Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الرعد: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] فقال بعضهم: معناه: وعنده الحلال والحرام ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا محمد بن عقبة، قال: ثنا مالك بن دينار، قال: سألت الحسن: قلت: {أم الكتاب} [الرعد: 39] ، قال: " الحلال والحرام، قال: قلت: فما الحمد لله رب العالمين؟ قال: هذه أم القرآن ". وقال آخرون: معناه: وعنده جملة الكتاب وأصله ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] قال: «جملة الكتاب وأصله» . حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] قال: «كتاب عند رب العالمين» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن جويبر، عن الضحاك: {وعنده أم الكتاب} [الرعد : 39] قال: «جملة الكتاب وعلمه، يعني بذلك ما ينسخ منه وما يثبت» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] يقول: " وجملة ذلك عنده في أم الكتاب: الناسخ، والمنسوخ، وما يبدل، وما يثبت، كل ذلك في كتاب " وقال آخرون في ذلك ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن شيبان، عن ابن عباس، أنه سأل كعبا عن أم الكتاب، قال: " علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتابا فكان كتابا ". وقال آخرون: هو الذكر ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج. قال أبو جعفر: لا أدري فيه ابن جريج أم لا، قال: قال ابن عباس: {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] قال: « الذكر» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: وعنده أصل الكتاب وجملته، وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقب ذلك بقوله: {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] فكان بينا أن معناه: وعنده أصل المثبت منه والممحو، وجملته في كتاب لديه. واختلفت القراء في قراءة قوله: {ويثبت} [الأنفال: 11] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة: (ويثبت) بتشديد الباء، بمعنى: ويتركه ويقره على حاله فلا يمحوه. وقرأه بعض المكيين وبعض البصريين وبعض الكوفيين: {ويثبت} [الأنفال: 11] بالتخفيف، بمعنى: يكتب، وقد بينا قبل أن معنى ذلك عندنا: إقراره مكتوبا وترك محوه، على ما قد بينا، فإذا كان ذلك كذلك فالتثبيت به أولى، والتشديد أصوب من التخفيف، وإن كان التخفيف قد يحتمل توجيهه في المعنى إلى التشديد، والتشديد إلى التخفيف، لتقارب معنييهما. وأما المحو، فإن للعرب فيه لغتين: فأما مضر فإنها تقول: محوت الكتاب أمحوه محوا، وبه التنزيل، ومحوته أمحاه محوا، وذكر عن بعض قبائل ربيعة أنها تقول: محيت أمحى 13P574 [الرعد: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب} [الرعد: 40] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم، أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك، فإنما عليك أن تنتهي إلى طاعة ربك فيما أمرك به من تبليغهم رسالته، لا طلب صلاحهم ولا فسادهم، وعلينا محاسبتهم فمجازاتهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر 13P574
[الرعد: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها، والله يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب} [الرعد: 41] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: أولم ير هؤلاء المشركون من أهل مكة الذين يسألون محمدا الآيات، أنا نأتي الأرض فنفتحها له أرضا بعد أرض حوالي أرضهم، أفلا يخافون أن نفتح له أرضهم كما فتحنا له غيرها ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمد بن الصباح، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] قال: «أولم يروا أنا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] يعني بذلك: " ما فتح الله على محمد، يقول: فذلك نقصانها " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: «ما تغلبت عليه من أرض العدو» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: كان الحسن يقول في قوله: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] «فهو ظهور المسلمين على المشركين» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] يعني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان ينتقص له ما حوله من الأرضين، ينظرون إلى ذلك فلا يعتبرون، قال الله في سورة الأنبياء: {نأتي الأرض ننقصها من أطرافها، أفهم الغالبون} [الأنبياء: 44] بل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم الغالبون ". 13P576 وقال آخرون: بل معناه: أولم يروا أنا نأتي الأرض فنخربها، أو لا يخافون أن نفعل بهم وبأرضهم مثل ذلك، فنهلكهم ونخرب أرضهم ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] قال: «أولم يروا إلى القرية تخرب، حتى يكون العمران في ناحية» قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن الأعرج، أنه سمع مجاهدا، يقول: {نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] قال: «خرابها» . حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد، مثله. قال: وقال ابن جريج: خرابها وهلاك الناس حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي جعفر الفراء، عن عكرمة، قوله: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] قال: «نخرب من أطرافها» . وقال آخرون: بل معناه: ننقص من بركتها وثمرتها وأهلها بالموت ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] يقول: «نقصان أهلها وبركتها» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] قال: «في الأنفس وفي الثمرات، وفي خراب الأرض» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن طلحة القناد، عمن سمع الشعبي، قال: «لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك، ولكن تنقص الأنفس والثمرات» .
