Taberî — Câmiü'l-Beyân
[يونس: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} [يونس: 89] وهذا خبر من الله عن إجابته لموسى صلى الله عليه وسلم وهارون دعاءهما على فرعون وأشراف قومه وأموالهم. يقول جل ثناؤه: {قال} [البقرة: 30] الله لهما {قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] في فرعون وملئه وأموالهم. فإن قال قائل: وكيف نسبت الإجابة إلى اثنين، والدعاء إنما كان من واحد قيل: إن الداعي وإن كان واحدا، فإن الثاني كان مؤمنا وهو هارون، فلذلك نسبت الإجابة إليهما، لأن المؤمن داع. وكذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن 12P271 جريج، عن رجل، عن عكرمة، في قوله: " {قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فذلك قوله: {قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] " وقد زعم بعض أهل العربية أن العرب تخاطب الواحد خطاب الاثنين، وأنشد في ذلك: [+البحر الوافر] فقلت لصاحبي لا تعجلانا بنزع أصوله واجتز شيحا حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زكريا بن عدي، عن ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: " {قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] قال : دعا موسى، وأمن هارون " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، وزيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، قال: «دعا موسى، وأمن هارون» قال: ثنا أبو معاوية، عن شيخ له، عن مجاهد بن كعب، قال: «دعا موسى، وأمن هارون» حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي 12P272 العالية، قال: " {قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] قال: دعا موسى، وأمن هارون " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، وعبد الله بن أبي جعفر، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: " دعا موسى وأمن هارون، فذلك قوله: {قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن رجل، عن عكرمة في قوله: " {قال قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فذلك قوله {قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] لموسى وهارون ". قال ابن جريج: قال عكرمة: أمن هارون على دعاء موسى، فقال الله: {قد أجيبت دعوتكما فاستقيما} [يونس: 89] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " كان هارون يقول: آمين، فقال الله: {قد أجيبت دعوتكما} [يونس: 89] فصار التأمين دعوة صار شريكه فيها " وأما قوله: {فاستقيما} [يونس: 89] فإنه أمر من الله تعالى لموسى وهارون 12P273 بالاستقامة والثبات. على أمرها من دعاء فرعون وقومه إلى الإجابة إلى توحيد الله وطاعته، إلى أن يأتيهم عقاب الله الذي أخبرهما أنه أجابهما فيه. كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: " {فاستقيما} [يونس: 89] فامضيا لأمري، وهي الاستقامة " قال ابن جريج يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة وقوله: {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} [يونس: 89] يقول: ولا تسلكان طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي، فتستعجلان قضائي، فإن وعدي لا خالف له، وإن وعيدي نازل بفرعون وعذابي واقع به وبقومه 12P273
[يونس: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] يقول تعالى ذكره: وقطعنا ببني إسرائيل البحر حتى جاوزوه. {فأتبعهم فرعون} [يونس: 90] يقول: فتبعهم فرعون {وجنوده} [البقرة: 249] يقال منه: اتبعته وتبعته بمعنى واحد. وقد كان الكسائي فيما ذكر أبو عبيد عنه يقول: إذا أريد أنه أتبعهم خيرا أو شرا فالكلام «أتبعهم» بهمز الألف، وإذا أريد اتبع أثرهم أو اقتدى بهم فإنه من «اتبعت» مشددة التاي غير مهموزة الألف. {بغيا} [البقرة: 90] على موسى وهارون ومن معهما من قومهما من بني إسرائيل {وعدوا} [يونس: 90] . يقول: واعتداء عليهم، وهو مصدر من قولهم: عدا فلان على فلان في الظلم يعدو عليه عدوا، مثل غزا يغزو غزوا. وقد روي عن بعضهم أنه كان يقرأ: «بغيا وعدوا» وهو أيضا مصدر من قولهم: عدا يعدو عدوا، مثل علا يعلو علوا. {حتى إذا أدركه الغرق} [يونس: 90] يقول: حتى إذا أحاط به الغرق. وفي الكلام متروك قد ترك ذكره بدلالة ما ظهر من الكلام عليه وذلك: فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا فيه، فغرقناه حتى إذا أدركه الغرق. وقوله: {قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل فرعون حين أشرف على الغرق وأيقن بالهلكة: {آمنت} [الأنعام: 158] يقول: أقررت، {أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} [يونس: 90] واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأ بعضهم وهو قراءة عامة المدينة والبصرة: «أنه» بفتح الألف من «أنه» على إعمال «آمنت» فيها ونصبها به. وقرأ آخرون: «آمنت إنه» بكسر الألف من أنه على ابتداء الخبر، وهي قراءة عامة الكوفيين والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد، قال: " اجتمع يعقوب وبنوه إلى يوسف، وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى من مصر حين خرجوا وهم ستمائة ألف، فلما أدركهم فرعون فرأوه، قالوا: يا موسى أين المخرج؟ فقد أدركنا قد كنا نلقى من فرعون البلاء؟ فأوحى الله إلى موسى: {أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} [الشعراء: 63] ويبس لهم البحر، وكشف الله عن وجه الأرض، وخرج فرعون على فرس حصان أدهم على لونه من الدهم ثمان مائة ألف سوى ألوانها من الدواب، وكانت تحت جبريل عليه السلام فرس وديق ليس فيها أنثى غيرها. وميكائيل يسوقهم، لا يشذ رجل منهم إلا ضمه إلى الناس.
