Taberî — Câmiü'l-Beyân
[البقرة: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا} [البقرة: 85] يعني بقوله جل ثناؤه: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم} [البقرة: 85] فليس لمن قتل منكم قتيلا فكفر بقتله إياه بنقض عهد الله الذي حكم به عليه في التوراة، وأخرج منكم فريقا من ديارهم مظاهرا عليهم أعداءهم من أهل الشرك ظلما وعدوانا وخلافا لما أمره الله به في كتابه الذي أنزله إلى موسى، جزاء، يعني بالجزاء: الثواب وهو العوض مما فعل من ذلك والأجر عليه {إلا خزي في الحياة الدنيا} [البقرة: 85] والخزي الذل والصغار، يقال منه: خزي الرجل يخزى خزيا {في الحياة الدنيا} [البقرة: 85] ، يعني في عاجل الدنيا قبل الآخرة. ثم اختلف في الخزي الذي أخزاهم الله بما سلف من معصيتهم إياه. فقال بعضهم: ذلك هو حكم الله الذي أنزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من أخذ القاتل بمن قتل والقود به قصاصا، والانتقام للمظلوم من الظالم. وقال آخرون: بل ذلك هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم ذلة لهم وصغارا. وقال آخرون: بل ذلك الخزي الذي جوزوا به في الدنيا إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم النضير من ديارهم لأول الحشر، وقتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم؛ فكان ذلك خزيا في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم 02P216 [البقرة: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} [البقرة: 85] يعني بقوله: {ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} [البقرة: 85] ويوم تقوم الساعة يرد من يفعل ذلك منكم بعد الخزي الذي يحل به في الدنيا جزاء على معصية الله إلى أشد العذاب الذي أعد الله لأعدائه. وقد قال بعضهم: معنى ذلك: {ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} [البقرة: 85] من عذاب الدنيا. ولا معنى لقول قائل ذلك. ذلك بأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنهم يردون إلى أشد معاني العذاب؛ ولذلك أدخل فيه الألف واللام، لأنه عنى به جنس العذاب كله دون نوع منه 02P216 [البقرة: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 85] اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: (وما الله بغافل عما يعملون) بالياء على وجه الإخبار عنهم، فكأنهم نحوا بقراءتهم معنى: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون) يعني عما يعمله الذين أخبر الله عنهم أنه ليس لهم جزاء على فعلهم إلا الخزي في الحياة الدنيا، ومرجعهم في الآخرة إلى أشد العذاب. وقرأه آخرون: {وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 74] بالتاء على وجه المخاطبة؛ قال: فكأنهم نحوا بقراءتهم: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [البقرة: 85] {وما الله بغافل} [البقرة: 74] يا معشر اليهود {عما تعملون} [البقرة: 74] أنتم. وأعجب القراءتين إلى قراءة من قرأ بالياء إتباعا لقوله: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم } [البقرة: 85] ولقوله: {ويوم القيامة يردون} [البقرة: 85] لأن قوله: (وما الله بغافل عما يعملون) إلى ذلك أقرب منه إلى قوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [البقرة: 85] فإتباعه الأقرب إليه أولى من إلحاقه بالأبعد منه. والوجه الآخر غير بعيد من الصواب. وتأويل قوله: وما الله بساه عن أعمالهم الخبيثة، بل هو محص لها وحافظها عليهم حتى يجازيهم بها في الآخرة ويخزيهم في الدنيا فيذلهم ويفضحهم 02P217
[البقرة: 86] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} [البقرة: 86] يعني بقوله جل ثناؤه أولئك الذين أخبر عنهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب فيفادون أسراهم من اليهود، ويكفرون ببعض، فيقتلون من حرم الله عليهم قتله من أهل ملتهم، ويخرجون من داره من حرم الله عليهم إخراجه من داره، نقضا لعهد الله وميثاقه في التوراة إليهم. فأخبر جل ثناؤه أن هؤلاء الذين اشتروا رياسة الحياة الدنيا على الضعفاء وأهل الجهل والغباء من أهل ملتهم، وابتاعوا المآكل الخسيسة الرديئة فيها، بالإيمان الذي كان يكون لهم به في الآخرة لو كانوا أتوا به مكان الكفر الخلود في الجنان. وإنما وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة لأنهم رضوا بالدنيا بكفرهم بالله فيها عوضا من نعيم الآخرة الذي أعده الله للمؤمنين، فجعل حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله ثمنا لما ابتاعوه به من خسيس الدنيا كما حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} [البقرة: 86] استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة " قال أبوجعفر: ثم أخبر الله جل ثناؤه أنهم إذ باعوا حظوظهم من نعيم الآخرة بتركهم 02P219 طاعته، وإيثارهم الكفر به والخسيس من الدنيا عليه، لا حظ لهم في نعيم الآخرة، وأن الذي لهم في الآخرة العذاب غير مخفف عنهم فيها العذاب؛ لأن الذي يخفف عنه فيها من العذاب هو الذي له حظ في نعيمها، ولا حظ لهؤلاء لاشترائهم الذي كان في الدنيا ودنياهم بآخرتهم وأما قوله: {ولا هم ينصرون} [البقرة: 48] فإنه أخبر عنهم أنه لا ينصرهم في الآخرة