وقال آخرون: معناه: أنا نأتي الأرض ننقصها من أهلها، فنتطرفهم بأخذهم بالموت ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] قال: «موت أهلها» حدثنا ابن بشار قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {ألم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال: «الموت » حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هارون النحوي، قال: ثنا الزبير بن الحارث، عن عكرمة، في قوله: {ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] قال: " هو الموت، ثم قال: «لو كانت الأرض تنقص لم نجد مكانا نجلس فيه» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] قال: كان عكرمة يقول: «هو قبض الناس» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: سئل عكرمة عن نقص الأرض، قال: «قبض الناس» حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم، عن عكرمة، في قوله: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] قال: «لو كان كما يقولون لما وجد أحدكم جبا يخرأ فيه» حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا إسماعيل بن علية، عن أبي رجاء، قال: سئل عكرمة وأنا أسمع، عن هذه الآية: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] ، قال: «الموت» . وقال آخرون: ننقصها من أطرافها بذهاب فقهائها وخيارها ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلحة بن عمرو، عن 13P579 عطاء، عن ابن عباس، قال: «ذهاب علمائها، وفقهائها، وخيار أهلها» قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا عبد الوهاب، عن مجاهد قال: «موت العلماء» . وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] بظهور المسلمين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عليها، وقهرهم أهلها، أفلا يعتبرون بذلك فيخافون ظهورهم على أرضهم وقهرهم إياهم؟ وذلك أن الله توعد الذين سألوا رسوله الآيات من مشركي قومه بقوله: {وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40] ثم وبخهم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم ما يعاينون من فعل الله بضربائهم من الكفار، وهم مع ذلك يسألون الآيات، فقال: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} [الرعد: 41] بقهر أهلها ، والغلبة عليها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بما يرون من ذلك وأما قوله: {والله يحكم لا معقب لحكمه} [الرعد: 41] يقول: والله هو الذي يحكم فينفذ حكمه، ويقضي فيمضي قضاؤه، وإذا جاء هؤلاء المشركين بالله من أهل مكة حكم الله وقضاؤه لم يستطيعوا رده ويعني بقوله: {لا معقب لحكمه} [الرعد: 41] : " لا راد لحكمه، 13P580 والمعقب في كلام العرب: هو الذي يكر على الشيء، وقوله: {وهو سريع الحساب} [الرعد: 41] يقول: والله سريع الحساب، يحصي أعمال هؤلاء المشركين، لا يخفى عليه شيء، وهو من وراء جزائهم عليها 13P579
[الرعد: 42] القول في تأويل قوله تعالى: {وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا، يعلم ما تكسب كل نفس، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} [الرعد: 42] يقول تعالى ذكره: قد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأمم التي سلفت بأنبياء الله ورسله {فلله المكر جميعا} [الرعد: 42] يقول: فلله أسباب المكر جميعا، وبيده وإليه، لا يضر مكر من مكر منهم أحدا إلا من أراد ضره به، يقول: فلم يضر الماكرون بمكرهم إلا من شاء الله أن يضره ذلك، وإنما ضروا به أنفسهم، لأنهم أسخطوا ربهم بذلك على أنفسهم حتى أهلكهم ونجى رسله: يقول: فكذلك هؤلاء المشركون من قريش يمكرون بك يا محمد، والله منجيك من مكرهم، وملحق ضر مكرهم بهم دونك وقوله: {يعلم ما تكسب كل نفس} [الرعد: 42] يقول: يعلم ربك يا محمد ما يعمل هؤلاء المشركون من قومك، وما يسعون فيه من المكر بك، ويعلم جميع أعمال الخلق كلهم، لا يخفى عليه شيء منها {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} [الرعد: 42] يقول: وسيعلمون إذا قدموا على ربهم يوم القيامة لمن عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار، ويدخل المؤمنون بالله ورسوله الجنة. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته قراء المدينة وبعض أهل البصرة: (وسيعلم الكافر) على التوحيد، وأما قراء الكوفة فإنهم قرءوه: {وسيعلم الكفار} [الرعد: 42] على الجمع. والصواب من القراءة في ذلك القراءة على الجمع: {وسيعلم الكفار} [الرعد: 42] لأن الخبر جرى قبل ذلك عن جماعتهم، وأتبع بعده الخبر عنهم، وذلك قوله: {وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك} [يونس: 46] وبعده قوله: {ويقول الذين كفروا لست مرسلا} [الرعد: 43] وقد ذكر أنها في قراءة ابن مسعود: (وسيعلم الكافرون) ، وفي قراءة أبي: (وسيعلم الذين كفروا) وذلك كله دليل على صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك 13P581
[الرعد: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقول الذين كفروا لست مرسلا، قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] يقول تعالى ذكره {ويقول الذين كفروا} [الرعد: 7] بالله من قومك يا محمد {لست مرسلا} [الرعد: 43] تكذيبا منهم لك، وجحودا لنبوتك، ف {قل} [البقرة: 80] لهم إذا قالوا ذلك: {كفى بالله} [الرعد: 43] يقول: قل حسبي الله {شهيدا} [البقرة: 143] يعني شاهدا، {بيني وبينكم} [الأنعام: 19] علي وعليكم بصدقي وكذبكم، {ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] 13P582 فمن إذا قرئ به كذلك في موضع خفض عطفا به على اسم الله، وكذلك قرأ قرأة الأمصار بمعنى: والذين عندهم علم الكتاب الكتب التي نزلت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل، وعلى هذه القراءة فسر ذلك المفسرون ذكر الرواية بذلك: حدثني علي بن سعيد الكندي، قال: ثنا أبو محياة يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أخي عبد الله بن سلام، قال: قال عبد الله بن سلام: " نزلت في: {كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] " حدثنا الحسين بن علي الصدائي قال: ثنا أبو داود الطيالسي قال: ثنا شعيب بن صفوان قال: ثنا عبد الملك بن عمير أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: قال عبد الله بن سلام: " أنزل في: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] ، فالذين عندهم علم الكتاب: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد : { 13P583 ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] قال: «هو عبد الله بن سلام» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: {ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] قال: «رجل من الإنس، ولم يسمه» حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا شبابة قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] : عبد الله بن سلام " قال: ثنا يحيى بن عباد، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: {ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويقول الذين كفروا لست مرسلا} [الرعد: 43] قال: " قول مشركي قريش: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] «أناس من أهل الكتاب كانوا يشهدون بالحق ويقرون به، ويعلمون أن محمدا رسول الله، كما يحدث أن منهم عبد الله بن سلام» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن 13P584 قتادة: {ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] قال: «كان منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري» حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة: {ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] قال: «هو عبد الله بن سلام» وقد ذكر عن جماعة من المتقدمين أنهم كانوا يقرءونه: (ومن عنده علم الكتاب) بمعنى: من عند الله علم الكتاب.
