Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bagian V02/P396–V02/P397

مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت، فهو يشتمل على معنى الإنساء الذي هو بمعنى الترك، ومعنى النساء الذي هو بمعنى التأخير، إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك. وقد أنكر قوم قراءة من قرأ: «أو تنسها» إذا عني به النسيان، وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرآن شيئا مما لم ينسخ إلا أن يكون نسي منه شيئا ثم ذكره. قالوا: وبعد، فإنه لو نسي منه شيئا لم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه بجائز على جميعهم أن ينسوه. قالوا: وفي قول الله جل ثناؤه: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} [الإسراء: 86] ما ينبئ عن أن الله تعالى ذكره لم ينس نبيه شيئا مما آتاه من العلم. قال أبو جعفر: وهذا قول يشهد على بطوله وفساده الأخبار المتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنحو الذي قلنا حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك: " أن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفيهم كتابا: «بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» ثم إن ذلك رفع " فالذي ذكرنا عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرءون: «لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» ثم رفع، وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بإحصائها الكتاب. وغير مستحيل في فطرة ذي عقل صحيح ولا بحجة خبر أن ينسي الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعض ما قد كان أنزله إليه. فإذا كان ذلك غير مستحيل من أحد هذين الوجهين، فغير جائز لقائل أن يقول ذلك غير جائز. وأما قوله: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} [الإسراء: 86] فإنه جل ثناؤه لم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب 02P399 به والحمد لله؛ بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه، وقد قال الله تعالى ذكره: {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله} فأخبر أنه ينسي نبيه منه ما شاء، فالذي ذهب منه الذي استثناه الله. فأما نحن فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى، لا إنكار أن يكون الله تعالى ذكره قد كان أنسى نبيه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله 02P398

Bagian V02/P397–V02/P401

[البقرة: 106] القول في تأويل قوله تعالى: {نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] فقال بعضهم بما حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] يقول: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم " وقال آخرون بما حدثني به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] يقول: آية فيها تخفيف، فيها رحمة، فيها أمر، فيها نهي " 02P400 وقال آخرون: نأت بخير من التي نسخناها، أو بخير من التي تركناها فلم ننسخها ذكر من قال ذلك حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " {نأت بخير منها} [البقرة: 106] يقول: نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها أو مثل التي تركناها " فالهاء والألف اللتان في قوله: {منها} [البقرة: 106] عائدتان على هذه المقالة على الآية في قوله: {ما ننسخ من آية} [البقرة: 106] والهاء والألف اللتان في قوله: {أو مثلها} [البقرة: 106] عائدتان على الهاء والألف اللتين في قوله: {أو ننسها} [البقرة: 106] وقال آخرون بما حدثني به المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان عبيد بن عمير يقول: " {ننسها} [البقرة: 106] نرفعها من عندكم، نأت بمثلها أو خير منها " حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {أو ننسها} [البقرة: 106] نرفعها نأت بخير منها أو بمثلها " وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا بكر بن شوذب، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أصحاب ابن مسعود، مثله والصواب من القول في معنى ذلك عندنا: ما نبدل من حكم آية فنغيره أو نترك تبديله فنقره بحاله، نأت بخير منها لكم من حكم الآية التي نسخنا فغيرنا حكمها، إما في العاجل لخفته عليكم، من أجل أنه وضع فرض كان عليكم فأسقط ثقله عنكم، وذلك كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل، ثم نسخ ذلك فوضع عنهم، فكان ذلك خيرا لهم في عاجلهم لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم؛ وإما في الآجل لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله وثقل عبئه على الأبدان، كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة، فنسخ وفرض عليهم مكانه صوم شهر كامل في كل حول، فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة أثقل على الأبدان من صيام أيام معدودات. غير أن ذلك وإن كان كذلك، فالثواب عليه أجزل والأجر عليه أكثر، لفضل مشقته على مكلفيه من صوم أيام معدودات، فذلك وإن كان على الأبدان أشق فهو خير من الأول في الآجل لفضل ثوابه وعظم أجره الذي لم يكن مثله لصوم الأيام المعدودات. فذلك معنى قوله: {نأت بخير منها} [البقرة: 106] لأنه إما بخير منها في العاجل لخفته على من كلفه، أو في الآجل لعظم ثوابه وكثرة أجره. أو يكون مثلها في المشقة على البدن واستواء الأجر والثواب عليه، نظير نسخ الله تعالى ذكره فرض الصلاة شطر بيت المقدس إلى فرضها شطر المسجد الحرام. فالتوجه شطر بيت المقدس، وإن خالف التوجه شطر المسجد، فكلفة التوجه شطر أيهما توجه شطره واحدة؛ لأن الذي على المتوجه شطر البيت المقدس من مؤنة توجهه شطره، نظير الذي على بدنه مؤنة توجهه شطر الكعبة سواء. فذلك هو معنى المثل الذي قال جل ثناؤه: {أو مثلها} [البقرة: 106] . وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة: 106] ما ننسخ من حكم آية أو ننسه. غير أن المخاطبين بالآية لما كان مفهوما عندهم معناها اكتفي بدلالة ذكر الآية من ذكر حكمها. وذلك نظير سائر ما ذكرنا من نظائره فيما مضى من كتابنا هذا، كقوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93] بمعنى حب العجل ونحو ذلك.

Bagian V02/P401–V02/P402

فتأويل الآية إذا: ما نغير من حكم آية فنبدله أو نتركه فلا نبدله، نأت بخير لكم أيها المؤمنون حكما منها، أو مثل حكمها في الخفة والثقل والأجر والثواب. فإن قال قائل: فإنا قد علمنا أن العجل لا يشرب في القلوب وأنه لا يلتبس على من سمع قوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93] أن معناه: وأشربوا في قلوبهم حب العجل، فما الذي يدل على أن قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها} [البقرة: 106] لذلك نظير؟ قيل: الذي دل على أن ذلك كذلك قوله: {نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء؛ لأن جميعه كلام الله، ولا يجوز في صفات الله تعالى ذكره أن يقال بعضها أفضل من بعض وبعضها خير من بعض 02P403

