Taberî — Câmiü'l-Beyân
[السجدة: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة ...} [السجدة: 24] يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بني إسرائيل أئمة، وهي جمع إمام، والإمام الذي يؤتم به في خير أو شر، وأريد بذلك في هذا الموضع أنه جعل منهم قادة في الخير، يؤتم بهم، ويهتدى بهديهم. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا} [السجدة: 24] قال: رؤساء في الخير " وقوله {يهدون بأمرنا} [الأنبياء: 73] يقول تعالى ذكره: يهدون أتباعهم وأهل القبول منهم بإذننا لهم بذلك، وتقويتنا إياهم عليه وقوله: {لما صبروا} [السجدة: 24] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: {لما صبروا} [السجدة: 24] بفتح اللام وتشديد الميم، بمعنى: إذ صبروا، وحين صبروا. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (لما) بكسر اللام، وتخفيف الميم، بمعنى: لصبرهم عن الدنيا وشهواتها، واجتهادهم في طاعتنا، والعمل بأمرنا. وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: «بما صبروا» وما إذا كسرت اللام من «لما» في موضع خفض، وإذا فتحت اللام وشددت الميم، فلا موضع لها، لأنها حينئذ أداة. والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما عامة من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام إذا قرئ ذلك بفتح اللام وتشديد الميم: وجعلنا منهم أئمة يهدون أتباعهم بإذننا إياهم، وتقويتنا إياهم على الهداية، إذ صبروا على طاعتنا، وعزفوا أنفسهم عن لذات الدنيا وشهواتها. وإذا قرئ بكسر اللام على ما قد وصفنا. وقد: حدثنا ابن وكيع، قال: قال أبي، سمعنا في: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} [السجدة: 24] قال: عن الدنيا " وقوله: {وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] يقول: وكانوا أهل يقين بما دلهم عليه حججنا، وأهل تصديق بما تبين لهم من الحق؛ وإيمان برسلنا وآيات كتابنا 18P639 وتنزيلنا. 18P638 [السجدة: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [السجدة: 25] يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو يبين جميع خلقه يوم القيامة فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون، من أمور الدين والبعث والثواب والعقاب، وغير ذلك من أسباب دينهم، فيفرق بينهم بقضاء فاصل، بإيجابه لأهل الحق الجنة، ولأهل الباطل النار. 18P639 [السجدة: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم} [السجدة: 26] يقول تعالى ذكره: أولم يبين لهم؟ كما: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، " {أولم يهد لهم} [السجدة: 26] يقول: أو لم يبين لهم ". وعلى القراءة بالياء في ذلك قراء الأمصار، وكذلك القراءة عندنا لإجماع الحجة من القراء، بمعنى: أو لم يبين لهم إهلاكنا القرون الخالية من قبلهم، سنتنا فيمن سلك سبيلهم من الكفر بآياتنا، فيتعظوا وينزجروا. وقوله {كم} [السجدة: 26] إذا قرئ {يهد} [السجدة: 26] بالياء، في موضع رفع ب {يهد} [السجدة: 26] . وأما إذا قرئ ذلك بالنون «أو لم نهد» فإن موضع {كم} [السجدة: 26] وما بعدها نصب. 18P640 وقوله: {يمشون في مساكنهم} [السجدة: 26] يقول تعالى ذكره: أو لم يبين لهم كثرة إهلاكنا القرون الماضية من قبلهم يمشون في بلادهم وأرضهم، كعاد وثمود. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون} [السجدة: 26] عاد وثمود وأنهم إليهم لا يرجعون " وقوله: {إن في ذلك لآيات} [يونس: 67] يقول تعالى ذكره: إن في خلاء مساكن القرون الذين أهلكناهم من قبل هؤلاء المكذبين بآيات الله من قريش من أهلها الذين كانوا سكانها وعمارها بإهلاكنا إياهم لما كذبوا رسلنا وجحدوا بآياتنا، وعبدوا من دون الله آلهة غيره التي يمرون بها فيعاينونها لآيات لهم وعظات يتعظون بها، لو كانوا أولي حجا وعقول. يقول الله: {أفلا يسمعون} [السجدة: 26] عظات الله وتذكيره إياهم آياته، وتعريفهم مواضع حججه؟ 18P640
[السجدة: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ...} [السجدة: 27] يقول تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء المكذبون بالبعث بعد الموت والنشر بعد الفناء، أنا بقدرتنا نسوق الماء إلى الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها؛ وأصله 18P641 من قولهم: ناقة جرز: إذا كانت تأكل كل شيء، وكذلك الأرض الجروز: التي لا يبقى على ظهرها شيء إلا أفسدته نظير أكل الناقة الجراز كل ما وجدته ومنه قولهم للإنسان الأكول: جروز، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] خب جروز وإذا ...... ومنه قيل للسيف إذا كان لا يبقي شيئا إلا قطعه: سيف جراز، فيه لغات أربع: أرض جرز، وجرز، وجرز وجرز، والفتح لبني تميم فيما بلغني. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس: «الأرض الجرز، أرض باليمن» . حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو 18P642 بن دينار، عن ابن عباس، قال: أرض باليمن قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {أولم يروا أنا نسوق الماء، إلى الأرض الجرز} [السجدة: 27] قال: أبين ونحوها ". حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا عبد الرزاق بن عمر، عن ابن المبارك، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: ونحوها من الأرض حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن رجل، عن ابن عباس، في قوله " {إلى الأرض الجرز} [السجدة: 27] قال: الجرز: التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا، إلا ما يأتيها من السيول " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك، " {إلى الأرض الجرز} [سورة: السجدة، آية رقم: 27] ليس فيها نبت " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {أولم يروا أنا نسوق الماء، إلى الأرض الجرز} [السجدة: 27] المغبرة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز} [السجدة: 27] قال: الأرض الجرز: التي ليس فيها شيء، ليس فيها نبات. وفي قوله: {صعيدا جرزا} [الكهف: 8] ، قال: ليس عليها شيء وليس فيها نبات ولا شيء " {فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم} [سورة: السجدة، آية رقم: 27] يقول تعالى ذكره: فنخرج بذلك الماء الذي نسوقه إليها على يبسها وغلظها وطول عهدها بالماء زرعا خضرا تأكل منه مواشيهم، وتغذى به أبدانهم وأجسامهم فيعيشون به. {أفلا يبصرون} [السجدة: 27] يقول تعالى ذكره: أفلا يرون ذلك بأعينهم فيعلموا برؤيتهموه أن القدرة التي بها فعلت ذلك لا يتعذر علي أن أحيي بها الأموات وأنشرهم من قبورهم، وأعيدهم بهيئاتهم التي كانوا بها قبل وفاتهم. 18P643
[السجدة: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ...} [السجدة: 28] يقول تعالى ذكره: {ويقولون} [آل عمران: 75] هؤلاء المشركون بالله يا محمد لك {متى هذا الفتح} [السجدة: 28] واختلف في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: متى يجيء هذا 18P644 الحكم بيننا وبينكم، ومتى يكون هذا الثواب والعقاب. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله " {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} [السجدة: 28] قال: قال أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن لنا يوما أوشك أن نستريح فيه وننعم فيه، فقال المشركون {متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} [السجدة: 28] ". وقال آخرون: بل عنى بذلك: فتح مكة. والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه : ويقولون متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، يعنون العذاب يدل على أن ذلك معناه قوله: {قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} [السجدة: 29] ولا شك أن الكفار قد كان جعل الله لهم التوبة قبل فتح مكة وبعده، ولو كان معنى قوله {متى هذا الفتح} [السجدة: 28] على ما قاله من قال: يعني به: فتح مكة، لكان لا توبة لمن أسلم من المشركين بعد فتح مكة، ولا شك أن الله قد تاب على بشر كثير من المشركين بعد فتح مكة ونفعهم بالإيمان به وبرسوله فمعلوم بذلك صحة ما قلنا من التأويل، وفساد ما خالفه. وقوله: {إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] يعني: إن كنتم صادقين في الذي تقولون من أنا معاقبون على تكذيبنا محمدا صلى الله عليه وسلم، وعبادتنا الآلهة والأوثان. 18P644 [السجدة: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يوم الفتح ...} [السجدة: 29] يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهم: يوم الحكم ومجيء العذاب لا ينفع من كفر بالله وبآياته إيمانهم الذي يحدثونه في ذلك الوقت. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم} [السجدة: 29] قال: يوم الفتح إذا جاء العذاب " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {يوم الفتح} [السجدة: 29] يوم القيامة ". ونص اليوم في قوله {قل يوم الفتح} [السجدة: 29] ردا على متى وذلك أن متى في موضع نصب. ومعنى الكلام: أني حين هذا الفتح إن كنتم صادقين، ثم قيل يوم كذا، وبه قرأ القراء وقوله: {ولا هم ينظرون} [البقرة: 162] يقول: ولا هم يؤخرون للتوبة والمراجعة. 18P645 [السجدة: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون} [السجدة: 30] يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله القائلين لك {متى هذا الفتح} [السجدة: 28] المستعجليك بالعذاب، وانتظر ما الله صانع بهم إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيء الساعة. 18P646 كما : حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون} [السجدة: 30] يعني يوم القيامة " [033] سورة الأحزاب مدنية وآياتها ثلاث وسبعون بسم الله الرحمن الرحيم 19P005
