Taberî — Câmiü'l-Beyân
فتأويل الكلام إذن: فناداها المولود من تحتها ألا تحزني يا أمه {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {فناداها من تحتها ألا تحزني} [مريم: 24] قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند الناس {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} [مريم: 23] فقال لها عيسى: أنا 15P506 أكفيك الكلام اختلف أهل التأويل في المعني بالسري في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به: النهر الصغير ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] قال: الجدول حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] قال: الجدول حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] وهو نهر عيسى حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] قال: السري: النهر 15P507 الذي كان تحت مريم حين ولدته كان يجري يسمى سريا حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال في هذه الآية: {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] قال: السري: نهر يشرب منه حدثنا يعقوب وأبو كريب، قالا: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، في قوله: {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] قال: هو الجدول حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {سريا} [مريم: 24] قال: نهر بالسريانية حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله قال ابن جريج: نهر إلى جنبها حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، في قوله {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] قال: كان سريا فقال حميد بن عبد الرحمن: إن السري: الجدول ، فقال: غلبتنا عليك الأمراء حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي 15P508 حصين، عن سعيد بن جبير، {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] قال: هو الجدول، النهر الصغير، وهو بالنبطية: السري حدثني أبو حميد الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان قال: سألت سعيد بن جبير، عن السري، قال: نهر حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: النهر الصغير حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال: هو النهر الصغير: يعني الجدول، يعني قوله {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: جدول صغير بالسريانية حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله {تحتك سريا} [مريم: 24] الجدول الصغير من الأنهار حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] والسري: هو الجدول، تسميه أهل الحجاز حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله {سريا} [مريم: 24] قال: هو جدول حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم وعن وهب بن منبه، {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] يعني ربيع الماء حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] والسري: هو النهر وقال آخرون: عنى به عيسى ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] والسري: عيسى نفسه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] يعني نفسه، قال: وأي شيء أسرى منه، قال: والذين يقولون: السري: هو النهر ليس كذلك النهر، لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، ولا يكون النهر تحتها قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قيل من قال: عنى به الجدول، وذلك أنه أعلمها ما قد أعطاها الله من الماء الذي جعله عندها، وقال لها {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي} [مريم: 26] من هذا الرطب {واشربي} [مريم: 26] من هذا الماء {وقري عينا} [مريم: 26] بولدك، والسري معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير، ومنه قول لبيد: [+البحر الكامل] فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاورا قلامها ويروى: مثلما مسجورة، ويروى أيضا: فغادرا قوله: {وهزي إليك بجذع النخلة} [مريم: 25] ذكر أن الجذع كان جذعا يابسا، وأمرها أن تهزه، وذلك في أيام الشتاء، وهزها إياه كان تحريكه، كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله 15P511 : {وهزي إليك بجذع النخلة} [مريم: 25] قال: حركيها ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {وهزي إليك بجذع النخلة} [مريم: 25] قال: كان جذعا يابسا، فقال لها: هزيه {تساقط عليك رطبا جنيا} [مريم: 25] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك، يقول: كانت نخلة يابسة حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه، يقول في قوله: {وهزي إليك بجذع النخلة} [مريم: 25] فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وهزي إليك بجذع النخلة} [مريم: 25] وكان جذعا منها مقطوعا فهزته، فإذا هو نخلة، وأجري لها في المحراب نهر، فتساقطت النخلة رطبا جنيا فقال لها: {كلي واشربي وقري عينا} وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزي إليك بالنخلة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: قال مجاهد {وهزي إليك بجذع النخلة} [مريم: 25] قال: النخلة حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد ، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد، في قوله {وهزي إليك بجذع النخلة} [مريم: 25] قال: العجوة حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، أنه تلا هذه الآية: {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} [مريم: 25] قال: فقال عمرو: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب وأدخلت الباء في قوله: {وهزي إليك بجذع النخلة} [مريم: 25] كما يقال: زوجتك فلانة، وزوجتك بفلانة، وكما قال {تنبت بالدهن} [المؤمنون: 20] بمعنى: تنبت الدهن.
