Taberî — Câmiü'l-Beyân
[النور: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في بعض من استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح نسوة كن معروفات بالزنا من أهل الشرك، وكن أصحاب رايات، يكرين أنفسهن، فأنزل الله تحريمهن على المؤمنين، فقال: الزاني من المؤمنين لا يتزوج إلا زانية أو مشركة، لأنهن كذلك، والزانية من 17P150 أولئك البغايا لا ينكحها إلا زان من المؤمنين أو المشركين، أو مشرك مثلها، لأنهن كن مشركات {وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3] فحرم الله نكاحهن في قول أهل هذه المقالة بهذه الآية ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: ثني الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو، أن رجلا، من المسلمين استأذن نبي الله في امرأة يقال لها: أم مهزول، كانت تسافح الرجل ، وتشترط له أن تنفق عليه، وأنه استأذن فيها نبي الله صلى الله عليه وسلم وذكر له أمرها، قال: فقرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم: {الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] أو قال: فأنزلت {الزانية} [النور: 2] " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثني هشيم، عن التيمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو، في قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] قال: " كن نساء معلومات قال: 17P151 فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك " قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن سعيد بن المسيب قال: «كن نساء موارد بالمدينة» حدثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أبي قال: ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، في هذه الآية: {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] قال: نزلت في نساء موارد كن بالمدينة " حدثنا ابن المثنى قال: ثنا عمرو بن عاصم الكلابي قال: ثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن سعيد، بنحوه حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا داود، عن رجل، عن عمرو بن شعيب قال: " كان لمرثد صديقة في الجاهلية يقال لها عناق، وكان رجلا شديدا، وكان يقال له دلدل، وكان يأتي مكة، فيحمل ضعفة المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقي صديقته، فدعته إلى نفسها، فقال: إن الله قد حرم الزنا فقالت: أنى تبرز فخشي أن تشيع عليه، فرجع إلى 17P152 المدينة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كانت لي صديقة في الجاهلية، فهل ترى لي نكاحها؟
قال: فأنزل الله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] قال: كن نساء معلومات يدعون القليقيات " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، قال: سمعت مجاهدا، يقول في هذه الآية: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3] قال: كن بغايا في الجاهلية " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عمن أخبره عن مجاهد، نحوا من حديث ابن المثنى، إلا أنه قال: " كانت امرأة منهن يقال لها: أم مهزول يعني في قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3] قال: فكن نساء معلومات قال: فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك " هذا من حديث التيمي حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثني 17P153 الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {الزاني لا ينكح إلا زانية} [النور: 3] قال: " رجال كانوا يريدون الزنا بنساء زوان بغايا متعالمات، كن في الجاهلية ، فقيل لهم: هذا حرام، فأرادوا نكاحهن، فحرم الله عليهم نكاحهن " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: بغايا معلنات، كن كذلك في الجاهلية حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، وابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس، قال: «كن بغايا في الجاهلية، على أبوابهن رايات مثل رايات البيطار، يعرفن بها» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: «نساء بغايا متعالمات، حرم الله نكاحهن، لا ينكحهن إلا زان من المؤمنين، أو مشرك من المشركين» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن 17P154 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3] قال: كانت بيوت تسمى المواخير في الجاهلية، وكانوا يؤاجرون فيها فتياتهن، وكانت بيوتا معلومة للزنا، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلا زان من أهل القبلة، أو مشرك من أهل الأوثان، فحرم الله ذلك على المؤمنين " حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عطاء، في قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] قال: بغايا متعالمات كن في الجاهلية، بغي آل فلان، وبغي آل فلان، فأنزل الله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3] فحكم الله بذلك من أمر الجاهلية على الإسلام. فقال له سليمان بن موسى: أبلغك ذلك عن ابن عباس؟ فقال: «نعم» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول في ذلك: " كن بغايا متعالمات، بغي آل فلان، وبغي آل فلان، وكن زواني مشركات، فقال : {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3] قال: أحكم الله من أمر الجاهلية بهذا. قيل له: أبلغك هذا عن ابن 17P155 عباس؟
قال: نعم " قال ابن جريج: وقال عكرمة: إنه كان يسمي تسعا بعد صواحب الرايات، وكن أكثر من ذلك، ولكن هؤلاء أصحاب الرايات: أم مهزول: جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط: جارية صفوان بن أمية، وحنة القبطية: جارية العاصي بن وائل، ومرية: جارية مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وحلالة: جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد: جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وسريفة: جارية زمعة بن الأسود، وفرسة: جارية هشام بن ربيعة بن حبيب بن حذيفة بن جبل بن مالك بن عامر بن لؤي، وقريبا: جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر بن غالب بن فهر حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، 17P156 عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وقال الزهري، وقتادة، قالوا: " كان في الجاهلية بغايا، معلوم ذلك منهن، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن، فأنزل الله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] الآية " حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وقاله الزهري وقتادة، قالوا: " كانوا في الجاهلية بغايا، ثم ذكر نحوه حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن القاسم بن أبي بزة: «كان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية التي قد علم ذلك منها، يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، فنهوا عن ذلك» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح قال: قال القاسم بن أبي بزة، فذكر نحوه حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن سعيد بن المسيب قال: «كن نساء موارد بالمدينة» حدثنا أبو كريب، قال : ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي 17P157 سليمان، عن سعيد بن جبير، " أن نساء، في الجاهلية كن يؤاجرن أنفسهن، وكان الرجل إنما ينكح إحداهن يريد أن يصيب منها عرضا، فنهوا عن ذلك، ونزل: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] ومنهن امرأة يقال لها أم مهزول " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن الشعبي، في قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] قال: «كن نساء يكرين أنفسهن في الجاهلية» وقال آخرون: معنى ذلك: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك.