أحد فيدفع عنهم بنصرته عذاب الله، لا بقوته ولا بشفاعته ولا غيرهما 02P219 [البقرة: 87] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} [البقرة: 87] يعني بقوله جل ثناؤه: {آتينا موسى الكتاب} [البقرة: 53] أنزلناه إليه. وقد بينا أن معنى الإيتاء: الإعطاء فيما مضى قبل، والكتاب الذي آتاه الله موسى عليه السلام هو التوراة وأما قوله: {وقفينا} [البقرة: 87] فإنه يعني: وأردفنا وأتبعنا بعضهم خلف بعض، كما يقفو الرجل الرجل إذا سار في أثره من ورائه. وأصله من القفا، يقال منه: قفوت فلانا: إذا صرت خلف قفاه، كما يقال دبرته: إذا صرت في دبره ويعني بقوله: {من بعده} [البقرة: 51] من بعد موسى ويعني {بالرسل} [البقرة: 87] الأنبياء، وهم جمع رسول، يقال: هو رسول وهم 02P220 رسل، كما يقال: هو صبور وهم قوم صبر، وهو رجل شكور وهم قوم شكر. وإنما يعني جل ثناؤه بقوله: {وقفينا من بعده بالرسل} [البقرة: 87] أي أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد وشريعة واحدة؛ لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى صلى الله عليه وسلم إلى زمان عيسى ابن مريم، فإنما بعثه يأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها، فلذلك قيل: {وقفينا من بعده بالرسل} [البقرة: 87] يعني على منهاجه وشريعته، والعمل بما كان يعمل به 02P219
[البقرة: 87] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} [البقرة: 87] يعني بقوله: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} [البقرة: 87] أعطينا عيسى ابن مريم. ويعني بالبينات التي آتاه الله إياها ما أظهر على يديه من الحجج والدلالة على نبوته من إحياء الموتى وإبراء الأكمه ونحو ذلك من الآيات التي أبانت منزلته من الله، ودلت على صدقه وصحة نبوته كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} [البقرة: 87] أي الآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم، وما رد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه " 02P220
[البقرة: 87] القول في تأويل قوله تعالى: {وأيدناه بروح القدس} [البقرة: 87] أما معنى قوله: {وأيدناه} [البقرة: 87] فإنه قويناه فأعناه كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " {وأيدناه} [البقرة: 87] يقول: نصرناه " يقال منه: أيدك الله: أي قواك، وهو رجل ذو أيد وذو أد، يراد: ذو قوة. ومنه قول العجاج: [+البحر الرجز] من أن تبدلت بآدي آدا يعني بشبابي قوة المشيب. ومنه قول الآخر: [+البحر الكامل] إن القداح إذا اجتمعن فرامها بالكسر ذو جلد وبطش أيد يعني بالأيد: القوي. ثم اختلف في تأويل قوله: {بروح القدس} [البقرة: 87] . فقال بعضهم: روح القدس الذي أخبر الله تعالى ذكره أنه أيد عيسى به هو جبريل عليه السلام ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {وأيدناه بروح القدس} [البقرة: 87] قال: هو جبريل " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: " {وأيدناه بروح القدس} [البقرة: 87] قال: هو جبريل عليه السلام " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " في قوله: {وأيدناه بروح القدس} [البقرة: 87] قال: روح القدس: جبريل " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {وأيدناه بروح القدس} [البقرة: 87] قال: أيد عيسى بجبريل وهو روح القدس " وقال ابن حميد: حدثنا سلمة، عن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: " أن نفرا، من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الروح. قال: «أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه جبريل، وهو يأتيني؟ » قالوا: نعم " 02P223 وقال آخرون: الروح الذي أيد الله به عيسى هو الإنجيل ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {وأيدناه بروح القدس} [البقرة: 87] قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحا كما جعل القرآن روحا كلاهما روح الله، كما قال الله: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] " وقال آخرون: هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى ذكر من قال ذلك حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {وأيدناه بروح القدس} [البقرة: 87] قال: هو الاسم الذي كان يحيي عيسى به الموتى " وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} [المائدة: 110] فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل لكان قوله: إذ أيدتك بروح القدس وإذ علمتك 02P224 الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل تكرير قول لا معنى له. وذلك أنه على تأويل قول من قال: معنى: {إذ أيدتك بروح القدس} [المائدة: 110] إنما هو: إذ أيدتك بالإنجيل، وإذ علمتك الإنجيل؛ وهو لا يكون به مؤيدا إلا وهو معلمه. فذلك تكرير كلام واحد من غير زيادة معنى في أحدهما على الآخر، وذلك خلف من الكلام، والله تعالى ذكره يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة. وإذا كان ذلك كذلك فبين فساد قول من زعم أن الروح في هذا موضع الإنجيل، وإن كان جميع كتب الله التي أوحاها إلى رسله روحا منه؛ لأنها تحيا بها القلوب الميتة، وتنتعش بها النفوس المولية، وتهتدي بها الأحلام الضالة.