ذكر من ذكر ذلك عنه حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن هارون، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (ومن عنده علم الكتاب) يقول: «من عند الله علم الكتاب» حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: «ومن عنده علم الكتاب» قال: «من عند الله» قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: «ومن عنده علم الكتاب» قال: «من عند الله علم الكتاب» وقد حدثنا هذا الحديث الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة ، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: (ومن عنده علم الكتاب) ، قال: «هو الله» ، هكذا قرأ الحسن: (ومن عنده علم الكتاب) ". قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، مثله قال: ثنا علي يعني ابن الجعد، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن: «ومن عنده علم الكتاب» قال: «الله» . قال شعبة: فذكرت ذلك للحكم، فقال: قال مجاهد، مثله حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة قال: سمعت منصور بن زاذان يحدث، عن الحسن أنه قال في هذه الآية: «ومن عنده علم الكتاب» قال: من عند الله " قال: ثنا الحسن بن محمد قال: ثنا هوذة قال: ثنا عوف، عن الحسن: (ومن عنده علم الكتاب) قال: «من عند الله علم الكتاب» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: «ومن عنده علم الكتاب» قال: «من عند الله علم الكتاب» . هكذا قال ابن عبد الأعلى حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقرؤها: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم الكتاب) ، يقول: «من 13P586 عند الله علم الكتاب، وجملته» هكذا حدثنا به بشر: علم الكتاب، وأنا أحسبه وهم فيه، وأنه: «ومن عنده علم الكتاب» لأن قوله وجملته اسم، لا يعطف باسم على فعل ماض حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الوهاب، عن هارون: (ومن عنده علم الكتاب) ، يقول: «من عند الله علم الكتاب» حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، قال: قلت لسعيد بن جبير: (ومن عنده علم الكتاب) أهو عبد الله بن سلام؟ قال: " هذه السورة مكية، فكيف يكون عبد الله بن سلام؟ قال: وكان يقرؤها: «ومن عنده علم الكتاب» يقول: من عند الله " حدثنا الحسن قال: ثنا سعيد بن منصور قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر قال: سألت سعيد بن جبير عن قول الله: (ومن عنده علم الكتاب) ، أهو عبد الله بن سلام ؟ قال: " فكيف وهذه السورة مكية، وكان سعيد يقرؤها: (ومن عنده علم الكتاب) " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني عباد، عن عوف، عن الحسن، وجويبر، عن الضحاك بن مزاحم، قالا: (ومن عنده علم الكتاب) قال: من عند الله " وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بتصحيح هذه القراءة وهذا التأويل، غير أن في إسناده نظرا، وذلك ما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني عباد بن 13P587 العوام، عن هارون الأعور، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ « (ومن عنده علم الكتاب) ، عند الله علم الكتاب» . وهذا خبر ليس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهري فإذا كان ذلك كذلك وكانت قراء الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهي: {ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قراء الأمصار أولى بالصواب ممن خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحق بالصواب
[014] سورة إبراهيم مكية، وآياتها ثنتان وخمسون بسم الله الرحمن الرحيم 13P588 [إبراهيم: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} [إبراهيم: 1] قال أبو جعفر الطبري: قد تقدم منا البيان عن معنى قوله: {الر} [يونس: 1] فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، أما قوله: {كتاب أنزلناه إليك} [إبراهيم: 1] فإن معناه: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، يعني القرآن {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 1] يقول: لتهديهم به من ظلمات الضلالة والكفر إلى نور الإيمان وضيائه، وتبصر به أهل الجهل والعمى سبل الرشاد والهدى وقوله: {بإذن ربهم} [إبراهيم: 1] يعني: بتوفيق ربهم لهم بذلك ولطفه بهم، {إلى صراط العزيز الحميد} [إبراهيم: 1] يعني: إلى طريق الله المستقيم، وهو دينه الذي ارتضاه وشرعه لخلقه والحميد: فعيل، صرف من مفعول إلى فعيل، ومعناه: المحمود بآلائه، وأضاف تعالى ذكره إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم لهم بذلك إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو الهادي خلقه والموفق من أحب منهم للإيمان، إذ كان منه دعاؤهم إليه، وتعريفهم ما لهم فيه وعليهم، فبين بذلك صحة قول أهل الإثبات الذين 13P589 أضافوا أفعال العباد إليهم كسبا، وإلى الله جل ثناؤه إنشاء وتدبيرا، وفساد قول أهل القدر الذين أنكروا أن يكون لله في ذلك صنع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 1] : «أي من الضلالة إلى الهدى» 13P589 [إبراهيم: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وويل للكافرين من عذاب شديد} [إبراهيم: 2] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والشام: (الله الذي له ما في السموات) ، برفع اسم الله على الابتداء، وتصيير قوله: {الذي له ما في السموات} خبره. وقرأته عامة قراء أهل العراق والكوفة والبصرة: {الله الذي} [النساء: 1] بخفض اسم الله على اتباع ذلك {العزيز الحميد} [إبراهيم: 1] وهما خفض. وقد اختلف أهل العربية في تأويله إذا قرئ كذلك، فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقرؤه بالخفض، ويقول: معناه: بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، الذي له ما في السموات، ويقول: هو من المؤخر الذي معناه التقديم، ويمثله بقول القائل: مررت بالظريف عبد الله، والكلام الذي يوضع مكان الاسم: النعت، ثم يجعل الاسم مكان النعت، فيتبع إعرابه إعراب النعت الذي وضع موضع الاسم، كما قال بعض الشعراء: [+البحر الرجز] لو كنت ذا نبل وذا شريب ما خفت شدات الخبيث الذيب وأما الكسائي فإنه كان يقول فيما ذكر عنه: من خفض أراد أن يجعله كلاما واحدا وأتبع الخفض الخفض، وبالخفض كان يقرأه. والصواب من القول في ذلك عندي، أنهم قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء معناهما واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وقد يجوز أن يكون الذي قرأه بالرفع، أراد معنى من خفض في إتباع الكلام بعضه بعضا ، ولكنه رفع لانفصاله من الآية التي قبله، كما قال جل ثناؤه: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} [التوبة: 111] إلى آخر الآية، ثم قال: {التائبون العابدون} [التوبة: 112] ومعنى قوله: {الله الذي له ما في السموات وما في الأرض} الله الذي يملك جميع ما في السموات وما في الأرض، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتدعو عبادي إلى عبادة من هذه صفته، ويدعوا عبادة من لا يملك لهم ولا لنفسه ضرا ولا نفعا من الآلهة والأوثان، ثم توعد جل ثناؤه من كفر به ولم يستجب لدعاء رسوله إلى ما دعاه إليه من إخلاص التوحيد له، فقال: {وويل للكافرين من عذاب شديد} [إبراهيم: 2] يقول: الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم، لمن جحد وحدانيته وعبد معه غيره، من عذاب الله الشديد 13P591