قالوا: ومعنى النكاح في هذا الموضع: الجماع ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3] قال: لا يزني إلا بزانية أو مشركة " حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، أنه قال في هذه الآية: {والزانية لا ينكحها إلا زان أو 17P158 مشرك} [النور: 3] قال: «لا يزني الزاني إلا بزانية مثله أو مشركة» حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن شبرمة، عن سعيد بن جبير، وعكرمة، في قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3] قالا: «هو الوطء» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد، عن معمر، قال: قال سعيد بن جبير ومجاهد: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3] قالا: «هو الوطء» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم ، وشعبة، عن علي بن مسلم، عن سعيد بن جبير قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] قالا: «لا يزني الزاني حين يزني إلا بزانية مثله أو مشركة، ولا تزني مشركة إلا بمثلها» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] قال: " هؤلاء بغايا كن في الجاهلية، والنكاح في كتاب الله الإصابة، لا يصيبها إلا زان أو مشرك، لا يحرم الزنا، ولا تصيب هي إلا مثلها. قال: وكان ابن عباس يقول: «بغايا كن في الجاهلية» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير، قال: «إذا زنى بها فهو زان» حدثنا علي قال: ثنا عبد الله قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3] قال: " الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله أو مشركة. قال: والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان مثلها من أهل القبلة، أو مشرك من غير أهل القبلة. ثم قال: {وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3] " وقال آخرون: كان هذا حكم الله في كل زان وزانية، حتى نسخه بقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32]، فأحل نكاح كل مسلمة، وإنكاح كل مسلم ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، في قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3] قال: يرون الآية التي بعدها نسختها: {وأنكحوا الأيامى} [النور: 32] منكم، قال: «فهن من أيامى المسلمين» حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] قال: " نسختها التي بعدها: {وأنكحوا الأيامى} [النور: 32] منكم، وقال: «إنهن من أيامى المسلمين» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: وذكر عن يحيى، عن ابن المسيب، قال: " نسختها: {وأنكحوا الأيامى} [النور: 32] منكم " حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: " نسختها قوله: {وأنكحوا الأيامى} [النور: 32] " حدثني يونس قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن يحيى قال: " ذكر عند سعيد بن المسيب: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3] قال: فسمعته يقول: إنها قد نسختها التي بعدها.
ثم قرأها سعيد، قال: يقول الله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3] ثم يقول الله: {وأنكحوا الأيامى} [النور: 32] منكم فهن من أيامى المسلمين " قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بالنكاح في هذا الموضع الوطء، وأن الآية نزلت في البغايا المشركات ذوات الرايات، وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك، وأن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان. فمعلوم إذا كان 17P161 ذلك كذلك أنه لم يعن بالآية أن الزاني من المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات، ولا ينكح إلا بزانية أو مشركة. وإذ كان ذلك كذلك، فبين أن معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحل الزنا، أو بمشركة تستحله وقوله: {وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3] يقول: وحرم الزنا على المؤمنين بالله ورسوله، وذلك هو النكاح الذي قال جل ثناؤه: {الزاني لا ينكح إلا زانية} [النور: 3] 17P161
[النور: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] يقول تعالى ذكره: والذين يشتمون العفائف من حرائر المسلمين، فيرمونهن بالزنا، ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن أنهن رأوهن يفعلن ذلك، فاجلدوا الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله، وخرجوا من طاعته، ففسقوا عنها. وذكر أن هذه الآية إنما نزلت في الذين رموا عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم بما رموها به من الإفك ذكر من قال ذلك حدثني أبو السائب، وإبراهيم بن سعيد، قالا: ثنا ابن فضيل، عن خصيف، قال: قلت لسعيد بن جبير: " الزنا أشد، أو قذف المحصنة؟ قال: لا، بل الزنا. قلت: إن الله يقول: {والذين يرمون المحصنات} [النور: 4] قال: إنما هذا في حديث عائشة خاصة " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] . الآية: في نساء المسلمين " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] قال: «الكاذبون» 17P162
[النور: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا . } [النور: 5] اختلف أهل التأويل في الذي استثني منه قوله: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} [آل عمران: 89] فقال بعضهم: استثني من قوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم 17P163 الفاسقون} [النور: 4] وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته، وزال عنه اسم الفسق، حد فيه، أو لم يحد ذكر من قال ذلك حدثني أحمد بن حماد الدولابي، قال: ثني سفيان، عن الزهري، عن سعيد، إن شاء الله، أن عمر، قال لأبي بكرة: «إن تبت قبلت شهادتك، أو رديت شهادتك» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب، ضرب أبا بكرة، وشبل بن معبد، ونافع بن الحارث بن كلدة حدهم. وقال لهم: «من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته» فأكذب شبل نفسه ونافع، وأبى أبو بكرة أن يفعل قال الزهري: هو والله سنة، فاحفظوه حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا داود، عن الشعبي، قال: «إذا تاب يعني القاذف ولم يعلم منه إلا خير، جازت شهادته» حدثنا عمران بن موسى قال: ثنا عبد الوارث قال: ثنا داود، عن الشعبي قال: «على الإمام أن يستتيب القاذف بعد الجلد، فإن تاب وأونس