وإنما سمى الله تعالى جبريل روحا وأضافه إلى القدس لأنه كان بتكوين الله له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده، فسماه بذلك روحا، وأضافه إلى القدس، والقدس: هو الطهر، كما سمي عيسى ابن مريم روحا لله من أجل تكوينه له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده. وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا أن معنى التقديس: التطهير، والقدس: الطهر من ذلك. وقد اختلف أهل التأويل في معناه في هذا الموضع نحو اختلافهم في الموضع الذي ذكرناه حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " القدس: 02P225 البركة " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال: " القدس: هو الرب تعالى ذكره " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {وأيدناه بروح القدس} [البقرة: 87] قال: الله القدس، وأيد عيسى بروحه. قال: نعت الله القدس. وقرأ قول الله جل ثناؤه: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس} [الحشر: 23] قال: القدس والقدوس واحد " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، قال: قال: " نعت الله: القدس " 02P225
[البقرة: 87] القول في تأويل قوله تعالى: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} [البقرة: 87] يعني جل ثناؤه بقوله: " {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم} [البقرة: 87] اليهود من بني إسرائيل " حدثني بذلك، محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال أبو جعفر: يقول الله جل ثناؤه لهم: يا معشر يهود بني إسرائيل، لقد آتينا موسى التوراة، وتابعنا من بعده بالرسل إليكم، وآتينا عيسى ابن مريم البينات والحجج إذ بعثناه إليكم، وقويناه بروح القدس. وأنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم تجبرا وبغيا استكبار إمامكم إبليس؛ فكذبتم بعضا منهم، وقتلتم بعضا، فهذا فعلكم أبدا برسلي. وقوله: {أفكلما} [البقرة: 87] إن كان خرج مخرج التقرير في الخطاب فهو بمعنى الخبر 02P226
[البقرة: 88] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون } [البقرة: 88] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] مخففة اللام ساكنة، وهي قراءة عامة الأمصار في جميع الأقطار. وقرأه بعضهم: (وقالوا قلوبنا غلف) مثقلة اللام مضمومة. فأما الذين قرءوها بسكون اللام وتخفيفها، فإنهم تأولوها أنهم قالوا قلوبنا في أكنة وأغطية وغلف. والغلف على قراءة هؤلاء، جمع أغلف، وهو الذي في غلاف وغطاء؛ كما يقال للرجل الذي لم يختتن: أغلف، والمرأة: غلفاء، وكما يقال للسيف إذا كان في غلافه: سيف أغلف، وقوس غلفاء، وجمعها غلف، وكذلك جمع ما كان من النعوت ذكره على أفعل وأنثاه على فعلاء، يجمع على فعل مضمومة الأول ساكنة الثاني، مثل أحمر وحمر، وأصفر وصفر، فيكون ذلك جماعا للتأنيث والتذكير، ولا يجوز تثقيل عين فعل منه إلا في ضرورة شعر، كما قال طرفة بن العبد: [+البحر الرمل] أيها الفتيان في مجلسنا جردوا منها ورادا وشقر يريد: شقرا، لأن الشعر اضطره إلى تحريك ثانيه فحركه ومنه الخبر الذي حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير بن سلمان، قال: ثنا عمرو بن قيس الملائي، عن عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البختري، عن حذيفة، قال: " القلوب أربعة. ثم ذكرها، فقال فيما ذكر: وقلب أغلف: معصوب عليه، فذلك قلب الكافر " ذكر من قال ذلك، يعني أنها في أغطية حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] أي في أكنة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن أبي طلحة، عن ابن عباس: " قوله: {قلوبنا غلف} [البقرة: 88] أي في غطاء " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] فهي القلوب المطبوع عليها " حدثني عباس بن محمد قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد: " قوله: {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] عليها غشاوة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: أخبرني عبد الله 02P229 بن كثير، عن مجاهد: " {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] عليها غشاوة " حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا شريك، عن الأعمش: " قوله: {قلوبنا غلف} [البقرة: 88] قال: هي في غلف " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] أي لا تفقه " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] قال: هو كقوله: {قلوبنا في أكنة} [فصلت: 5] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: " في قوله: {قلوبنا غلف} [البقرة: 88] قال: عليها طابع، قال هو كقوله: {قلوبنا في أكنة} [فصلت: 5] " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {قلوبنا غلف} [البقرة: 88] أي لا تفقه " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وقالوا قلوبنا غلف} [البقرة: 88] قال: يقولون: عليها غلاف وهو الغطاء " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {قلوبنا غلف} [البقرة: 88] قال: يقول قلبي في غلاف، فلا يخلص إليه مما تقول. وقرأ: {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} [فصلت: 5] " قال أبو جعفر: وأما الذين قرءوها: غلف بتحريك اللام وضمها، فإنهم تأولوها أنهم قالوا: قلوبنا غلف للعلم، بمعنى أنها أوعية. قال: والغلف على تأويل هؤلاء جمع غلاف، كما يجمع الكتاب كتب، والحجاب حجب، والشهاب شهب.
