح من نار يكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس ثم يرى سبيله وإن كانت إبلا إلا بطح لها بقاع قرقر تطؤه بأخفافها» حسبته قال: «وتعضه بأفواهها، يرد أولاها على أخراها، حتى يقضى بين الناس ثم يرى سبيله. وإن كانت غنما فمثل ذلك، إلا أنها تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها» 11P432 وفي ذلك نظائر من الأخبار التي كرهنا الإطالة بذكرها الدلالة الواضحة على أن الوعيد إنما هو من الله على الأموال التي لم تؤد الوظائف المفروضة فيها لأهلها من الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها. وفيما بينا من ذلك البيان الواضح على أن الآية لخاص كما قال ابن عباس وذلك ما: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] يقول: هم أهل الكتاب، وقال: هي خاصة وعامة " يعني بقوله: هي خاصة وعامة، هي خاصة من المسلمين فيمن لم يؤد زكاة ماله منهم، وعامة في أهل الكتاب؛ لأنهم كفار لا تقبل منهم نفقاتهم إن أنفقوا. يدل على صحة ما قلنا في تأويل قول ابن عباس هذا ما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: " {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها} [التوبة: 34] إلى قوله: {هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} [التوبة: 35] قال: هم الذين لا يؤدون زكاة أموالهم.

Bagian V11/P432–V11/P434

قال: وكل مال لا تؤدى زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز، وكل مال تؤدى زكاته فليس بكنز كان على ظهر الأرض أو في بطنها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34] قال: الكنز: ما كنز عن طاعة الله وفريضته، وذلك الكنز. وقال: افترضت الزكاة والصلاة جميعا لم يفرق بينهما " وإنما قلنا ذلك على الخصوص؛ لأن الكنز في كلام العرب: كل شيء مجموع بعضه على بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها، يدل على ذلك قول الشاعر: [+البحر البسيط] لا در دري إن أطعمت نازلهم قرف الحتي وعندي البر مكنوز يعني بذلك: وعندي البر مجموع بعضه على بعض، وكذلك تقول العرب للبدن المجتمع: مكتنز لانضمام بعضه إلى بعض. وإذا كان ذلك معنى الكنز عندهم، وكان قوله: {والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34] معناه: والذين يجمعون الذهب والفضة بعضها إلى بعض {ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] وهو عام في التلاوة، لم يكن في الآية بيان كم ذلك القدر من الذهب والفضة الذي إذا جمع بعضه إلى بعض استحق الوعيد، كان معلوما أن خصوص ذلك إنما أدرك بوقف الرسول عليه، وذلك كما بينا من أنه المال الذي لم يؤد حق الله منه من الزكاة دون غيره لما قد أوضحنا من الدلالة على صحته. وقد كان بعض الصحابة يقول: هي عامة في كل كنز، غير أنها خاصة في أهل الكتاب وإياهم عنى الله بها ذكر من قال ذلك: حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين، عن زيد بن وهب، قال: مررت بالربذة، فلقيت أبا ذر، فقلت: يا أبا ذر، ما أنزلك هذه البلاد؟ قال: " كنت بالشأم، فقرأت هذه الآية: {والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34] الآية، فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب. قال: فقلت إنها لفينا وفيهم. قال: فارتفع في ذلك بيني وبينه القول، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان: أن أقبل إلي، قال: فأقبلت، فلما قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني قبل يومئذ، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال لي: تنح قريبا، قلت: والله لن أدع ما كنت أقول " حدثنا أبو كريب وأبو السائب وابن وكيع، قالوا: ثنا ابن إدريس، قال ثنا حصين، عن زيد بن وهب، قال: مررنا بالربذة، ثم ذكر عن أبي ذر نحوه حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أشعث، وهشام، عن أبي بشر، قال: قال أبو ذر: خرجت إلى الشام فقرأت هذه الآية: " {والذين 11P435 يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] فقال معاوية: إنما هي في أهل الكتاب، قال: فقلت: إنها لفينا وفيهم " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن زيد بن وهب، قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر، قال: قلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] قال: فقال: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم. ثم ذكر نحو حديث هشيم عن حصين فإن قال قائل: فكيف قيل: {ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] فأخرجت الهاء والألف مخرج الكناية عن أحد النوعين؟ قيل: يحتمل ذلك وجهين: أحدهما أن يكون الذهب والفضة مرادا بها الكنوز، كأنه قيل: {والذين يكنزون} [التوبة: 34] الكنوز {ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] لأن الذهب والفضة هي الكنوز في هذا الموضع. والآخر أن يكون استغنى بالخبر عن إحداهما في عائد ذكرهما من الخبر عن الأخرى، لدلالة الكلام على الخبر عن الأخرى مثل الخبر عنها. وذلك كثير موجود في كلام العرب وأشعارها، ومنه قول الشاعر: [+البحر المنسرح] 11P436 نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف فقال: راض، ولم يقل: راضون.

Bagian V11/P434

وقال الآخر: [+البحر الخفيف] إن شرح الشباب والشعر الأس ود ما لم يعاص كان جنونا فقال: يعاص، ولم يقل: يعاصيا في أشياء كثيرة. ومنه قول الله: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} [الجمعة: 11] ولم يقل: إليهما 11P434

Pertanyaan