منه خير جازت شهادته، وإن لم يتب فهو خليع لا تجوز شهادته» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا عبد الوارث قال: ثنا داود، عن عامر أنه قال في القاذف: «إذا تاب وعلم منه خير إن شهادته جائزة، وإن لم يتب فهو خليع لا تجوز شهادته، وتوبته إكذابه نفسه» قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، نحوه حدثنا أبو كريب، وأبو السائب قالا: ثنا ابن إدريس قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي قال في القاذف: " إذا تاب وأكذب نفسه قبلت شهادته، وإلا كان خليعا لا شهادة له، لأن الله يقول: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} . إلى آخر الآية " حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي أنه كان يقول في شهادة القاذف: «إذا رجع عن قوله حين يضرب، أو أكذب نفسه، قبلت شهادته» قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه كان يقول: «يقبل الله توبته، وتردون شهادته؟ وكان يقبل شهادته إذا تاب» قال: أخبرنا إسماعيل، عن الشعبي أنه كان يقول في القاذف: «إذا شهد قبل أن يضرب الحد، قبلت شهادته» قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبيدة، عن إبراهيم، وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي، أنهما قالا في القاذف: «إذا شهد قبل أن يجلد فشهادته جائزة» حدثني يعقوب، قال: قال أبو بشر، يعني ابن علية، سمعت ابن أبي نجيح، يقول: «القاذف إذا تاب تجوز شهادته» وقال: «كنا نقوله» . فقيل له: من؟ قال: قال: عطاء، وطاوس، ومجاهد حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا: ثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عمر بن طلحة، عن عبد الله، قال: «إذا تاب القاذف جلد، وجازت شهادته» قال أبو موسى: هكذا قال ابن أبي عثمة " حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا: ثنا ابن أبي عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن سليمان بن يسار، والشعبي، قالا: «إذا تاب القاذف عند الجلد جازت شهادته» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة، جلد رجلا في قذف، فقال: أكذب نفسك حتى تجوز شهادتك " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي الهيثم، قال: سمعت إبراهيم، والشعبي، يتذاكران شهادة القاذف، فقال الشعبي لإبراهيم: " لم لا تقبل شهادته؟ فقال: لأني لا أدري، تاب أم لا؟
" قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: «تقبل شهادته إذا تاب» قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن يعقوب بن القعقاع، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن جبير، مثله قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن عمران بن موسى، قال: «شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن الحكم قال: قال الشعبي: «إذا تاب جازت شهادته» قال ابن المثنى. قال: عندي، يعني في القذف حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا مسعر، عن عمران بن عمير: أن عبد الله بن عتبة، «كان يجيز شهادة القاذف إذا تاب» حدثني يعقوب، قال: ثني هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «إذا تاب وأصلح قبلت شهادته، يعني القاذف» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن 17P168 ابن المسيب، قال: «تقبل شهادة القاذف إذا تاب» حدثنا الحسن قال: ثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ابن المسيب، مثله حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد، عن معمر، قال: قال الزهري: " إذا حد القاذف، فإنه ينبغي للإمام أن يستتيبه، فإن تاب قبلت شهادته، وإلا لم تقبل. قال: كذلك فعل عمر بن الخطاب بالذين شهدوا على المغيرة بن شعبة، فتابوا إلا أبا بكرة، فكان لا تقبل شهادته " وقال آخرون: الاستثناء في ذلك من قوله: {وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] وأما قوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} [النور: 4] فقد وصل بالأبد، ولا يجوز قبولها أبدا ذكر من قال ذلك حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا أشعث بن سوار، قال: ثني الشعبي قال: «كان شريح يجيز شهادة صاحب كل عمل إذا تاب إلا 17P169 القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه ولا نجيز شهادته» حدثنا حميد بن مسعدة قال: ثنا يزيد قال: ثنا أشعث بن سوار قال: ثنا الشعبي، عن شريح بنحوه، غير أنه قال: صاحب كل حد إذا كان عدلا يوم شهد حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح، قال: " كان لا يجيز شهادة القاذف، ويقول: توبته فيما بينه وبين ربه " حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن أبي عثمان، عن شريح، في القاذف: «يقبل الله توبته، ولا أقبل شهادته؟ » حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعث، عن الشعبي، قال: أتاه خصمان، فجاء أحدهما بشاهد أقطع، فقال الخصم: ألا ترى ما به؟ قال: قد أراه. قال: فسأل القوم، فأثنوا عليه خيرا، فقال شريح: «نجيز شهادة كل صاحب حد، إذا كان يوم شهد عدلا إلا القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه» 17P170 حدثنا أبو السائب قال: ثنا ابن إدريس قال: أخبرنا أشعث، عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما ببينة، فجاء بشاهد أقطع، فقال الخصم: ألا ترى إلى ما به؟ فقال شريح: قد رأيناه، وقد سألنا القوم فأثنوا خيرا. ثم ذكر سائر الحديث، نحو حديث أبي كريب. حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا الشيباني، عن الشعبي، عن شريح أنه كان يقول: «لا تقبل له شهادة أبدا، توبته فيما بينه وبين ربه، يعني القاذف» قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا الأشعث، عن الشعبي، " بأن ربابا قطع رجلا في قطع الطريق، قال: فقطع يده ورجله. قال: ثم تاب وأصلح، فشهد عند شريح، فأجاز شهادته. قال: فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته علي وهو أقطع؟ قال: فقال شريح: كل صاحب حد إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح، فشهادته جائزة إلا القاذف " حدثنا ابن المثنى قال: ثنا أبو الوليد قال: ثنا شعبة قال المغيرة أخبرني ، قال: سمعت إبراهيم يحدث عن شريح قال: " قضاء من الله: لا تقبل شهادته أبدا، توبته فيما بينه وبين ربه.