Bagian V02/P402

[البقرة: 106] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 106] يعني جل ثناؤه بقوله: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 106] ألم تعلم يا محمد أني قادر على تعويضك مما نسخت من أحكامي وغيرته من فرائضي التي كنت افترضتها عليك ما أشاء مما هو خير لك ولعبادي المؤمنين معك وأنفع لك ولهم، إما عاجلا في الدنيا وإما آجلا في الآخرة. أو بأن أبدل لك ولهم مكانه مثله في النفع لهم عاجلا في الدنيا وآجلا في الآخرة وشبيهه في الخفة عليك وعليهم. فأعلم يا محمد أني على ذلك وعلى كل شيء قدير. ومعنى قوله: {قدير} [البقرة: 20] في هذا الموضع: قوي، يقال منه: قد قدرت على كذا وكذا. إذا قويت عليه أقدر عليه وأقدر عليه قدرة وقدرانا ومقدرة. وبنو مرة من غطفان تقول: قدرت عليه بكسر الدال. فأما من التقدير من قول القائل: قدرت الشيء فإنه يقال منه: قدرته أقدره قدرا وقدرا 02P403

Bagian V02/P402–V02/P405

[البقرة: 107] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} [البقرة: 107] 02P403 قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن الله على كل شيء قدير وأنه له ملك السموات والأرض حتى قيل له ذلك؟ قيل: بلى، فقد كان بعضهم يقول: إنما ذلك من الله جل ثناؤه خبر عن أن محمدا قد علم ذلك؛ ولكنه قد أخرج الكلام مخرج التقرير كما تفعل مثله العرب في خطاب بعضها بعضا، فيقول أحدهما لصاحبه: ألم أكرمك؟ ألم أتفضل عليك؟ بمعنى إخباره أنه قد أكرمه وتفضل عليه، يريد أليس قد أكرمتك؟ أليس قد تفضلت عليك؟ بمعنى قد علمت ذلك. قال: وهذا لا وجه له عندنا؛ وذلك أن قوله جل ثناؤه {ألم تعلم} [البقرة: 106] إنما معناه: أما علمت. وهو حرف جحد أدخل عليه حرف استفهام، وحروف الاستفهام إنما تدخل في الكلام إما بمعنى الاستثبات، وإما بمعنى النفي. فأما بمعنى الإثبات فذلك غير معروف في كلام العرب، ولا سيما إذا دخلت على حروف الجحد؛ ولكن ذلك عندي وإن كان ظهر ظهور الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنما هو معنى به أصحابه الذين قال الله جل ثناؤه: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} [البقرة: 104] . والذي يدل على أن ذلك كذلك قوله جل ثناؤه: {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} [البقرة: 107] فعاد بالخطاب في آخر الآية إلى جميعهم، وقد ابتدأ أولها بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} لأن المراد بذلك الذين وصفت أمرهم من أصحابه، وذلك من كلام العرب مستفيض بينهم فصيح، أن يخرج المتكلم كلامه على وجه الخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره، وعلى وجه الخطاب لواحد وهو يقصد به جماعة غيره، أو جماعة والمخاطب به أحدهم؛ وعلى هذا الخطاب للجماعة والمقصود به أحدهم، من ذلك قول الله جل ثناؤه: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} [الأحزاب: 1] ثم قال: {واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا} [الأحزاب: 2] فرجع إلى خطاب الجماعة، وقد ابتدأ الكلام بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: [+البحر المنسرح] إلى السراج المنير أحمد لا يعدلني رغبة ولا رهب عنه إلى غيره ولو رفع الناس إلي العيون وارتقبوا وقيل أفرطت بل قصدت ولو عنفني القائلون أو ثلبوا لج بتفضيلك اللسان ولو أكثر فيك الضجاج واللجب أنت المصفى المحض المهذب في النسبة إن نص قومك النسب فأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قاصد بذلك أهل بيته، فكنى عن وصفهم ومدحهم بذكر النبي صلى الله عليه وسلم وعن بني أمية بالقائلين المعنفين؛ لأنه معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي صلى الله عليه وسلم وتفضيله، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله. وكما قال جميل بن معمر: [+البحر الطويل] ألا إن جيراني العشية رائح دعتهم دواع من هوى ومنادح فقال: «ألا إن جيراني العشية» فابتدأ الخبر عن جماعة جيرانه، ثم قال: «رائح» لأن قصده في ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه الخبر عن واحد منهم دون جماعتهم. وكما قال جميل أيضا في كلمته الأخرى: خليلي فيما عشتما هل رأيتما قتيلا بكى من حب قاتله قبلي وهو يريد قاتلته؛ لأنه إنما يصف امرأة فكنى باسم الرجل عنها وهو يعنيها.

Bagian V02/P405–V02/P408

فكذلك قوله: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 106] {ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} وإن كان ظاهر الكلام على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه مقصود به قصد أصحابه؛ وذلك بين بدلالة قوله: {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل} [البقرة: 108] الآيات الثلاث بعدها على أن ذلك كذلك أما قوله: {له ملك السموات والأرض} ولم يقل ملك السماوات، فإنه عنى بذلك ملك السلطان والمملكة دون الملك، والعرب إذا أرادت الخبر عن المملكة التي هي مملكة سلطان، قالت: ملك الله الخلق ملكا، وإذا أرادت الخبر عن الملك قالت: ملك فلان هذا الشيء فهو يملكه ملكا وملكه وملكا. فتأويل الآية إذا: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري أحكم فيهما وفيما فيهما ما أشاء وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر منها ما أشاء؟ وهذا الخبر وإن كان من الله عز وجل خطابا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى، وأنكروا محمدا صلى الله عليه وسلم، لمجيئهما بما جاء به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، فإن الخلق أهل مملكته وطاعته، عليهم السمع له والطاعة لأمره ونهيه، وإن له أمرهم بما شاء ونهيهم عما شاء، ونسخ ما شاء وإقرار ما شاء، وإنساء ما شاء من أحكامه وأمره ونهيه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه: انقادوا لأمري، وانتهوا إلى طاعتي فيما أنسخ وفيما أترك فلا أنسخ من أحكامي وحدودي وفرائضي، ولا يهولنكم خلاف مخالف لكم في أمري ونهيي وناسخي ومنسوخي، فإنه لا قيم بأمركم سواي، ولا ناصر لكم غيري، وأنا المنفرد بولايتكم والدفاع عنكم، والمتوحد بنصرتكم بعزي وسلطاني وقوتي على من ناوأكم وحادكم ونصب حرب العداوة بينه وبينكم، حتى أعلي حجتكم، وأجعلها عليهم لكم. والولي معناه «فعيل» ، من قول القائل: وليت أمر فلان: إذا صرت قيما به فأنا إليه فهو وليه وقيمه؛ ومن ذلك قيل: فلان ولي عهد المسلمين، يعني به: القائم بما عهد إليه من أمر المسلمين. وأما النصير فإنه فعيل من قولك: نصرتك أنصرك فأنا ناصرك ونصيرك؛ وهو المؤيد والمقوي وأما معنى قوله: {من دون الله} [البقرة: 23] فإنه سوى الله وبعد الله. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [+البحر البسيط] يا نفس مالك دون الله من واقي وما على حدثان الدهر من باقي يريد: مالك سوى الله وبعد الله من يقيك المكاره. 02P409 فمعنى الكلام إذا: وليس لكم أيها المؤمنون بعد الله من قيم بأمركم ولا نصير فيؤيدكم ويقويكم فيعينكم على أعدائكم