وإنما تفعل العرب بذلك، لأن الأفعال يكنى عنها بالباء، فيقال إذا كنيت عن ضربت عمرا: فعلت به، وكذلك كل فعل، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرج، فيكون دخولها وخروجها بمعنى، فمعنى الكلام: وهزي إليك جذع النخلة، وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسروه كذلك: وهزي إليك رطبا بجذع النخلة، بمعنى: على جذع النخلة، وجها صحيحا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك. ومن الشاهد على دخول الباء في موضع دخولها وخروجها منه سواء قول الشاعر: [+البحر الطويل] بواد يمان ينبت السدر صدره وأسفله بالمرخ والشبهان واختلف القراء في قراءة قوله: {تساقط} [مريم: 25] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة والكوفة: (تساقط) بالتاء من تساقط وتشديد السين، بمعنى: تتساقط عليك النخلة رطبا جنيا، ثم تدغم إحدى التاءين في الأخرى فتشدد، وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلى: وهزي إليك بجذع النخلة تساقط النخلة عليك رطبا. وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة: (تساقط) بالتاء وتخفيف السين، ووجه معنى الكلام، إلى مثل ما وجه إليه مشددوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة وروي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك: (يساقط) بالياء. حدثني بذلك، أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب، يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلى: وهزي إليك بجذع النخلة يتساقط الجذع عليك رطبا جنيا وروي عن أبي نهيك أنه كان يقرؤه: «تسقط» بضم التاء وإسقاط الألف حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبي نهيك، يقرؤه كذلك وكأنه وجه معنى الكلام إلى: تسقط النخلة عليك رطبا جنيا قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعني {تساقط} [مريم: 25] بالتاء وتشديد السين، وبالتاء وتخفيف السين، وبالياء وتشديد السين، قراءات متقاربات المعاني، قد قرأ بكل واحدة منهن قراء أهل معرفة بالقرآن، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبا، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النخلة رطبا، وإذا تساقطت النخلة رطبا، فقد تساقطت النخلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها، فإنما هي جذع وجريد وسعف، فإذا قطعت صارت جذعا، فالجذع الذي أمرت مريم بهزه لم يذكر أحد نعلمه أنه كان جذعا مقطوعا غير السدي، وقد زعم أنه عاد بهزها إياه نخلة، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط عليها رطبا نخلة واحدا، فتبين بذلك صحة ما قلنا وقوله: {جنيا} [مريم: 25] يعني مجنيا، وإنما كان أصله مفعولا فصرف إلى فعيل، والمجني: المأخوذ طريا، وكل ما أخذ من ثمره، أو نقل من موضعه 15P515 بطراوته فقد اجتني، ولذلك قيل: فلان يجتني الكمأة، ومنه قول ابن أخت جذيمة: [+البحر الرجز] هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه 15P514
[مريم: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} [مريم: 26] يقول تعالى ذكره: فكلي من الرطب الذي يتساقط عليك، واشربي من ماء السري الذي جعله ربك تحتك، لا تخشي جوعا ولا عطشا {وقري عينا} [مريم: 26] يقول: وطيبي نفسا وافرحي بولادتك إياي ولا تحزني. ونصبت العين لأنها هي الموصوفة بالقرار. وإنما معنى الكلام: ولتقرر عينك بولدك، ثم حول الفعل عن العين إلى المرأة صاحبة العين، فنصبت العين إذ كان الفعل لها في الأصل على التفسير، نظير ما فعل بقوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} [النساء: 4] وإنما هو: فإن طابت أنفسهن لكم. وقوله: {وضاق بهم ذرعا} [هود: 77] ومنه قوله: «يساقط عليك رطبا جنيا» إنما هو يساقط عليك رطب الجذع، فحول الفعل إلى الجذع، في قراءة من قرأه بالياء. وفي قراءة من قرأه: {تساقط} [مريم: 25] بالتاء، معناه: يساقط عليك رطب النخلة، ثم حول الفعل إلى النخلة. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: {وقري} [مريم: 26] . فأما أهل المدينة فقرءوه: {وقري} [مريم: 26] بفتح القاف على لغة من قال: قررت بالمكان أقر به، وقررت عينا، أقر به قرورا، وهي لغة قريش فيما ذكر لي وعليها القراءة. وأما أهل نجد فإنها تقول قررت به عينا أقر به قرارا وقررت بالمكان أقر به، فالقراءة على لغتهم: «وقري عينا» بكسر القاف، والقراءة عندنا على لغة قريش بفتح القاف وقوله: {فإما ترين من البشر أحدا} [مريم: 26] يقول: فإن رأيت من بني آدم أحدا يكلمك أو يسألك عن شيء من أمرك وأمر ولدك وسبب ولادتكه {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] يقول: فقولي: إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا أكلم أحدا من بني آدم اليوم {فلن أكلم اليوم إنسيا} [مريم: 26] وبنحو الذي قلنا في معنى الصوم، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول في هذه الآية {إني نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] صمتا حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت أنس بن مالك يقول { 15P517 إني نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] قال: صمتا حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {إني نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] قال: يعني بالصوم: الصمت حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، قال: سمعت أنسا، قرأ: «إني نذرت للرحمن صوما وصمتا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ، {إني نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] أما قوله: {صوما} [مريم: 26] فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] قال: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام، إلا من ذكر الله، فقال لها ذلك، فقالت: إني أصوم من الكلام كما أصوم من الطعام، إلا من ذكر الله، فلما كلموها أشارت إليه، فقالوا: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] فأجابهم فقال : {إني عبد الله آتاني الكتاب} [مريم: 30] حتى بلغ {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} [مريم: 34] واختلفوا في السبب الذي من أجله أمرها بالصوم عن كلام البشر، فقال بعضهم: أمرها بذلك لأنه لم يكن لها حجة عند الناس ظاهرة، وذلك أنها جاءت وهي أيم بولد بالكف عن الكلام ليكفيها فأمرت الكلام ولدها ذكر من قال ذلك: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟
فقال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله: كلم الناس وسلم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج، يعني بذلك مريم عليها السلام حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد لما قال عيسى لمريم {لا تحزني} [القصص: 7] قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة، أي 15P519 شيء عذري عند الناس {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} [مريم: 23] فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام {فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} [مريم: 26] قال: هذا كله كلام عيسى لأمه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، {فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} [مريم: 26] فإني سأكفيك الكلام وقال آخرون: إنما كان ذلك آية لمريم وابنها ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {إني نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] قال في بعض الحروف: صمتا وذلك إنك لا تلقى امرأة جاهلة تقول: نذرت كما نذرت مريم ألا تكلم يوما إلى الليل، وإنما جعل الله تلك آية لمريم ولابنها، ولا يحل لأحد أن ينذر صمت يوم إلى الليل حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فقرأ: {إني نذرت 15P520 للرحمن صوما} [مريم: 26] وكانت تقرأ في الحرف الأول صمتا، وإنما كانت آية بعثها الله لمريم وابنها وقال آخرون: بل كانت صائمة في ذلك اليوم، والصائم في ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس، فأذن لمريم في قدر هذا الكلام ذلك اليوم وهي صائمة ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {فإما ترين من البشر أحدا} [مريم: 26] يكلمك {فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} [مريم: 26] فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلم حتى يمسي، فقيل لها: لا تزيدي على هذا 15P520
[مريم: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} [مريم: 27] يقول تعالى ذكره: فلما قال ذلك عيسى لأمه اطمأنت نفسها، وسلمت لأمر الله، وحملته حتى أتت به قومها. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: أنساها يعني مريم كرب البلاء وخوف الناس ما 15P521 كانت تسمع من الملائكة من البشارة بعيسى، حتى إذا كلمها، يعني عيسى، وجاءها مصداق ما كان الله وعدها احتملته ثم أقبلت به إلى قومها وقال السدي في ذلك ما: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما ولدته ذهب الشيطان، فأخبر بني إسرائيل، أن مريم، قد ولدت ، فأقبلوا يشتدون، فدعوها {فأتت به قومها تحمله} [مريم: 27] وقوله: {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} [مريم: 27] يقول تعالى ذكره: فلما رأوا مريم، ورأوا معها الولد الذي ولدته، قالوا لها: يا مريم لقد جئت بأمر عجيب، وأحدثت حدثا عظيما. وكل عامل عملا أجاده وأحسنه فقد فراه، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] قد أطعمتني دقلا حجريا قد كنت تفرين به الفريا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 15P522 في قول الله تعالى: {فريا} [مريم: 27] قال: عظيما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لقد جئت شيئا فريا} [مريم: 27] قال: عظيما حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {لقد جئت شيئا فريا} [مريم: 27] قال: عظيما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: لما رأوها ورأوه معها، قالوا: {يا مريم لقد جئت شيئا فريا} [مريم: 27] أي الفاحشة غير المقاربة 15P522
[مريم: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} [مريم: 28] اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل لها: يا أخت هارون، ومن كان هارون هذا الذي ذكره الله، وأخبر أنهم نسبوا مريم إلى أنها أخته، فقال 15P523 بعضهم: قيل لها {يا أخت هارون} [مريم: 28] نسبة منهم لها إلى الصلاح، لأن أهل الصلاح فيهم كانوا يسمون هارون، وليس بهارون أخي موسى ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {يا أخت هارون} [مريم: 28] قال: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل يسمى هارون، فشبهوها به، فقالوا: يا شبيهة هارون في الصلاح حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} [مريم: 28] قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحا محببا في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر. قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفا، كلهم يسمون هارون من بني إسرائيل حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أن كعبا، قال: إن قوله: {يا أخت هارون} [مريم: 28] ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، قال: 15P524 فسكتت حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا أخت هارون} [مريم: 28] قال: اسم واطأ اسما، كم بين هارون وبينهما من الأمم أمم كثيرة حدثنا أبو كريب، وابن المثنى، وسفيان بن وكيع، وأبو السائب، قالوا: ثنا عبد الله بن إدريس الأودي، قال: سمعت أبي يذكر، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، فقالوا لي: ألستم تقرءون {يا أخت هارون} [مريم: 28] قلت: بلى، وقد علمتم ما كان بين عيسى وموسى، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة، قال: أرسلني النبي صلى الله عليه وسلم في بعض حوائجه إلى أهل نجران، فقالوا: أليس نبيك يزعم أن هارون أخو مريم هو أخو موسى؟ فلم أدر ما أرد عليهم حتى رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال: «إنهم كانوا يسمون بأسماء من كان قبلهم» 15P525 وقال بعضهم: عني به هارون أخو موسى، ونسبت مريم إلى أنها أخته لأنها من ولده، يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {يا أخت هارون} [مريم: 28] قال: كانت من بني هارون أخي موسى، وهو كما تقول: يا أخا بني فلان وقال آخرون: بل كان ذلك رجلا منهم فاسقا معلن الفسق، فنسبوها إليه.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما جاء به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه، وأنها نسبت إلى رجل من قومها وقوله: {ما كان أبوك امرأ سوء} [مريم: 28] يقول: ما كان أبوك رجل سوء يأتي الفواحش {وما كانت أمك بغيا} [مريم: 28] يقول: وما كانت أمك زانية، كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وما كانت أمك بغيا} [مريم: 28] قال: زانية وقال: {وما كانت أمك بغيا} [مريم: 28] ولم يقل: بغية، لأن ذلك مما يوصف به النساء دون الرجال، فجرى مجرى امرأة حائض وطالق، وقد كان بعضهم يشبه ذلك بقولهم: ملحفة جديدة وامرأة قتيل 15P525