قال أبو موسى: يعني القاذف " حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال: قال 17P171 شريح: «لا يقبل الله شهادته أبدا» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: «لا تجوز شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، أنه قال: «القاذف توبته فيما بينه وبين الله، وشهادته لا تقبل» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا أبو الوليد قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: «لا تجوز شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن أنه قال: «القاذف توبته فيما بينه وبين الله، وشهادته لا تقبل» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، أنه قال في الرجل يجلد الحد قال: «لا تجوز شهادته أبدا» حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم: أنه «كان لا يقبل له شهادة أبدا، وتوبته فيما بينه وبين الله، يعني القاذف» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن حجاج، عن عمرو بن 17P172 شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجوز شهادة محدود في الإسلام» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} [النور: 4] قال: " كان يقول: لا تقبل شهادة القاذف أبدا، إنما توبته فيما بينه وبين الله " وكان 3787 شريح يقول: «لا تقبل شهادته» حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} [النور: 4] ثم قال: فمن تاب وأصلح «فشهادته في كتاب الله تقبل» والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الاستثناء من المعنيين جميعا، أعني من قوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} [النور: 4] ومن قوله: {وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن ذلك كذلك إذا لم يحد في القذف حتى تاب، 17P173 إما بأن يرفع إلى السلطان بعفو المقذوفة عنه، وإما بأن ماتت قبل المطالبة بحدها، ولم يكن لها طالب يطلب بحدها. فإذ كان ذلك كذلك، وحدثت منه توبة صحت له بها العدالة. فإذ كان من الجميع إجماعا، ولم يكن الله تعالى ذكره شرط في كتابه أن لا تقبل شهادته أبدا بعد الحد في رميه، بل نهى عن قبول شهادته في الحال التي أوجب عليه فيها الحد، سماه فيها فاسقا، كان معلوما بذلك أن إقامة الحد عليه في رميه، لا تحدث في شهادته مع التوبة من ذنبه، ما لم يكن حادثا فيها قبل إقامته عليه، بل توبته بعد إقامة الحد عليه من ذنبه أحرى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته عليه، لأن الحد يزيد المحدود عليه تطهيرا من جرمه الذي استحق عليه الحد. فإن قال قائل: فهل يجوز أن يكون الاستثناء من قوله: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] فتكون التوبة مسقطة عنه الحد، كما كانت لشهادته عندك قبل الحد وبعده مجيزة ، ولاسم الفسق عنه مزيلة؟ قيل: ذلك غير جائز عندنا، وذلك أن الحد حق عندنا للمقذوفة كالقصاص الذي يجب لها من جناية 17P174 يجنيها عليها مما فيه القصاص. ولا خلاف بين الجميع أن توبته من ذلك لا تضع عنه الواجب لها من القصاص منه، فكذلك توبته من القذف لا تضع عنه الواجب لها من الحد، لأن ذلك حق لها، إن شاءت عفته، وإن شاءت طالبت به. فتوبة العبد من ذنبه إنما تضع عن العبد الأسماء الذميمة والصفات القبيحة، فأما حقوق الآدميين التي أوجبها الله لبعضهم على بعض في كل الأحوال، فلا تزول بها ولا تبطل. واختلف أهل العلم في صفة توبة القاذف التي تقبل معها شهادته، فقال بعضهم: هو إكذابه نفسه فيه.
وقد ذكرنا بعض قائلي ذلك فيما مضى قبل، ونحن نذكر بعض ما حضرنا ذكره مما لم نذكره قبل حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن ليث، عن طاوس، قال: «توبة القاذف أن يكذب، نفسه» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، قال: " رأيت رجلا ضرب حدا في قذف بالمدينة، فلما فرغ من ضربه تناول ثوبه، ثم قال: أستغفر الله وأتوب إليه من قذف المحصنات قال: فلقيت أبا الزناد، فذكرت 17P175 ذلك له قال: فقال: إن الأمر عندنا ها هنا أنه إذا قال ذلك حين يفرغ من ضربه ولم نعلم منه إلا خيرا قبلت شهادته " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا} [النور: 5] الآية، قال: " من اعترف وأقر على نفسه علانية أنه قال البهتان، وتاب إلى الله توبة نصوحا والنصوح: أن لا يعودوا، وإقراره واعترافه عند الحد حين يؤخذ بالجلد فقد تاب، والله غفور رحيم " وقال آخرون: توبته من ذلك صلاح حاله، وندمه على ما فرط منه من ذلك، والاستغفار منه، وتركه العود في مثل ذلك من الجرم. وذلك قول جماعة من التابعين وغيرهم، وقد ذكرنا بعض قائليه فيما مضى، وهو قول مالك بن أنس. وهذا القول أولى القولين في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره جعل توبة كل ذي ذنب من أهل الإيمان تركه العود منه، والندم على ما سلف منه، واستغفار ربه منه، فيما كان من ذنب بين العبد وبينه، دون ما كان من 17P176 حقوق عباده ومظالمهم بينهم. والقاذف إذا أقيم عليه فيه الحد أو عفي عنه ، فلم يبق عليه إلا توبته من جرمه بينه وبين ربه، فسبيل توبته منه سبيل توبته من سائر أجرامه. فإذ كان الصحيح في ذلك من القول ما وصفنا، فتأويل الكلام: وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من جرمهم الذي اجترموه بقذفهم المحصنات من بعد اجترامهموه {فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 192] يقول: ساتر على ذنوبهم بعفوه لهم عنها، رحيم بهم بعد التوبة أن يعذبهم عليها، فاقبلوا شهادتهم، ولا تسموهم فسقة، بل سموهم بأسمائهم التي هي لهم في حال توبتهم 17P175