فلما خرج آخر بني إسرائيل دنا منه جبريل ولصق به، فوجد الحصان ريح الأنثى، فلم يملك فرعون من أمره شيئا، وقال: أقدموا فليس القوم أحق بالبحر منكم ثم 12P276 أتبعهم فرعون حتى إذا هم أولهم أن يخرجوا ارتطم ونادى فيها: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] ونودي: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس: 91] " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يرفعه أحدهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن جبرائيل كان يدس في فم فرعون الطين مخافة أن يقول لا إله إلا الله» حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «جعل جبرائيل عليه السلام يدس أو يحشو في فم فرعون الطين مخافة أن تدركه الرحمة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن كثير بن زاذان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " قال لي جبرائيل: يا محمد لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من حمئه في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله 12P277 فيغفر له " يعني فرعون حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما أغرق الله فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبرائيل: يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حمأة البحر وأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة " حدثني المثنى، قال: ثني عمرو، عن حكام، قال: ثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما قال فرعون لا إله إلا الله، جعل جبرائيل يحشو في فيه الطين والتراب» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: أخبرني من، سمع ميمون بن مهران، يقول في قوله: " {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} [يونس: 90] قال: أخذ جبرائيل من حمأة البحر فضرب بها فاه أو قال: ملأ بها فاه مخافة أن تدركه رحمة الله " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الحسين بن علي، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، قال: خطب الضحاك بن قيس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " إن فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا لذكر الله، فلما أدركه الغرق {قال آمنت أنه لا 12P278 إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] قال الله: {الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} " قال: ثني أبي، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن فرعون، لما أدركه الغرق جعل جبرائيل يحثو في فيه التراب خشية أن يغفر له» قال: ثنا محمد بن عبيد، عن عيسى بن المغيرة، عن إبراهيم التيمي: أن جبرائيل، عليه السلام قال: ما خشيت على أحد من بني آدم الرحمة إلا فرعون، فإنه حين قال ما قال خشيت أن تصل إلى الرب فيرحمه، فأخذت من حمأة البحر وزبده فضربت به عينيه ووجهه " قال: أخبرنا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن يعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: " قال جبرائيل عليه السلام: لقد حشوت فاه الحمأة مخافة أن تدركه الرحمة " 12P278
[يونس: 91] القول في تأويل قوله تعالى: {الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس: 91] يقول تعالى ذكره معرفا فرعون قبح صنيعه أيام حياته وإساءته إلى نفسه أيام صحته، بتماديه في طغيانه ومعصيته ربه حين فزع إليه في حال حلول سخطه به ونزول عقابه، مستجيرا به من عذابه الواقع به لما ناداه وقد علته أمواج البحر وغشيته كرب الموت: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] له، المنقادين بالذلة له، المعترفين بالعبودية: الآن تقر لله بالعبودية، وتستسلم له بالذلة، وتخلص له الألوهة، وقد عصيته قبل نزول نقمته بك فأسخطته على نفسك وكنت من المفسدين في الأرض الصادين عن سبيله؟ فهلا وأنت في مهل، وباب التوبة لك منفتح أقررت بما أنت به الآن مقر 12P279
[يونس: 92] القول في تأويل قوله تعالى: {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} [يونس: 92] يقول تعالى ذكره لفرعون: فاليوم نجعلك على نجوة الأرض ببدنك، ينظر إليك هالكا من كذب بهلاكك. {لتكون لمن خلفك آية} [يونس: 92] يقول: لمن بعدك من الناس عبرة يعتبرون بك، فينزجرون عن معصية الله والكفر به والسعي في أرضه بالفساد. والنجوة: الموضع المرتفع على ما حوله من الأرض، ومنه قول أوس بن حجر: [+البحر البسيط] فمن بعقوته كمن بنجوته والمستكن كمن يمشي بقرواح 12P280 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد، وغيره، قال: " قالت بنو إسرائيل لموسى: إنه لم يمت فرعون. قال: فأخرجه الله إليهم ينظرون إليه مثل الثور الأحمر " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن قيس بن عباد، قال: وكان من أكثر الناس، أو أحدث الناس عن بني إسرائيل. قال فحدثنا: أن أول جنود فرعون لما انتهى إلى البحر هابت الخيل اللهب، قال: ومثل لحصان منها فرس وديق، فوحد ريحها أحسبه أنا قال: فانسل فاتبعته قال: فلما تتام آخر جنود فرعون في البحر وخرج آخر بني إسرائيل أمر البحر، فانطبق عليهم، 12P281 فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون، وما كان ليموت أبدا فسمع الله تكذيبهم نبيه. قال: فرمى به على الساحل كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد، " {فاليوم ننجيك ببدنك} [يونس: 92] قال: بدنه: جسده رمى به البحر " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {فاليوم ننجيك ببدنك} [يونس: 92] قال: بجسدك " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، قال: ثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " لما جاوز موسى البحر بجميع من معه، التقى البحر عليهم يعني على فرعون وقومه فأغرقهم، فقال أصحاب موسى: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه فدعا ربه فأخرجه، فنبذه البحر حتى استيقنوا بهلاكه " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} [يونس: 92] يقول: أنكر ذلك طوائف من بني إسرائيل، فقذفه الله على ساحل البحر ينظرون إليه " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {لتكون لمن خلفك آية} [يونس: 92] قال: لما أغرق الله فرعون لم تصدق طائفة من الناس بذلك، فأخرجه الله آية وعظة " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي السليل عن قيس بن عباد أو غيره، بنحو حديث ابن عبد الأعلى، عن معمر حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: " {فاليوم ننجيك ببدنك} [يونس: 92] قال: بجسدك " قال: ثنا محمد بن بكير، عن ابن جريج، قال: بلغني، عن مجاهد: " {فاليوم ننجيك ببدنك} [يونس: 92] قال: بجسدك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فرمى به على ساحل البحر ليراه بنو 12P283 إسرائيل، قال: كأنه ثور أحمر " وقال آخرون: تنجو بجسدك من البحر فتخرج منه.
ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} [يونس: 92] يقول: أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر، فنظروا إليه بعد ما غرق " فإن قال قائل: وما وجه قوله: ببدنك؟ وهل يجوز أن ينجيه بغير بدنه، فيحتاج الكلام إلى أن يقال فيه ببدنك؟ قيل: كان جائزا أن ينجيه بالبدن بغير روح، ولكن ميتا. وقوله: {وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} [يونس: 92] يقول تعالى ذكره: {وإن كثيرا من الناس عن آياتنا} [يونس: 92] يعني: عن حججنا وأدلتنا على أن العبادة والألوهة لنا خالصة، {لغافلون} [يونس: 92] يقول: لساهون، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها 12P283
[يونس: 93] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [يونس: 93] 12P284 يقول تعالى ذكره: ولقد أنزلنا بني إسرائيل منازل صدق. قيل: عنى بذلك الشأم وبيت المقدس. وقيل: عنى به الشام ومصر. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك ، " {مبوأ صدق} [يونس: 93] قال: منازل صدق: مصر والشام " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {مبوأ صدق} [يونس: 93] قال: بوأهم الله الشام وبيت المقدس " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} [يونس: 93] الشام. وقرأ: {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} [الأنبياء: 71] " وقوله: {ورزقناهم من الطيبات} [يونس: 93] يقول: ورزقنا بني إسرائيل من حلال الرزق وهو الطيب. وقوله: {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} [يونس: 93] يقول جل ثناؤه: فما اختلف هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني إسرائيل، حتى جاءهم ما كانوا به 12P285 عالمين؛ وذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث محمد النبي صلى الله عليه وسلم مجمعين على نبوة محمد والإقرار به وبمبعثه غير مختلفين فيه بالنعت الذي كانوا يجدونه مكتوبا عندهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفر به بعضهم وآمن به من بعضهم، والمؤمنون به منهم كانوا عددا قليلا، فذلك قوله: فما اختلفوا حتى جاءهم المعلوم الذي كانوا يعلمونه نبيا لله، فوضع العلم مكان المعلوم. وكان بعضهم يتأول العلم ههنا كتاب الله ووحيه. ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} [يونس: 93] قال: العلم: كتاب الله الذي أنزله وأمره الذي أمرهم به، وهل اختلفوا حتى جاءهم العلم بغيا بينهم أهل الأهواء، هل اقتتلوا إلا على البغي؟ قال: والبغي وجهان: وجه النفاسة في الدنيا ومن اقتتل عليها من أهلها، وبغي في العلم يرى هذا جاهلا مخطئا ويرى نفسه مصيبا عالما، فيبغي بإصابته وعلمه على هذا المخطئ " وقوله: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [يونس: 93] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا محمد يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل فيك يوم القيامة فيما كانوا فيه من أمري في الدنيا يختلفون، بأن يدخل المكذبين بك منهم النار، والمؤمنين بك منهم الجنة. فذلك قضاؤه يومئذ فيما كانوا يختلفون من أمر محمد صلى الله عليه وسلم 12P286
[يونس: 94] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} [يونس: 94] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإن كنت يا محمد في شك من حقيقة ما أخبرناك وأنزل إليك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوتك قبل أن تبعث رسولا إلى خلقه، لأنهم يجدونك عندهم مكتوبا ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف في كتابهم في التوراة والإنجيل؛ فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك من أهل التوراة والإنجيل كعبد الله بن سلام ونحوه من أهل الصدق والإيمان بك منهم دون أهل الكذب والكفر بك منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله: " {فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} قال: التوراة والإنجيل الذين أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فآمنوا به، يقول: فاسألهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله تعالى: " {فإن 12P287 كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} قال: هو عبد الله بن سلام، كان من أهل الكتاب فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} قال: «هم أهل الكتاب» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول: « {فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} يعني أهل التقوى وأهل الإيمان من أهل الكتاب، ممن أدرك نبي الله صلى الله عليه وسلم» فإن قال قائل: أوكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في شك من خبر الله أنه حق يقين حتى قيل له: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} قيل: لا وكذلك قال جماعة من أهل العلم حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: " {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} [يونس: 94] فقال: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: " {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} قال: ما شك وما سأل " حدثني الحرث، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، ومنصور، عن الحسن، في هذه الآية، قال: «لم يشك صلى الله عليه وسلم ولم يسأل» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا أشك ولا أسأل» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا أشك ولا أسأل» فإن قال: فما وجه مخرج هذا الكلام إذن إن كان الأمر على ما وصفت؟ قيل: قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا استجازة العرب قول القائل منهم لمملوكه: إن كنت مملوكي فانته إلى أمري؛ والعبد المأمور بذلك لا يشك سيده القائل له ذلك أنه عبده.