[الأحزاب: 1_2] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليما حكيما} [الأحزاب: 1_2] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {يا أيها النبي اتق الله} [الأحزاب: 1] بطاعته وأداء فرائضه، وواجب حقوقه عليك والانتهاء عن محارمه وانتهاك حدوده {ولا تطع الكافرين} [الأحزاب: 1] الذين يقولون لك: اطرد عنك أتباعك من ضعفاء المؤمنين بك حتى نجالسك {والمنافقين} [التوبة: 73] الذين يظهرون لك الإيمان بالله والنصيحة لك، وهم لا يألونك وأصحابك ودينك خبالا، فلا تقبل منهم رأيا، ولا تستشرهم مستنصحا بهم فإنهم لك أعداء {إن الله كان عليما حكيما} [النساء: 11] يقول: إن الله ذو علم بما تضمره نفوسهم، وما الذي يقصدون في إظهارهم لك النصيحة، مع الذي ينطوون لك عليه، حكيم في تدبير أمرك وأمر أصحابك ودينك وغير ذلك من تدبير جميع خلقه. {واتبع ما يوحى إليك من ربك} [الأحزاب: 2] يقول: واعمل بما ينزل الله عليك من وحيه، وآي كتابه {إن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 94] يقول: إن الله بما تعمل به أنت وأصحابك من هذا القرآن وغير ذلك من أموركم وأمور عباده {خبيرا} [النساء: 35] أي ذا خبرة، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم على ذلك بما وعدكم من الجزاء. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} [الأحزاب: 2] قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {واتبع ما يوحى إليك من ربك} [الأحزاب: 2] أي هذا القرآن {إن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 94] " 19P006 [الأحزاب: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} [الأحزاب: 3] يقول تعالى ذكره: وفوض إلى الله أمرك يا محمد وثق به {وكفى بالله وكيلا} [النساء: 81] يقول: وحسبك بالله فيما يأمرك وكيلا، وحفيظا بك 19P006
[الأحزاب: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه . } [الأحزاب: 4] اختلف أهل التأويل في المراد من قول الله {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4] فقال بعضهم: عنى بذلك تكذيب قوم من أهل النفاق وصفوا 19P007 نبي الله صلى الله عليه وسلم بأنه ذو قلبين، فنفى الله ذلك عن نبيه، وكذبهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حفص بن نفيل، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن قابوس بن أبي ظبيان، أن أباه، حدثه قال: قلنا لابن عباس: أرأيت قول الله {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4] ما عنى بذلك؟ قال: " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فصلى فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: إن له قلبين، قلبا معكم، وقلبا معهم، فأنزل الله: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4] ". وقال آخرون: بل عنى بذلك: رجل من قريش كان يدعى ذا القلبين من دهيه. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4] قال: كان رجل من قريش يسمى من دهيه ذا القلبين، فأنزل الله هذا في شأنه " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 19P008 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4] قال: إن رجلا من بني فهر، قال: إن في جوفي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، وكذب " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4] قال قتادة: كان رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى ذا القلبين، فأنزل الله فيه ما تسمعون " قال قتادة: وكان الحسن يقول: " كان رجل يقول: لي نفس تأمرني، ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما تسمعون " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، قال: " كان رجل يسمى ذا القلبين، فنزلت {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4] ". وقال آخرون: بل عنى بذلك زيد بن حارثة من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان 19P009 تبناه فضرب الله بذلك مثلا. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: " {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4] قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة ضرب له مثلا يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك ". وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك تكذيب من الله تعالى قول من قال لرجل في جوفه قلبان يعقل بهما على النحو الذي روي عن ابن عباس، وجائز أن يكون ذلك تكذيبا من الله لمن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأن يكون تكذيبا لمن سمى القرشي الذي ذكر أنه سمي ذا القلبين من دهيه، وأي الأمرين كان فهو نفي من الله عن خلقه من الرجال أن يكونوا بتلك الصفة. وقوله: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} [الأحزاب: 4] يقول تعالى ذكره: ولم يجعل الله أيها الرجال نساءكم اللائي تقولون لهن: أنتن علينا كظهور أمهاتنا أمهاتكم، بل جعل ذلك من قبلكم كذبا وألزمكم عقوبة لكم، كفارة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} [الأحزاب: 4] أي ما جعلها أمك فإذا ظاهر الرجل من امرأته فإن الله لم يجعلها أمه، ولكن جعل فيها الكفارة " وقوله: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} [الأحزاب: 4] يقول: ولم يجعل الله من ادعيت أنه ابنك وهو ابن غيرك ابنك بدعواك. وذكر أن ذلك نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل تبنيه زيد بن حارثة. ذكر الرواية بذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {أدعياءكم أبناءكم} [الأحزاب: 4] قال: نزلت هذه الآية في زيد بن حارثة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} [الأحزاب: 