[النور: 6_7] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين 8 والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين} [النور: 6_7] يقول تعالى ذكره: {والذين يرمون} [النور: 4] من الرجال {أزواجهم} [المؤمنون: 6] بالفاحشة، فيقذفونهن بالزنا، {ولم يكن لهم شهداء} [النور: 6] يشهدون لهم بصحة ما رموهن به من الفاحشة، {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} [النور: 6] واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: (أربع شهادات) نصبا، ولنصبهم ذلك وجهان: أحدهما: أن تكون الشهادة في قوله: {فشهادة أحدهم} [النور: 6] مرفوعة بمضمر قبلها، وتكون (الأربع) منصوبا بمعنى الشهادة، فيكون تأويل الكلام حينئذ: فعلى أحدهم أن يشهد أربع شهادات بالله. والوجه الثاني: أن تكون الشهادة مرفوعة بقوله: {إنه لمن الصادقين} [النور: 6] و (الأربع) منصوبة بوقوع الشهادة عليها، كما يقال: شهادتي ألف مرة إنك لرجل سوء، وذلك أن العرب ترفع الأيمان بأجوبتها، فتقول: حلف صادق لأقومن، وشهادة عمرو ليقعدن. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: { (أربع شهادات) } برفع (الأربع) ، ويجعلونها للشهادة مرافعة، وكأنهم وجهوا تأويل الكلام: فالذي يلزم من الشهادة أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) بنصب أربع، بوقوع (الشهادة) عليها، و (الشهادة) مرفوعة حينئذ على ما وصفت من الوجهين قبل، وأحب وجهيهما إلي أن تكون به مرفوعة بالجواب، وذلك قوله : {إنه لمن الصادقين} [النور: 6] وذلك أن معنى الكلام: والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، تقوم مقام الشهداء الأربعة في دفع الحد عنه. فترك ذكر تقوم مقام الشهداء الأربعة، اكتفاء بمعرفة السامعين بما ذكر من الكلام، فصار مرافع (الشهادة) ما وصفت. ويعني بقوله: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] فحلف أحدهم أربع أيمان بالله، من قول القائل: أشهد بالله إنه لمن الصادقين فيما رمى زوجته به من الفاحشة، {والخامسة} [النور: 7] يقول: والشهادة الخامسة {أن لعنة الله عليه} يقول: إن لعنة الله له واجبة ، وعليه حالة إن كان فيما رماها به من الفاحشة من الكاذبين. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت به جماعة من أهل التأويل ذكر الرواية بذلك، وذكر السبب الذي فيه أنزلت هذه الآية حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن عكرمة، قال: لما نزلت {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] قال سعد بن عبادة: الله إن أنا رأيت لكاع متفخذها رجل، فقلت بما رأيت، إن في ظهري لثمانين إلى ما أجمع أربعة؟ قد ذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ » ، قالوا: يا رسول الله، لا تلمه وذكروا من غيرته فما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة قط فرجع فيها أحد منا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن الله يأبى إلا ذاك»، فقال: لا والله، لا يجعل في ظهري ثمانين أبدا، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت قال: فأنزل الله القرآن باللعان، فقيل له: احلف فحلف قال: «قفوه عند الخامسة، فإنها موجبة» . فقال: لا يدخله الله النار بهذا أبدا، كما درأ عنه جلد ثمانين، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت فحلف، ثم قيل: احلفي فحلفت، ثم قال: «قفوها عند الخامسة، فإنها موجبة» . فقيل لها: إنها موجبة، فتلكأت ساعة، ثم قالت: لا أخزي قومي، فحلفت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها ، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه ما قيل» .
قال: فجاءت به غلاما كأنه جمل أورق، فكان بعد أميرا بمصر، لا يعرف نسبه، أو لا يدرى من أبوه " حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا عباد، قال: سمعت عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] قال سعد بن عبادة: لهكذا أنزلت يا رسول الله؟ لو أتيت لكاع قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار، أما تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ » قالوا: لا تلمه، فإنه رجل غيور، ما تزوج فينا قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها قال سعد: 17P181 يا رسول الله، بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله، وأنها حق، ولكن عجبت لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته فوالله ما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من حديقة له، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح. فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء، فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتاه به ، وثقل عليه جدا، حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله، إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق، وما قلت إلا حقا، فإني لأرجو أن يجعل الله فرجا. قال: واجتمعت الأنصار، فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال بن أمية، وتبطل شهادته في المسلمين؟ فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربه، فإنه لكذلك يريد أن يأمر بضربه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل، حتى فرغ، فأنزل الله: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} [النور: 6] . إلى: {أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} [النور: 9] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشر يا هلال، فإن الله قد جعل فرجا» فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسلوا إليها» فجاءت، فلما اجتمعا 17P182 عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها، فكذبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ » فقال هلال: يا رسول الله، بأبي وأمي، لقد صدقت وما قلت إلا حقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاعنوا بينهما» قيل لهلال: يا هلال اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، إنها الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد الخامسة: {أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين} ثم قيل لها: اشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقيل لها عند الخامسة: اتقي الله، فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة ، التي توجب عليك العذاب.
فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة: {أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} [النور: 9] ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى أن الولد لها، ولا يدعى لأب، ولا يرمى ولدها " حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا أبو أحمد الحسين بن محمد، قال: ثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قذف 17P183 هلال بن أمية امرأته، قيل له: والله ليجلدنك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانين جلدة قال: الله أعدل من ذلك أن يضربني ضربة وقد علم أني قد رأيت حتى استيقنت، وسمعت حتى استثبت، لا والله لا يضربني أبدا فنزلت آية الملاعنة، فدعا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت الآية، فقال: «الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب» ؟ فقال هلال: والله إني لصادق. فقال له: " احلف بالله الذي لا إله إلا هو: إني لصادق «يقول ذلك أربع مرات» فإن كنت كاذبا فعلي لعنة الله ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قفوه عند الخامسة، فإنها موجبة» فحلف. ثم قالت أربعا: والله الذي لا إله إلا هو إنه لمن الكاذبين، فإن كان صادقا فعليها غضب الله. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قفوها عند الخامسة، فإنها موجبة» فترددت، وهمت بالاعتراف، ثم قالت: لا أفضح قومي " حدثنا أبو كريب، وأبو هشام الرفاعي قالا: ثنا عبدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا ليلة الجمعة في المسجد، فدخل رجل ، فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله، قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آية اللعان. ثم جاء الرجل بعد، فقذف امرأته، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، فقال: «عسى أن تجيء به أسود جعدا» . فجاءت به أسود جعدا حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أيفرق بين المتلاعنين؟ فقال: نعم، سبحان الله " إن أول من سأل عن ذلك فلان، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: أرأيت لو أن أحدنا رأى صاحبته على فاحشة، كيف يصنع؟ فلم يجبه في ذلك شيئا. قال: فأتاه بعد ذلك، فقال: إن الذي سألت عنه قد ابتليت به. فأنزل الله هذه الآية في سورة النور، فدعا الرجل، فوعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة؛ قال: والذي بعثك بالحق، لقد رأيت، وما كذبت عليها قال: ودعا المرأة فوعظها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: والذي بعثك بالحق ، إنه لكاذب، وما رأى شيئا قال: فبدأ الرجل، فشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الصادقين، والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين؛ ثم إن المرأة شهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وفرق بينهما " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عامر، قال: " لما أنزل: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] قال عاصم بن عدي: إن أنا رأيت فتكلمت جلدت ثمانين، وإن أنا سكت سكت على الغيظ قال: فكأن ذلك شق على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأنزلت هذه الآية: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} [النور: 6] قال: فما لبثوا إلا جمعة، حتى كان بين رجل من قومه وبين امرأته، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما " حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} [النور: 6] الآية، والخامسة: أن يقال له: إن عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين.
وإن أقرت المرأة بقوله رجمت، وإن أنكرت شهدت أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن يقال لها: غضب الله عليك إن كان من الصادقين فيدرأ عنها العذاب، ويفرق بينهما، فلا يجتمعان أبدا، ويلحق الولد بأمه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] قال: «هلال بن أمية، والذي رميت به 17P186 شريك بن سحماء، والذي استفتى عاصم بن عدي» قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني الزهري، عن الملاعنة، والسنة، فيها، عن حديث، سهل بن سعد: أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر من أمر المتلاعنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد قضى الله فيك وفي امرأتك» فتلاعنا وأنا شاهد. ثم فارقها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت السنة بعدها أن يفرق بين المتلاعنين. وكانت حاملة، فأنكره، فكان ابنها يدعى إلى أمه، ثم جرت السنة أن ابنها يرثها وترث ما فرض الله لها " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] . إلى قوله: {إن كان من الكاذبين} [النور: 7] قال: إذا شهد الرجل خمس شهادات، فقد برئ كل واحد من الآخر، وعدتها إن كانت حاملا أن تضع حملها، ولا يجلد واحد منهما؛ وإن لم تحلف أقيم عليها الحد والرجم " 17P186
