Taberî — Câmiü'l-Beyân
واختلف أهل العربية في واحد «الأنعم» ، فقال بعض نحويي البصرة: جمع النعمة على أنعم، كما قال الله: {حتى إذا بلغ أشده} [الأحقاف: 15] ، فزعم أنه جمع الشدة وقال آخر منهم الواحد نعم، وقال: يقال: أيام طعم ونعم: أي نعيم، قال: فيجوز أن يكون معناها: فكفرت بنعيم الله لها واستشهد على ذلك بقول الشاعر: [+البحر الطويل] وعندي قروض الخير والشر كله فبؤس لذي بؤس ونعم بأنعم وكان بعض أهل الكوفة يقول: أنعم: جمع نعماء، مثل بأساء وأبؤس، وضراء وأضر، فأما الأشد فإنه زعم أنه جمع شد وقوله: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} [النحل: 112] يقول تعالى ذكره: فأذاق الله أهل هذه القرية لباس الجوع، وذلك جوع خالط أذاه أجسامهم، فجعل الله تعالى ذكره ذلك لمخالطته أجسامهم بمنزلة اللباس لها وذلك أنهم سلط عليهم الجوع سنين متوالية بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أكلوا العلهز والجيف قال أبو جعفر: والعلهز: الوبر يعجن بالدم والقراد يأكلونه، وأما الخوف فإن ذلك كان خوفهم من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت تطيف بهم. وقوله: {بما كانوا يصنعون} [المائدة: 14] يقول: بما كانوا يصنعون من الكفر بأنعم الله، ويجحدون آياته، ويكذبون رسوله وقال: {بما كانوا يصنعون} [المائدة: 14] وقد جرى الكلام من ابتداء الآية إلى هذا الموضع على وجه الخبر عن القرية، لأن الخبر وإن كان جرى في الكلام عن القرية استغناء بذكرها عن ذكر أهلها لمعرفة السامعين بالمراد منها، فإن المراد أهلها، فلذلك قيل: {بما كانوا يصنعون} [المائدة: 14] فرد الخبر إلى أهل القرية، وذلك نظير قوله: {فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} [الأعراف: 4] ولم يقل قائلة، وقد قال قبله: {فجاءها بأسنا} [الأعراف: 4] ، لأنه رجع بالخبر إلى الإخبار عن أهل القرية، ونظائر ذلك في القرآن كثيرة 14P386
[النحل: 113] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه، فأخذهم العذاب وهم ظالمون} [النحل: 113] يقول تعالى ذكره: ولقد جاء أهل هذه القرية التي وصف الله صفتها في هذه الآية التي قبل هذه الآية {رسول منهم} [النحل: 113] يقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، يقول: من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته، يدعوهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم {فكذبوه} [الأعراف: 64] ولم يقبلوا منه ما جاءهم به من عند الله. {فأخذهم العذاب} [النحل: 113] وذلك لباس الجوع والخوف مكان الأمن والطمأنينة والرزق الواسع 14P387 الذي كان قبل ذلك يرزقونه، وقتل بالسيف {وهم ظالمون} [النحل: 113] يقول: وهم مشركون، وذلك أنه قتل عظماؤهم يوم بدر بالسيف على الشرك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولقد جاءهم رسول منهم} [النحل: 113] إي والله، يعرفون نسبه وأمره {فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون} [النحل: 113] ، فأخذهم الله بالجوع، والخوف، والقتل " 14P387 [النحل: 114] القول في تأويل قوله تعالى: {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا، واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون} [النحل: 114] يقول تعالى ذكره: فكلوا أيها الناس مما رزقكم الله من بهائم الأنعام التي أحلها لكم حلالا طيبا مذكاة غير محرمة عليكم {واشكروا نعمة الله} يقول: واشكروا الله على نعمه التي أنعم بها عليكم في تحليله ما أحل لكم من ذلك، وعلى غير ذلك من نعمه {إن كنتم إياه تعبدون} [البقرة: 172] يقول: إن كنتم تعبدون الله، فتطيعونه فيما يأمركم وينهاكم، وكان بعضهم يقول: إنما عنى بقوله: {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} [النحل: 114] طعاما كان بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين من قومه في سني الجدب والقحط رقة عليهم، فقال الله تعالى للمشركين: فكلوا مما رزقكم الله من هذا الذي بعث به إليكم حلالا طيبا، وذلك تأويل بعيد مما يدل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن الله تعالى قد أتبع ذلك بقوله: {إنما حرم عليكم الميتة والدم} [البقرة: 173] الآية والتي بعدها، فبين بذلك أن قوله: {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} [النحل: 114] إعلام من الله عباده أن ما كان المشركون يحرمونه من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما قد بينا قبل فيما مضى لا معنى له، إذ كان ذلك من خطوات الشيطان، فإن كل ذلك حلال لم يحرم الله منه شيئا 14P388 [النحل: 115] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} [النحل: 115] يقول تعالى ذكره مكذبا المشركين الذين كانوا يحرمون ما ذكرنا من البحائر وغير ذلك: ما حرم الله عليكم أيها الناس إلا الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما ذبح للأنصاب فسمي عليه غير الله، لأن ذلك من ذبائح من لا يحل أكل ذبيحته، فمن اضطر إلى ذلك أو إلى شيء منه لمجاعة حلت فأكله {غير باغ ولا عاد، فإن الله غفور رحيم} [النحل: 115] يقول: ذو ستر عليه أن يؤاخذه بأكله ذلك في حال الضرورة، رحيم به أن يعاقبه عليه. وقد بينا اختلاف المختلفين في قوله: {غير باغ ولا عاد} [البقرة: 173] والصواب عندنا من القول في ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنما حرم 14P389 عليكم الميتة والدم} [البقرة: 173] الآية، قال: وإن الإسلام دين يطهره الله من كل سوء، وجعل لك فيه يا ابن آدم سعة إذا اضطررت إلى شيء من ذلك " قوله {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} [البقرة: 173] غير باغ في أكله، ولا عاد أن يتعدى حلالا إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة 14P388