فمعنى الكلام على تأويل قراءة من قرأ: غلف بتحريك اللام وضمها: وقالت اليهود قلوبنا غلف للعلم، وأوعية له ولغيره ذكر من قال ذلك حدثني عبيد بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: " (وقالوا قلوبنا غلف) قال: أوعية للذكر " حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا فضيل، عن عطية: " في قوله: (قلوبنا غلف) قال: أوعية للعلم " 02P231 حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا فضيل، عن عطية، مثله حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " في قوله: (وقالوا قلوبنا غلف) قال: مملوءة علما لا تحتاج إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره " والقراءة التي لا يجوز غيرها في قوله: {قلوبنا غلف} [البقرة: 88] هي قراءة من قرأ {غلف} [البقرة: 88] بتسكين اللام بمعنى أنها في أغشية وأغطية؛ لاجتماع الحجة من القراء وأهل التأويل على صحتها، وشذوذ من شذ عنهم بما خالفه من قراءة ذلك بضم اللام. وقد دللنا على أن ما جاءت به الحجة متفقة عليه حجة على من بلغه، وما جاء به المنفرد فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحجة نقلا وقولا وعملا في غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا المكان 02P231
[البقرة: 88] القول في تأويل قوله تعالى: {بل لعنهم الله بكفرهم} [البقرة: 88] يعني جل ثناؤه بقوله: {بل لعنهم الله} [البقرة: 88] بل أقصاهم الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم وجحودهم آيات الله وبيناته، وما ابتعث به رسله، وتكذيبهم أنبياءه. فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك. وأصل اللعن: الطرد والإبعاد والإقصاء، يقال: لعن الله فلانا يلعنه لعنا وهو ملعون، ثم يصرف مفعول فيقال هو لعين؛ ومنه قول الشماخ بن ضرار: [+البحر الوافر] ذعرت به القطا ونفيت عنه مكان الذئب كالرجل اللعين قال أبو جعفر: في قول الله تعالى ذكره: {بل لعنهم الله بكفرهم} [البقرة: 88] تكذيب منه للقائلين من اليهود: {قلوبنا غلف} [البقرة: 88] لأن قوله: {بل} [البقرة: 88] دلالة على جحده جل ذكره، وإنكاره ما ادعوا من ذلك؛ إذ كانت بل لا تدخل في الكلام إلا نقضا لمجحود. فإذا كان ذلك كذلك، فبين أن معنى الآية: وقالت اليهود قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يا محمد. فقال الله تعالى ذكره: ما ذلك كما زعموا، ولكن الله أقصى اليهود وأبعدهم من رحمته وطردهم عنها وأخزاهم بجحودهم له ولرسله فقليلا ما يؤمنون 02P232
[البقرة: 88] القول في تأويل قوله تعالى: {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] . فقال بعضهم: 02P233 معناه: فقليل منهم من يؤمن، أي لا يؤمن منهم إلا قليل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] فلعمري لمن رجع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب، إنما آمن من أهل الكتاب رهط يسير " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] قال: لا يؤمن منهم إلا قليل " وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: " {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] قال: لا يؤمن منهم إلا قليل " قال معمر: وقال غيره: «لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم» وأولى التأويلات في قوله: {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] بالصواب ما نحن متقنوه إن شاء الله؛ وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك 02P234 نصب قوله: {فقليلا} [البقرة: 88] لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره، ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم فإيمانا قليلا ما يؤمنون. فقد تبين إذا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك؛ لأن معنى ذلك لو كان على ما روي من أنه يعني به: فلا يؤمن منهم إلا قليل، أو فقليل منهم من يؤمن، لكان القليل مرفوعا لا منصوبا؛ لأنه إذا كان ذلك تأويله كان القليل حينئذ مرافعا ما وإن نصب القليل، وما في معنى من أو الذي بقيت ما لا مرافع لها، وذلك غير جائز في لغة أحد من العرب فأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى ما التي في قوله: {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] فقال بعضهم: هي زائدة لا معنى لها، وإنما تأويل الكلام: فقليلا يؤمنون، كما قال جل ذكره: {فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] وما أشبه ذلك. فزعم أن ما في ذلك زائدة، وأن معنى الكلام: فبرحمة من الله لنت لهم؛ وأنشد في ذلك محتجا لقوله ذلك ببيت مهلهل: [+البحر المنسرح] لو بأبانين جاء يخطبها خضب ما أنف خاطب بدم وزعم أنه يعني: خضب أنف خاطب بدم، وأن ما زائدة. وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول في ما في الآية، وفي البيت الذي أنشده، وقالوا: إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأشياء، إذ كانت ما كلمة تجمع كل الأشياء ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها. 02P235 وهذا القول عندنا أولى بالصواب؛ لأن زيادة ما لا تفيد من الكلام معنى في الكلام غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه. ولعل قائلا أن يقول: هل كان للذين أخبر الله عنهم أنهم قليلا ما يؤمنون من الإيمان قليل أو كثير فيقال فيهم فقليلا ما يؤمنون؟ قيل: إن معنى الإيمان هو التصديق، وقد كانت اليهود التي أخبر الله عنها هذا الخبر تصدق بوحدانية الله وبالبعث والثواب والعقاب، وتكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وكل ذلك كان فرضا عليهم الإيمان به لأنه في كتبهم، ومما جاءهم به موسى؛ فصدقوا ببعض هو ذلك القليل من إيمانهم، وكذبوا ببعض فذلك هو الكثير الذي أخبر الله عنهم أنهم يكفرون به.
وقد قال بعضهم: إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قيل: {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما رأيت مثل هذا قط، وقد روي عنها سماعا منها: مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل، يعني: ما تنبت غير الكراث والبصل، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بالقلة، والمعنى فيه نفي جميعه 02P233
[البقرة: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89] يعني جل ثناؤه بقوله: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} [البقرة: 89] ولما جاء اليهود من بني إسرائيل الذين وصف جل ثناؤه صفتهم {كتاب من عند الله} [البقرة: 89] يعني بالكتاب: القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم، {مصدق لما معهم} [البقرة: 89] يعني مصدق للذي معهم من الكتب التي أنزلها الله من قبل القرآن كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} [البقرة: 89] وهو القرآن الذي أنزل على محمد مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " في قوله: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} [البقرة: 89] وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل "
[البقرة: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] يعني بقوله جل ثناؤه: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] أي وكان هؤلاء اليهود، الذين لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم من الكتب التي أنزلها الله قبل الفرقان، كفروا به، يستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى الاستفتاح: الاستنصار، يستنصرون الله به على مشركي العرب من قبل مبعثه؛ أي من قبل أن يبعث كما حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ، منهم قالوا: " فينا والله وفيهم، يعني في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم، نزلت هذه القصة، يعني: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] قالوا: كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية، ونحن أهل الشرك، وهم أهل الكتاب، فكانوا يقولون : إن نبيا الآن مبعثه قد أظل زمانه، يقتلكم قتل عاد وإرم. فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه كفروا به. يقول الله: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى آل زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: " أن يهود، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا. فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقال سلام بن مشكم أخو 02P238 بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم. فأنزل الله جل ثناؤه في ذلك من قوله: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89] " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] يقول: يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، يعني بذلك أهل الكتاب، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه " وحدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن علي الأزدي: " في قول الله: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] قال : اليهود، كانوا يقولون: اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس؛ {يستفتحون} [البقرة: 89] يستنصرون به على الناس " 02P239 حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن علي الأزدي، وهو البارقي: في قول الله جل ثناؤه: {وكانوا من قبل يستفتحون} [البقرة: 89] فذكر مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] كانت اليهود تستفتح بمحمد صلى الله عليه وسلم على كفار العرب من قبل، وقالوا: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم.
فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] " حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: " كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم. فلما بعث الله محمدا ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال الله: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89] " حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] قال: كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم، وكانوا يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم في التوراة، ويسألون الله أن يبعثه فيقاتلوا معه العرب؛ فلما جاءهم محمد كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء قوله: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] قال: " كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبي صلى الله عليه وسلم، ويرجون أن يكون منهم. فلما خرج ورأوه ليس منهم كفروا، وقد عرفوا أنه الحق وأنه النبي، قال: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89] " قال: حدثنا ابن جريج، وقال مجاهد: " يستفتحون بمحمد صلى الله عليه وسلم تقول إنه يخرج {فلما جاءهم ما عرفوا} [البقرة: 89] وكان من غيرهم، {كفروا به} [البقرة: 89] " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: وقال ابن عباس: «كانوا يستفتحون على كفار العرب» حدثني المثنى، قال: حدثني الحماني، قال: حدثني شريك، عن أبي الحجاب، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير: " قوله: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] قال: هم اليهود عرفوا محمدا أنه نبي، وكفروا به " حدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " في قوله: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] قال: كانوا يستظهرون يقولون نحن نعين محمدا عليهم، وليسوا كذلك؛ يكذبون " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قول الله، عز وجل: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] قال: " كانت يهود يستفتحون على كفار العرب يقولون: أما والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى أحمد لكان لنا عليكم. وكانوا يظنون أنه منهم والعرب حولهم، وكانوا يستفتحون عليهم به ويستنصرون به {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] وحسدوه. وقرأ قول 02P242 الله جل ثناؤه: {كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 109] قال: قد تبين لهم أنه رسول، فمن هنالك نفع الله الأوس والخزرج بما كانوا يسمعون منهم أن نبيا خارج " فإن قال لنا قائل: فأين جواب قوله: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} [البقرة: 89] قيل: قد اختلف أهل العربية في جوابه، فقال بعضهم: هو مما ترك جوابه استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن. وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام، فتأتي بأشياء لها أجوبة فتحذف أجوبتها لاستغناء سامعيها بمعرفتهم بمعناها عن ذكر الأجوبة، كما قال جل ثناؤه: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا} [الرعد: 31] فترك جوابه. والمعنى: ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسيرت بهذا القرآن، استغناء بعلم السامعين بمعناه.
قالوا: فكذلك قوله: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} [البقرة: 89] . وقال آخرون: جواب قوله: {ولما جاءهم كتاب من عند الله} [البقرة: 89] في الفاء التي في قوله: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] وجواب الجزاءين في كفروا به كقولك: لما قمت فلما جئتنا أحسنت، بمعنى: لما جئتنا إذ قمت أحسنت 02P241
[البقرة: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89] قد دللنا فيما مضى على معنى اللعنة وعلى معنى الكفر بما فيه الكفاية. 02P243 فمعنى الآية: فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه المنكرين، لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ففي إخبار الله عز وجل عن اليهود بما أخبر الله عنهم بقوله: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] البيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد قيام الحجة بنبوته عليهم وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إليهم 02P242
[البقرة: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين} [البقرة: 90] ومعنى قوله جل ثناؤه: {بئسما اشتروا به أنفسهم} [البقرة: 90] ساء ما اشتروا به أنفسهم. وأصل بئس بئس من البؤس، سكنت همزتها ثم نقلت حركتها إلى الباء، كما قيل في ظللت ظلت، وكما قيل للكبد: كبد، فنقلت حركة الباء إلى الكاف لما سكنت الباء. وقد يحتمل أن تكون بئس وإن كان أصلها بئس من لغة الذين ينقلون حركة العين من فعل إلى الفاء إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق الستة، كما قالوا من لعب لعب، ومن سئم سئم، وذلك فيما يقال لغة فاشية في تميم، ثم جعلت دالة على الذم والتوبيخ ووصلت بما. واختلف أهل العربية في معنى ما التي مع بئسما، فقال بعض نحويي البصرة: هي وحدها اسم، وأن يكفروا تفسير له، نحو: نعم رجلا زيد، وأن ينزل الله بدل من أنزل الله. وقال بعض نحويي الكوفة: معنى ذلك: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، فما اسم