[مريم: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] يقول تعالى ذكره: فلما قال قومها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقيله لهم، ثم أشارت لهم إلى عيسى أن كلموه، كما: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما قالوا لها: {ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} [مريم: 28] قالت لهم ما أمرها الله به، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إليه، إلى عيسى حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأشارت إليه} [مريم: 29] قال: أمرتهم بكلامه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، {فأشارت إليه} [مريم: 29] يقول: أشارت إليه أن كلموه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله {فأشارت إليه} [مريم: 29] أن كلموه وقوله: {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] يقول تعالى ذكره: قال قومها لها: كيف نكلم من وجد في المهد؟ وكان في قوله {من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] معناها التمام، لا التي تقتضي الخبر، وذلك شبيه المعنى 15P527 بكان التي في قوله {هل كنت إلا بشرا رسولا} [الإسراء: 93] وإنما معنى ذلك: هل أنا إلا بشر رسول؟ وهل وجدت أو بعثت، وكما قال زهير بن أبي سلمى: [+البحر الطويل] زجرت عليه حرة أرحبية وقد كان لون الليل مثل الأرندج بمعنى: وقد صار أو وجد. وقيل: إنه عنى بالمهد في هذا الموضع: حجر أمه ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] والمهد: الحجر قال أبو جعفر: وقد بينا معنى المهد فيما مضى بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع 15P527
[مريم: 30_31] القول في تأويل قوله تعالى: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} [مريم: 30_31] 15P528 يقول تعالى ذكره: فلما قال قوم مريم لها {كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] وظنوا أن ذلك منها استهزاء بهم، قال عيسى لها متكلما عن أمه: {إني عبد الله آتاني الكتاب} [مريم: 30] وكانوا حين أشارت لهم إلى عيسى فيما ذكر عنهم غضبوا، كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما أشارت لهم إلى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] فأجابهم عيسى عنها فقال لهم {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} [مريم: 30] . الآية حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] قال لهم: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} [مريم: 30] فقرأ حتى بلغ {ولم يجعلني جبارا شقيا} [مريم: 32] فقالوا: إن هذا لأمر عظيم حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله} [مريم: 30] لم يتكلم عيسى إلا عند ذلك حين {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} [مريم: 29] وقوله: {آتاني الكتاب} [مريم: 30] يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحي قبل أن يخلق في بطن أمه فإن معنى ذلك بخلاف ما يظن، وإنما معناه: وقضى يوم قضى أمور خلقه إلى أن يؤتيني الكتاب، كما: حدثني بشر بن آدم، قال: ثنا الضحاك، يعني ابن مخلد، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، قال {آتاني الكتاب} [مريم: 30] قال: قضى أن يؤتيني الكتاب فيما مضى حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا سفيان، عن سماك، عن عكرمة، في قوله {إني عبد الله آتاني الكتاب} [مريم: 30] قال: القضاء حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، في قول الله {إني عبد الله آتاني الكتاب} [مريم: 30] قال: قضى أن يؤتيني الكتاب وقوله: {وجعلني نبيا} [مريم: 30] وقد بينت معنى النبي واختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وكان مجاهد يقول في معنى النبي وحده ما: حدثنا به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، 15P530 جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: النبي وحده الذي يكلم وينزل عليه الوحي ولا يرسل وقوله {وجعلني مباركا} [مريم: 31] اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: وجعلني نفاعا ذكر من قال ذلك: حدثني سليمان بن عبد الرحمن بن حماد الطلحي، قال: ثنا العلاء، عن عائشة، امرأة ليث، عن ليث، عن مجاهد، {وجعلني مباركا} [مريم: 31] قال: نفاعا وقال آخرون: كانت بركته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذكر من قال ذلك: حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي، قال: سمعت وهيب بن الورد، مولى بني مخزوم، قال: لقي عالم عالما لما هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من علمي، قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد اجتمع الفقهاء على قول الله {وجعلني مباركا أينما كنت} 15P531 وقيل: ما بركته؟
قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان وقال آخرون معنى ذلك: جعلني معلم الخير ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان، في قوله {وجعلني مباركا أينما كنت} قال: معلما للخير حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قوله: {وجعلني مباركا أينما كنت} قال: معلما للخير حيثما كنت وقوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة} [مريم: 31] يقول: وقضى أن يوصيني بالصلاة والزكاة، يعني المحافظة على حدود الصلاة وإقامتها على ما فرضها علي. وفي الزكاة معنيان: أحدهما: زكاة الأموال أن يؤديها. والآخر: تطهير الجسد من دنس الذنوب، فيكون معناه: وأوصاني بترك الذنوب واجتناب المعاصي وقوله: {ما دمت حيا} [مريم: 31] يقول: ما كنت حيا في الدنيا موجودا، وهذا يبين عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع: تطهير البدن من الذنوب، لأن الذي يوصف به عيسى صلوات الله وسلامه عليه أنه كان لا يدخر شيئا لغد، فتجب عليه زكاة المال، إلا أن تكون الزكاة التي كانت فرضت عليه الصدقة بكل ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجها صحيحا 15P531