Bagian V02/P408–V02/P411

[البقرة: 108] القول في تأويل قوله تعالى: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} [البقرة: 108] اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية فقال بعضهم بما حدثنا به أبو كريب، قال: حدثني يونس بن بكير، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قالا: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس: قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك. فأنزل الله في ذلك من قولهم: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل} [البقرة: 108] الآية " وقال آخرون بما حدثنا بشر بن معاذ، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل} [البقرة: 108] وكان موسى يسأل فقيل له: {أرنا الله جهرة} [النساء: 153] " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {أم تريدون أن تسألوا، رسولكم كما سئل موسى من قبل} [البقرة: 108] أن يريهم الله 02P410 جهرة، فسألت العرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله فيروه جهرة " وقال آخرون بما حدثني به، محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل} [البقرة: 108] أن يريهم الله جهرة. فسألت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له الصفا ذهبا، قال: «نعم، وهو لكم كمائدة بني إسرائيل إن كفرتم» . فأبوا ورجعوا " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: " سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا، فقال: «نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم» . فأبوا ورجعوا، فأنزل الله {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل} [البقرة: 108] أن يريهم الله جهرة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله وقال آخرون بما حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: قال رجل: " يا رسول الله لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا نبغيها، ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل» فقال النبي: " كانت بنو إسرائيل إذا فعل أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة، وقد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني إسرائيل، قال: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] " قال: وقال: " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن وقال: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك» . فأنزل الله: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل} [البقرة: 108] " واختلف أهل العربية في معنى {أم} [البقرة: 108] التي في قوله: {أم تريدون} [البقرة: 108] . فقال بعض البصريين: هي بمعنى الاستفهام، وتأويل الكلام: أتريدون أن تسألوا رسولكم؟ وقال آخرون منهم: هي بمعنى استفهام مستقبل منقطع من الكلام، كأنك تميل بها إلى أوله كقول العرب: إنها لإبل يا قوم أم شاء، ولقد كان كذا وكذا أم حدس نفسي. قال: وليس قوله: {أم تريدون} [البقرة: 108] على الشك؛ ولكنه قاله ليقبح له صنيعهم.

Bagian V02/P411–V02/P413

واستشهد لقوله ذلك ببيت الأخطل: [+البحر الكامل] كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا وقال بعض نحويي الكوفيين: إن شئت جعلت قوله: {أم تريدون} [البقرة: 108] استفهاما على كلام قد سبقه، كما قال جل ثناؤه: {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه} [السجدة: 2] فجاءت «أم» وليس قبلها استفهام. فكان ذلك عنده دليلا على أنه استفهام مبتدأ على كلام سبقه. وقال قائل هذه المقالة: «أم» في المعنى تكون ردا على الاستفهام على جهتين، إحداهما: أن تعرف معنى «أي» ، والأخرى أن يستفهم بها، ويكون على جهة النسق، والذي ينوى به الابتداء؛ إلا أنه ابتداء متصل بكلام، فلو ابتدأت كلاما ليس قبله كلام ثم استفهمت لم يكن إلا بالألف أو ب «هل» . قال: وإن شئت قلت في قوله: {أم تريدون} [البقرة: 108] قبله استفهام، فرد عليه وهو في قوله: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 106] . والصواب من القول في ذلك عندي على ما جاءت به الآثار التي ذكرناها عن أهل التأويل أنه استفهام مبتدأ بمعنى: أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم؟ وإنما جاز أن يستفهم القوم ب «أم» وإن كانت «أم» أحد شروطها أن تكون نسقا في الاستفهام لتقدم ما تقدمها من الكلام؛ لأنها تكون استفهاما مبتدأ إذا تقدمها سابق من الكلام، ولم يسمع من العرب استفهام بها ولم يتقدمها كلام، ونظيره قوله جل ثناؤه: {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه} [السجدة: 1] وقد تكون «أم» بمعنى «بل» إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه «أي» ، فيقولون: هل لك قبلنا حق، أم أنت رجل معروف بالظلم؟ وقال الشاعر: [+البحر الطويل] فوالله ما أدري أسلمى تغولت أم القوم أم كل إلي حبيب يعني: بل كل إلي حبيب. وقد كان بعضهم يقول منكرا قول من زعم أن «أم» في قوله: {أم تريدون} [البقرة: 108] استفهام مستقبل منقطع من الكلام يميل بها إلى أوله أن الأول خبر والثاني استفهام، والاستفهام لا يكون في الخبر، والخبر لا يكون في الاستفهام؛ ولكن أدركه الشك بزعمه بعد مضي الخبر، فاستفهم. فإذا كان معنى «أم» ما وصفنا، فتأويل الكلام: أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم من الأشياء نظير ما سأل قوم موسى من قبلكم، فتكفروا إن منعتموه في مسألتكم ما لا يجوز في حكمة الله إعطاؤكموه، أو أن تهلكوا، إن كان مما يجوز في حكمته عطاؤكموه فأعطاكموه ثم كفرتم من بعد ذلك، كما هلك من كان قبلكم من الأمم التي سألت أنبياءها ما لم يكن لها مسألتها إياهم، فلما أعطيت كفرت، فعوجلت بالعقوبات لكفرها بعد إعطاء الله إياها سؤلها 02P414