4] قال: " كان زيد بن حارثة حين من الله ورسوله عليه يقال له: زيد بن محمد، كان تبناه، فقال الله {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40] قال: وهو يذكر الأزواج والأخت، فأخبره أن الأزواج لم تكن بالأمهات أمهاتكم، ولا أدعياءكم أبناءكم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} [الأحزاب: 4] وما جعل دعيك ابنك، يقول: إذا ادعى رجل رجلا وليس بابنه {ذلكم قولكم بأفواهكم} [الأحزاب: 4] . . الآية. وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من ادعى إلى غير أبيه متعمدا حرم الله عليه الجنة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن أشعث، عن عامر، قال: «ليس في الأدعياء زيد» وقوله {ذلكم قولكم بأفواهكم} [الأحزاب: 4] يقول تعالى ذكره: هذا القول وهو قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ودعاؤه من ليس بابنه أنه ابنه إنما هو قولكم بأفواهكم لا حقيقة له. لا يثبت بهذه الدعوى نسب الذي ادعيت بنوته، ولا تصير الزوجة أما بقول الرجل لها: أنت علي كظهر أمي {والله يقول الحق} [الأحزاب: 4] يقول: والله هو الصادق الذي يقول الحق، وبقوله يثبت نسب من أثبت نسبه، وبه تكون المرأة للمولود أما إذا حكم بذلك {وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4] يقول تعالى ذكره: والله يبين لعباده سبيل الحق، ويرشدهم لطريق الرشاد. 19P011
[الأحزاب: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ...} [الأحزاب: 5] 19P012 يقول الله تعالى ذكره: انسبوا أدعياءكم الذين ألحقتم أنسابهم بكم لآبائهم. يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألحق نسب زيد بأبيه حارثة، ولا تدعه زيد ابن محمد وقوله {هو أقسط عند الله} [الأحزاب: 5] يقول: دعاؤكم إياهم لآبائهم هو أعدل عند الله، وأصدق وأصوب من دعائكم إياهم لغير آبائهم ونسبتكموهم إلى من تبناهم وادعاهم وليسوا له بنين كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} [الأحزاب: 5] أي أعدل عند الله " وقوله {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب: 5] يقول تعالى ذكره: فإن أنتم أيها الناس لم تعلموا آباء أدعيائكم من هم فتنسبوهم إليهم ولم تعرفوهم، فتلحقوهم بهم {فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11] يقول: فهم إخوانكم في الدين، إن كانوا من أهل ملتكم، ومواليكم إن كانوا محرريكم وليسوا ببنيكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} [الأحزاب: 5] أي أعدل عند الله {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب: 5] فإن لم تعلموا من أبوه فإنما هو أخوك ومولاك " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال أبو بكرة: قال الله {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب: 5] فأنا ممن لا يعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين ". قال: قال أبي: والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارا لانتمى إليه وقوله: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} [الأحزاب: 5] يقول: ولا حرج عليكم ولا وزر في خطأ يكون منكم في نسبة بعض من تنسبونه إلى أبيه وأنتم ترونه ابن من ينسبونه إليه، وهو ابن لغيره {ولكن ما تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5] يقول: ولكن الإثم والحرج عليكم في نسبتكموه إلى غير أبيه وأنتم تعلمونه ابن غير من تنسبونه إليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} [الأحزاب: 5] يقول: إذا دعوت الرجل لغير أبيه وأنت ترى أنه كذلك 19P014 {ولكن ما تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5] يقول الله: لا تدعه لغير أبيه متعمدا. أما الخطأ فلا يؤاخذكم الله به ولكن يؤاخذكم بما تعمدت قلوبكم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5] قال: فالعمد ما أتى بعد البيان والنهي في هذا وغيره " وما التي في قوله {ولكن ما تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5] خفض ردا على ما التي في قوله {فيما أخطأتم به} [الأحزاب: 5] وذلك أن معنى الكلام: ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن فيما تعمدت قلوبكم. وقوله: {وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 96] يقول الله تعالى ذكره: وكان الله ذا ستر على ذنب من ظاهر زوجته فقال الباطل والزور من القول، وذنب من ادعى ولد غيره ابنا له إذا تابا وراجعا أمر الله وانتهيا عن قول الباطل بعد أن نهاهما ربهما عنه ذا رحمة بهما أن يعاقبهما على ذلك بعد توبتهما من خطيئتهما. 19P014