[النور: 8_9] القول في تأويل قوله تعالى: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} [النور: 8_9] يعني جل ذكره بقوله: {ويدرأ عنها العذاب} [النور: 7] ويدفع عنها الحد واختلف أهل العلم في العذاب الذي عناه الله في هذا الموضع أنه يدرؤه عنها شهاداتها الأربع، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك، من أن الحد جلد مائة إن كانت بكرا، أو الرجم إن كانت ثيبا قد أحصنت. وقال آخرون: بل ذلك الحبس، وقالوا: الذي يجب عليها إن هي لم تشهد الشهادات الأربع بعد شهادات الزوج الأربع والتعانه: الحبس دون الحد. وإنما قلنا: الواجب عليها إذا هي امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج الحد الذي وصفنا، قياسا على إجماع الجميع على أن الحد إذا زال عن الزوج بالشهادات الأربع على تصديقه فيما رماها به، أن الحد عليها واجب، فجعل الله أيمانه الأربع والتعانه في الخامسة مخرجا له من الحد الذي يجب لها برمية إياها، كما جعل الشهداء الأربعة مخرجا له منه في ذلك وزائلا به عنه الحد؛ فكذلك الواجب أن يكون بزوال الحد عنه بذلك واجبا عليها حدها، كما كان بزواله عنه بالشهود واجبا عليها، لا فرق بين ذلك. وقد استقصينا العلل في ذلك في باب اللعان من كتابنا المسمى (لطيف القول في شرائع الإسلام "، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع وقوله: {أن تشهد أربع شهادات بالله} [النور: 8] يقول: ويدفع عنها العذاب أن تحلف بالله أربع أيمان: أن زوجها الذي رماها بما رماها به من الفاحشة، لمن الكاذبين فيما رماها من الزنا. وقوله: {والخامسة أن غضب الله عليها} [النور: 9] الآية، يقول: والشهادة الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان زوجها فيما رماها به من الزنا من الصادقين. ورفع قوله: {والخامسة} [النور: 7] في كلتا الآيتين، ب (أن) التي تليها 17P188 [النور: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم} [النور: 10] يقول تعالى ذكره: ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته بكم، وأنه عواد 17P189 على خلقه بلطفه وطوله، حكيم في تدبيره إياهم، وسياسته لهم؛ لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، وفضح أهل الذنوب منكم بذنوبهم، ولكنه ستر عليكم ذنوبكم، وترك فضيحتكم بها عاجلا، رحمة منه بكم، وتفضلا عليكم، فاشكروا نعمه، وانتهوا عن التقدم عما عنه نهاكم من معاصيه. وترك الجواب في ذلك، اكتفاء بمعرفة السامع المراد منه 17P188
[النور: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} [النور: 11] يقول تعالى ذكره: إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان {عصبة منكم} [النور: 11] يقول: جماعة منكم أيها الناس. {لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم} [النور: 11] يقول: لا تظنوا ما جاءوا به من الإفك شرا لكم عند الله وعند الناس، بل ذلك خير لكم عنده وعند المؤمنين؛ وذلك أن الله يجعل ذلك كفارة للمرمي به، ويظهر براءته مما رمي به، ويجعل له منه مخرجا. وقيل: إن الذي عنى الله بقوله: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} جماعة، منهم حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش كما حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة: أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: كتبت إلي تسألني في الذين جاءوا بالإفك، وهم كما قال الله: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} وأنه لم يسم منهم أحد إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، وهو يقال في آخرين لا علم لي بهم؛ غير أنهم عصبة كما قال الله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {جاءوا بالإفك عصبة منكم} «هم أصحاب عائشة» قال ابن جريج: قال ابن عباس: قوله: {جاءوا بالإفك عصبة منكم} . الآية، الذين افتروا على عائشة: عبد الله بن أبي، وهو الذي تولى كبره، وحسان بن ثابت، ومسطح، وحمنة بنت جحش " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} الذين قالوا لعائشة 17P191 الإفك والبهتان " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم} قال: الشر لكم بالإفك الذي قالوا، الذي تكلموا به، كان شرا لهم، وكان فيهم من لم يقله إنما سمعه، فعاتبهم الله، فقال أول شيء: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم، بل هو خير لكم} ثم قال: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} [النور: 11] " وقوله: {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم} [النور: 11] يقول: لكل امرئ من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما اجترم من الإثم، بمجيئه بما جاء به، من الأولى: عبد الله. وقوله: {والذي تولى كبره منهم} [النور: 11] يقول: والذي تحمل معظم ذلك الإثم والإفك منهم هو الذي بدأ بالخوض فيه كما حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {والذي تولى كبره منهم} [النور: 11] يقول: الذي بدأ بذلك " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {عصبة منكم} [النور: 11] قال: «أصحاب عائشة؛ عبد الله بن أبي ابن سلول، ومسطح، وحسان» قال أبو جعفر: له من الله عذاب عظيم يوم القيامة وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: {كبره} [النور: 11] فقرأت ذلك عامة قراء الأمصار: {كبره} [النور: 11] بكسر الكاف، سوى حميد الأعرج، فإنه كان يقرؤه: «كبره» بمعنى: والذي تحمل أكبره وأولى القراءتين في ذلك بالصواب: القراءة التي عليها عوام القراء، وهي كسر الكاف، لإجماع الحجة من القراء عليها، وأن الكبر بالكسر: مصدر الكبير من الأمور، وأن الكبر بضم الكاف: إنما هو من الولاء والنسب، من قولهم: هو كبر قومه؛ والكبر في هذا الموضع: هو ما وصفناه من معظم الإثم والإفك. فإذا كان ذلك كذلك، فالكسر في كافه هو الكلام الفصيح دون ضمها، وإن كان لضمها وجه مفهوم 17P193 وقد اختلف أهل التأويل في المعني بقوله: {والذي تولى كبره منهم} [النور: 11] .