[مريم: 32_33] القول في تأويل قوله تعالى: {وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} [مريم: 32_33] يقول تعالى ذكره: مخبرا عن قول عيسى للقوم: وجعلني مباركا وبرا: أي جعلني برا بوالدتي. والبر هو البار، يقال: هو بر بوالده، وبار به، وبفتح الباء قرأت هذا الحرف قراء الأمصار. وروي عن أبي نهيك ما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبي نهيك، أنه قرأ: {وبرا بوالدتي} [مريم: 32] من قول عيسى عليه السلام، قال أبو نهيك: أوصاني بالصلاة والزكاة والبر بالوالدين، كما أوصاني بذلك فكأن أبا نهيك وجه تأويل الكلام إلى قوله {وبرا بوالدتي} [مريم: 32] هو من خبر عيسى، عن وصية الله إياه به، كما أن قوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة} [مريم: 31] من خبره عن وصية الله إياه بذلك. فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البر بمعنى عمل الوصية فيه، لأن الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللفظ، فإنهما بمعنى النصب من أجل أنه مفعول بهما وقوله: {ولم يجعلني جبارا شقيا} [مريم: 32] يقول: ولم يجعلني مستكبرا على 15P533 الله فيما أمرني به، ونهاني عنه شقيا ولكن ذللني لطاعته، وجعلني متواضعا، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنه يعني عيسى، كان يقول: سلوني، فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي مما أعطاه الله من التواضع وحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا} [مريم: 32] ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهن، وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد عاقا إلا وجدته جبارا شقيا. ثم قرأ {وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا} [مريم: 32] قال: ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورا، ثم قرأ {وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} [النساء: 36] وقوله: {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} [مريم : 33] يقول: والأمنة من الله علي من الشيطان وجنده يوم ولدت أن ينالوا مني ما ينالون ممن يولد 15P534 عند الولادة، من الطعن فيه، ويوم أموت، من هول المطلع، ويوم أبعث حيا يوم القيامة أن ينالني الفزع الذي ينال الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم، كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} [مريم: 33] قال: يخبرهم في قصة خبره عن نفسه، أنه لا أب له وأنه سيموت ثم يبعث حيا، يقول الله تبارك وتعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} [مريم: 34] 15P534
[مريم: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} [مريم: 34] يقول تعالى ذكره: هذا الذي بينت لكم صفته، وأخبرتكم خبره، من أمر الغلام الذي حملته مريم، هو عيسى ابن مريم، وهذه الصفة صفته، وهذا الخبر خبره، وهو {قول الحق} [مريم: 34] يعني أن هذا الخبر الذي قصصته عليكم قول الحق، والكلام الذي تلوته عليكم قول الله وخبره، لا خبر غيره، الذي يقع فيه الوهم والشك، والزيادة والنقصان، على ما كان يقول الله تعالى ذكره: فقولوا في عيسى أيها الناس هذا القول الذي أخبركم الله به عنه، لا ما قالته اليهود الذين زعموا أنه لغير رشدة، وأنه كان ساحرا كذابا، ولا ما قالته النصارى، من أنه كان لله ولدا، وإن الله لم يتخذ ولدا، ولا ينبغي ذلك له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق} [مريم: 34] قال: الله الحق حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون في هذا الحرف في قراءة عبد الله، قال: {الذي فيه يمترون} [مريم: 34] قال: كلمة الله ولو وجه تأويل ذلك إلى ذلك عيسى ابن مريم القول الحق، بمعنى ذلك القول الحق، ثم حذفت الألف واللام من القول، وأضيف إلى الحق. كما قيل: {إن هذا لهو حق اليقين} [الواقعة: 95] وكما قيل: {وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} [الأحقاف: 16] كان تأويلا صحيحا. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق: (قول الحق) برفع القول. على ما وصفت من المعنى. وجعلوه في إعرابه تابعا لعيسى، كالنعت له، وليس الأمر في إعرابه عندي على ما قاله الذين زعموا أنه رفع على النعت لعيسى، إلا أن يكون معنى القول الكلمة، على ما ذكرنا عن إبراهيم، من تأويله ذلك كذلك، فيصح حينئذ أن يكون نعتا لعيسى، وإلا فرفعه عندي بمضمر، وهو هذا قول الحق على الابتداء، وذلك أن الخبر قد تناهى عن قصة عيسى وأمه عند قوله {ذلك عيسى ابن مريم} [مريم: 34] ثم ابتدأ الخبر بأن الحق فيما فيه تمتري الأمم من أمر عيسى، هو هذا القول، الذي أخبر الله به عنه عباده، دون غيره. وقد قرأ ذلك عاصم بن أبي النجود وعبد الله بن عامر بالنصب، وكأنهما أرادا بذلك المصدر: ذلك عيسى ابن مريم قولا حقا، ثم أدخلت فيه الألف واللام. وأما ما ذكر عن ابن مسعود من قراءته: «ذلك عيسى ابن مريم قال الحق» فإنه بمعنى قول الحق، مثل العاب والعيب، والذام والذيم. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: الرفع، لإجماع الحجة من القراء عليه وأما قوله تعالى ذكره: {الذي فيه يمترون} [مريم: 34] فإنه يعني: الذي فيه يختصمون ويختلفون، من قولهم: ماريت فلانا: إذا جادلته وخاصمته: وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ذلك عيسى 15P537 ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} [مريم: 34] امترت فيه اليهود والنصارى، فأما اليهود فزعموا أنه ساحر كذاب، وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله، وثالث ثلاثة، وإله، وكذبوا كلهم، ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {الذي فيه يمترون} [مريم: 34] قال: اختلفوا، فقالت فرقة: هو عبد الله ونبيه، فآمنوا به، وقالت فرقة: بل هو الله، وقالت فرقة: هو ابن الله، تبارك وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. قال: فذلك قوله {فاختلف الأحزاب من بينهم} [مريم: 37] والتي في الزخرف.