Bagian V02/P413–V02/P417

[البقرة: 108] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} [البقرة: 108] يعني جل ثناؤه بقوله: {ومن يتبدل} [البقرة: 108] ومن يستبدل الكفر؛ ويعني بالكفر: الجحود بالله وبآياته {بالإيمان} [البقرة: 108] ، يعني بالتصديق بالله وبآياته والإقرار به. وقد قيل عني بالكفر في هذا الموضع الشدة وبالإيمان الرخاء. ولا أعرف الشدة في معاني الكفر، ولا الرخاء في معنى الإيمان، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بتأويله الكفر بمعنى الشدة في هذا الموضع وبتأويله الإيمان في معنى الرخاء ما أعد الله للكفار في الآخرة من الشدائد، وما أعد الله لأهل الإيمان فيها من النعيم، فيكون ذلك وجها وإن كان بعيدا من المفهوم بظاهر الخطاب ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن أبي العالية: " {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} [البقرة: 108] يقول: يتبدل 02P415 الشدة بالرخاء " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية بمثله وفي قوله: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} [البقرة: 108] دليل واضح على ما قلنا من أن هذه الآيات من قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] خطاب من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعتاب منه لهم على أمر سلف منهم مما سر به اليهود وكرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، فكرهه الله لهم. فعاتبهم على ذلك، وأعلمهم أن اليهود أهل غش لهم وحسد وبغي، وأنهم يتمنون لهم المكاره ويبغونهم الغوائل، ونهاهم أن ينتصحوهم، وأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه فاستبدل بإيمانه كفرا فقد أخطأ قصد السبيل 02P414 [البقرة: 108] القول في تأويل قوله تعالى: {فقد ضل سواء السبيل} [البقرة: 108] أما قوله: {فقد ضل} [البقرة: 108] فإنه يعني به ذهب وحاد. وأصل الضلال عن الشيء: الذهاب عنه والحيد. ثم يستعمل في الشيء الهالك والشيء الذي لا يؤبه له كقولهم للرجل الخامل الذي لا ذكر له ولا نباهة: ضل بن ضل، وقل بن قل كقول الأخطل في الشيء الهالك: [+البحر الكامل] كنت القذى في موج أكدر مزبد قذف الأتي به فضل ضلالا يعني: هلك فذهب. والذي عنى الله تعالى ذكره بقوله: {فقد ضل سواء السبيل} [البقرة: 108] فقد ذهب عن سواء السبيل وحاد عنه. وأما تأويل قوله: {سواء السبيل} [البقرة: 108] فإنه يعني بالسواء: القصد والمنهج، وأصل السواء: الوسط؛ ذكر عن عيسى بن عمر النحوي أنه قال: «ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي» ، يعني وسطي. وقال حسان بن ثابت: [+البحر الكامل] يا ويح أنصار النبي ونسله بعد المغيب في سواء الملحد يعني بالسواء الوسط. والعرب تقول: هو في سواء السبيل، يعني في مستوى السبيل. وسواء الأرض مستواها عندهم، وأما السبيل فإنها الطريق المسبول، صرف من مسبول إلى سبيل. فتأويل الكلام إذا: ومن يستبدل بالإيمان بالله وبرسوله الكفر فيرتد عن دينه، فقد حاد عن منهج الطريق ووسطه الواضح المسبول. وهذا القول ظاهره الخبر عن زوال المستبدل بالإيمان والكفر عن الطريق، والمعني به الخبر عنه أنه ترك دين الله الذي ارتضاه لعباده وجعله لهم طريقا يسلكونه إلى رضاه، وسبيلا يركبونها إلى محبته والفوز بجناته. فجعل جل ثناؤه الطريق الذي إذا ركب محجته السائر فيه ولزم وسطه المجتاز فيه، نجا وبلغ حاجته وأدرك طلبته لدينه الذي دعا إليه عباده مثلا لإدراكهم بلزومه واتباعه إدراكهم طلباتهم في آخرتهم، كالذي يدرك اللازم محجة السبيل بلزومه إياها طلبته من النجاة منها، والوصول إلى الموضع الذي أمه وقصده. وجعل مثل الحائد عن دينه والحائد عن اتباع ما دعاه إليه من عبادته في حياته ما رجا أن يدركه بعمله في آخرته وينال به في معاده وذهابه عما أمل من ثواب عمله وبعده به من ربه، مثل الحائد عن منهج الطريق وقصد السبيل، الذي لا يزداد وغولا في الوجه الذي سلكه إلا ازداد من موضع حاجته بعدا، وعن المكان الذي أمه وأراده نأيا. وهذه السبيل التي أخبر الله عنها أن من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواءها، هي الصراط المستقيم الذي أمرنا بمسألته الهداية له بقوله: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] 02P418

Bagian V02/P417–V02/P419

[البقرة: 109] القول في تأويل قوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 109] قال أبو جعفر: وقد صرح هذا القول من قول الله جل ثناؤه، بأن خطابه بجميع هذه الآيات من قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] وإن صرف في نفسه الكلام إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو خطاب منه للمؤمنين وأصحابه، وعتاب منه لهم، ونهي عن انتصاح اليهود ونظرائهم من أهل الشرك وقبول آرائهم في شيء من أمور دينهم، ودليل على أنهم كانوا استعملوا، أو من استعمل منهم في خطابه ومسألته رسول الله صلى الله عليه وسلم الجفاء، وما لم يكن له استعماله معه، تأسيا باليهود في ذلك أو ببعضهم. فقال لهم ربهم ناهيا عن استعمال ذلك: لا تقولوا لنبيكم صلى الله عليه وسلم كما تقول له اليهود: «راعنا» تأسيا منكم بهم، ولكن قولوا: «انظرنا واسمعوا» فإن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بي وجحود لحقي الواجب لي عليكم في تعظيمه وتوقيره، ولمن كفر بي عذاب أليم؛ فإن اليهود والمشركين ما يودون أن ينزل عليكم من خير من ربكم، ولكن كثيرا منهم ودوا أنهم يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم لكم ولنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، من بعد ما تبين لهم الحق في أمر محمد وأنه نبي إليهم وإلى خلقي كافة. وقد قيل إن الله جل ثناؤه عنى بقوله: {ود كثير من أهل الكتاب} [البقرة: 109] كعب بن الأشرف حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري: " في قوله: {ود كثير من أهل الكتاب} [البقرة: 109] هو كعب بن الأشرف " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان العمري، عن معمر، عن الزهري، وقتادة: " {ود كثير من أهل الكتاب} [البقرة: 109] قال: كعب بن الأشرف " وقال بعضهم بما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم} [البقرة: 109] الآية " 02P420 وليس لقول القائل عنى بقوله: {ود كثير من أهل الكتاب} [البقرة: 109] كعب بن الأشرف معنى مفهوم؛ لأن كعب بن الأشرف واحد، وقد أخبر الله جل ثناؤه أن كثيرا منهم يودون لو يردون المؤمنين كفارا بعد إيمانهم. والواحد لا يقال له كثير بمعنى الكثرة في العدد، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بوجه الكثرة التي وصف الله بها من وصفه بها في هذه الآية الكثرة في العز ورفعة المنزلة في قومه وعشيرته، كما يقال: فلان في الناس كثير، يراد به كثرة المنزلة والقدر. فإن كان أراد ذلك فقد أخطأ، لأن الله جل ثناؤه قد وصفهم بصفة الجماعة، فقال: {لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا} [البقرة: 109] فذلك دليل على أنه عنى الكثرة في العدد. أو يكون ظن أنه من الكلام الذي يخرج مخرج الخبر عن الجماعة، والمقصود بالخبر عنه الواحد، نظير ما قلنا آنفا في بيت جميل؛ فيكون ذلك أيضا خطأ، وذلك أن الكلام إذا كان بذلك المعنى فلا بد من دلالة فيه تدل على أن ذلك معناه، ولا دلالة تدل في قوله: {ود كثير من أهل الكتاب} [البقرة: 109] أن المراد به واحد دون جماعة كثيرة، فيجوز صرف تأويل الآية إلى ذلك وإحالة دليل ظاهره إلى غير الغالب في الاستعمال 02P419