الآية، فقال بعضهم: هو حسان بن ثابت ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن قزعة، قال: ثنا مسلمة بن علقمة، قال: ثنا داود، عن عامر، أن عائشة، قالت: " ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: [+البحر الوافر] هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفء؟ فشركما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء فقيل: يا أم المؤمنين، أليس هذا لغوا؟ قالت؛ لا، إنما اللغو ما قيل عند النساء. قيل: أليس الله يقول: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} [النور: 11] قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره، وكنع بالسيف؟ " قال: ثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: " كنت عند عائشة، فدخل حسان بن ثابت، فأمرت، فألقي له وسادة؛ فلما خرج قلت لعائشة: ما 17P194 تصنعين بهذا، وقد قال الله ما قال؟ فقالت: قال الله: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} [النور: 11] وقد ذهب بصره، ولعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: " دخل حسان بن ثابت على عائشة، فشبب بأبيات له، فقال [+البحر الطويل] وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت عائشة: «أما إنك لست كذلك» فقلت: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد أنزل الله فيه: {والذي تولى كبره} [النور: 11] . الآية؟ فقالت: «وأي عذاب أشد من العمى» وقالت: «إنه كان يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» حدثني محمد بن عثمان الواسطي، قال: ثنا جعفر بن عون، عن المعلى بن عرفان، عن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: " تفاخرت عائشة وزينب، قال: فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء. قال: وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في 17P195 كتابه حين حملني ابن المعطل على الراحلة. فقالت لها زينب: يا عائشة، ما قلت حين ركبتيها؟ قالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل قالت: قلت كلمة المؤمنين " وقال آخرون: هو عبد الله بن أبي ابن سلول ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: " كان الذين تكلموا فيه: المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان يستوشيه، ويجمعه، وهو الذي تولى كبره، ومسطحا، وحسان بن ثابت " حدثنا سفيان، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقاص، وغيره، أيضا، قالوا: قالت عائشة: «كان الذي تولى كبره الذي يجمعهم في بيته، عبد الله بن أبي ابن سلول» حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا محمد بن ثور، عن معمر عن ابن شهاب قال: ثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة، عن عائشة قالت: " كان الذي تولى كبره: عبد الله بن أبي " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {إن الذين جاءوا} .
الآية، الذين افتروا على عائشة: عبد الله بن أبي، وهو الذي تولى كبره، وحسان، ومسطح، وحمنة بنت جحش " حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، في الذين جاءوا بالإفك: «يزعمون أنه كان كبر ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول، أحد بني عوف بن الخزرج؛ وأخبرت أنه كان يحدث به عنهم فيقره، ويسمعه ويستوشيه» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " أما الذي تولى كبره منهم، فعبد الله بن أبي ابن سلول الخبيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقود بها " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «والذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو بدأه» 17P197 وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: الذي تولى كبره من عصبة الإفك، كان عبد الله بن أبي، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير، أن الذي بدأ بذكر الإفك، وكان يجمع أهله ويحدثهم، عبد الله بن أبي ابن سلول، وفعله ذلك على ما وصفت كان توليه كبر ذلك الأمر. وكان سبب مجيء أهل الإفك ما حدثنا به ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، ثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث، عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت اقتصاصا، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضا: زعموا أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، وأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه. فسرنا، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه، وقفل إلى المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت 17P198 الجيش؛ فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا، لم يهبلهن، ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام. فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني، ويرجعون إلي. فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت حتى أصبحت. وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني، قد عرس من وراء الجيش، فادلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه حين 17P199 عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمت بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة . فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول.
فقدمنا المدينة، فاشتكيت شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم، ثم يقول: «كيف تيكم؟ » فذلك يريبني، ولا أشعر بالشر. حتى خرجت بعد ما نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب. فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟ فقالت: أي 17P200 هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي. فلما رجعت إلى منزلي، ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «كيف تيكم؟ » فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قال: «نعم» . قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستثبت الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أبوي، فقلت لأمي: أي أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟ فقالت: أي بنية، هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها. قالت: قلت: سبحان الله أو قد تحدث الناس بهذا ، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت، فدخل علي أبو بكر وأنا أبكي، فقال لأمي: ما يبكيها؟ قالت: لم تكن علمت ما قيل لها. فأكب يبكي، فبكى ساعة، ثم قال: اسكتي يا بنية فبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلي المقبل لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتى ظن أبواي أن البكاء سيفلق كبدي. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله؛ قالت: فأما أسامة، فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله، هم 17P201 أهلك، ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، يعني بريرة. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: «هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ » قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها، أكثر من أنها حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «من يعذرني ممن قد بلغني أذاه في أهلي؟ » يعني: عبد الله بن أبي ابن سلول. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر أيضا: «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي» فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقام سعد بن عبادة، فقال، وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال: أي سعد بن معاذ، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عمة سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله 17P202 لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان: الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا. ثم أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في بيت أبوي، فبينا هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي؛ قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلس عندي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء؛ قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: «أما بعد يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه» . فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي، حتى ما أحس منه دمعة؛ قلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله، لقد عرفت أن قد سمعتم بهذا، حتى استقر في أنفسكم، حتى كدتم أن تصدقوا به، فإن قلت لكم: إني بريئة والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني 17P203 بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: {والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18]، ثم توليت واضطجعت على فراشي، وأنا والله، أعلم أني بريئة، وأن الله سيبرئني ببراءتي، ولكني والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام رؤيا يبرئني الله بها. قالت: والله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج من البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، كان أول كلمة تكلم بها أن قال: «أبشري يا عائشة، إن الله قد برأك» فقالت لي أمي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي. فأنزل الله: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} عشر آيات، فأنزل هذه الآيات براءة لي. قالت: فقال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا، بعد الذي قال لعائشة قالت: فأنزل الله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة} حتى بلغ 17P204 : {غفور رحيم} [البقرة: 173]، فقال أبو بكر: إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، وما رأت وما سمعت، فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما رأيت إلا خيرا.
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?