كذلك قول الرجل منهم لابنه: إن كنت ابني فبرني؛ وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه، وأن ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم، وذكرنا ذلك بشواهد، وأن منه قول الله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] وقد علم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك. وهذا من ذلك، لم يكن صلى الله عليه وسلم شاكا في حقيقة خبر الله وصحته، والله تعالى بذلك من أمره كان عالما، ولكنه جل ثناؤه خاطبه خطاب قومه 12P289 بعضهم بعضا، إذ كان القرآن بلسانهم نزل. وأما قوله: {لقد جاءك الحق من ربك} [يونس: 94] . . الآية، فهو خبر من الله مبتدأ، يقول تعالى ذكره: أقسم لقد جاءك الحق اليقين من الخبر بأنك لله رسول، وأن هؤلاء اليهود والنصارى يعلمون صحة ذلك، ويجدون نعتك عندهم في كتبهم. {فلا تكونن من الممترين} [البقرة: 147] يقول: فلا تكونن من الشاكين في صحة ذلك وحقيقته. ولو قال قائل: إن هذه الآية خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بها بعض من لم يكن صحت بصيرته بنبوته صلى الله عليه وسلم ممن كان قد أظهر الإيمان بلسانه، تنبيها له على موضع تعرف حقيقة أمره الذي يزيل اللبس عن قلبه، كما قال جل ثناؤه: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما} [الأحزاب: 1] ؛ كان قولا غير مدفوعة صحته 12P288
[يونس: 95] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين} [يونس: 95] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تكونن يا محمد من الذين كذبوا بحجج الله وأدلته، فتكون ممن غبن حظه وباع رحمة الله ورضاه بسخطه وعقابه 12P289 [يونس: 96_97] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96_97] 12P289 يقول تعالى ذكره: إن الذين وجبت عليهم يا محمد كلمة ربك، وهي لعنته إياهم بقوله: {ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18] فثبتت عليهم، يقال منه: حق على فلان كذا يحق. عليه: إذا ثبت ذلك عليه ووجب. وقوله {لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية} [يونس: 97] لا يصدقون بحجج الله، ولا يقرون بوحدانية ربهم ولا بأنك لله رسول، ولو جاءتهم كل آية ولو جاءتهم كل آية وموعظة وعبرة فعاينوها حتى يعاينوا العذاب الأليم ، كما لم يؤمن فرعون وملؤه، إذا حقت عليهم كلمة ربك حتى عاينوا العذاب الأليم، فحينئذ قال: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} [يونس: 90] حين لم ينفعه قيله، فكذلك هؤلاء الذين حقت عليهم كلمة ربك من قومك، من عبدة الأوثان وغيرهم، لا يؤمنون بك فيتبعونك إلا في الحين الذي لا ينفعهم إيمانهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} قال: حق عليهم سخط الله بما عصوه " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، « {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} حق عليهم سخط الله بما 12P291 عصوه» 12P290
[يونس: 98] القول في تأويل قوله تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} [يونس: 98] يقول تعالى ذكره: فهلا كانت قرية آمنت وهي كذلك فيما ذكر في قراءة أبي. ومعنى الكلام: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب ونزول سخط الله بها بعصيانها ربها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها ذلك في ذلك الوقت، كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه في غيه واستحقاقه سخط الله بمعصيته. {إلا قوم يونس} [يونس: 98] فإنهم نفعهم إيمانهم بعد نزول العقوبة وحلول السخط بهم. فاستثنى الله قوم يونس من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بساحتهم، وأخرجهم منه، وأخبر خلقه أنه نفعهم إيمانهم خاصة من بين سائر الأمم غيرهم. فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن قوله: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها} [يونس: 98] بمعنى فما كانت قرية آمنت بمعنى الجحود، فكيف نصب «قوم» وقد علمت أن ما قبل الاستثناء إذا كان جحدا كان ما بعده مرفوعا، وأن الصحيح من كلام العرب: ما قام أحد إلا أخوك، وما خرج أحد إلا أبوك؟ قيل: إن ذلك إنما يكون كذلك إذا كان ما بعد الاستثناء من جنس ما قبله؛ وذلك أن الأخ من جنس أحد، وكذلك الأب. ولكن لو اختلف الجنسان حتى يكون ما بعد الاستثناء من غير جنس ما قبله كان الفصيح من كلامهم النصب، وذلك لو قلت: ما بقي في الدار أحد إلا الوتد، وما عندنا أحد إلا كلبا أو حمارا، لأن الكلب والوتد والحمار من غير جنس أحد، ومنه قول النابغة الذبياني: [+البحر البسيط] . عيت جوابا وما بالربع من أحد ثم قال: إلا أواري لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد فنصب «الأواري» إذ كان مستثنى من غير جنسه، فكذلك نصب قوم يونس لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم من غير جنسهم وشكلهم وإن كانوا من بني آدم، وهذا الاستثناء الذي يسميه بعض أهل العربية الاستثناء المنقطع. ولو كان قوم يونس بعض الأمة الذين استثنوا منهم كان الكلام رفعا، ولكنهم كما وصفت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: " {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها} [يونس: 98] 12P293 يقول: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإيمان إذا نزل بها بأس الله، إلا قرية يونس " قال ابن جريج: قال مجاهد: فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها كما نفع قوم يونس إيمانهم إلا قوم يونس حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} [يونس: 98] يقول: لم يكن هذا في الأمم قبلهم لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب فتركت، إلا قوم يونس لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة ولبسوا المسوح وألهوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة . فلما عرف الله الصدق من قلوبهم، والتوبة، والندامة على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم.