[الأحزاب: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم . } [الأحزاب: 6] يقول تعالى ذكره: النبي محمد أولى بالمؤمنين، يقول: أحق 19P015 بالمؤمنين به من أنفسهم أن يحكم فيهم بما يشاء من حكم فيجوز ذلك عليهم. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد " {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: 6] كما أنت أولى بعبدك، ما قضى فيهم من أمر جاز، كما كلما قضيت على عبدك جاز " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: 6] قال: هو أب لهم " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: 6] وأيما مؤمن ترك مالا فلورثته وعصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني وأنا مولاه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسن بن علي، عن أبي موسى إسرائيل بن 19P016 موسى، قال: قرأ الحسن هذه الآية {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] قال: قال الحسن: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه» قال الحسن: وفي القراءة الأولى «أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال في بعض القراءة «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم» ، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل ترك ضياعا فأنا أولى به، وإن ترك مالا فهو لورثته» وقوله {وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] يقول: وحرمة أزواجه حرمة أمهاتهم عليهم، في أنهن يحرم عليهن نكاحهن من بعد وفاته، كما يحرم عليهم نكاح أمهاتهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] يعظم بذلك حقهن وفي بعض القراءة «وهو أب لهم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] محرمات عليهم " وقوله {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} [الأحزاب: 6] يقول تعالى ذكره: وأولو الأرحام الذين ورثت بعضهم من بعض هم أولى بميراث بعض من المؤمنين والمهاجرين أن يرث بعضهم بعضا بالهجرة والإيمان دون الرحم. بنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} [الأحزاب: 6] لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجرين شيئا فأنزل الله هذه الآية فخلط المؤمنين بعضهم ببعض، فصارت المواريث بالملل " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين المهاجرين والأنصار أول ما كانت الهجرة وكانوا يتوارثون على ذلك، وقال الله {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] ، قال: إذا لم يأت رحم لهذا يحول دونهم، قال: فكان هذا أولا، فقال الله {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] يقول: إلا أن توصوا لهم {كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] أن أولي الأرحام 19P018 بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، قال: وكان المؤمنون والمهاجرون لا يتوارثون إن كانوا أولي رحم، حتى يهاجروا إلى المدينة، وقرأ قال الله {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] ، إلى قوله {وفساد كبير} [الأنفال: 73] ، فكانوا لا يتوارثون، حتى إذا كان عام الفتح، انقطعت الهجرة، وكثر الإسلام، وكان لا يقبل من أحد أن يكون على الذي كان عليه النبي ومن معه إلا أن يهاجر " قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن بعث: «اغدوا على اسم الله، لا تغلوا، ولا تولوا، ادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوكم فاقبلوا وادعوهم إلى الهجرة، فإذا هاجروا معكم، فلهم ما لكم وعليهم ما عليكم فإن أبوا ولم يهاجروا واختاروا دارهم فأقروهم فيها فهم كالأعراب تجري عليهم أحكام الإسلام، وليس لهم في هذا الفيء نصيب» قال: فلما جاء الفتح وانقطعت الهجرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح» . وكثر الإسلام، وتوارث الناس على الأرحام حيث كانوا، ونسخ ذلك الذي كان بين المؤمنين والمهاجرين، وكان لهم في الفيء نصيب، وإن أقاموا وأبوا، وكان حقهم في الإسلام واحد: المهاجر وغير المهاجر والبدوي وكل أحد، حين جاء الفتح ". فمعنى الكلام على هذا التأويل: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين ببعضهم أن يرثوهم بالهجرة، وقد يحتمل ظاهر هذا الكلام أن يكون من صلة الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث ممن لم يؤمن ولم يهاجر. وقوله: {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] اختلف أهل التأويل في 19P019 تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: إلا أن توصوا لذوي قرابتكم من غير أهل الإيمان والهجرة. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن سالم، عن ابن الحنفية، " {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] قالوا: يوصي لقرابته من أهل الشرك " قال: ثنا عبدة، قال: قرأت على ابن أبي عروبة، عن قتادة، " {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] قال: للقرابة من أهل الشرك وصية، ولا ميراث لهم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] قال: إلى أوليائكم من أهل الشرك وصية، ولا ميراث لهم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، ويحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، " {إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] قال: وصية " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني محمد بن عمرو، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ما قوله {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] ؟ 19P020 فقال: العطاء، فقلت له: المؤمن للكافر بينهما قرابة؟ قال: نعم، عطاؤه إياه حباء ووصية له ".