[النحل: 116_117] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم} [النحل: 116_117] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب} [النحل: 116] فتكون تصف الكذب بمعنى: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب، فتكون «ما» بمعنى المصدر وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب) هذا بخفض الكذب، بمعنى: ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم، {هذا حلال وهذا حرام} [النحل: 116] فيجعل الكذب ترجمة عن «ما» التي في «لما» ، فتخفضه بما تخفض به «ما» وقد حكي عن بعضهم: (لما تصف ألسنتكم الكذب) يرفع «الكذب» ، فيجعل الكذب من صفة الألسنة، ويخرج على فعل على أنه جمع كذوب وكذب، مثل شكور وشكر. والصواب عندي من القراءة في ذلك نصب «الكذب» لإجماع الحجة من القراء عليه، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك لما ذكرنا: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم: هذا حلال، وهذا حرام، كي تفتروا على الله بقيلكم ذلك الكذب، فإن الله لم يحرم من ذلك ما تحرمون، ولا أحل كثيرا مما تحلون، ثم تقدم إليهم بالوعيد على كذبهم عليه، فقال: {إن الذين يفترون على الله الكذب} [يونس: 69] يقول: إن الذين يتخرصون على الله الكذب ويختلقونه، لا يخلدون في الدنيا ولا يبقون فيها، إنما يتمتعون فيها قليلا وقال: {متاع قليل} [آل عمران: 197] فرفع، لأن المعنى الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل، أو لهم متاع قليل في الدنيا. وقوله: {ولهم عذاب أليم} [البقرة: 10] يقول: ثم إلينا مرجعهم ومعادهم، ولهم على كذبهم وافترائهم على الله بما كانوا يفترون عذاب عند مصيرهم إليه أليم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: " {لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} [النحل: 116] في 14P391 البحيرة والسائبة " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: «البحائر والسوائب» 14P391 [النحل: 118] القول في تأويل قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل، وما ظلمناهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [النحل: 118] يقول تعالى ذكره: وحرمنا من قبلك يا محمد على اليهود ما أنبأناك به من قبل في سورة الأنعام، وذاك كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما، أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، {وما ظلمناهم} [هود: 101] بتحريمنا ذلك عليهم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [البقرة: 57] فجزيناهم ذلك ببغيهم على ربهم وظلمهم أنفسهم بمعصية الله، فأورثهم ذلك عقوبة الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله 14P392 : {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} [النحل: 118] قال: «في سورة الأنعام» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، في قوله: " {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} [النحل: 118] قال: في سورة الأنعام " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} [النحل: 118] قال: " ما قص الله تعالى في سورة الأنعام حيث يقول: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] الآية " 14P392
[النحل: 119] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة، ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا، إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل: 119] يقول تعالى ذكره: إن ربك للذين عصوا الله فجهلوا بركوبهم ما ركبوا من معصية الله، وسفهوا بذلك، ثم راجعوا طاعة الله، والندم عليها، والاستغفار، والتوبة منها من بعد ما سلف منهم ما سلف من ركوب المعصية، وأصلح، فعمل بما يحب الله ويرضاه، {إن ربك من بعدها} [الأعراف: 153] يقول: إن ربك يا محمد من بعد توبتهم له {لغفور رحيم} [الأنعام: 165] 14P392
[النحل: 120_121] القول في تأويل قوله تعالى : {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه، اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} [النحل: 120_121] يقول تعالى ذكره: إن إبراهيم خليل الله كان معلم خير يأتم به أهل الهدى {قانتا} [النحل: 120] يقول: مطيعا لله {حنيفا} [البقرة: 135] يقول: مستقيما على دين الإسلام ، {ولم يك من المشركين} [النحل: 120] يقول: ولم يك يشرك بالله شيئا، فيكون من أولياء أهل الشرك به، وهذا إعلام من الله تعالى أهل الشرك به من قريش أن إبراهيم منهم بريء، وأنهم منه براء {شاكرا لأنعمه} [النحل: 121] يقول: كان يخلص الشكر لله فيما أنعم عليه، ولا يجعل معه في شكره في نعمه عليه شريكا من الآلهة والأنداد وغير ذلك، كما يفعل مشركو قريش. {اجتباه} [النحل: 121] يقول: اصطفاه واختاره لخلته. {وهداه إلى صراط مستقيم} [النحل: 121] يقول: وأرشده إلى الطريق المستقيم، وذلك دين الإسلام، لا اليهودية ولا النصرانية. وبنحو الذي قلنا في معنى {أمة قانتا} [النحل: 120] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني زكريا بن يحيى، قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين، أنه جاء إلى عبد الله فقال: من نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رق له، فقال: أخبرني عن الأمة، قال: «الذي يعلم الناس الخير» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين، أنه سأل عبد الله بن 14P394 مسعود عن الأمة القانت، قال: " الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن منصور يعني ابن عبد الرحمن، عن الشعبي، قال: ثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: «إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا» فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله} [النحل: 120] فقال: تدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، قال: الأمة: الذي يعلم الخير، والقانت: المطيع لله ولرسوله، وكذلك كان معاذ بن جبل يعلم الخير، وكان مطيعا لله ولرسوله " حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة قال: سمعت فراسا يحدث، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود أنه، قال: " إن معاذا كان أمة قانتا لله، قال: فقال رجل من أشجع يقال له فروة بن نوفل: نسي، إنما ذاك إبراهيم، قال: فقال عبد الله: «من نسي، إنما كنا نشبهه بإبراهيم» قال: وسئل عبد الله عن الأمة، فقال: " معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله " حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق قال: قرأت عند عبد الله هذه الآية: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله} [النحل: 120] ، فقال: " كان معاذ أمة قانتا. قال: هل تدري ما الأمة؟