قال دقيوس ونسطور ومار يعقوب، قال أحدهم حين رفع الله عيسى: هو الله، وقال الآخر: ابن الله، وقال الآخر: كلمة الله وعبده، فقال المفتريان: إن قولي هو أشبه بقولك، وقولك بقولي من قول هذا، فهلم فلنقاتلهم، فقاتلوهم وأوطئوهم إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض وأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث، قل أنت فيه، قال: هو ابن الله، وهم النسطورية، فقال الاثنان: كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى، قال الرابع: كذبت، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته، وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا، فظهر على المسلمين، وذلك قول الله: {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} [آل عمران: 21] قال قتادة: هم الذين قال الله: {فاختلف الأحزاب} [مريم: 37] اختلفوا فيه فصاروا أحزابا 15P538
[مريم: 35_36] القول في تأويل قوله تعالى: {ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} [مريم: 35_36] يقول تعالى ذكره: لقد كفرت الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وأعظموا الفرية عليه، فما ينبغي لله أن يتخذ ولدا، ولا يصلح ذلك له ولا يكون، بل كل شيء دونه فخلقه، وذلك نظير قول عمرو بن أحمر: [+البحر البسيط] في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة لا يبتغى دونها سهل ولا جبل وإن من قوله {أن يتخذ} [مريم: 35] في موضع رفع بكان. 15P539 وقوله: {سبحانه} [البقرة : 116] يقول: تنزيها لله وتبرئة له أن يكون له ما أضاف إليه الكافرون القائلون: عيسى ابن الله وقوله: {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [آل عمران: 47] يقول جل ثناؤه: إنما ابتدأ الله خلق عيسى ابتداء، وأنشأه إنشاء من غير فحل افتحل أمه، ولكنه قال له: {كن فيكون} [البقرة: 117] لأنه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعها، إنما يقول: إذا قضى خلق شيء أو إنشاءه: كن فيكون موجودا حادثا، لا يعظم عليه خلقه، لأنه لا يخلقه بمعاناة وكلفة، ولا ينشئه بمعالجة وشدة وقوله: {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه} [مريم: 36] اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: (وأن الله ربي وربكم) واختلف أهل العربية في وجه فتح «أن» إذا فتحت، فقال بعض نحويي الكوفة: فتحت ردا على عيسى وعطفا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريم، وذلك أن الله ربي وربكم. وإذا كان ذلك كذلك كانت أن رفعا، وتكون بتأويل خفض، كما قال: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} [الأنعام: 131] قال: ولو فتحت على قوله: {وأوصاني} [مريم: 31] بأن الله، كان وجها. وكان بعض البصريين يقول: وذكر ذلك أيضا عن أبي عمرو بن العلاء، وكان ممن يقرؤه بالفتح إنما فتحت أن بتأويل {وقضى} [الإسراء: 23] أن الله ربي وربكم. وكانت عامة قراء الكوفيين يقرءونه: {وإن الله} [آل عمران: 62] بكسر إن بمعنى النسق على قوله: {فإنما يقول له} [البقرة: 117] وذكر عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤه: «فإنما يقول له كن فيكون إن الله ربي وربكم» بغير واو. قال أبو جعفر: والقراءة التي نختار في ذلك: الكسر على الابتداء. وإذا قرئ كذلك لم يكن لها موضع، وقد يجوز أن يكون عطفا على «إن» التي مع قوله {قال إني عبد الله آتاني الكتاب} [مريم: 30]، {وإن الله ربي وربكم} [مريم: 36] ولو قال قائل ممن قرأ ذلك نصبا: نصب على العطف على الكتاب، بمعنى: أتاني الكتاب، وأتاني أن الله ربي وربكم، كان وجها حسنا. ومعنى الكلام: وإني وأنتم أيها القوم جميعا لله عبيد، فإياه فاعبدوا دون غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه، ومولده، وموته، وبعثه، {إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} [آل عمران: 51] أي إني وإياكم عبيد الله، فاعبدوه ولا تعبدوا غيره وقوله: {هذا صراط مستقيم} [آل عمران: 51] يقول: هذا الذي أوصيتكم به، وأخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى، لأنه دين الله الذي أمر به أنبياءه 15P541
[مريم: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} [مريم: 37] يقول تعالى ذكره: فاختلف المختلفون في عيسى، فصاروا أحزابا متفرقين من بين قومه، كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثني الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فاختلف الأحزاب من بينهم} [مريم: 37] قال: أهل الكتاب حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فاختلف الأحزاب من بينهم} [مريم: 37] ذكر لنا أنه لما رفع ابن مريم، انتخبت بنو إسرائيل أربعة من فقهائهم، فقالوا للأول: ما تقول في عيسى؟ قال: هو الله هبط إلى الأرض، فخلق ما خلق، وأحيا ما أحيا، ثم صعد إلى السماء، فتابعه على ذلك ناس من الناس، فكانت اليعقوبية من النصارى، وقال الثلاثة الآخرون: نشهد أنك كاذب، فقالوا للثاني: ما تقول في عيسى؟ قال: هو ابن الله، فتابعه على ذلك ناس من 15P542 الناس، فكانت النسطورية من النصارى، وقال الاثنان الآخران: نشهد أنك كاذب، فقالوا للثالث: ما تقول في عيسى؟ قال: هو إله، وأمه إله، والله إله، فتابعه على ذلك ناس من الناس، فكانت الإسرائيلية من النصارى، فقال الرابع: أشهد أنك كاذب، ولكنه عبد الله ورسوله، هو كلمة الله وروحه، فاختصم القوم، فقال المرء المسلم: أنشدكم الله ما تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام، وأن الله تبارك وتعالى: لا يطعم الطعام قالوا: اللهم نعم، قال: هل تعلمون أن عيسى كان ينام؟ قالوا: اللهم نعم، قال فخصمهم المسلم، قال: فاقتتل القوم. قال: فذكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون، فأنزل الله في ذلك القرآن: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21] حدثنا الحسن، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {فاختلف الأحزاب من بينهم} [مريم: 37] اختلفوا فيه فصاروا أحزابا وقوله: {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} [مريم: 37] يقول: فوادي جهنم الذي يدعى ويلا للذين كفروا بالله، من الزاعمين أن عيسى لله ولد، وغيرهم من أهل الكفر به من شهودهم يوما عظيما شأنه، وذلك يوم القيامة. وكان قتادة يقول في تأويل ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} [مريم: 37] شهدوا هولا إذا عظيما 15P542