Bagian V02/P419–V02/P423

[البقرة: 109] القول في تأويل قوله تعالى: {حسدا من عند أنفسهم} [البقرة: 109] ويعني جل ثناؤه بقوله: {حسدا من عند أنفسهم} [البقرة: 109] أن كثيرا من أهل الكتاب يودون للمؤمنين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يودونه لهم من الردة عن إيمانهم إلى الكفر حسدا منهم وبغيا عليهم. والحسد إذا منصوب على غير النعت للكفار، ولكن على وجه المصدر الذي يأتي خارجا من معنى الكلام الذي يخالف لفظه لفظ المصدر، كقول القائل لغيره: تمنيت لك ما تمنيت من السوء حسدا مني لك. فيكون الحسد مصدرا من معنى قوله: تمنيت من السوء؛ لأن في قوله تمنيت لك ذلك، معنى حسدتك على ذلك. فعلى هذا نصب الحسد، لأن في قوله: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا} [البقرة: 109] يعني: حسدكم أهل الكتاب على ما أعطاكم الله من التوفيق، ووهب لكم من الرشاد لدينه والإيمان برسوله، وخصكم به من أن جعل رسوله إليكم رجلا منكم رءوفا بكم رحيما، ولم يجعله منهم، فتكونوا لهم تبعا. فكان قوله: {حسدا} [البقرة: 109] مصدرا من ذلك المعنى وأما قوله: {من عند أنفسهم} [البقرة: 109] فإنه يعني بذلك: من قبل أنفسهم، كما يقول القائل: لي عندك كذا وكذا، بمعنى: لي قبلك وكما حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " قوله: {من عند أنفسهم} [البقرة: 109] قال: من قبل أنفسهم " وإنما أخبر الله جل ثناؤه عنهم المؤمنين أنهم ودوا ذلك للمؤمنين من عند أنفسهم إعلاما منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك في كتابهم، وأنهم يأتون ما يأتون من 02P422 ذلك على علم منهم بنهي الله إياهم عنه 02P421 [البقرة: 109] القول في تأويل قوله تعالى: {من بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 109] يعني جل ثناؤه بقوله: {من بعد ما تبين لهم الحق } [البقرة: 109] أي من بعد ما تبين لهؤلاء الكثير من أهل الكتاب الذين يودون أنهم يردونكم كفارا من بعد إيمانكم الحق في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند ربه والملة التي دعا إليها فأضاء لهم أن ذلك الحق الذي لا يمترون فيه كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " {من بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 109] من بعد ما تبين لهم أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسلام دين الله " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية: " {من بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 109] يقول: تبين لهم أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله؛ وزاد فيه: فكفروا به حسدا وبغيا، إذ كان من غيرهم حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {من بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 109] قال: الحق: هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ فتبين لهم أنه هو الرسول " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {من بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 109] قال: قد تبين لهم أنه رسول الله " قال أبو جعفر: فدل بقوله ذلك أن كفر الذين قص قصتهم في هذه الآية بالله وبرسوله عناد، وعلى علم منهم ومعرفة، بأنهم على الله مفترون كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {من بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 109] يقول الله تعالى ذكره: من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحد. فعيرهم الله ولامهم ووبخهم أشد الملامة " 02P423

Bagian V02/P423–V02/P424

[البقرة: 109] القول في تأويل قوله تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: 109] يعني جل ثناؤه بقوله: {فاعفوا} [البقرة: 109] فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ في رأي أشاروا به عليكم في دينكم، إرادة صدكم عنه، ومحاولة ارتدادكم بعد إيمانكم وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم صلى الله عليه وسلم: {واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} [النساء: 46] واصفحوا عما كان منهم من جهل في ذلك حتى يأتي الله بأمره، فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد. فقضى فيهم تعالى ذكره، وأتى بأمره، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتا 02P423 حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] . فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح بفرض قتالهم على المؤمنين حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد صغارا كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " قوله: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 109] ونسخ ذلك قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: 109] فأتى الله بأمره فقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] حتى بلغ: {وهم صاغرون} [التوبة: 29] أي صغارا ونقمة لهم؛ فنسخت هذه الآية ما كان قبلها: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: 109] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " في قوله: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: 109] قال: اعفوا عن أهل الكتاب حتى يحدث الله أمرا. فأحدث الله بعد فقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] إلى: {وهم صاغرون} [التوبة: 29] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن 02P425 قتادة: " في قوله: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: 109] قال: نسختها : {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: 109] قال: هذا منسوخ، نسخه {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] إلى قوله: {وهم صاغرون} [التوبة: 29] " 02P425 [البقرة: 109] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 109] قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على معنى القدير وأنه القوي. فمعنى الآية ههنا: أن الله على كل ما يشاء بالذين وصفت لكم أمرهم من أهل الكتاب وغيرهم قدير، إن شاء الانتقام منهم بعنادهم ربهم وإن شاء هداهم لما هداكم الله له من الإيمان، لا يتعذر عليه شيء أراده ولا يتعذر عليه أمر شاء قضاءه؛ لأن له الخلق والأمر 02P425