الأمة الذي يعلم الناس الخير، والقانت: الذي يطيع الله ورسوله " حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: ثنا ابن فضيل قال: ثنا بيان بن بشر البجلي، عن الشعبي قال: قال عبد الله: «إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين» فقال له رجل: نسيت قال: " لا، ولكنه شبيه إبراهيم، والأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع " حدثني علي بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن عون، عن الشعبي، في قوله: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا} [النحل: 120] قال: «مطيعا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، قال: قال عبد الله: «إن معاذا كان أمة قانتا معلم الخير» وذكر في الأمة أشياء مختلف فيها، قال: {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45] ، يعني: بعد حين، و {أمة وسطا} [البقرة: 143] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سعيد بن سابق، عن ليث، عن شهر بن حوشب، قال: «لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتخرج بركتها، إلا زمن إبراهيم، فإنه كان وحده» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا سيار، عن الشعبي، قال: وأخبرنا زكريا، ومجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود، نحو حديث يعقوب، عن ابن علية، وزاد فيه: " الأمة: الذي يعلم الخير ويؤتم به 14P396 ويقتدى به، والقانت: المطيع لله وللرسول ". قال له أبو فروة الكندي: إنك وهمت " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إن إبراهيم كان أمة} [النحل: 120] على حدة، {قانتا لله} [النحل: 120] ، قال: مطيعا ". حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه، قال: مطيعا لله في الدنيا قال ابن جريج: وأخبرني عويمر، عن سعيد بن جبير أنه، قال: " قانتا: مطيعا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله} [النحل: 120] قال: «كان إمام هدى، مطيعا، تتبع سنته وملته» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، أن ابن مسعود، قال: " إن معاذ بن جبل كان أمة قانتا قال غير قتادة: قال ابن مسعود: «هل تدرون ما الأمة؟ الذي يعلم الخير» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن 14P397 فراس، عن الشعبي، عن مسروق، قال: قرأت عند عبد الله بن مسعود: {إن إبراهيم كان أمة قانتا} [النحل: 120] ، فقال: " إن معاذا كان أمة قانتا، قال: فأعادوا، فأعاد عليهم، ثم قال: " أتدرون ما الأمة؟ الذي يعلم الناس الخير، والقانت: الذي يطيع الله " وقد بينا معنى الأمة ووجوهها ومعنى القانت باختلاف المختلفين فيه في غير هذا الموضع من كتابنا بشواهده، فأغنى بذلك عن إعادته في هذا الموضع 14P396
[النحل: 122] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتيناه في الدنيا حسنة، وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [النحل: 122] يقول تعالى ذكره: وآتينا إبراهيم على قنوته لله وشكره على نعمه وإخلاصه العبادة له في هذه الدنيا ذكرا حسنا وثناء جميلا باقيا على الأيام {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [البقرة: 130] يقول: وإنه في الدار الآخرة يوم القيامة لممن صلح أمره وشأنه عند الله، وحسنت فيها منزلته وكرامته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { 14P398 وآتيناه في الدنيا حسنة} [النحل: 122] قال: «لسان صدق» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وآتيناه في الدنيا حسنة} [النحل: 122] فليس من أهل دين إلا يتولاه ويرضاه " 14P398 [النحل: 123_124] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه، وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [النحل: 123_124] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ثم أوحينا إليك يا محمد وقلنا لك: اتبع ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة {حنيفا} [البقرة: 135] يقول: مسلما على الدين الذي كان عليه إبراهيم، بريئا من الأوثان والأنداد التي يعبدها قومك، كما كان إبراهيم تبرأ منها وقوله: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل: 124] يقول تعالى ذكره: ما فرض الله أيها الناس تعظيم يوم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو أعظم الأيام، لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سبت يوم السبت. وقال آخرون: بل أعظم الأيام يوم الأحد، لأنه اليوم الذي ابتدأ فيه 14P399 خلق الأشياء، فاختاروه وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فرض الله عليهم تعظيمه واستحلوه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل: 124] «اتبعوه وتركوا الجمعة» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إنما جعل السبت} [النحل: 124] قال: «أرادوا الجمعة فأخطئوا، فأخذوا السبت مكانه» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل: 124] «استحله بعضهم، وحرمه بعضهم» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، وسعيد بن جبير: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل: 124] قال: «باستحلالهم يوم السبت» حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [النحل: 124] قال: «كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطئوه، وأخذوا يوم السبت، فجعله عليهم» وقوله: {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [النحل: 124] يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد ليحكم بين هؤلاء المختلفين بينهم في استحلال السبت وتحريمه عند مصيرهم إليه يوم القيامة، فيقضي بينهم في ذلك وفي غيره مما كانوا فيه يختلفون في الدنيا بالحق، ويفصل بالعدل بمجازاة المصيب فيه جزاءه، والمخطئ فيه منهم ما هو أهله 14P400
[النحل: 125] القول في تأويل قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين} [النحل: 125] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ادع} [البقرة: 68] يا محمد من أرسلك إليه ربك بالدعاء إلى طاعته {إلى سبيل ربك} [النحل: 125] يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام {بالحكمة} [النحل: 125] يقول بوحي الله الذي يوحيه إليك وكتابه الذي ينزله عليك {والموعظة الحسنة} [النحل: 125] يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه، وذكرهم بها في تنزيله، كالتي عدد عليهم في هذه السورة من حججه، وذكرهم فيها ما ذكرهم من آلائه {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها، أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] «أعرض عن أذاهم إياك» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقوله: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} [النحل: 125] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن قصد السبيل من المختلفين في السبت وغيره من خلقه، وحاد الله، وهو أعلم بمن كان منهم سالكا قصد السبيل ومحجة الحق، وهو مجاز جميعهم جزاءهم عند ورودهم عليه 14P401