[مريم: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين} [مريم: 38] يقول تعالى ذكره مخبرا عن حال الكافرين به، الجاعلين له أندادا، والزاعمين أن له ولدا يوم ورودهم عليه في الآخرة: لئن كانوا في الدنيا عميا عن إبصار الحق، والنظر إلى حجج الله التي تدل على وحدانيته، صما عن سماع آي كتابه، وما دعتهم إليه رسل الله فيها من الإقرار بتوحيده، وما بعث به أنبياءه، فما أسمعهم يوم قدومهم على ربهم في الآخرة، وأبصرهم يومئذ حين لا ينفعهم الإبصار والسماع. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أسمع بهم وأبصر} [مريم: 38] ذاك والله يوم القيامة، سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر حدثنا الحسن، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله {أسمع بهم وأبصر} [مريم: 38] قال: أسمع قوم وأبصرهم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن 15P544 قتادة، قال {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} [مريم: 38] يوم القيامة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: {أسمع} [مريم: 38] بحديثهم اليوم {وأبصر} [مريم: 38] كيف يصنع بهم {يوم يأتوننا} [مريم: 38] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} [مريم: 38] قال: هذا يوم القيامة، فأما الدنيا فلا، كانت على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر في الدنيا، فلما كان يوم القيامة أبصروا وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ: {ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} [السجدة: 12] وقوله: {لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين} [مريم: 38] يقول تعالى ذكره: لكن الكافرون الذين أضافوا إليه ما ليس من صفته، وافتروا عليه الكذب اليوم في الدنيا، في ضلال مبين يقول: في ذهاب عن سبيل الحق، وأخذ على غير استقامة، مبين أنه جائر عن طريق الرشد والهدى، لمن تأمله وفكر فيه، فهدي لرشده 15P544
[مريم: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} [مريم: 39] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر يا محمد هؤلاء المشركين بالله يوم حسرتهم وندمهم، على ما فرطوا في جنب الله، وأورثت مساكنهم من الجنة أهل الإيمان بالله والطاعة له، وأدخلوهم مساكن أهل الإيمان بالله من النار، وأيقن 15P545 الفريقان بالخلود الدائم، والحياة التي لا موت بعدها، فيا لها حسرة وندامة، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله، في قصة ذكرها، قال: ما من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة ، فيرى أهل النار البيت الذي كان قد أعده الله لهم لو آمنوا، فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحا كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن من الله عليكم حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء بالموت يوم القيامة فيوقف بين الجنة والنار كأنه كبش أملح» قال: " فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت، فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت، ثم يؤمر به فيذبح " قال: " فيقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت " قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} [مريم: 39] وأشار بيده في الدنيا حدثني عبيد بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية {وأنذرهم يوم الحسرة} [مريم: 39] قال: " ينادى: يا أهل الجنة، فيشرئبون، فينظرون، ثم ينادى: يا أهل النار فيشرئبون فينظرون، فيقال: هل تعرفون الموت؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيجاء بالموت في صورة كبش أملح، فيقال: هذا الموت، ثم يؤخذ فيذبح، قال: ثم ينادى يا أهل النار خلود فلا موت، ويا أهل الجنة خلود فلا موت " قال: ثم قرأ {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} [مريم: 39] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله: {وأنذرهم يوم الحسرة} [مريم: 39] قال: يصور الله الموت في صورة كبش أملح، فيذبح، قال: فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، وفيها أيضا الفزع الأكبر، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه، وأمنوا الموت، وهو الفزع الأكبر، لأنهم يخلدون في الجنة قال ابن جريج: يحشر أهل النار حين يذبح 15P547 الموت والفريقان ينظرون، فذلك قوله: {إذ قضي الأمر} [مريم: 39] قال: ذبح الموت {وهم في غفلة} [مريم: 39] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبيه، أنه أخبره أنه سمع عبيد بن عمير، في قصصه يقول: يؤتى بالموت كأنه دابة، فيذبح والناس ينظرون حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأنذرهم يوم الحسرة} [مريم: 39] قال: يوم القيامة، وقرأ {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {وأنذرهم يوم الحسرة} [مريم: 39] من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذره عباده وقوله: {إذ قضي الأمر} [مريم: 39] يقول: إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها، ولأهل الجنة بمقام الأبد فيها، بذبح الموت وقوله: {وهم في غفلة} [مريم: 39] يقول: وهؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم يأتونه خارجين إليه من قبورهم، من تخليده إياهم في جهنم، وتوريثه مساكنهم من الجنة غيرهم {وهم لا يؤمنون} [مريم: 39] يقول تعالى ذكره: وهم لا 15P548 يصدقون بالقيامة والبعث، ومجازاة الله إياهم على سيئ أعمالهم، بما أخبر أنه مجازيهم به.