بئس، وأن يكفروا الاسم الثاني. وزعم أن أن ينزل الله من فضله إن شئت جعلت أن في موضع رفع، وإن شئت في موضع خفض. أما الرفع: فبئس الشيء هذا إن فعلوه؛ وأما الخفض: فبئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا. قال: وقوله: {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم} [المائدة: 80] كمثل ذلك. والعرب تجعل ما وحدها في هذا الباب بمنزلة الاسم التام كقوله: {فنعما هي} [البقرة: 271] وبئسما أنت. واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الرجاز: [+البحر الرجز] لا تعجلا في السير وادلواها لبئسما بطء ولا نرعاها قال أبو جعفر: والعرب تقول: لبئسما تزويج ولا مهر، فيجعلون ما وحدها اسما بغير صلة. وقائل هذه المقالة لا يجيز أن يكون الذي يلي بئس معرفة مؤقتة وخبره معرفة مؤقتة. وقد زعم أن بئسما بمنزلة: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم، فقد صارت ما بصلتها اسما موقتا؛ لأن اشتروا فعل ماض من صلة ما في قول قائل هذه المقالة، وإذا وصلت بماض من الفعل كانت معرفة موقتة معلومة؛ فيصير تأويل الكلام حينئذ: بئس شراؤهم كفرهم، وذلك عنده غير جائز، فقد تبين فساد هذا القول. وكان آخر منهم يزعم أن أن في موضع خفض إن شئت، ورفع إن شئت، فأما الخفض فأن ترده على الهاء التي في به على التكرير على كلامين، كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكفر. وأما الرفع فأن يكون مكررا على موضع ما التي تلي بئس. قال: ولا يجوز أن يكون رفعا على قولك: بئس الرجل عبد الله. وقال بعضهم: بئسما شيء واحد يرافع ما بعده كما حكي عن العرب: بئسما تزويج ولا مهر، فرافع تزويج بئسما، كما يقال: بئسما زيد، وبئسما عمرو، فيكون بئسما رفعا بما عاد عليها من الهاء، كأنك قلت: بئس شيء الشيء اشتروا به أنفسهم، وتكون أن مترجمة عن بئسما.
وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من جعل بئسما مرفوعا بالراجع من الهاء في قوله {اشتروا به} [البقرة: 90] كما رفعوا ذلك بعبد الله إذ قالوا بئسما عبد الله وجعلوا أن يكفروا مترجمة عن بئسما فيكون معنى الكلام حينئذ بئس الشيء باع اليهود به أنفسهم كفرهم بما أنزل الله بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله وتكون أن التي في قوله {أن ينزل الله} [البقرة: 90] في موضع نصب لأنه يعني به أن يكفروا بما أنزل الله من أجل أن ينزل الله منفصلة على من يشاء من عباده وموضعه أن جر، وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أن أن في موضع خفض بنية الباء، وإنما اخترنا فيها النصب لتمني الخبر بعدها ولا خافض معها يخفضها والحرف الخافض لا يخفض مضمرا وأما قوله {اشتروا به أنفسهم} [البقرة: 90] فإنه يعني به باعوا أنفسهم كما حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {بئسما اشتروا به أنفسهم} [البقرة: 90] يقول: باعوا أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: " {بئسما اشتروا به أنفسهم} [البقرة: 90] يهود شروا الحق بالباطل وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه " والعرب تقول: شريته بمعنى بعته، واشتروا في هذا الموضع افتعلوا من شريت. وكلام العرب فيما بلغنا أن يقولوا: شريت بمعنى بعت، واشتريت بمعنى ابتعت. وقيل إنما سمي الشاري شاريا لأنه باع نفسه ودنياه بآخرته. ومن ذلك قول يزيد بن مفرغ الحميري: [+البحر الكامل] وشريت بردا ليتني من قبل برد كنت هامه ومنه قول المسيب بن علس: [+البحر الكامل] يعطى بها ثمنا فيمنعها ويقول صاحبها ألا تشري يعني به: بعت بردا. وربما استعمل اشتريت بمعنى بعت، 02P248 وشريت في معنى ابتعت، والكلام المستفيض فيهم هو ما وصفت وأما معنى قوله: {بغيا} [البقرة: 90] فإنه يعني به: تعديا وحسدا كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " {بغيا} [البقرة: 90] قال: أي حسدا، وهم اليهود " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {بغيا} [البقرة: 90] قال: بغوا على محمد صلى الله عليه وسلم وحسدوه، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل. فحسدوه أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {بغيا} [البقرة: 90] يعني حسدا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، وهم اليهود كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله قال أبو جعفر: فمعنى الآية: بئس الشيء باعوا به أنفسهم الكفر بالذي أنزل الله في كتابه على موسى من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والأمر بتصديقه واتباعه، من أجل أن أنزل الله من فضله، وفضله حكمته وآياته ونبوته على من يشاء من عباده، يعني به على محمد صلى الله عليه وسلم، بغيا وحسدا لمحمد صلى الله عليه وسلم، من أجل أنه كان من ولد إسماعيل، ولم يكن من بني إسرائيل. 02P249 فإن قال قائل: وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر فقيل: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله} [البقرة: 90] وهل يشترى بالكفر شيء؟ قيل: إن معنى الشراء والبيع عند العرب: هو إزالة مالك ملكه إلى غيره بعوض يعتاضه منه، ثم تستعمل العرب ذلك في كل معتاض من عمله عوضا شرا أو خيرا، فتقول: نعم ما باع به فلان نفسه، وبئس ما باع به فلان نفسه، بمعنى: نعم الكسب أكسبها وبئس الكسب أكسبها إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرا.
فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: {بئسما اشتروا به أنفسهم} [البقرة: 90] لما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأهلكوها، خاطبهم الله والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم فقال: {بئسما اشتروا به أنفسهم} [البقرة: 90] يعني بذلك: بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم، وبئس العوض اعتاضوا من كفرهم بالله في تكذيبهم محمدا، إذ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعد لهم، لو كانوا آمنوا بالله وما أنزل على أنبيائه، بالنار، وما أعد لهم بكفرهم بذلك. وهذه الآية وما أخبر الله فيها عن حسد اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم وقومه من العرب، من أجل أن الله جعل النبوة والحكمة فيهم دون اليهود من بني إسرائيل، حتى دعاهم ذلك إلى الكفر به مع علمهم بصدقه، وأنه نبي لله مبعوث ورسول مرسل؛ نظيره الآية الأخرى في سورة النساء، وذلك قوله، {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} [النساء: 52] 02P248
[البقرة: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} [البقرة: 90] قد ذكرنا تأويل ذلك وبينا معناه، ولكنا نذكر الرواية بتصحيح ما قلنا فيه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم: " قوله: {بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} [البقرة: 90] أي أن الله تعالى جعله في غيرهم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «هم اليهود، ولما بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة» حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، مثله حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثني موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " قالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن علي الأزدي، قال: «نزلت في اليهود» 02P250 [البقرة: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {فباءوا بغضب على غضب} [البقرة: 90] 02P251 يعني بقوله: {فباءوا بغضب على غضب} فرجعت اليهود من بني إسرائيل، بعد الذي كانوا عليه من الاستنصار بمحمد صلى الله عليه وسلم والاستفتاح به، وبعد الذي كانوا يخبرون به الناس من قبل مبعثه أنه نبي مبعوث، مرتدين على أعقابهم حين بعثه الله نبيا مرسلا، فباءوا بغضب من الله، استحقوه منه بكفرهم بمحمد حين بعث، وجحودهم نبوته، وإنكارهم إياه أن يكون هو الذي يجدون صفته في كتابهم عنادا منهم له وبغيا وحسدا له وللعرب {على غضب} [البقرة: 90] سالف كان من الله عليهم قبل ذلك سابق غضبه الثاني لكفرهم الذي كان قبل ذلك بعيسى ابن مريم، أو لعبادتهم العجل، أو لغير ذلك من ذنوب كانت لهم سلفت يستحقون بها الغضب من الله كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، فيما أروي عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: « {فباءوا بغضب على غضب} فالغضب على الغضب غضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، 02P252 عن أبي بكير، عن عكرمة: " {فباءوا بغضب على غضب} قال: كفر بعيسى وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن يمان، قال: ثنا سفيان، عن أبي بكير، عن عكرمة: " {فباءوا بغضب على غضب} قال: كفرهم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي بكير، عن عكرمة مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: " الناس يوم القيامة على أربعة منازل: رجل كان مؤمنا بعيسى وآمن بمحمد صلى الله عليهما فله أجران. ورجل كان كافرا بعيسى فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجر. ورجل كان كافرا بعيسى فكفر بمحمد، فباء بغضب على غضب. ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب، فمات بكفره قبل محمد صلى الله عليه وسلم فباء بغضب " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {فباءوا بغضب على غضب} غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وبعيسى، وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 02P253 مجاهد: " {فباءوا بغضب} اليهود بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم {على غضب} [البقرة: 90] جحودهم النبي صلى الله عليه وسلم وكفرهم بما جاء به " حدثنا المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {فباءوا بغضب على غضب} يقول: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضبه عليهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {فباءوا بغضب على غضب} أما الغضب الأول: فهو حين غضب الله عليهم في العجل، وأما الغضب الثاني: فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، وعطاء، وعبيد بن عمير: " قوله: {فباءوا بغضب على غضب} قال: غضب الله عليهم فيما كانوا فيه من قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم من تبديلهم وكفرهم، ثم غضب عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم إذ خرج فكفروا به " قال أبو جعفر: وقد بينا معنى الغضب من الله على من غضب عليه من خلقه واختلاف المختلفين في صفته فيما مضى من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته، والله تعالى أعلم 02P253
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?