[النحل: 126] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: 126] يقول تعالى ذكره للمؤمنين: وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم، فعاقبوه بمثل الذي نالكم به ظالمكم من العقوبة، ولئن صبرتم عن عقوبته واحتسبتم عند الله ما نالكم به من الظلم ووكلتم أمره إليه حتى يكون هو المتولي عقوبته، {لهو خير للصابرين} [النحل: 126] يقول: للصبر عن عقوبته بذلك خير لأهل الصبر احتسابا وابتغاء ثواب الله، لأن الله يعوضه من الذي أراد أن يناله بانتقامه من ظالمه على ظلمه إياه من لذة الانتصار، وهو من قوله: {لهو} [آل عمران: 62] كناية عن الصبر وحسن ذلك، وإن لم يكن ذكر قبل ذلك الصبر لدلالة قوله: {ولئن صبرتم} [النحل: 126] عليه. وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية، وقيل: هي منسوخة أو محكمة؟ فقال بعضهم: نزلت من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أقسموا حين فعل المشركون يوم أحد ما فعلوا بقتلى المسلمين من التمثيل بهم أن يجاوزوا فعلهم في المثلة بهم إن رزقوا الظفر عليهم يوما، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية، وأمرهم أن يقتصروا في التمثيل بهم إن هم ظفروا على مثل الذي كان منهم، ثم أمرهم بعد ذلك بترك التمثيل وإيثار الصبر عنه بقوله: {واصبر وما صبرك إلا بالله} [النحل: 127] فنسخ بذلك عندهم ما كان أذن لهم فيه من المثلة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن عامر: أن المسلمين قالوا لما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد: «لئن ظهرنا عليهم لنفعلن ولنفعلن» ، فأنزل الله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: 126] قالوا: بل نصبر " حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا عبد الوهاب قال: ثنا داود، عن عامر 14P403 قال: لما رأى المسلمون ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد، من تبقير البطون وقطع المذاكير والمثلة السيئة، قالوا: «لئن أظفرنا الله بهم، لنفعلن ولنفعلن» ، فأنزل الله فيهم: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله} [النحل: 127] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: " نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية، إلا ثلاث آيات في آخرها نزلت في المدينة بعد أحد، حيث قتل حمزة ومثل به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلا منهم» ، فلما سمع المسلمون بذلك، قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: 126] إلى آخر السورة " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] قال المسلمون يوم أحد، فقال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] إلى قوله: {لهو خير للصابرين} [النحل: 126] ثم قال بعد: {واصبر وما صبرك إلا بالله} [النحل: 127] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: لما أصيب في أهل أحد المثل، فقال المسلمون: «لئن أصبناهم لنمثلن بهم» ، فقال الله 14P404 : {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: 126] ثم عزم وأخبر فلا يمثل، فنهي عن المثل، قال: مثل الكفار بقتلى أحد، إلا حنظلة بن الراهب، كان الراهب أبو عامر مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك ".
وقال آخرون: نسخ ذلك بقوله في براءة: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} قالوا: وإنما قال: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] خبرا من الله للمؤمنين أن لا يبدءوهم بقتال حتى يبدءوهم به، فقال: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] قال: " هذا خبر من الله نبيه أن يقاتل من قاتله، قال: ثم نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم، قال: فهذا من المنسوخ ". 14P405 وقال آخرون: بل عنى الله تعالى بقوله: {واصبر وما صبرك إلا بالله} [النحل: 127] نبي الله خاصة دون سائر أصحابه، فكان الأمر بالصبر له عزيمة من الله دونهم ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] قال: " أمرهم الله أن يعفوا عن المشركين، فأسلم رجال لهم منعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب فنزل القرآن: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: 126] واصبر أنت يا محمد، ولا تكن في ضيق ممن ينتصر، وما صبرك إلا بالله، ثم نسخ هذا وأمره بجهادهم، فهذا كله منسوخ ". وقال آخرون: لم يعن بهاتين الآيتين شيء مما ذكر هؤلاء، وإنما عني بهما أن من ظلم بظلامة فلا يحل له أن ينال ممن ظلمه أكثر مما نال الظالم منه، وقالوا: الآية محكمة غير منسوخة ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري ، عن خالد، عن ابن سيرين: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] يقول: « 14P406 إن أخذ منك رجل شيئا، فخذ منه مثله» حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: «إن أخذ منك شيئا فخذ منه مثله» . قال الحسن: قال عبد الرزاق: قال سفيان: ويقولون: إن أخذ منك دينارا فلا تأخذ منه إلا دينارا، وإن أخذ منك شيئا فلا تأخذ منه إلا مثل ذلك الشيء حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] «لا تعتدوا» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر من عوقب من المؤمنين بعقوبة أن يعاقب من عاقبه بمثل الذي عوقب به، إن اختار عقوبته، وأعلمه أن الصبر على ترك عقوبته على ما كان منه إليه خير، وعزم على نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر، وذلك أن ذلك هو ظاهر التنزيل، والتأويلات التي ذكرناها عمن ذكروها عنه محتملتها الآية كلها فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة على أي ذلك عنى بها من خبر ولا عقل كان الواجب علينا الحكم بها إلى 14P407 ناطق لا دلالة عليه، وأن يقال: هي آية محكمة أمر الله تعالى ذكره عباده أن لا يتجاوزوا فيما وجب لهم قبل غيرهم من حق من مال أو نفس الحق الذي جعله الله لهم إلى غيره، وأنها غير منسوخة، إذ كان لا دلالة على نسخها، وأن للقول بأنها محكمة وجها صحيحا مفهوما 14P406