[إبراهيم: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، أولئك في ضلال بعيد} [إبراهيم: 3] يعني جل ثناؤه بقوله: {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} [إبراهيم: 3] الذين يختارون الحياة الدنيا، ومتاعها، ومعاصي الله فيها على طاعة الله، وما يقربهم إلى رضاه، من الأعمال النافعة في الآخرة {ويصدون عن سبيل الله} [الأنفال: 47] يقول: ويمنعون من أراد الإيمان بالله واتباع رسوله على ما جاء به من عند الله من الإيمان به واتباعه {ويبغونها عوجا} [الأعراف: 45] يقول: ويلتمسون سبيل الله، وهي دينه الذي ابتعث به رسوله عوجا: تحريفا وتبديلا بالكذب والزور «والعوج» بكسر العين وفتح الواو في الدين والأرض وكل ما لم يكن قائما، فأما في كل ما كان قائما كالحائط والرمح والسن فإنه يقال بفتح العين والواو جميعا «عوج» . يقول الله عز ذكره: {أولئك في ضلال بعيد} [إبراهيم: 3] يعني: هؤلاء الكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، يقول: هم في ذهاب عن الحق بعيد، وأخذ على غير هدى، وجور عن قصد السبيل. وقد اختلف أهل العربية في وجه دخول «على» في قوله: {على الآخرة} [إبراهيم: 3] فكان بعض نحويي البصرة يقول: أوصل الفعل ب «على» ، كما قيل: ضربوه في السيف، يريد بالسيف، وذلك أن هذه الحروف يوصل بها كلها وتحذف، نحو قول العرب: نزلت زيدا، ومررت زيدا، يريدون: مررت به، ونزلت عليه. وقال بعضهم: إنما أدخل ذلك، لأن الفعل يؤدي عن معناه من الأفعال، ففي قوله: {يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} [إبراهيم: 3] ولذلك أدخلت «على» وقد بينت هذا ونظائره في غير موضع من الكتاب، بما أغنى عن الإعادة 13P592 [إبراهيم: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم، فيضل الله من يشاء، ويهدي من يشاء، وهو العزيز الحكيم} [إبراهيم: 4] يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا إلى أمة من الأمم يا محمد من قبلك ومن قبل قومك رسولا إلا بلسان الأمة التي أرسلناه إليها ولغتهم، {ليبين لهم} [إبراهيم: 4] يقول: ليفهمهم ما أرسله الله به إليهم من أمره ونهيه، ليثبت حجة الله عليهم، ثم التوفيق والخذلان بيد الله، فيخذل عن قبول ما أتاه به رسوله من عنده من شاء منهم، ويوفق لقبوله من شاء، ولذلك رفع «فيضل» ، لأنه أريد به الابتداء لا العطف على ما قبله، كما قيل: {لنبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشاء} [الحج: 5] وهو العزيز الذي لا يمتنع مما أراده من ضلال أو هداية من أراد ذلك به، والحكيم في توفيقه للإيمان من وفقه له وهدايته له من هداه إليه، وفي إضلاله من أضل عنه، وفي غير ذلك من تدبيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] : " أي بلغة قومه ما كانت، قال الله عز وجل: {ليبين لهم} [إبراهيم: 4] الذي أرسل إليهم ليتخذ بذلك الحجة، قال الله عز وجل: {فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم} [إبراهيم: 4] " 13P593
[إبراهيم: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور، وذكرهم بأيام الله، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [إبراهيم: 5] يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا وحججنا من قبلك يا محمد، كما أرسلناك إلى قومك بمثلها من الأدلة والحجج كما حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، ح. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن الأشيب، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ح. وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} [إبراهيم: 5] قال: «بالبينات» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} [إبراهيم: 5] قال: " التسع الآيات: الطوفان وما معه " حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {أرسلنا موسى بآياتنا} [إبراهيم: 5] قال: «التسع البينات» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقوله: {أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 5] كما أنزلنا إليك يا محمد هذا الكتاب، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور {بإذن ربهم} [إبراهيم: 1] ويعني بقوله: {أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 5] : " أي ادعهم من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان كما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 5] يقول: من الضلالة إلى الهدى ". حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، مثله وقوله: {وذكرهم بأيام الله} [إبراهيم: 5] يقول عز وجل: وعظهم بما سلف من نعمي عليهم في الأيام التي خلت فاجتزئ بذكر الأيام من ذكر النعم التي عناها، لأنها أيام كانت معلومة عندهم، أنعم الله عليهم فيها نعما جليلة، أنقذهم فيها من آل فرعون بعد ما كانوا فيما كانوا من العذاب المهين، وغرق عدوهم فرعون وقومه، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم . وكان بعض أهل العربية يقول: معناه: خوفهم بما نزل بعاد وثمود وأشباههم من العذاب، وبالعفو عن الآخرين قال: وهو في المعنى كقولك: خذهم بالشدة واللين، وقال آخرون منهم: قد وجدنا لتسمية النعم بالأيام شاهدا في كلامهم، ثم استشهد لذلك بقول عمرو بن كلثوم: [+البحر الوافر] وأيام لنا غر طوال عصينا الملك فيها أن ندينا وقال: فقد يكون إنما جعلها غرا طوالا لإنعامهم على الناس فيها. وقال: فهذا شاهد لمن قال: {وذكرهم بأيام الله} [إبراهيم: 5] بنعم الله ثم قال: وقد يكون تسميتها غرا، لعلوهم على الملك وامتناعهم منه، فأيامهم غر لهم وطوال على أعدائهم قال أبو جعفر: وليس للذي قال هذا القول، من أن في هذا البيت دليلا على أن الأيام معناها النعم وجه، لأن عمرو بن كلثوم إنما وصف ما وصف من الأيام بأنها غر، لعز عشيرته فيها، وامتناعهم على الملك من الإذعان له بالطاعة، وذلك كقول الناس: ما كان لفلان قط يوم أبيض، يعنون بذلك: أنه لم يكن له يوم مذكور بخير، وأما وصفه إياها بالطول، فإنها لا توصف بالطول إلا في حال شدة، كما قال النابغة: [+البحر الطويل] كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب فإنما وصفها عمرو بالطول لشدة مكروهها على أعداء قومه، ولا وجه لذلك غير ما قلت.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن ليث، عن مجاهد: {وذكرهم بأيام الله} [إبراهيم: 5] قال: «بأنعم الله» حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد: {وذكرهم بأيام الله} [إبراهيم: 5] قال: «بنعم الله» . حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد، مثله. حدثنا أحمد قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا عبثر، عن حصين، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى ح، وحدثني الحرث قال : ثنا الحسين قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {بأيام الله} [إبراهيم: 5] قال: «بنعم الله» . حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا شبابة قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، 13P597 عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وذكرهم بأيام الله} [إبراهيم: 5] قال: " بالنعم التي أنعم بها عليهم: أنجاهم من آل فرعون، وفلق لهم البحر، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى " حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حبيب بن حسان، عن سعيد بن جبير: {وذكرهم بأيام الله} [إبراهيم: 5] قال: «بنعم الله» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وذكرهم بأيام الله} [إبراهيم: 5] يقول: «ذكرهم بنعم الله عليهم» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وذكرهم بأيام الله} [إبراهيم: 5] قال: «بنعم الله» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: {وذكرهم بأيام الله} [إبراهيم: 5] قال: «أيامه التي انتقم فيها من أهل معاصيه من الأمم، خوفهم بها، وحذرهم إياها، وذكرهم أن يصيبهم ما أصاب الذين من قبلهم» حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا محمد بن أبان، عن أبي 13P598 إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم: وذكرهم بأيام الله قال: «نعم الله» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبيد الله، أو غيره، عن مجاهد: {وذكرهم بأيام الله} [إبراهيم: 5] قال: «بنعم الله» {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [إبراهيم: 5] يقول: إن في الأيام التي سلفت بنعمي عليهم، يعني على قوم موسى لآيات، يعني: لعبرا ومواعظ لكل صبار شكور، يقول: لكل ذي صبر على طاعة الله وشكر له على ما أنعم عليه من نعمه حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، في قول الله عز وجل: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [إبراهيم: 5] قال: «نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر» 13P598