قال: وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى أرض الموصل " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {إلا قوم يونس} [يونس: 98] قال: بلغنا أنهم خرجوا فنزلوا على تل وفرقوا بين كل بهيمة وولدها يدعون الله أربعين ليلة حتى تاب عليهم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الحميد الحماني، عن إسماعيل بن عبد الملك، 12P294 عن سعيد بن جبير، قال: «غشي قوم يونس العذاب كما يغشى الثوب القبر» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن صالح المري، عن قتادة، عن ابن عباس «إن العذاب كان هبط على قوم يونس، حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشف الله عنهم» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وإسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا} [يونس: 98] قال: كما نفع قوم يونس. زاد أبو حذيفة في حديثه قال: لم تكن قرية آمنت حين رأت العذاب فنفعها إيمانها، إلا قوم يونس متعناهم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ثنا رجل، قد قرأ القرآن في صدره في إمارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحدث عن قوم يونس حين أنذر قومه فكذبوه، فأخبرهم أن العذاب يصيبهم ففارقهم، فلما رأوا ذلك وغشيهم العذاب لكنهم خرجوا من مساكنهم وصعدوا في مكان رفيع، وإنهم جأروا إلى ربهم ودعوه مخلصين له الدين أن يكشف عنهم العذاب وأن يرجع إليهم رسولهم. قال: ففي ذلك أنزل: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} [يونس: 98] فلم تكن قرية غشيها العذاب ثم أمسك عنها إلا قوم يونس خاصة؛ فلما رأى ذلك يونس، لكنه ذهب عاتبا على ربه وانطلق مغاضبا وظن أن لن نقدر عليه، حتى ركب في سفينة فأصاب أهلها عاصف الريح. فذكر قصة يونس وخبره " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، قال: " لما رأوا العذاب ينزل فرقوا بين كل أنثى وولدها من الناس والأنعام، ثم قاموا جميعا فدعوا الله وأخلصوا إيمانهم، فرأوا العذاب يكشف عنهم. قال يونس حين كشف عنهم العذاب: أرجع إليهم وقد كذبتهم؟ وكان يونس قد وعدهم العذاب بصبح ثالثة، فعند ذلك خرج مغضبا وساء ظنه " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: " لما أرسل يونس إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، وترك ما هم عليه، قال: فدعاهم فأبوا، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبا فانظروا، فإن بات فيكم فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم. فلما كان في جوف الليل أخذ مخلاته فتزود فيها شيئا، ثم خرج. فلما أصبحوا تغشاهم العذاب كما يتغشى الإنسان الثوب في القبر، ففرقوا بين الإنسان وولده وبين البهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله، فقالوا: آمنا بما جاء به يونس وصدقنا فكشف الله عنهم العذاب، فخرج يونس 12P296 ينظر العذاب، فلم ير شيئا، قال: جربوا علي كذبا. فذهب مغاضبا لربه حتى أتى البحر " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: ثنا ابن مسعود، في بيت المال، قال: «إن يونس عليه السلام كان قد وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه فكف عنهم العذاب، وغدا يونس ينظر العذاب فلم ير شيئا، وكان من كذب، ولم تكن له بينة قتل.