Bagian V02/P424–V02/P426

[البقرة: 110] القول في تأويل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير} [البقرة: 110] قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على معنى إقامة الصلاة وأنها أداؤها 02P426 بحدودها وفروضها، وعلى تأويل الصلاة وما أصلها، وعلى معنى إيتاء الزكاة وأنه إعطاؤها بطيب نفس على ما فرضت ووجبت، وعلى معنى الزكاة واختلاف المختلفين فيها، والشواهد الدالة على صحة القول الذي اخترنا في ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وأما قوله: {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله} [البقرة: 110] فإنه يعني جل ثناؤه بذلك: ومهما تعملوا من عمل صالح في أيام حياتكم فتقدموه قبل وفاتكم ذخرا لأنفسكم في معادكم، تجدوا ثوابه عند ربكم يوم القيامة، فيجازيكم به. والخير: هو العمل الذي يرضاه الله. وإنما قال: {تجدوه} [البقرة: 110] والمعنى: تجدوا ثوابه كما حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " قوله: {تجدوه} [البقرة: 110] يعني: تجدوا ثوابه عند الله " قال أبو جعفر: لاستغناء سامعي ذلك بدليل ظاهر على معنى المراد منه، كما قال عمر بن لجأ: [+البحر الوافر] وسبحت المدينة لا تلمها رأت قمرا بسوقهم نهارا وإنما أراد: وسبح أهل المدينة. وإنما أمرهم جل ثناؤه في هذا الموضع بما أمرهم به من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخيرات لأنفسهم، ليطهروا بذلك من الخطأ الذي سلف منهم في استنصاحهم اليهود، وركون من كان ركن منهم إليهم، وجفاء من كان جفا منهم في خطابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: {راعنا} [البقرة: 104] إذ كانت إقامة الصلوات كفارة للذنوب، وإيتاء الزكاة تطهيرا للنفوس والأبدان من أدناس الآثام، وفي تقديم الخيرات إدراك الفوز برضوان الله 02P427 [البقرة: 110] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله بما تعملون بصير} [البقرة: 110] وهذا خبر من الله جل ثناؤه للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين أنهم مهما فعلوا من خير وشر سرا وعلانية، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان جزاءه وبالإساءة مثلها. وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر، فإن فيه وعدا ووعيدا، وأمرا وزجرا؛ وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدوا في طاعته، إذ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليه، كما قال: {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله} [البقرة: 110] وليحذروا معصيته، إذ كان مطلعا على راكبها بعد تقدمه إليه فيها بالوعيد عليها. وما أوعد عليه ربنا جل ثناؤه فمنهي عنه، وما وعد عليه فمأمور به. وأما قوله: {بصير} [البقرة: 96] فإنه مبصر صرف إلى بصير، كما صرف مبدع إلى بديع، ومؤلم إلى أليم 02P427

Bagian V02/P426–V02/P429

[البقرة: 111] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111] يعني جل ثناؤه بقوله: {وقالوا} [البقرة: 80] وقالت اليهود والنصارى: {لن يدخل الجنة} [البقرة: 111] . فإن قال قائل: وكيف جمع اليهود والنصارى في هذا الخبر مع اختلاف مقالة الفريقين، واليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها في ثواب الله نصيب، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه، وإنما عنى به: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا النصارى. ولكن معنى الكلام لما كان مفهوما عند المخاطبين به معناه جمع الفريقان في الخبر عنهما، فقيل: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111] الآية، أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. وأما قوله: {من كان هودا} [البقرة: 111] فإن في الهود قولين: أحدهما أن يكون جمع هائد، كما جاء عوط جمع عائط، وعوذ جمع عائذ، وحول جمع حائل، فيكون جمعا للمذكر والمؤنث بلفظ واحد؛ والهائد: التائب الراجع إلى الحق. والآخر أن يكون مصدرا عن الجميع، كما يقال: رجل صوم وقوم صوم، ورجل فطر وقوم فطر ونسوة فطر. وقد قيل: إن قوله: {إلا من كان هودا} [البقرة: 111] إنما هو قوله: إلا من كان يهودا؛ ولكنه حذف الياء الزائدة، ورجع إلى الفعل من اليهودية. وقيل: إنه في قراءة أبي: «إلا من كان يهوديا أو نصرانيا» . وقد بينا فيما مضى معنى النصارى ولم سميت بذلك وجمعت كذلك بما أغنى عن إعادته وأما قوله: {تلك أمانيهم} [البقرة: 111] فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن قول الذين قالوا: {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111] أنه أماني منهم يتمنونها على الله بغير حق ولا حجة ولا برهان ولا يقين علم بصحة ما يدعون، ولكن بادعاء الأباطيل وأماني النفوس الكاذبة كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {تلك أمانيهم} [البقرة: 111] أماني يتمنونها على الله كاذبة " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {تلك أمانيهم} [البقرة: 111] قال: أماني تمنوا على الله بغير الحق " 02P429