[إبراهيم: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، ويذبحون أبناءكم، ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} [إبراهيم: 6] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد إذ قال موسى بن عمران لقومه من بني إسرائيل: {اذكروا نعمة الله عليكم} [المائدة: 20] التي أنعم بها عليكم {إذ أنجاكم من آل فرعون} [إبراهيم: 6] يقول: حين أنجاكم من أهل دين فرعون وطاعته {يسومونكم سوء العذاب} [البقرة: 49] : أي يذيقونكم شديد العذاب {ويذبحون أبناءكم} [إبراهيم: 6] وأدخلت الواو في هذا الموضع لأنه أريد بقوله: {ويذبحون أبناءكم} [إبراهيم: 6] الخبر عن أن آل فرعون كانوا يعذبون بني إسرائيل بأنواع من العذاب غير التذبيح وبالتذبيح، وأما في موضع آخر من القرآن، فإنه جاء بغير الواو: {يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم} [البقرة: 49] في موضع، وفي موضع: {يقتلون أبناءكم} [الأعراف: 141] ولم تدخل الواو في المواضع التي لم تدخل فيها لأنه أريد بقوله: {يذبحون} [البقرة: 49] وبقوله: {يقتلون} [المائدة: 70] تبيينه صفات العذاب الذي كانوا يسومونهم، وكذلك العمل في كل جملة أريد تفصيلها فبغير الواو تفصيلها، وإذا أريد العطف عليها بغيرها وغير تفصيلها فالواو حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، في قوله: " {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم} [إبراهيم: 6] : أيادي الله عندكم وأيامه " وقوله: {ويستحيون نساءكم} [البقرة: 49] يقول: ويبقون نساءكم فيتركون 13P600 قتلهن، وذلك استحياؤهم كان إياهن، وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، ومعناه: يتركونهم، والحياة: هي الترك، ومنه الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم» بمعنى: استبقوهم فلا تقتلوهم {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} [البقرة: 49] يقول تعالى: وفيما يصنع بكم آل فرعون من أنواع العذاب بلاء لكم من ربكم عظيم: أي ابتلاء واختبار لكم من ربكم عظيم، وقد يكون البلاء في هذا الموضع نعماء، وقد يكون معناه: من البلاء الذي قد يصيب الناس في الشدائد وغيرها 13P600 [إبراهيم: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم: 7] يقول جل ثناؤه: واذكروا أيضا حين آذنكم ربكم وتأذن: تفعل من أذن، والعرب ربما وضعت «تفعل» موضع «أفعل» ، كما قالوا: أوعدته وتوعدته بمعنى واحد، وآذن: أعلم، كما قال الحارث بن حلزة: [+البحر الخفيف] 13P601 آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء يعني بقوله: آذنتنا: أعلمتنا وذكر، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه " كان يقرأ: {وإذ تأذن ربكم} [إبراهيم: 7] (وإذ قال ربكم) . حدثني بذلك الحارث، قال: ثني عبد العزيز قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عنه حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {وإذ تأذن ربكم} [إبراهيم: 7] : «وإذ قال ربكم ذلك التأذن» وقوله: {لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم: 7] يقول: لئن شكرتم ربكم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم لأزيدنكم في أياديه عندكم، ونعمه عليكم، على ما قد أعطاكم من النجاة من آل فرعون، والخلاص من عذابهم، وقيل في ذلك قول غيره، وهو ما حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا الحسين بن الحسن، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت علي بن صالح، يقول في قول الله عز وجل: {لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم: 7] قال: «أي من طاعتي» . حدثنا المثنى قال: ثنا يزيد قال: أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت علي بن صالح، فذكر نحوه حدثني أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان: {لئن 13P602 شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم: 7] قال: «من طاعتي» حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مالك بن مغول، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن، في قوله: {لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم: 7] قال: «من طاعتي» ولا وجه لهذا القول يفهم، لأنه لم يجر للطاعة في هذا الموضع ذكر، فيقال: إن شكرتموني عليها زدتكم منها، وإنما جرى ذكر الخبر عن إنعام الله على قوم موسى بقوله: {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم} [إبراهيم: 6] ثم أخبرهم أن الله أعلمهم إن شكروه على هذه النعمة زادهم، فالواجب في المفهوم أن يكون معنى الكلام: زادهم من نعمه، لا مما لم يجر له ذكر من الطاعة، إلا أن يكون أريد به: لئن شكرتم فأطعتموني بالشكر لأزيدنكم من أسباب الشكر ما يعينكم عليه، فيكون ذلك وجها وقوله: {ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم: 7] يقول: ولئن كفرتم أيها القوم نعمة الله، فجحدتموها، بترك شكره عليها، وخلافه في أمره ونهيه، وركوبكم معاصيه {إن عذابي لشديد} [إبراهيم: 7] : أعذبكم كما أعذب من كفر بي من خلقي. وكان بعض البصريين يقول في معنى قوله: {وإذ تأذن ربكم} [إبراهيم: 7] ويقول: «إذ» من حروف الزوائد، وقد دللنا على فساد ذلك فيما مضى قبل 13P602
[إبراهيم: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا، 13P603 فإن الله لغني حميد} [إبراهيم: 8] يقول تعالى ذكره: {وقال موسى} [الأعراف: 104] لقومه: {إن تكفروا} [إبراهيم: 8] أيها القوم، فتجحدوا نعمة الله التي أنعمها عليكم أنتم، ويفعل في ذلك مثل فعلكم {من في الأرض جميعا، فإن الله لغني} [إبراهيم: 8] عنكم وعنهم من جميع خلقه، لا حاجة به إلى شكركم إياه على نعمه عند جميعكم، {حميد} [البقرة: 267] ذو حمد إلى خلقه بما أنعم به عليهم، كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي: {فإن الله لغني} [إبراهيم: 8] قال: " غني عن خلقه، {حميد} [إبراهيم: 8] قال: «مستحمد إليهم» 13P603