فانطلق مغاضبا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا صالح المري، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد جيلان، قال: " لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا له: إنه قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال: قولوا يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت فكشف عنهم العذاب ومتعوا إلى حين " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: " بلغني في حرف ابن مسعود: «فلولا يقول فهلا» وقوله: {لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} [يونس: 98] يقول: 12P297 لما صدقوا رسولهم وأقروا بما جاءهم به بعد ما أظلهم العذاب وغشيهم أمر الله ونزل بهم البلاء، كشفنا عنهم عذاب الهوان والذل في حياتهم الدنيا. {ومتعناهم إلى حين} [يونس: 98] يقول: وأخرنا في آجالهم ولم نعاجلهم بالعقوبة، وتركناهم في الدنيا يستمتعون فيها بآجالهم إلى حين مماتهم ووقت فناء أعمارهم التي قضيت فناءها 12P296
[يونس: 99] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99] يقول تعالى ذكره لنبيه: {ولو شاء} [البقرة: 20] يا محمد {ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] بك، فصدقوك أنك لي رسول وأن ما جئتهم به وما تدعوهم إليه من توحيد الله، وإخلاص العبودة له حق، ولكن لا يشاء ذلك؛ لأنه قد سبق من قضاء الله قبل أن يبعثك رسولا أنه لا يؤمن بك ولا يتبعك فيصدقوك بما بعثك الله به من الهدى والنور إلا من سبقت له السعادة في الكتاب الأول قبل أن يخلق السماوات والأرض وما فيهن، وهؤلاء الذين عجبوا من صدق إيحائنا إليك هذا القرآن لتنذر به من أمرتك بإنذاره ممن قد سبق له عندي أنهم لا يؤمنون بك في الكتاب السابق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} [يونس: 100] ونحو هذا في القرآن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن من قومه إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول " فإن قال قائل: فما وجه قوله: {لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] فالكل يدل على الجميع، والجميع على الكل، فما وجه تكرار ذلك، وكل واحدة منهما تغني عن الأخرى؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي أهل البصرة: جاء بقوله «جميعا» في هذا الموضع توكيدا كما قال: {لا تتخذوا إلهين اثنين} [النحل: 51] ففي قوله: {إلهين} [المائدة: 116] دليل على الاثنين. وقال غيره: جاء بقوله {جميعا} [البقرة: 29] بعد {كلهم} [يونس: 99] ، لأن «جميعا» لا تقع إلا توكيدا، و «كلهم» يقع توكيدا واسما؛ فلذلك جاء ب {جميعا} [البقرة: 29] بعد «كلهم» . قال: ولو قيل إنه جمع بينهما ليعلم أن معناهما واحد لجاز 12P299 ههنا. قال: وكذلك: {إلهين اثنين} [النحل: 51] العدد كله يفسر به، فيقال: رأيت قوما أربعة، فما جاء باثنين وقد اكتفى بالعدد منه لأنهم يقولون: عندي درهم ودرهمان، فيكفي من قولهم: عندي درهم واحد ودرهمان اثنان، فإذا قالوا دراهم، قالوا ثلاثة، لأن الجمع يلتبس والواحد والاثنان لا يلتبسان، لم يثن الواحد والتثنية على تنافي الجمع، لأنه ينبغي أن يكون مع كل واحد واحد، لأن درهما يدل على الجنس الذي هو منه، وواحد يدل على كل الأجناس، وكذلك اثنان يدلان على كل الأجناس، ودرهمان يدلان على أنفسهما، فلذلك جاء بالأعداد لأنه الأصل. وقوله: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنه لن يصدقك يا محمد ولن يتبعك ويقر بما جئت به إلا من شاء ربك أن يصدقك، لا بإكراهك إياه ولا بحرصك على ذلك، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين لك مصدقين على ما جئتهم به من عند ربك؟ يقول له جل ثناؤه: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر: 94] و {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون} 12P298
[يونس: 100] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} [يونس: 100] يقول تعالى ذكره لنبيه: وما كان لنفس خلقتها من سبيل إلى تصديقك يا محمد إلا بإذن آذن لها في ذلك، فلا تجهدن نفسك في طلب هداها، وبلغها 12P300 وعيد الله وعرفها ما أمرك ربك بتعريفها، ثم خلها، فإن هداها بيد خالقها وكان الثوري يقول في تأويل قوله: {إلا بإذن الله} [البقرة: 102] ما حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، في قوله: " {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} [يونس: 100] قال: بقضاء الله " وأما قوله: {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} [يونس: 100] فإنه يقول تعالى ذكره: إن الله يهدي من يشاء من خلقه للإيمان بك يا محمد، ويأذن له في تصديقك فيصدقك ويتبعك، ويقر بما جئت به من عند ربك، ويجعل الرجس، وهو العذاب، وغضب الله على الذين لا يعقلون؛ يعني الذين لا يعقلون عن الله حججه، ومواعظه، وآياته التي دل بها جل ثناؤه على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وحقيقة ما دعاهم إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {ويجعل الرجس} [يونس: 100] قال: السخط " 12P300 [يونس: 101] القول في تأويل قوله تعالى: {قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [يونس: 101] يقول تعالى ذكره: {قل} [البقرة: 80] يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، السائليك الآيات على صحة ما تدعوهم إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان: {انظروا} [الأنعام: 11] أيها القوم {ماذا في السموات} من الآيات الدالة على حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله من شمسها وقمرها، واختلاف ليلها ونهارها، ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها، وفي {الأرض } [البقرة: 11] من جبالها، وتصدعها بنباتها، وأقوات أهلها، وسائر صنوف عجائبها؛ فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم موعظة ومعتبرا، ودلالة على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك ولا له تدبيره وحفظه يغنيكم عما سواه من الآيات. يقول الله جل ثناؤه: {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [يونس: 101] يقول جل ثناؤه: وما تغني الحجج، والعبر، والرسل المنذرة عباد الله عقابه عن قوم قد سبق لهم من الله الشقاء وقضى لهم في أم الكتاب أنهم من أهل النار لا يؤمنون بشيء من ذلك ولا يصدقون به. {ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 97] 12P301