15P547
[مريم: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون} [مريم: 40] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك تكذيب هؤلاء المشركين لك يا محمد فيما أتيتهم به من الحق، فإن إلينا مرجعهم ومصيرهم ومصير جميع الخلق غيرهم، ونحن وارثو الأرض ومن عليها من الناس، بفنائهم منها، وبقائها لا مالك لها غيرنا، ثم علينا جزاء كل عامل منهم بعمله، عند مرجعه إلينا، المحسن منهم بإحسانه، والمسيء بإساءته 15P548 [مريم: 41_42] القول في تأويل قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} [مريم: 41_42] يقول تعالى ذكره لنبيه: {واذكر} [آل عمران: 41] يا محمد في كتاب الله إبراهيم خليل الرحمن، فاقصص على هؤلاء المشركين قصصه وقصص أبيه {إنه كان صديقا} [مريم: 41] يقول: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده لا يكذب، والصديق هو الفعيل من الصدق. وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 15P549 {نبيا} [مريم: 30] يقول: كان الله قد نبأه وأوحى إليه وقوله: {إذ قال لأبيه} [مريم: 42] يقول: اذكره حين قال لأبيه {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع} [مريم: 42] يقول: ما تصنع بعبادة الوثن الذي لا يسمع {ولا يبصر} [مريم: 42] شيئا {ولا يغني عنك شيئا} [مريم: 42] يقول: ولا يدفع عنك ضر شيء، إنما هو صورة مصورة لا تضر ولا تنفع. يقول ما تصنع بعبادة ما هذه صفته؟ اعبد الذي إذا دعوته سمع دعاءك، وإذا أحيط بك أبصرك فنصرك، وإذا نزل بك ضر دفع عنك. واختلف أهل العربية في وجه دخول الهاء في قوله {يا أبت} [يوسف: 4] فكان بعض نحويي أهل البصرة يقول: إذا وقفت عليها قلت: يا أبه، وهي هاء زيدت نحو قولك: يا أمه، ثم يقال: يا أم إذا وصل، ولكنه لما كان الأب على حرفين، كان كأنه قد أخل به، فصارت الهاء لازمة، وصارت الياء كأنها بعدها، فلذلك قالوا: يا أبة أقبل، وجعل التاء للتأنيث، ويجوز الترخيم من يا أب أقبل، لأنه يجوز أن تدعو ما تضيفه إلى نفسك في المعنى مضموما، نحو قول العرب: يا رب اغفر لي، وتقف في القرآن: يا أبه في الكتاب. وقد يقف بعض العرب على الهاء بالتاء. وقال بعض نحويي الكوفة: الهاء مع أبه وأمه هاء وقف، كثرت في كلامهم حتى صارت كهاء التأنيث، وأدخلوا عليها الإضافة، فمن طلب الإضافة، فهي بالتاء لا غير، لأنك تطلب بعدها الياء، ولا تكون الهاء حينئذ إلا تاء، كقولك: يا أبت لا غير، ومن قال: يا أبه، فهو الذي يقف بالهاء، لأنه لا يطلب بعدها ياء، ومن قال: يا أبتا، فإنه يقف عليها بالتاء، ويجوز بالهاء، فأما بالتاء، فلطلب ألف الندبة، فصارت الهاء تاء لذلك، والوقف بالهاء بعيد، إلا فيمن قال: «يا أميمة ناصب» فجعل هذه الفتحة من فتحة الترخيم، وكأن هذا طرف الاسم، قال: وهذا يعيد 15P550 [مريم: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا} [مريم: 43] يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لأبيه: يا أبت إني قد آتاني الله من العلم ما لم يؤتك فاتبعني: يقول: فاقبل مني نصيحتي {أهدك صراطا سويا} [مريم: 43] يقول: أبصرك هدى الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه 15P550
[مريم: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا} [مريم: 44] يقول تعالى ذكره: يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان لله عاصيا. والعصي هو ذو العصيان، كما العليم ذو العلم. وقد قال قوم من أهل العربية: 15P551 العصي: هو العاصي، والعليم هو العالم، والعريف هو العارف، واستشهدوا لقولهم ذلك، بقول طريف بن تميم العنبري. [+البحر الكامل] أوكلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إلي عريفهم يتوسم وقالوا: قال عريفهم وهو يريد: عارفهم، والله أعلم 15P550 [مريم: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا} [مريم: 45] يقول: يا أبت إني أعلم أنك إن مت على عبادة الشيطان أنه يمسك عذاب من عذاب الله {فتكون للشيطان وليا} [مريم: 45] يقول: تكون له وليا دون الله ويتبرأ الله منك فتهلك، والخوف في هذا الموضع بمعنى العلم، كما الخشية بمعنى العلم، في قوله: {فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا} [الكهف: 80] 15P551
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?