[إبراهيم: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، لا يعلمهم إلا الله، جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم، وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به، وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} [إبراهيم: 9] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل موسى لقومه: يا قوم {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم} [إبراهيم: 9] يقول: خبر الذين من قبلكم من الأمم التي مضت قبلكم، {قوم نوح، وعاد، وثمود} [التوبة: 70] وقوم عاد فبين بهم عن «الذين» ، وعاد معطوف بها على قوم نوح {والذين من بعدهم} [إبراهيم: 9] يعني: من بعد قوم نوح، وعاد وثمود {لا يعلمهم إلا الله} [إبراهيم: 9] يقول: لا يحصي عددهم ولا يعلم مبلغهم إلا الله، 13P604 كما حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: {وعاد وثمود والذين من بعدهم، لا يعلمهم إلا الله} [إبراهيم: 9] قال: " كذب النسابون. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، بمثل ذلك حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: ثنا ابن مسعود، أنه كان يقرؤها: (وعادا وثمود والذين من بعدهم، لا يعلمهم إلا الله) ، ثم يقول: «كذب النسابون» . حدثني ابن المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عيسى بن جعفر، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله، مثله وقوله: {جاءتهم رسلهم بالبينات} [الأعراف: 101] يقول: جاءت هؤلاء الأمم رسلهم الذين أرسلهم الله إليهم بدعائهم إلى إخلاص العبادة له بالبينات، يعني بالحجج الواضحات، والدلالات البينات الظاهرات على حقيقة ما دعوهم إليه من معجزات وقوله: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فعضوا على أصابعهم تغيظا عليهم في دعائهم إياهم ما دعوهم إليه ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال: «عضوا عليها تغيظا» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال: «غيظا هكذا، وعض يده» حدثني المثنى قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال: «عضوها» حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله بن رجاء البصري قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قول الله عز وجل: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال: «عضوا على أصابعهم» حدثني المثنى قال: ثنا الحماني قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال: «عضوا على أطراف أصابعهم» حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي 13P606 إسحاق، عن هبيرة، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال: «أن يحمل إصبعه في فيه» حدثنا الحسن بن محمد قالا: ثنا أبو قطن قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن عبد الله في قول الله عز وجل: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] ، ووضع شعبة أطراف أنامله اليسرى على فيه " حدثنا الحسن قال: ثنا يحيى بن عباد قال: ثنا شعبة قال: أخبرنا أبو إسحاق عن هبيرة قال: قال عبد الله {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال: «هكذا، وأدخل أصابعه في فيه» حدثنا الحسن قال: ثنا عفان قال: ثنا شعبة قال أبو إسحاق: أنبأنا عن هبيرة، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال أبو علي: وأرانا عفان، وأدخل أطراف أصابع كفه مبسوطة في فيه، وذكر أن شعبة أراه كذلك " حدثنا أحمد قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال: «عضوا على أناملهم» وقال سفيان: عضوا غيظا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] فقرأ: {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} [آل عمران: 119] قال: " ومعنى: {ردوا أيديهم في أفواههم} قال: " 13P607 أدخلوا أصابعهم في أفواههم، وقال: «إذا اغتاظ الإنسان عض يده» .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا منه، ووضعوا أيديهم على أفواههم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال: «لما سمعوا كتاب الله عجبوا، ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم» . وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كذبوهم بأفواههم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " ح. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال: «ردوا عليهم قولهم وكذبوهم» . حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا شبابة قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم قال: ثنا الحسن قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] يقول: " قومهم كذبوا رسلهم، وردوا عليهم ما جاءوا به من البينات، وردوا عليهم بأفواههم، وقالوا: {إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} [إبراهيم: 9] " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] قال: «ردوا على الرسل ما جاءت به» . وكأن مجاهدا وجه قوله: {فردوا أيديهم في أفواههم} [إبراهيم: 9] إلى معنى: ردوا أيادي الله التي لو قبلوها كانت أيادي ونعما عندهم، فلم يقبلوها، ووجه قوله: {في أفواههم} [إبراهيم: 9] إلى معنى: بأفواههم، يعني: بألسنتهم التي في أفواههم، وقد ذكر عن بعض العرب سماعا: أدخلك الله بالجنة، يعنون في الجنة، وينشد هذا البيت: [+البحر الطويل] وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ولكنني عن سنبس لست أرغب يريد: وأرغب فيها: يعني أرغب بها عن لقيط، ولا أرغب بها عن قبيلتي. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم كانوا يضعون أيديهم على أفواه الرسل ردا عليهم قولهم، وتكذيبا لهم وقال آخرون: هذا مثل، وإنما أريد أنهم كفوا عما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به ولم يسلموا، وقال: يقال الرجل إذا أمسك عن الجواب فلم يجب: رد يده 13P609 في فمه، وذكر بعضهم أن العرب تقول: كلمت فلانا في حاجة فرد يده في فيه: إذا سكت عنه فلم يجب، وهذا أيضا قول لا وجه له، لأن الله عز وجل ذكره قد أخبر عنهم أنهم قالوا: {إنا كفرنا بما أرسلتم به} [إبراهيم: 9] فقد أجابوا بالتكذيب. وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود أنهم ردوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظا على الرسل، كما وصف الله عز وجل به إخوانهم من المنافقين فقال: {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} [آل عمران: 119] فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم من رد اليد إلى الفم وقوله: {وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به} [إبراهيم: 9] يقول عز وجل: وقالوا لرسلهم: إنا كفرنا بما أرسلكم به من أرسلكم من الدعاء إلى ترك عبادة الأوثان والأصنام، وإنا لفي شك من حقيقة ما تدعوننا إليه من توحيد الله {مريب} [هود: 62] يقول: يريبنا ذلك الشك: أي يوجب لنا الريبة والتهمة فيه، يقال منه: أراب الرجل: إذا أتى بريبة، يريب إرابة 13P609
[إبراهيم: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم، ويؤخركم إلى أجل مسمى، قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا، فأتونا بسلطان مبين} [إبراهيم: 10] يقول تعالى ذكره: قالت رسل الأمم التي أتتها رسلها: أفي الله أنه المستحق عليكم أيها الناس الألوهة والعبادة دون جميع خلقه، شك؟ وقوله: {فاطر السموات والأرض} يقول: خالق السموات والأرض {يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} [إبراهيم: 10] يقول: يدعوكم إلى توحيده وطاعته {ليغفر لكم من ذنوبكم} [إبراهيم: 10] يقول: فيستر عليكم بعض ذنوبكم بالعفو عنها، فلا يعاقبكم عليها {ويؤخركم} [إبراهيم : 10] يقول: وينسئ في آجالكم، فلا يعاقبكم في العاجل فيهلككم، ولكن يؤخركم إلى الوقت الذي كتب في أم الكتاب أنه يقبضكم فيه، وهو الأجل الذي سمى لكم، فقالت الأمم لهم: {إن أنتم} [المائدة: 106] أيها القوم {إلا بشر مثلنا} [إبراهيم: 10] في الصورة والهيئة، ولستم ملائكة، وإنما تريدون بقولكم هذا الذي تقولون لنا {أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا} [إبراهيم: 10] يقول: إنما تريدون أن تصرفونا بقولكم عن عبادة ما كان يعبده من الأوثان آباؤنا: {فأتونا بسلطان مبين} [إبراهيم: 10] يقول: فأتونا بحجة على ما تقولون تبين لنا حقيقته وصحته، فنعلم أنكم فيما تقولون محقون 13P610 [إبراهيم: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم، ولكن الله يمن على من يشاء من عباده، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [إبراهيم: 11] يقول تعالى ذكره: قال الأمم التي أتتهم الرسل لرسلهم، {إن نحن إلا بشر مثلكم} [إبراهيم: 