Bagian V02/P429–V02/P433

[البقرة: 111] القول في تأويل قوله تعالى: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111] 02P430 وهذا أمر من الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم بدعاء الذين {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111] إلى أمر عدل بين جميع الفرق مسلمها ويهودها ونصاراها، وهو إقامة الحجة على دعواهم التي ادعوا من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى. يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد قل للزاعمين أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى دون غيرهم من سائر البشر: هاتوا برهانكم على ما تزعمون من ذلك فنسلم لكم دعواكم إن كنتم في دعواكم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى محقين. والبرهان: هو البيان والحجة والبينة كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {هاتوا برهانكم} [البقرة: 111] هاتوا بينتكم " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {هاتوا برهانكم} [البقرة: 111] هاتوا حجتكم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {قل هاتوا برهانكم} [البقرة: 111] قال: حجتكم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن 02P431 الربيع: " {قل هاتوا برهانكم} [البقرة: 111] أي حجتكم " وهذا الكلام وإن كان ظاهره ظاهر دعاء القائلين: {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111] إلى إحضار حجة على دعواهم ما ادعوا من ذلك، فإنه بمعنى تكذيب من الله لهم في دعواهم وقيلهم؛ لأنهم لم يكونوا قادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبدا. وقد أبان قوله: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن} [البقرة: 112] على أن الذي ذكرنا من الكلام بمعنى التكذيب لليهود والنصارى في دعواهم ما ذكر الله عنهم وأما تأويل قوله: {قل هاتوا برهانكم} [البقرة: 111] فإنه: أحضروا وأتوا به 02P431 [البقرة: 112] القول في تأويل قوله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 112] يعني بقوله جل ثناؤه: {بلى من أسلم} [البقرة: 112] أنه ليس كما قال الزاعمون {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111] ولكن من أسلم وجهه لله وهو محسن، فهو الذي يدخلها وينعم فيها كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " أخبرهم أن من يدخل الجنة هو من أسلم وجهه لله الآية. وقد بينا معنى {بلى} [البقرة: 112] فيما مضى قبل " 02P432 وأما قوله: {من أسلم وجهه لله} [البقرة: 112] فإنه يعني بإسلام الوجه التذلل لطاعته والإذعان لأمره. وأصل الإسلام: الاستسلام؛ لأنه من استسلمت لأمره، وهو الخضوع لأمره. وإنما سمي المسلم مسلما بخضوع جوارحه لطاعة ربه كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {بلى من أسلم وجهه لله} [البقرة: 112] يقول: أخلص لله " وكما قال زيد بن عمرو بن نفيل: [+البحر المتقارب] وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا يعني بذلك: استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته المزن وانقادت له. وخص الله جل ثناؤه بالخبر عمن أخبر عنه بقوله: {بلى من أسلم وجهه لله} [البقرة: 112] بإسلام وجهه له دون سائر جوارحه؛ لأن أكرم أعضاء ابن آدم وجوارحه وجهه، وهو أعظمها عليه حرمة وحقا، فإذا خضع لشيء وجهه الذي هو أكرم أجزاء جسده عليه فغيره من أجزاء جسده أحرى أن يكون أخضع له. ولذلك تذكر العرب في منطقها الخبر عن الشيء فتضيفه إلى وجهه وهي تعني بذلك نفس الشيء وعينه، كقول الأعشى: [+البحر السريع] أؤول الحكم على وجهه ليس قضائي بالهوى الجائر يعني بقوله: «على وجهه» : على ما هو به من صحته وصوابه. وكما قال ذو الرمة: [+البحر الطويل] فطاوعت همي وانجلى وجه بازل من الأمر لم يترك خلاجا بزولها يريد: «وانجلى البازل من الأمر فتبين» وما أشبه ذلك، إذ كان حسن كل شيء وقبحه في وجهه، وكان في وصفها من الشيء وجهه بما تصفه به إبانة عن عين الشيء ونفسه. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: {بلى من أسلم وجهه لله} [البقرة: 112] إنما يعني: بلى من أسلم لله بدنه، فخضع له بالطاعة جسده {وهو محسن} [البقرة: 112] في إسلامه له جسده {فله أجره عند ربه} [البقرة: 112] فاكتفى بذكر الوجه من ذكر جسده لدلالة الكلام على المعنى الذي أريد به بذكر الوجه وأما قوله: {وهو محسن} [البقرة: 112] فإنه يعني به في حال إحسانه . وتأويل الكلام: بلى من أخلص طاعته لله وعبادته له محسنا في فعله ذلك 02P433

Bagian V02/P433

[البقرة: 112] القول في تأويل قوله تعالى: {فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 112] يعني بقوله جل ثناؤه: {فله أجره عند ربه} [البقرة: 112] فللمسلم وجهه لله محسنا جزاؤه وثوابه على إسلامه وطاعته ربه عند الله في معاده. ويعني بقوله: {ولا خوف عليهم} [البقرة: 62] على المسلمين وجوههم لله وهم محسنون، المخلصين له الدين في الآخرة من عقابه وعذاب جحيمه، وما قدموا عليه من أعمالهم. ويعني بقوله: {ولا هم يحزنون} [البقرة: 38] ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم في الدنيا، ولا أن يمنعوا ما قدموا عليه من نعيم ما أعد الله لأهل طاعته. وإنما قال جل ثناؤه: {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] وقد قال قبل: {فله أجره عند ربه} [البقرة: 112] لأن «من» التي في قوله: {بلى من أسلم وجهه لله} [البقرة: 112] في لفظ واحد ومعنى جميع، فالتوحيد في قوله: {فله أجره} [البقرة: 112] للفظ، والجمع في قوله: {ولا خوف عليهم} [البقرة: 62] للمعنى 02P434

Bagian V02/P433–V02/P435

[البقرة: 113] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [البقرة: 113] قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الكتابين تنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قالا جميعا: ثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء؛ وكفر بعيسى ابن مريم وبالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران من النصارى: ما أنتم على شيء؛ وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} [البقرة: 113] إلى قوله: {فيما كانوا فيه يختلفون} [البقرة: 113] " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " قوله: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} [البقرة: 113] قال: هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم " وأما تأويل الآية، فإن قالت اليهود: ليست النصارى في دينها على صواب، وقالت النصارى: ليست اليهود في دينها على صواب. وإنما أخبر الله عنهم بقيلهم ذلك للمؤمنين إعلاما منه لهم بتضييع كل فريق منهم حكم الكتاب الذي يظهر الإقرار بصحته وبأنه من عند الله، وجحودهم مع ذلك ما أنزل الله فيه من فروضه؛ لأن الإنجيل الذي تدين بصحته وحقيقته النصارى يحقق ما في التوراة من نبوة موسى عليه السلام وما فرض الله على بني إسرائيل فيها من الفرائض، وأن التوراة التي تدين بصحتها وحقيقتها اليهود تحقق نبوة عيسى عليه السلام وما جاء به من عند الله من الأحكام والفرائض. ثم قال كل فريق منهم للفريق الآخر ما أخبر الله عنهم في قوله: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} [البقرة: 113] مع تلاوة كل واحد من الفريقين كتابه الذي يشهد على كذبه في قيله ذلك. فأخبر جل ثناؤه أن كل فريق منهم قال ما قال من ذلك على علم منهم أنهم فيما قالوه مبطلون، وأتوا ما أتوا من كفرهم بما كفروا به على معرفة منهم بأنهم فيه ملحدون. فإن قال لنا قائل: أوكانت اليهود والنصارى بعد أن بعث الله رسوله على شيء، فيكون الفريق القائل منهم ذلك للفريق الآخر مبطلا في قيله ما قال من ذلك؟ قيل: قد روينا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس قبل، من أن إنكار كل فريق منهم إنما كان إنكارا لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، الذي ينتحل التصديق به، وبما جاء به الفريق الآخر، لا دفعا منهم أن يكون الفريق الآخر في الحال التي بعث الله فيها نبينا صلى الله عليه وسلم على شيء من دينه، بسبب جحوده نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وكيف يجوز أن يكون معنى ذلك إنكار كل فريق منهم أن يكون الفريق الآخر على شيء بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، وكلا الفريقين كان جاحدا نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحال التي أنزل الله فيها هذه الآية؟ ولكن معنى ذلك: وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من دينها منذ دانت دينها، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء منذ دانت دينها. وذلك هو معنى الخبر الذي رويناه عن ابن عباس آنفا.