[النحل: 127] القول في تأويل قوله تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يمكرون} [النحل: 127] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واصبر يا محمد على ما أصابك من أذى في الله {وما صبرك إلا بالله} [النحل: 127] يقول: وما صبرك إن صبرت إلا بمعونة الله وتوفيقه إياك لذلك {ولا تحزن عليهم} [الحجر: 88] يقول: ولا تحزن على هؤلاء المشركين الذين يكذبونك وينكرون ما جئتهم به في أن ولوا عنك وأعرضوا عما أتيتهم به من النصيحة {ولا تك في ضيق مما يمكرون} [النحل: 127] يقول: ولا يضق صدرك بما يقولون من الجهل ونسبتهم ما جئتهم به إلى أنه سحر أو شعر أو كهانة {مما يمكرون} [النحل: 127] مما يحتالون بالخدع في الصد عن سبيل الله من أراد الإيمان بك والتصديق بما أنزل الله إليك. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء العراق: {ولا تك في ضيق} [النحل: 127] بفتح الضاد في الضيق على المعنى الذي وصفت من تأويله وقراءة بعض قراء أهل المدينة: (ولا تك في ضيق) بكسر الضاد. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه: {في ضيق} [النحل: 127] بفتح الضاد، لأن الله تعالى إنما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يضيق صدره مما يلقى من أذى المشركين على تبليغه إياهم وحي الله وتنزيله، فقال له: {فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به} [الأعراف: 2] ، وقال: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، إنما أنت نذير} [هود: 12] ، وإذ كان ذلك هو الذي نهاه تعالى ذكره، ففتح الضاد هو الكلام المعروف من كلام العرب في ذلك المعنى، تقول العرب: في صدري من هذا الأمر ضيق، وإنما تكسر الضاد في الشيء المعاش وضيق المسكن ونحو ذلك فإن وقع الضيق بفتح الضاد في موضع الضيق بالكسر، كان على الذي يتسع أحيانا ويضيق من قلة أحد وجهين، إما على جمع الضيقة، كما قال أعشى بني ثعلبة: [+البحر الرمل] فلئن ربك من رحمته كشف الضيقة عنا وفسح والآخر على تخفيف الشيء الضيق، كما يخفف الهين اللين، فيقال: هو هين لين 14P409 [النحل: 128] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] يقول تعالى ذكره: {إن الله} [البقرة: 20] يا محمد {مع الذين اتقوا} [النحل: 128] الله في محارمه فاجتنبوها، وخافوا عقابه عليها، فأحجموا عن التقدم عليها {والذين هم محسنون} [النحل: 128] يقول: وهو مع الذين يحسنون رعاية فرائضه والقيام بحقوقه ولزوم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] قال: «اتقوا الله فيما حرم عليهم، وأحسنوا فيما افترض عليهم» . حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن الحسن، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا، أن هرم بن حيان العبدي لما حضره الموت، قيل له: أوص، قال: " ما أدري ما أوصي، ولكن 14P410 بيعوا درعي فاقضوا عني ديني، فإن لم تف فبيعوا فرسي، فإن لم يف فبيعوا غلامي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين. وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم " لما نزلت هذه الآية، قال: «بل نصبر» [017] سورة الإسراء مكية وآياتها إحدى عشرة ومائة بسم الله الرحمن الرحيم 14P411
[الإسراء: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1] قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: يعني تعالى ذكره بقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} [الإسراء: 1] تنزيها للذي أسرى بعبده وتبرئة له مما يقول فيه المشركون من أن له من خلقه شريكا وأن له صاحبة وولدا، وعلوا له وتعظيما عما أضافوه إليه، ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم. وقد بينت فيما مضى قبل أن قوله {سبحان} [الإسراء: 1] اسم وضع موضع المصدر فنصب لوقوعه موقعه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد كان بعضهم يقول: نصب لأنه غير موصوف، وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها. فمنها الصلاة، كان كثير من أهل التأويل يتأولون قول الله: {فلولا أنه كان من المسبحين} [الصافات: 143] فلولا أنه كان من المصلين. ومنها الاستثناء، كان بعضهم يتأول قول الله تعالى: {ألم أقل لكم لولا تسبحون} [القلم: 28] لولا تستثنون، وزعم أن ذلك لغة لبعض أهل اليمن، ويستشهد لصحة تأويله ذلك بقوله: {إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون} [القلم: 18] قال: {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون} [القلم: 28] فذكرهم تركهم الاستثناء. ومنها النور، وكان بعضهم يتأول في الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا ذلك لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء» أنه عنى بقوله: سبحات وجهه: نور وجهه. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: {سبحان الذي أسرى بعبده} [الإسراء: 1] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن التسبيح أن يقول الإنسان: سبحان الله، قال: «إنزاه الله عن السوء» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن الحسن بن صالح، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: سبحان الله: قال: إنكاف لله 14P413 وقد ذكرنا من الآثار في ذلك ما فيه الكفاية فيما مضى من كتابنا هذا قبل. والإسراء والسرى: سير الليل. فمن قال: أسرى، قال: يسري إسراء، ومن قال: سرى، قال: يسري سرى، كما قال الشاعر: [+البحر الرجز] وليلة ذات دجى سريت ولم يلتني عن سراها ليت ويروى: ذات ندى سريت ويعني بقوله: {ليلا} [يونس: 24] من الليل. وكذلك كان حذيفة بن اليمان يقرؤها حدثنا أبو كريب، قال: سمعت أبا بكر بن عياش، ورجل، يحدث عنده بحديث حين أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: لا تجيء بمثل عاصم ولا زر، قال: قرأ حذيفة: (سبحان الذي أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) وكذا قرأ عبد الله وأما قوله: {من المسجد الحرام} [الإسراء: 1] فإنه اختلف فيه وفي معناه، فقال بعضهم: يعني من الحرم، وقال: الحرم كله مسجد. وقد بينا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا. وقال: وقد ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى كان نائما في بيت أم هانئ ابنة أبي طالب ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن السائب، عن أبي صالح باذام، عن أم هانئ بنت أبي طالب، في مسرى النبي صلى الله عليه وسلم، أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: «يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين» وقال آخرون: بل أسري به من المسجد، وفيه كان حين أسري به.
ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر بن عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، وهو رجل من 14P415 قومه قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة، فأتيت بطست من ذهب فيها من ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا " قال قتادة: قلت: ما يعني به؟ قال: إلى أسفل بطنه، قال: «فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيمانا وحكمة، ثم أتيت بدابة أبيض» وفي رواية أخرى: «بدابة بيضاء يقال له البراق، فوق الحمار ودون البغل، يقع خطوه منتهى طرفه، فحملت عليه ، ثم انطلقنا حتى أتينا إلى بيت المقدس فصليت فيه بالنبيين والمرسلين إماما، ثم عرج بي إلى السماء الدنيا» . فذكر الحديث. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك يعني ابن صعصعة رجل من قومه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة رجل من قومه، قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: ثني عمرو 14P416 بن عبد الرحمن، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعي، فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه، فجلست فأخذ بعضدي فقمت معه، فخرج بي إلى باب المسجد، فإذا دابة بيضاء بين الحمار والبغل، له في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع يده في منتهى طرفه، فحملني عليه ثم خرج معي، لا يفوتني ولا أفوته» حدثنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، قال: سمعت أنسا، يحدثنا عن ليلة المسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ قال أوسطهم: هو خيرهم، فقال أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه والنبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه، ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبرئيل عليه 14P417 السلام، فشق ما بين نحره إلى لبته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه، ثم أتي بطست من ذهب فيه تور محشو إيمانا وحكمة، فحشا به جوفه وصدره ولغاديده، ثم أطبقه ثم ركب البراق، فسار حتى أتى به إلى بيت المقدس فصلى فيه بالنبيين والمرسلين إماما، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ قال: هذا جبرائيل، قيل: من معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبا به وأهلا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله بأهل الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبرائيل: هذا أبوك، فسلم عليه، فرد عليه، فقال: مرحبا بك وأهلا يا بني، فنعم الابن أنت، ثم مضى به إلى السماء الثانية، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ فقال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قد أرسل إليه، فقيل: مرحبا به وأهلا، ففتح لهما، فلما صعد فيها فإذا هو بنهرين يجريان، فقال: ما هذان النهران يا جبرائيل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم، قد بعث إليه، قيل: مرحبا به وأهلا، ففتح له، فإذا هو 14P418 بنهر عليه قباب وقصور من لؤلؤ وزبرجد وياقوت وغير ذلك ما لا يعلمه إلا الله، فذهب يشم ترابه، فإذا هو مسك أذفر، فقال: يا جبرائيل ما هذا النهر؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك في الآخرة، ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا به مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك وكل سماء فيها أنبياء قد سماهم أنس فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلامه الله ، فقال موسى: رب لم أظن أن يرفع علي أحد ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا باب الجبار رب العزة، فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده 14P419 ما شاء، وأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه، فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال: «عهد إلي خمسين صلاة على أمتي كل يوم وليلة» ، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك وعنهم، فالتفت إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه أن نعم، فعاد به جبرائيل حتى أتى الجبار عز وجل وهو مكانه، فقال: «رب خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا» فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى عليه السلام فاحتبسه، فلم يزل يرده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه عند الخمس، فقال: يا محمد قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من هذه الخمس فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت إلى جبرئيل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبرئيل، فرفعه عند الخمس، فقال: «يا رب إن أمتي ضعاف أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فخفف عنا» ، قال الجبار جل جلاله: يا محمد، قال: «لبيك وسعديك» ، فقال: إني لا يبدل القول لدي كما كتبت عليك في أم الكتاب، ولك بكل حسنة عشر أمثالها، وهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فقال: «خفف عني أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها» ، قال: قد والله راودني بني إسرائيل على أدنى من هذا فتركوه فارجع 14P420 فليخفف عنك أيضا، قال: «يا موسى قد والله استحييت من ربي مما أختلف إليه» ، قال: فاهبط باسم الله، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله عز وجل أخبر أنه أسرى بعبده من المسجد الحرام، والمسجد الحرام هو الذي يتعارفه الناس بينهم إذا ذكروه، وقوله: {إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1] يعني: مسجد بيت المقدس، وقيل له: الأقصى، لأنه أبعد المساجد التي تزار، وينبغي في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام. فتأويل الكلام تنزيها لله، وتبرئة له مما نحله المشركون من الإشراك والأنداد والصاحبة، وما يجل عنه جل جلاله، الذي سار بعبده ليلا من بيته الحرام إلى بيته الأقصى. ثم اختلف أهل العلم في صفة إسراء الله تبارك وتعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقال بعضهم: أسرى الله بجسده، فسار به ليلا على البراق من بيته الحرام إلى بيته الأقصى حتى أتاه، فأراه ما شاء أن يريه من عجائب أمره وعبره وعظيم سلطانه، فجمعت له به الأنبياء، فصلى بهم هنالك، 14P421 وعرج به إلى السماء حتى صعد به فوق السماوات السبع، وأوحى إليه هنالك ما شاء أن يوحي ثم رجع إلى المسجد الحرام من ليلته، فصلى به صلاة الصبح.
ذكر من قال ذلك وذكر بعض الروايات التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيحه: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني ابن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به على البراق، وهي دابة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام، يقع حافرها موضع طرفها، قال: فمرت بعير من عيرات قريش بواد من تلك الأودية، فنفرت العير، وفيها بعير عليه غرارتان: سوداء، وزرقاء، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إيلياء فأتي بقدحين: قدح خمر، وقدح لبن، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدح اللبن، فقال له جبرئيل: هديت إلى الفطرة، لو أخذت قدح الخمر غوت أمتك. قال ابن شهاب: فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي هناك إبراهيم وعيسى، فنعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «فأما موسى فضرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة، وأما عيسى فرجل أحمر كأنما خرج من ديماس، فأشبه من رأيت به عروة بن مسعود الثقفي، وأما إبراهيم فأنا أشبه ولده به» ، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدث قريشا أنه أسري به قال عبد الله: فارتد ناس كثير بعدما أسلموا، 14P422 قال أبو سلمة: فأتى أبو بكر الصديق، فقيل له: هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة واحدة، قال أبو بكر: أوقال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: فأشهد إن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة؟ قال: إني أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء. قال أبو سلمة: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما كذبتني قريش قمت فمثل الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن أنس بن مالك، قال: لما جاء جبرائيل عليه السلام بالبراق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنها ضربت بذنبها، فقال لها جبرئيل: مه يا براق، فوالله إن ركبك مثله، فسار 14P423 رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو بعجوز ناء عن الطريق: أي على جنب الطريق قال أبو جعفر: ينبغي أن يقال: نائية، ولكن أسقط منها التأنيث فقال: «ما هذه يا جبرائيل؟ » قال: سر يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير، فإذا شيء يدعوه متنحيا عن الطريق يقول: هلم يا محمد، قال جبرائيل: سر يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير، قال: ثم لقيه خلق من الخلائق، فقال أحدهم: السلام عليك يا أول، والسلام عليك يا آخر، والسلام عليك يا حاشر، فقال له جبرائيل: اردد السلام يا محمد، قال: فرد السلام، ثم لقيه الثاني، فقال له مثل مقالة الأولين حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء واللبن والخمر، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن، فقال له جبرائيل: أصبت يا محمد الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك.
ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، ثم قال له جبرائيل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا إلا بقدر ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه، فذاك عدو الله إبليس، أراد أن تميل إليه، وأما الذين سلموا عليك، فذاك إبراهيم وموسى وعيسى حدثني علي بن سهل، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة، أو غيره شك أبو جعفر في قول الله عز وجل: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1] قال: جاء جبرائيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ميكائيل، فقال جبرائيل لميكائيل: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح له صدره، قال: فشق عن بطنه، فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طسات من ماء زمزم، فشرح صدره، ونزع ما كان فيه من غل، وملأه حلما وعلما وإيمانا ويقينا وإسلاما، وختم بين كتفيه بخاتم النبوة، ثم أتاه بفرس فحمل عليه كل خطوة منه منتهى طرفه وأقصى بصره قال: فسار وسار معه جبرائيل عليه السلام، فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا جبرائيل ما هذا؟ » قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبع مائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين، ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: «ما هؤلاء يا جبرائيل؟ » قال: 14P425 هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة، ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والغنم، ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قال: «ما هؤلاء يا جبرائيل؟ » قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله شيئا، وما الله بظلام للعبيد، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدور، ولحم آخر نيء قذر خبيث، فجعلوا يأكلون من النيء، ويدعون النضيج الطيب، فقال: «ما هؤلاء يا جبرئيل؟ » قال: هذا الرجل من أمتك، تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا، فتأتي رجلا خبيثا، فتبيت معه حتى تصبح. قال: ثم أتى على خشبة في الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته، قال: «ما هذا يا جبرائيل؟ » قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه. ثم قرأ: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون} [الأعراف: 86] الآية ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد 14P426 عليها، فقال: «ما هذا يا جبرائيل؟ » قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يزيد عليها، ويريد أن يحملها، فلا يستطيع ذلك، ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: «ما هؤلاء يا جبرائيل؟ » فقال: هؤلاء خطباء أمتك خطباء الفتنة يقولون ما لا يفعلون، ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، فقال: «ما هذا يا جبرائيل؟ » قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة، ثم يندم عليها، فلا يستطيع أن يردها، ثم أتى على واد، فوجد ريحا طيبة باردة، وفيه ريح المسك، وسمع صوتا، فقال: «يا جبرائيل ما هذا الريح الطيبة الباردة وهذه الرائحة التي كريح المسك، وما هذا الصوت؟
» قال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب آتني ما وعدتني، فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي وعبقريي ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي ونخلي ورماني، ولبني وخمري، فآتني ما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي، وعمل صالحا ولم يشرك بي، ولم يتخذ من دوني أندادا، ومن خشيني فهو آمن، 14P427 ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل علي كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين، قالت: قد رضيت، ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا، ووجد ريحا منتنة، فقال: وما هذه الريح يا جبرئيل وما هذا الصوت؟ " قال: هذا صوت جهنم، تقول: يا رب آتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وجحيمي وضريعي وغساقي وعذابي وعقابي، وقد بعد قعري واشتد حري، فآتني ما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت، قال: ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فنزل فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة. قالوا: يا جبرئيل من هذا معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: ثم لقي أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم: الحمد لله الذي اتخذني خليلا وأعطاني ملكا عظيما، وجعلني أمة قانتا لله يؤتم بي، وأنقذني من النار، وجعلها علي بردا وسلاما، ثم إن موسى أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليما، وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قوما يهدون بالحق وبه يعدلون، ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي جعل لي 14P428 ملكا عظيما وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب، ثم إن سليمان أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح، وسخر لي الشياطين، يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب، وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلا، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي ملكا طيبا ليس علي فيه حساب. ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعل مثلي مثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير، فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص، وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني، وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل، قال: ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه، فقال: «كلكم أثنى على ربه، وأنا مثن على ربي» ، فقال: «الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي وسطا، وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا خاتما» قال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد قال أبو جعفر وهو الرازي: خاتم النبوة، وفاتح بالشفاعة يوم القيامة 14P429 ثم أتي إليه بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأتي بإناء منها فيه ماء، فقيل: اشرب، فشرب منه يسيرا، ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل له: اشرب، فشرب منه حتى روي، ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب، فقال: «لا أريده قد رويت» فقال له جبرائيل صلى الله عليه وسلم: أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا القليل، ثم عرج به إلى سماء الدنيا، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ فقال: محمد، قالوا: أوقد أرسل إليه؟
قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من خلق الناس، على يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن، فقلت: «يا جبرائيل من هذا الشيخ التام الخلق الذي لم ينقص من خلقه شيء، وما هذان البابان؟ » قال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر إلى من يدخله من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر إلى من يدخله من ذريته بكى وحزن، ثم صعد به جبرئيل صلى الله عليه وسلم إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا؟ 14P430 قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد رسول الله، فقالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فإذا هو بشابين، فقال: «يا جبرائيل من هذان الشابان؟ » قال: هذا عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا ابنا الخالة، قال: فصعد به إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبرائيل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد قالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل قد فضل على الناس كلهم في الحسن كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال: «من هذا يا جبرائيل الذي فضل على الناس في الحسن؟ » قال: هذا أخوك يوسف، ثم صعد به إلى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد قالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل، قال: «من هذا يا جبرائيل؟ » قال: هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا ثم صعد به إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبرائيل، فقالوا: من هذا؟ فقال: جبرائيل، قالوا: ومن معك؟ قال : محمد، قالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، 14P431 قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، ثم دخل فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقص عليهم، قال: «من هذا يا جبرائيل ومن هؤلاء الذين حوله؟ » قال: هذا هارون المحبب في قومه، وهؤلاء بنو إسرائيل، ثم صعد به إلى السماء السادسة، فاستفتح جبرائيل، فقيل له: من هذا؟ قال: جبرائيل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، فإذا هو برجل جالس، فجاوزه، فبكى الرجل، فقال: «يا جبرائيل من هذا؟ » قال: موسى، قال: «فما باله يبكي؟ » قال: تزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا، وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه لم أبال، ولكن مع كل نبي أمته، ثم صعد به إلى السماء السابعة، فاستفتح جبرائيل، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أرسل إليه؟
قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي، 14P432 وعنده قوم جلوس بيض الوجوه، أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرا آخر، فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص، من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، فصارت مثل ألوان أصحابهم، فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم فقال: «يا جبرائيل من هذا الأشمط، ثم من هؤلاء البيض وجوههم، ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، وما هذه الأنهار التي دخلوا فجاءوا وقد صفت ألوانهم؟ » قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه: فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فتابوا، فتاب الله عليهم، وأما الأنهار: فأولها رحمة الله، وثانيها: نعمة الله، والثالث: سقاهم ربهم شرابا طهورا. قال: ثم انتهى إلى السدرة، فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على سنتك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها، والورقة منها مغطية للأمة كلها، قال: فغشيها نور الخلاق عز وجل، وغشيتها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة، قال: فكلمه عند ذلك، فقال له: سل، فقال: «اتخذت إبراهيم خليلا وأعطيته ملكا عظيما، وكلمت موسى تكليما، وأعطيت 14P433 داود ملكا عظيما وألنت له الحديد وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت له الجن والإنس والشياطين، وسخرت له الرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل» . فقال له ربه: قد اتخذتك حبيبا وخليلا، وهو مكتوب في التوراة: حبيب الله، وأرسلتك إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك أمة وسطا، وجعلت أمتك هم الأولون والآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقا، وآخرهم بعثا، وأولهم يقضى له، وأعطيتك سبعا من المثاني، لم يعطها نبي قبلك، وأعطيتك الكوثر، وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة، والجهاد، والصدقة، والصلاة، وصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجعلتك فاتحا وخاتما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فضلني ربي بست: أعطاني فواتح الكلم وخواتيمه، وجوامع الحديث، وأرسلني إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا، وقذف في قلوب عدوي الرعب من مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض كلها طهورا ومسجدا، 14P434 قال: وفرض علي خمسين صلاة "، فلما رجع إلى موسى، قال: بم أمرت يا محمد، قال: «بخمسين صلاة» ، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرا، ثم رجع إلى موسى، فقال: بكم أمرت؟ قال: «بأربعين» ، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع إلى ربه، فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرا، فرجع إلى موسى، فقال: بكم أمرت؟ قال: «أمرت بثلاثين» ، فقال له موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع إلى ربه فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرا، فرجع إلى موسى فقال: بكم أمرت؟
قال: «بعشرين» ، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع إلى ربه فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرا، فرجع إلى موسى، فقال: بكم أمرت؟ قال: «بعشر» ، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع على حياء إلى ربه فسأله التخفيف، فوضع عنه خمسا، فرجع إلى موسى، فقال: بكم أمرت؟ قال: «بخمس» ، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: «قد رجعت إلى ربي حتى استحييت فما أنا راجع إليه» ، فقيل له: أما إنك كما صبرت نفسك على خمس 14P435 صلوات فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة فإن كل حسنة بعشر أمثالها، قال: فرضي محمد صلى الله عليه وسلم كل الرضا، فكان موسى أشدهم عليه حين مر به، وخيرهم له حين رجع إليه حدثني محمد بن عبيد الله، قال: أخبرنا أبو النضر هاشم بن القاسم، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره شك أبو جعفر عن أبي هريرة في قوله: {سبحان الذي أسرى بعبده} [الإسراء: 1] . إلى قوله: {إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1] قال: جاء جبرائيل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحو حديث علي بن سهل، عن حجاج، إلا أنه، قال: جاء جبرائيل ومعه ميكائيل، وقال فيه: وإذا بقوم يسرحون كما تسرح الأنعام يأكلون الضريع والزقوم، وقال في كل موضع قال علي: «ما هؤلاء» من هؤلاء يا جبرئيل «، وقال في موضع» تقرض ألسنتهم «تقص ألسنتهم» ، وقال أيضا في موضع قال علي فيه: «ونعم الخليفة» . قال في ذكر الخمر، فقال: « 14P436 لا أريده قد رويت» ، قال جبرئيل: قد أصبت الفطرة يا محمد، إنها ستحرم على أمتك، وقال في سدرة المنتهى أيضا: هذه السدرة المنتهى، إليها ينتهي كل أحد خلا على سبيلك من أمتك، وقال أيضا في الورقة منها: «تظل الخلق كلهم تغشاها الملائكة مثل الغربان حين يقعن على الشجرة، من حب الله عز وجل» وسائر الحديث مثل حديث علي حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، وحدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، قال: أخبرنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، واللفظ لحديث الحسن بن يحيى، في قوله: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1] قال: ثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به فقال نبي الله: " أتيت بدابة هي أشبه الدواب بالبغل له أذنان مضطربتان وهو البراق، وهو الذي كان تركبه الأنبياء قبلي، فركبته، فانطلق بي يضع يده عند منتهى بصره، فسمعت نداء عن يميني: يا محمد على رسلك أسألك، فمضيت ولم أعرج عليه، ثم سمعت نداء عن شمالي: يا محمد على رسلك أسألك، فمضيت ولم أعرج عليه، ثم استقبلت امرأة في الطريق، فرأيت عليها من كل زينة من زينة 14P437 الدنيا رافعة يدها، تقول: يا محمد على رسلك أسألك، فمضيت ولم أعرج عليها، ثم أتيت بيت المقدس، أو قال المسجد الأقصى، فنزلت عن الدابة فأوثقتها بالحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها، ثم دخلت المسجد فصليت فيه، فقال له جبرائيل: ماذا رأيت في وجهك، فقلت: سمعت نداء عن يميني أن يا محمد على رسلك أسألك، فمضيت ولم أعرج عليه، قال: ذاك داعي اليهود، أما لو أنك وقفت عليه لتهودت أمتك، قال: ثم سمعت نداء عن يساري أن يا محمد على رسلك أسألك، فمضيت ولم أعرج عليه، قال: ذاك داعي النصارى، أما إنك لو وقفت عليه لتنصرت أمتك، قلت: ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة من زينة الدنيا رافعة يدها تقول على رسلك أسألك، فمضيت ولم أعرج عليها، قال: تلك الدنيا تزينت لك، أما إنك لو وقفت عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة، ثم أتيت بإناءين أحدهما فيه لبن، والآخر فيه خمر، فقيل لي: اشرب أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربته، قال: أصبت الفطرة أو قال: أخذت الفطرة " قال معمر: وأخبرني الزهري عن ابن المسيب أنه قيل له: أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك.
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?