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تمسكوا بالمعروف بينكم بحق الإيمان والهجرة والحلف فتؤتونهم حقهم من النصرة والعقل عنهم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] قال: حلفاؤكم الذين والى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، إمساك بالمعروف، والعقل، والنصر بينهم ". وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن توصوا إلى أوليائكم من المهاجرين وصية. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد " {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] يقول: إلا أن توصوا لهم ". 19P021 وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: معنى ذلك إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم وبينكم من المهاجرين والأنصار معروفا من الوصية لهم والنصرة والعقل عنهم، وما أشبه ذلك، لأن كل ذلك من المعروف الذي قد حث الله عليه عباده. وإنما اخترت هذا القول، وقلت: هو أولى بالصواب من قيل من قال: عنى بذلك الوصية للقرابة من أهل الشرك لأن القريب من المشرك وإن كان ذا نسب فليس بالمولى وذلك أن الشرك يقطع ولاية ما بين المؤمن والمشرك، وقد نهى الله المؤمنين أن يتخذوا منهم وليا بقوله: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1] ، وغير جائز أن ينهاهم عن اتخاذهم أولياء ثم يصفهم جل ثناؤه بأنهم لهم أولياء. وموضع أن من قوله {إلا أن تفعلوا} [الأحزاب: 6] نصب على الاستثناء. ومعنى الكلام: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم الذين ليسوا بأولي أرحام منكم معروفا. وقوله {كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] يقول: كان أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله: أي في اللوح المحفوظ {مسطورا} [الإسراء: 58] أي مكتوبا، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] في الصحف الأولى التي كان سطر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] أي أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ". وقال آخرون: معنى ذلك: كان ذلك في الكتاب مسطورا: لا يرث المشرك المؤمن. 19P022
[الأحزاب: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} [الأحزاب: 7] يقول تعالى ذكره: كان ذلك في الكتاب مسطورا إذ كتبنا كل ما هو كائن في الكتاب {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} [الأحزاب: 7] كان ذلك أيضا في الكتاب مسطورا، ويعني بالميثاق: العهد، وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل. {ومنك} [الأحزاب: 7] يا محمد {ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم 19P023 ميثاقا غليظا} [الأحزاب: 7] يقول: وأخذنا من جميعهم عهدا مؤكدا أن يصدق بعضهم بعضا. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} [الأحزاب: 7] قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث» . {وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} [الأحزاب: 7] ميثاق أخذه الله على النبيين خصوصا أن يصدق بعضهم بعضا، وأن يتبع بعضهم بعضا " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: كان قتادة إذا تلا هذه الآية {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} [الأحزاب: 7] ، قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم في أول النبيين في الخلق " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله " {من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} [الأحزاب: 7] قال: في ظهر آدم " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} [النساء: 154] قال: الميثاق الغليظ: العهد " 19P024 [الأحزاب: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {ليسأل الصادقين عن صدقهم ...} [الأحزاب: 8] يقول تعالى ذكره: أخذنا من هؤلاء الأنبياء ميثاقهم كيما أسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، وما فعل قومهم فيما أبلغوهم عن ربهم من الرسالة. وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد، " {ليسأل الصادقين عن صدقهم} [الأحزاب: 8] قال: المبلغين المؤدين من الرسل ". حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {ليسأل الصادقين عن صدقهم} [الأحزاب: 8] قال: المبلغين المؤدين من الرسل. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، {ليسأل الصادقين عن صدقهم} [الأحزاب: 8] قال: الرسل المؤدين المبلغين وقوله: {وأعد للكافرين عذابا أليما} [الأحزاب: 8] يقول: وأعد للكافرين بالله من الأمم 19P025 عذابا موجعا. 19P024
[الأحزاب: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم . } [الأحزاب: 9] يقول تعالى ذكره: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} [الأحزاب: 9] التي أنعمها على جماعتكم وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق {إذ جاءتكم جنود} [الأحزاب: 9] جنود الأحزاب: قريش، وغطفان، ويهود بني النضير، {فأرسلنا عليهم ريحا} [الأحزاب: 9] وهي فيما ذكر: ريح الصبا. كما: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: " قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل، قال: فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثني الزبير يعني ابن عبد الله، قال: ثني ربيح بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء تقوله؟ قال: " نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا "، فضرب الله وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم الله بالريح حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الله بن عمرو، عن نافع، عن عبد الله، قال: " أرسلني خالي عثمان بن مظعون ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعام ولحاف، قال: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن لي وقال: «من لقيت من أصحابي فمرهم يرجعوا» ، قال: فذهبت والريح تسفي كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فما يلوي أحد منهم عنقه، قال: وكان معي ترس لي فكانت الريح تضربه علي، وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي، فأنفذها إلى الأرض " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة: قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، لحملناه على أعناقنا. قال حذيفة: يا ابن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى رسول الله هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال: «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ » يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يرجع أدخله الله الجنة، فما قام أحد، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، 19P027 ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع، يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة» ، فما قام رجل من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال: «يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا» . قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا، ولا نارا، ولا بناء؛ فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه، فقال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي، فقلت: من أنت ؟ فقال: أنا فلان بن فلان؛ ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخف، واختلفت بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما يطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل.
ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، لو شئت لقتلته بسهم؛ قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه، فلما رآني أدخلني بين رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه؛ فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " {إذ جاءتكم جنود} [الأحزاب: 9] قال: الأحزاب: عيينة بن بدر، وأبو سفيان، وقريظة " وقوله: {فأرسلنا عليهم ريحا} [الأحزاب: 9] قال: ريح الصبا، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم وقوله: {وجنودا لم تروها} [الأحزاب: 9] قال: الملائكة ولم تقاتل يومئذ " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} [الأحزاب: 9] قال: يعني الملائكة، قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا فخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن تبعه من الناس، حتى نزلوا بعقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عيينة بن حصن أحد بني بدر ومن تبعه من الناس حتى نزلوا بعقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه، فقال حيث يقول الله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} فبعث الله عليهم الرعب والريح، فذكر لنا أنهم كانوا كلما أوقدوا نارا أطفأها الله، حتى لقد ذكر لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني فلان، هلم إلي، حتى إذا اجتمعوا عنده فقال: النجاء النجاء، أتيتم، لما بعث الله عليهم من الرعب " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} [الأحزاب: 9] الآية، قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، في قول الله {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} [الأحزاب: 9] والجنود قريش وغطفان وبنو قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة " وقوله: {وكان الله بما تعملون بصيرا} [الأحزاب: 9] يقول تعالى ذكره: وكان الله بأعمالكم يومئذ وذلك صبرهم على ما كانوا فيه من الجهد والشدة، وثباتهم لعدوهم وغير ذلك من أعمالهم بصيرا لا يخفى عليه من ذلك شيء، يحصيه عليهم ليجزيهم عليه. 19P029
[الأحزاب: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم . } [الأحزاب: 10] يقول تعالى ذكره: وكان الله بما تعملون بصيرا، إذ جاءتكم جنود الأحزاب من فوقكم ومن أسفل منكم. وقيل: إن الذين أتوهم من أسفل منهم أبو سفيان في قريش ومن معه. 19P030 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {إذ جاءوكم من فوقكم} قال: عيينة بن بدر في أهل نجد، ومن أسفل منكم، قال: أبو سفيان. قال: وواجهتهم قريظة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ذكرت يوم الخندق وقرأت " {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} قالت: هو يوم الخندق " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير، وعمن لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن غيرهم من علمائنا: أنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير ونفر 19P031 من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا حتى قدموا مكة على قريش فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقال لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، قال: فهم الذين أنزل الله فيهم: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} [النساء: 51] ، إلى قوله {وكفى بجهنم سعيرا} [النساء: 55] ، فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا فيه، فأجابوهم فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومشعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم 19P032 ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام، وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاهده على ذلك وعاقده، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: يا كعب، افتح لي، قال: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشئوم، إني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، قال: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن أغلقت دوني إلا تخوفت على جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طم، جئتك بقريش على قاداتها وساداتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قاداتها وساداتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن 19P033 معه، فقال له كعب بن أسد: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه يرعد ويبرق ليس فيه شيء، فدعني ومحمدا وما أنا عليه، فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء، فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاهم عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، وإلى المسلمين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني الأشهل وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن ديلم أخي بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بلحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف، فقال: «انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم 19P034 فاجهروا به للناس» .