[يونس: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين} [يونس: 102] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم محذرا مشركي قومه من حلول عاجل نقمه بساحتهم نحو الذي حل بنظرائهم من قبلهم من سائر الأمم الخالية من قبلهم السالكة في تكذيب رسل الله، وجحود توحيد ربهم سبيلهم: فهل ينتظر يا محمد هؤلاء المشركون من قومك المكذبون بما جئتهم به من عند الله، إلا يوما يعاينون فيه من عذاب الله مثل أيام أسلافهم الذين كانوا على مثل الذي هم عليه من الشرك والتكذيب الذين مضوا قبلهم فخلوا من قوم نوح وعاد وثمود، قل لهم يا محمد: إن كانوا كذلك ينتظرون، فانتظروا عقاب الله إياكم، ونزول سخطه بكم، إني من المنتظرين هلاككم، وبواركم بالعقوبة التي تحل بكم من الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} [يونس: 102] يقول: وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: " {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين} [يونس: 102] قال: خوفهم عذابه، ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر أنجى الله رسله والذين آمنوا معه، فقال الله: {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين} [يونس: 103] " 12P302 [يونس: 103] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين} [يونس: 103] يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك انتظروا مثل أيام الذين خلوا من قبلكم من الأمم السالفة الذين هلكوا بعذاب الله، فإن ذلك إذا جاء لم يهلك به سواهم، ومن كان على مثل الذي هم عليه من تكذيبك، ثم ننجي هنالك رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم، ومن آمن به وصدقه، واتبعه على دينه، كما فعلنا قبل ذلك برسلنا الذين أهلكنا أممهم فأنجيناهم ومن آمن به معهم من عذابنا حين حق على أممهم. {كذلك حقا علينا ننج المؤمنين} [يونس: 103] يقول: كما فعلنا بالماضين من رسلنا فأنجيناها والمؤمنين معها، وأهلكنا أممها، كذلك نفعل بك يا محمد وبالمؤمنين، فننجيك وننجي المؤمنين بك حقا علينا غير شك. 12P303 [يونس: 104] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين} [يونس: 104] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك الذين عجبوا أن أوحيت إليك إن كنتم في شك أيها الناس من ديني الذي أدعوكم إليه، فلم تعلموا أنه حق من عند الله: فإني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن شيء، فتشكوا في صحته. وهذا تعريض ولحن من الكلام لطيف. وإنما معنى الكلام: إن كنتم في شك من ديني، لا ينبغي لكم أن تشكوا فيه، وإنما ينبغي لكم أن تشكوا في الذي أنتم عليه من عبادة الأصنام التي لا تعقل شيئا، ولا تضر ولا تنفع، فأما ديني فلا ينبغي لكم أن تشكوا فيه، لأني أعبد الله الذي يقبض الخلق فيميتهم إذ شاء، وينفعهم ويضر من يشاء؛ وذلك أن عبادة من كان كذلك لا يستنكرها ذو فطرة صحيحة، وأما عبادة الأوثان فينكرها كل ذي لب وعقل صحيح. وقوله: {ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم} [يونس: 104] يقول: ولكن أعبد الله الذي يقبض أرواحكم، فيميتكم عند آجالكم. {وأمرت أن أكون من المؤمنين} [يونس: 104] يقول: وهو الذي أمرني أن أكون من المصدقين بما جاءني من عنده. 12P304
[يونس: 105] القول في تأويل قوله تعالى: {وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين} [يونس: 105] يقول تعالى ذكره: وأمرت أن أكون من المؤمنين، وأن أقم. و «أن» الثانية عطف على «أن» الأولى. ويعني بقوله: {أقم وجهك للدين} [يونس: 105] أقم نفسك على دين الإسلام حنيفا مستقيما عليه غير معوج عنه إلى يهودية ولا نصرانية ولا عبادة وثن. {ولا تكونن من المشركين} [الأنعام: 14] يقول: ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه الآلهة والأنداد فتكون من الهالكين. 12P304 [يونس: 106] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} [يونس: 106] يقول تعالى ذكره: ولا تدع يا محمد من دون معبودك، وخالقك شيئا لا ينفعك في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام، يقول: لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفا ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر، فإن فعلت ذلك فدعوتها من دون الله {فإنك إذا من الظالمين} [يونس: 106] يقول: من المشركين بالله، الظالمي أنفسهم. 12P304 [يونس: 107] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} [يونس: 107] يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن يصبك الله يا محمد بشدة أو بلاء، فلا كاشف لذلك إلا ربك الذي أصابك به دون ما يعبده هؤلاء المشركون من الآلهة والأنداد. {وإن يردك بخير} [يونس: 107] يقول: وإن يردك ربك برخاء ، أو نعمة، وعافية، وسرور، {فلا راد لفضله} [يونس: 107] يقول: فلا يقدر أحد أن يحول بينك وبين ذلك، ولا يردك عنه، ولا يحرمكه؛ لأنه الذي بيده السراء والضراء دون الآلهة والأوثان ودون ما سواه. {يصيب به من يشاء} [يونس: 107] يقول: يصيب ربك يا محمد بالرخاء والبلاء، والسراء والضراء من يشاء، ويريد من عباده، وهو الغفور لذنوب من تاب وأناب من عباده، من كفره وشركه إلى الإيمان به وطاعته، الرحيم بمن آمن به منهم وأطاعه أن يعذبه بعد التوبة والإنابة 12P305 [يونس: 108] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل} [يونس: 108] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} [البقرة: 80] يا محمد للناس {يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم} [يونس: 108] يعني: كتاب الله، فيه بيان كل ما بالناس إليه حاجة من أمر دينهم. {فمن اهتدى} [يونس: 108] يقول: فمن استقام فسلك سبيل الحق، وصدق بما جاء من عند الله من البيان. {فإنما يهتدي لنفسه} [يونس: 108] يقول: فإنما يستقيم على الهدى، ويسلك قصد السبيل لنفسه، فإياها يبغي الخير بفعله ذلك لا غيرها. {ومن ضل} [يونس: 108] يقول: ومن اعوج عن الحق الذي أتاه من عند الله، خالف دينه، وما بعث به محمدا، والكتاب الذي أنزله عليه. {فإنما يضل عليها} [يونس: 108] يقول: فإن ضلالة ذلك إنما يجني به على نفسه لا على غيرها؛ لأنه لا يؤخذ بذلك غيرها، ولا يورد بضلاله ذلك المهالك سوى نفسه. {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] {وما أنا عليكم بوكيل} [يونس: 108] . يقول: وما أنا عليكم بمسلط على تقويمكم، إنما أمركم إلى الله، وهو الذي يقوم من شاء منكم، وإنما أنا رسول مبلغ أبلغكم ما أرسلت به إليكم 12P306
[يونس: 109] القول في تأويل قوله تعالى: {واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} [يونس: 109] يقول تعالى ذكره: واتبع يا محمد وحي الله الذي يوحيه إليك، وتنزيله الذي ينزله عليك ، فاعمل به واصبر على ما أصابك في الله من مشركي قومك من الأذى، والمكاره، وعلى ما نالك منهم، حتى يقضي الله فيهم، وفيك أمره بفعل فاصل. {وهو خير الحاكمين} [الأعراف: 87] يقول: وهو خير القاصين، وأعدل الفاصلين. فحكم جل ثناؤه بينه وبينهم يوم بدر، وقتلهم بالسيف، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم، فيمن بقي منهم أن يسلك بهم سبيل من أهلك منهم أو يتوبوا وينيبوا إلى طاعته. كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وما أنت عليهم بوكيل} [الأنعام: 107] {واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} [يونس: 109] قال: هذا منسوخ حتى يحكم الله، حكم الله بجهادهم، وأمره 12P307 بالغلظة عليهم " والله الموفق للصواب، والحمد لله وحده، والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما [011] سورة هود مكية وآياتها ثلاث وعشرون ومائة 12P308
[هود: 1] القول في تفسير السورة التي يذكر فيها هود بسم الله الرحمن الرحيم {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود: 1] قال أبو جعفر: قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله {الر} [يونس: 1] والصواب من القول في ذلك عندنا بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: {كتاب أحكمت آياته} [هود: 1] يعني: هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن. ورفع قوله: «كتاب» بنية: هذا كتاب. فأما على قول من زعم أن قوله: {الر} [يونس: 1] مراد به سائر حروف المعجم التي نزل بها القرآن، وجعلت هذه الحروف دلالة على جميعها، وأن معنى الكلام: هذه الحروف كتاب أحكمت آياته، فإن الكتاب على قوله ينبغي أن يكون مرفوعا بقوله: {الر} [يونس: 1] وأما قوله: {أحكمت آياته ثم فصلت} [هود: 1] فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: تأويله: أحكمت آياته بالأمر والنهي، ثم فصلت بالثواب والعقاب. ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرني أبو محمد الثقفي، عن الحسن، في قوله: " {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت} [هود: 1] قال: أحكمت بالأمر والنهي، وفصلت بالثواب والعقاب " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عبد الكريم بن محمد الجرجاني، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن: " {الر كتاب أحكمت آياته} [هود: 1] قال: أحكمت في الأمر والنهي وفصلت بالوعيد " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن رجل، عن الحسن: " {الر كتاب أحكمت آياته} [هود: 1] قال: بالأمر والنهي {ثم فصلت} [هود: 1] قال: بالثواب والعقاب " وروي عن الحسن قول خلاف هذا وذلك ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي بكر، عن الحسن، قال: وحدثنا عباد بن العوام، عن رجل، عن الحسن: " {أحكمت} [هود: 1] بالثواب والعقاب {ثم فصلت} [هود: 1] بالأمر والنهي " وقال آخرون: معنى ذلك: أحكمت آياته من الباطل، ثم فصلت، فبين منها الحلال والحرام 12P310 ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود: 1] أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بعلمه، فبين حلاله، وحرامه وطاعته، ومعصيته " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {أحكمت آياته ثم فصلت} [هود: 1] قال: أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها: بينها " وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: أحكم الله آياته من الدخل، والخلل والباطل، ثم فصلها بالأمر والنهي. وذلك أن إحكام الشيء إصلاحه وإتقانه، وإحكام آيات القرآن إحكامها من خلل يكون فيها أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها من قبله. وأما تفصيل آياته فإنه تمييز بعضها من بعض بالبيان عما فيها من حلال، وحرام، وأمر، ونهي. وكان بعض المفسرين يفسر قوله: {فصلت} [هود: 1] بمعنى: فسرت، وذلك نحو الذي قلنا فيه من القول ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {ثم فصلت} [هود: 1] قال: فسرت " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فصلت} [هود: 1] قال: فسرت " قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني عن مجاهد: " {ثم فصلت} [هود: 1] قال: فسرت " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال قتادة: معناه: بينت، وقد ذكرنا الرواية بذلك قبل، وهو شبيه المعنى بقول مجاهد وأما قوله: {من لدن حكيم خبير} [هود: 1] فإن معناه: حكيم بتدبير الأشياء وتقديرها، خبير بما يؤول إليه عواقبها حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: " {من لدن حكيم خبير} [هود: 1] يقول: من عند حكيم خبير " 12P311
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?