Bagian V02/P435–V02/P437

فكذب الله الفريقين في قيلهما ما قالا كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} [البقرة: 113] قال: بلى قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا؛ وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء. ولكن القوم ابتدعوا وتفرقوا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} [البقرة: 113] قال: قال مجاهد: «قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء» وأما قوله: {وهم يتلون الكتاب} [البقرة: 113] فإنه يعني به كتاب الله التوراة والإنجيل، وهما شاهدان على فريقي اليهود والنصارى بالكفر، وخلافهم أمر الله الذي أمرهم به فيه كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قالا جميعا: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " في قوله: {وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} [البقرة: 113] أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به: أي يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم من الميثاق على لسان موسى بالتصديق بعيسى عليه السلام، وفي الإنجيل مما جاء 02P438 به عيسى تصديق موسى، وما جاء به من التوراة من عند الله؛ وكل يكفر بما في يد صاحبه " 02P437

Bagian V02/P437–V02/P438

[البقرة: 113] القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} [البقرة: 113] اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله: {كذلك قال الذين لا يعلمون} [البقرة: 113] فقال بعضهم بما حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} [البقرة: 113] قال: وقالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم " حدثنا بشر بن سعيد، عن قتادة: " {قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} [البقرة: 113] قال: قالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم " وقال آخرون بما حدثنا به القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والإنجيل " وقال بعضهم: عنى بذلك مشركي العرب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب فنسبوا إلى الجهل، ونفى عنهم من أجل ذلك العلم ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} [البقرة: 113] فهم العرب، قالوا: ليس محمد صلى الله عليه وسلم على شيء " والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تبارك وتعالى أخبر عن قوم وصفهم بالجهل، ونفى عنهم العلم بما كانت اليهود والنصارى به عالمين أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض مما أخبر الله عنهم أنهم قالوه في قوله: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} [البقرة: 113] . وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى. ولا أمة أولى أن يقال هي التي عنيت بذلك من أخرى، إذ لم يكن في الآية دلالة على أي من أي، ولا خبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل ولا من جهة النقل المستفيض. وإنما قصد الله جل ثناؤه بقوله: {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} [البقرة: 113] إعلام المؤمنين أن اليهود والنصارى قد أتوا من قيل الباطل، وافتراء الكذب على الله، وجحود نبوة الأنبياء والرسل، وهم أهل كتاب يعلمون أنهم فيما يقولون مبطلون، وبجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون، وعلى الله مفترون؛ مثل الذي قاله أهل الجهل بالله وكتبه ورسله الذين لم يبعث الله 02P440 لهم رسولا ولا أوحى إليهم كتابا. وهذه الآية تنبئ عن أن من أتى شيئا من معاصي الله على علم منه بنهي الله عنها، فمصيبته في دينه أعظم من مصيبة من أتى ذلك جاهلا به؛ لأن الله تعالى ذكره عظم توبيخ اليهود والنصارى بما وبخهم به في قيلهم ما أخبر عنهم بقوله: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} [البقرة: 113] من أجل أنهم أهل كتاب قالوا ما قالوا من ذلك على علم منهم أنهم مبطلون 02P439 [البقرة: 113] القول في تأويل قوله تعالى: {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [البقرة: 113] يعني بذلك جل ثناؤه: فالله يقضي فيفصل بين هؤلاء المختلفين القائل بعضهم لبعض: لستم على شيء من دينكم يوم قيام الخلق لربهم من قبورهم، فيتبين المحق منهم من المبطل بإثابة المحق ما وعد أهل طاعته على أعماله الصالحة ومجازاته المبطل منهم بما أوعد أهل الكفر به على كفرهم به فيما كانوا فيه يختلفون من أديانهم ومللهم في دار الدنيا. وأما القيامة فهي مصدر من قول القائل: قمت قياما وقيامة، كما يقال: عدت فلانا عيادة، وصنت هذا الأمر صيانة. وإنما عنى بالقيامة: قيام الخلق من قبورهم لربهم، فمعنى يوم القيامة: يوم قيام الخلائق من قبورهم لمحشرهم 02P440

Bagian V02/P438–V02/P443

[البقرة: 114] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [البقرة: 114] قد دللنا فيما مضى قبل على أن تأويل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه وتأويل قوله: {ومن أظلم} [البقرة: 114] وأي امرئ أشد تعديا وجراءة على الله وخلافا لأمره من امرئ منع مساجد الله أن يعبد الله فيها؟ والمساجد جمع مسجد: وهو كل موضع عبد الله فيه وقد بينا معنى السجود فيما مضى فمعنى المسجد: الموضع الذي يسجد لله فيه، كما يقال للموضع الذي يجلس فيه: المجلس، وللموضع الذي ينزل فيه: منزل، ثم يجمع منازل ومجالس نظير مسجد ومساجد. وقد حكي سماعا من بعض العرب مساجد في واحد المساجد، وذلك كالخطأ من قائله وأما قوله: {أن يذكر فيها اسمه} [البقرة: 114] فإن فيه وجهين من التأويل، أحدهما: أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه، فتكون أن حينئذ نصبا من قول بعض أهل العربية بفقد الخافض وتعلق الفعل بها. والوجه الآخر أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع أن يذكر اسم الله في 02P442 مساجده، فتكون أن حينئذ في موضع نصب تكريرا على موضع المساجد وردا عليه وأما قوله: {وسعى في خرابها} [البقرة: 114] فإن معناه: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وممن سعى في خراب مساجد الله. ف «سعى» إذا عطف على «منع» . فإن قال قائل: ومن الذي عني بقوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها} [البقرة: 114] وأي المساجد هي؟ قيل: إن أهل التأويل في ذلك مختلفون، فقال بعضهم: الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم النصارى؛ والمسجد بيت المقدس ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [البقرة: 114] أنهم النصارى " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله : {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها} [البقرة: 114] النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه " 02P443 حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وقال آخرون: هو بختنصر وجنده ومن أعانهم من النصارى؛ والمسجد: مسجد بيت المقدس ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: " قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [البقرة: 114] الآية، أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بعض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها} [البقرة: 114] قال: هو بختنصر وأصحابه خرب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها} [البقرة: 114] قال: الروم، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس، حتى خربه وأمر به أن تطرح فيه الجيف؛ وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن 02P444 زكريا " وقال آخرون: بلى عنى الله عز وجل بهذه الآية مشركي قريش، إذ منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام ذكر من قال ذلك حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال، حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها} [البقرة: 114] قال: هؤلاء المشركون، حين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم، وقال لهم: «ما كان أحد يرد عن هذا البيت» .

Pertanyaan