11] صدقتم في قولكم {إن أنتم إلا بشر مثلنا} [إبراهيم: 10] فما نحن إلا بشر من بني آدم إنس مثلكم، {ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} [إبراهيم: 11] يقول: ولكن الله يتفضل على من يشاء من خلقه، فيهديه ويوفقه للحق، ويفضله على كثير من خلقه {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان} [إبراهيم: 11] يقول: وما كان لنا أن نأتيكم بحجة وبرهان على ما ندعوكم إليه {إلا بإذن الله} [البقرة: 102] يقول: إلا بأمر الله لنا بذلك {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 122] يقول: وبالله فليثق به من آمن به وأطاعه، فإنا به نثق، وعليه نتوكل حدثنا القاسم، قالا: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {فأتونا بسلطان مبين} [إبراهيم: 10] قال: " السلطان المبين: البرهان والبينة " وقوله: {ما لم ينزل به سلطانا} [آل عمران: 151] قال: «بينة وبرهانا» 13P611 [إبراهيم: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون} [إبراهيم: 12] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الرسل لأممها: {وما لنا ألا نتوكل على الله} [إبراهيم: 12] فنثق به وبكفايته ودفاعه إياكم عنا، {وقد هدانا سبلنا} [إبراهيم: 12] يقول: وقد بصرنا طريق النجاة من عذابه، فبين لنا {ولنصبرن على ما آذيتمونا} [إبراهيم: 12] في الله وعلى ما نلقى منكم من المكروه فيه بسبب دعائنا إليكم إلى ما ندعوكم إليه من البراءة من الأوثان والأصنام وإخلاص العبادة له {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} [إبراهيم: 12] يقول: وعلى الله فليتوكل من كان به واثقا من خلقه، فأما من كان به كافرا فإن وليه الشيطان 13P611
[إبراهيم: 13_14] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي، وخاف وعيد} [إبراهيم: 13_14] يقول عز ذكره: وقال الذين كفروا بالله لرسلهم الذين أرسلوا إليهم حين دعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له وفراق عبادة الآلهة والأوثان: {لنخرجنكم من أرضنا} [إبراهيم: 13] يعنون: من بلادنا، فنطردكم عنها {أو لتعودن في ملتنا} [الأعراف: 88] يعنون: إلا أن تعودوا في ديننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام، وأدخلت في قوله: {لتعودن} [الأعراف: 88] لام، وهو في معنى شرط، كأنه جواب لليمين. وإنما معنى الكلام: لنخرجنكم من أرضنا أو تعودن في ملتنا، ومعنى «أو» ههنا معنى «إلا» أو معنى «حتى» كما يقال في الكلام: لأضربنك أو تقر لي، فمن العرب من يجعل ما بعد «أو» في مثل هذا الموضع عطفا على ما قبله جزما جزموه، وإن كان نصبا نصبوه، وإن كان فيه لام جعلوا فيه لاما، إذ كانت «أو» حرف نسق ومنهم من ينصب «ما» بعد «أو» بكل حال، ليعلم بنصبه أنه عن الأول منقطع عما قبله، كما قال امرؤ القيس: [+البحر الطويل] بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له: لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا فنصب «نموت فنعذرا» وقد رفع «نحاول» ، لأنه أراد معنى: إلا أن نموت، أو حتى نموت، ومنه قول الآخر: [+البحر البسيط] لا أستطيع نزوعا عن مودتها أو يصنع الحب بي غير الذي صنعا وقوله: {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} [إبراهيم: 13] الذين ظلموا أنفسهم، فأوجبوا لها عقاب الله بكفرهم، وقد يجوز أن يكون قيل لهم: الظالمون لعبادتهم، من لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهة، فيكون بوضعهم العبادة في غير موضعها إذ كان ظلما سموا بذلك ظالمين وقوله: {ولنسكننكم الأرض من بعدهم} [إبراهيم: 14] هذا وعد من الله من وعد من أنبيائه النصر على الكفرة به من قومه، يقول: لما تمادت أمم الرسل في الكفر، وتوعدوا رسلهم بالوقوع بهم، أوحى الله إليهم بإهلاك من كفر بهم من أممهم ووعدهم النصر وكل ذلك كان من الله وعيدا وتهديدا لمشركي قوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على كفرهم به وجراءتهم على نبيه، وتثبيتا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأمرا له بالصبر على ما لقي من المكروه فيه من مشركي قومه، كما صبر من كان قبله من أولي العزم من رسله، ومعرفة أن عاقبة أمر من كفر به الهلاك، وعاقبته النصر عليهم، {سنة الله في الذين خلوا من قبل} [الأحزاب: 38] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولنسكننكم الأرض من بعدهم} [إبراهيم: 14] قال: «وعدهم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة» وقوله: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} [إبراهيم: 14] يقول جل ثناؤه: هكذا فعلي لمن خاف مقامه بين يدي، وخاف وعيدي، فاتقاني بطاعته وتجنب سخطي، أنصره على من أراد به سوءا وبغاه مكروها من أعدائي، أهلك عدوه وأخزيه، وأورثه أرضه ودياره، وقال: {لمن خاف مقامي} [إبراهيم: 14] ومعناه ما 13P614 قلت من أنه لمن خاف مقامه بين يدي بحيث أقيمه هنالك للحساب، كما قال: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] معناه: وتجعلون رزقي إياكم أنكم تكذبون، وذلك أن العرب تضيف أفعالها إلى أنفسها، وإلى ما أوقعت عليه، فتقول: قد سررت برؤيتك وبرؤيتي إياك، فكذلك ذلك 13P613
[إبراهيم: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] يقول تعالى ذكره: واستفتحت الرسل على قومها: أي استنصرت الله عليها {وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] يقول: هلك كل متكبر جائر حائد عن الإقرار بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، والعنيد والعاند والعنود بمعنى واحد، ومن الجبار تقول: هو جبار بين الجبرية والجبروتية والجبروة والجبروت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {واستفتحوا} [إبراهيم: 15] قال: " الرسل كلها، يقول: " استنصروا على أعدائهم ومعانديهم: أي على من عاند عن اتباع الحق وتجنبه ". 13P615 حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ح. وحدثني الحارث قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {واستفتحوا} [إبراهيم: 15] قال: " الرسل كلها استنصروا {وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] قال: «معاند للحق مجانبه» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقال ابن جريج: استفتحوا على قومهم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] قال: " كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم، ويقهرونهم، ويكذبونهم، ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم، فأبى الله عز وجل لرسله وللمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله، وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة، ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز الله لهم ما وعدهم، واستفتحوا كما أمرهم أن يستفتحوا {وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم، في قوله: {وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] قال: «هو الناكب عن الحق؛ أي الحائد عن اتباع طريق الحق» حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا مطرف، عن بشر، عن هشيم، 13P616 عن مغيرة، عن سماك، عن إبراهيم: {وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] قال: «الناكب عن الحق» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {واستفتحوا} [إبراهيم: 15] يقول: " استنصرت الرسل على قومها، قوله: {وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] والجبار العنيد: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {واستفتحوا} [إبراهيم: 15] قال: " استنصرت الرسل على قومها {وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] يقول: بعيد عن الحق معرض عنه ".
حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله، وزاد فيه: معرض عنه، أبى أن يقول: لا إله إلا الله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] قال: «العنيد عن الحق الذي يعند عن الطريق» قال: والعرب تقول: شر الإبل العنيد، الذي يخرج عن الطريق " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] قال: " الجبار: هو المتجبر " وكان ابن زيد يقول في معنى قوله: {واستفتحوا} [إبراهيم: 15] خلاف قول هؤلاء، 13P617 ويقول: إنما استفتحت الأمم، فأجيبت حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {واستفتحوا} [إبراهيم: 15] قال: " استفتاحهم بالبلاء، قالوا: اللهم إن كان هذا الذي أتى به محمد هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، كما أمطرتها على قوم لوط، أو ائتنا بعذاب أليم قال: " كان استفتاحهم بالبلاء كما استفتح قوم هود، {ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} قال: " فالاستفتاح: العذاب. قال: قيل لهم: إن لهذا أجلا، حين سألوا الله أن ينزل عليهم، فقال: بل نؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، فقالوا: لا نريد أن نؤخر إلى يوم القيامة {ربنا عجل لنا قطنا} [ص: 16] عذابنا {قبل يوم الحساب} [ص: 16] وقرأ: {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب} [العنكبوت: 53] حتى بلغ: {ومن تحت أرجلهم، ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} [العنكبوت: 55] " 13P617
[إبراهيم: 16_17] القول في تأويل قوله تعالى: {من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، ومن ورائه عذاب غليظ} [إبراهيم: 16_17] يقول عز ذكره: {من ورائه} [إبراهيم: 16] من أمام كل جبار {جهنم} [البقرة: 206] يردونها ووراء في هذا الموضع: يعني أمام، كما يقال: إن الموت من ورائك: أي قدامك، وكما قال الشاعر: [+البحر الوافر] أتوعدني وراء بني رياح كذبت لتقصرن يداك دوني يعني وراء بني رياح: قدام بني رياح وأمامهم. وكان بعض نحويي أهل البصرة يقول: إنما يعني بقوله: {من ورائه} [إبراهيم: 16] أي من أمامه، لأنه وراء ما هو فيه، كما يقول لك: وكل هذا من ورائك: أي سيأتي عليك، وهو من وراء ما أنت فيه لأن ما أنت فيه قد كان قبل ذلك وهو من ورائه وقال: {وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} [الكهف: 79] من هذا المعنى: أي كان وراء ما هم فيه أمامهم. وكان بعض نحويي أهل الكوفة يقول: أكثر ما يجوز هذا في الأوقات، لأن الوقت يمر عليك فيصير خلفك إذا جزته، وكذلك كان وراءهم ملك، لأنهم يجوزونه فيصير وراءهم. وكان بعضهم يقول: هو من حروف الأضداد، يعني وراء يكون قداما وخلفا وقوله: {ويسقى من ماء صديد} [إبراهيم: 16] يقول: ويسقى من ماء، ثم بين ذلك الماء جل ثناؤه وما هو، فقال: هو صديد، ولذلك رد الصديد في إعرابه على الماء، لأنه بيان عنه، والصديد: هو القيح والدم، وكذلك تأوله أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، ح. وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا 13P619 شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {من ماء صديد} [إبراهيم: 16] قال: «قيح ودم» . حدثنا المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويسقى من ماء صديد} [إبراهيم: 16] " والصديد: ما يسيل من دمه ولحمه وجلده " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {ويسقى من ماء صديد} [إبراهيم: 16] قال: «ما يسيل من بين لحمه وجلده» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عمن ذكره عن الضحاك: {ويسقى من ماء صديد} [إبراهيم: 16] قال: " يعني بالصديد: ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدم " وقوله: {يتجرعه} [إبراهيم: 17] يتحساه، {ولا يكاد يسيغه} [إبراهيم: 17] يقول: ولا يكاد يزدرده من شدة كراهته، وهو يسيغه من شدة العطش. والعرب تجعل «لا يكاد» فيما قد فعل، وفيما لم يفعل فأما ما قد فعل فمنه 13P620 هذا، لأن الله جل ثناؤه جعل لهم ذلك شرابا، وأما ما لم يفعل وقد دخلت فيه «كاد» فقوله: {إذا أخرج يده لم يكد يراها} [النور: 40] فهو لا يراها. وبنحو ما قلنا من أن معنى قوله: {ولا يكاد يسيغه} [إبراهيم: 17] وهو يسيغه، جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الرواية بذلك: حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني، قال: ثنا ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ويسقى من ماء صديد يتجرعه} [إبراهيم: 17] : «فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره» يقول الله عز وجل: {وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} [محمد: 15] ويقول: {وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب} [الكهف: 29] ". حدثنا ابن المثنى قال: ثنا معمر، عن ابن المبارك قال: ثنا صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله: {ويسقى من ماء صديد} [إبراهيم: 16] فذكر مثله، إلا أنه قال {سقوا ماء حميما} [محمد: 15] .
حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال: ثنا حيوة بن شريح الحمصي قال: 13P621 ثنا بقية، عن صفوان بن عمرو قال: ثني عبيد الله بن بسر، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء وقوله: {ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت} [إبراهيم: 17] فإنه يقول: ويأتيه الموت من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله، ومن كل موضع من أعضاء جسده {وما هو بميت} [إبراهيم: 17] لأنه لا تخرج نفسه فيموت فيستريح، ولا يحيا لتعلق نفسه بالحناجر، فلا ترجع إلى مكانها، كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: {يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت} [إبراهيم: 17] قال: «تعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيجد لذلك راحة فتنفعه الحياة» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي، قوله: " {ويأتيه الموت من كل مكان} [إبراهيم: 17] قال: «من تحت كل شعرة في جسده» وقوله: {ومن ورائه عذاب غليظ} [إبراهيم: 17] يقول: ومن وراء ما هو فيه من العذاب، يعني أمامه وقدامه عذاب غليظ 13P621
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?