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة: أي كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرجيع، خبيب بن عدي وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» ، وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله، إن بيوتنا لعورة من العدو، وذلك عن ملإ من رجال قومه، فأذن لنا فلنرجع إلى دارنا، وإنها خارجة من المدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، قوله {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} فالذين جاؤوهم من فوقهم: قريظة، والذين جاؤوهم من أسفل منهم: قريش وغطفان " وقوله: {وإذ زاغت الأبصار} [الأحزاب: 10] يقول: وحين عدلت الأبصار عن 19P035 مقرها، وشخصت طامحة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وإذ زاغت الأبصار} [الأحزاب: 10] شخصت " وقوله: {وبلغت القلوب الحناجر} [الأحزاب: 10] يقول: نبت القلوب عن أماكنها من الرعب والخوف فبلغت إلى الحناجر. كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، " {وبلغت القلوب الحناجر} [الأحزاب: 10] قال: من الفزع " وقوله: {وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: 10] يقول: وتظنون بالله الظنون الكاذبة، وذلك كظن من ظن منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغلب وأن ما وعده الله من النصر أن لا يكون ونحو ذلك من ظنونهم الكاذبة التي ظنها من ظن ممن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عسكره. حدثنا بشر، قال: ثنا هوذة بن خليفة، قال: ثنا عوف، عن الحسن ، " {وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: 10] قال: ظنونا مختلفة: ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حق أنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون ". واختلفت القراء في قراءة قوله {وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: 10] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة، وبعض الكوفيين {الظنونا} [الأحزاب: 10] بإثبات الألف وكذلك {وأطعنا الرسولا} [الأحزاب: 66] ، {فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67] في الوصل والوقف؛ وكان اعتلال المعتل في ذلك لهم أن ذلك في كل مصاحف المسلمين بإثبات الألف في هذه الأحرف كلها. وكان بعض قراء الكوفة يثبت الألف فيهن في الوقف ويحذفها في الوصل اعتلالا بأن العرب تفعل ذلك في قوافي الشعر ومصاريعه، فتلحق الألف في موضع الفتح للوقوف ولا تفعل ذلك في حشو الأبيات، فإن هذه الأحرف حسن فيها إثبات الألفات لأنهن رءوس الآي تمثيلا لها بالقوافي. وقرأ ذلك بعض قراء البصرة والكوفة بحذف الألف من جميعه في الوقف والوصل اعتلالا بأن ذلك غير موجود في كلام العرب إلا في قوافي الشعر دون غيرها من كلامهم، وأنها إنما تفعل ذلك في القوافي طلبا لإتمام وزن الشعر، إذ لو لم تفعل ذلك فيها لم يصح الشعر وليس ذلك كذلك في القرآن لأنه لا شيء يضطرهم إلى ذلك في القرآن، وقالوا: هن مع ذلك في مصحف عبد الله بغير ألف.
وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بحذف الألف في الوصل والوقف لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب مع شهرة القراءة بذلك في قراء المصرين: الكوفة والبصرة، ثم القراءة بإثبات الألف فيهن في حالة الوقف والوصل، لأن علة من أثبت ذلك في حال الوقف أنه كذلك في خطوط مصاحف المسلمين. وإذا كانت العلة في إثبات الألف في بعض الأحوال كونه مثبتا في مصاحف المسلمين فالواجب أن تكون القراءة في كل الأحوال ثابتة لأنه مثبت في مصاحفهم. وغير جائز أن تكون العلة التي توجب قراءة ذلك على وجه من الوجوه في بعض الأحوال موجودة في حال أخرى، والقراءة مختلفة، وليس ذلك لقوافي الشعر بنظير، لأن قوافي الشعر إنما تلحق فيها الألفات في مواضع الفتح والياء في مواضع الكسر، والواو في مواضع الضم طلبا لتتمة الوزن وأن ذلك لو لم يفعل كذلك بطل أن يكون شعرا لاستحالته عن وزنه، ولا شيء يضطر تالي القرآن إلى فعل ذلك في القرآن. 19P037
[الأحزاب: 11_12] القول في تأويل قوله تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون . } [الأحزاب: 11_12] يقول: عند ذلك اختبر إيمان المؤمنين، ومحص القوم، وعرف المؤمن من المنافق. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " {هنالك ابتلي المؤمنون} [الأحزاب: 11] قال: محصوا " وقوله: {وزلزلوا زلزالا شديدا} [الأحزاب: 11] يقول: وحركوا بالفتنة تحريكا شديدا، وابتلوا وفتنوا وقوله: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} [الأحزاب: 12] شك في الإيمان، وضعف في إعتقادهم إياه {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12] وذلك فيما ذكر قول معتب بن قشير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان " {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12] يقول: معتب بن قشير، إذ قال ما قال يوم الخندق " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} [الأحزاب: 12] قال: تكلمهم بالنفاق يومئذ، وتكلم المؤمنون بالحق والإيمان، قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12] قال: قال ذلك 19P039 أناس من المنافقين: قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم وقد حصرنا هاهنا، حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: قال رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان، أرأيت إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» فأين هذا من هذا، وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف؟ {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12] فقال له: كذبت، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرك، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاه فقال: «ما قلت؟
» فقال: كذب علي يا رسول الله، ما قلت شيئا ما خرج هذا من فمي قط قال الله {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} [التوبة: 74] حتى بلغ {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} [التوبة: 74] ، قال: فهذا قول الله {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} [التوبة: 66] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، قال: ثني أبي، عن أبيه، قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام ذكرت الأحزاب من أحمر الشيخين طرف بني حارثة، حتى بلغ 19P040 المذاد، ثم جعل أربعين ذراعا بين كل عشرة، فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا، فقال الأنصار: سلمان منا، وقال المهاجرون: سلمان منا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سلمان منا أهل البيت» قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن المزني، وستة من الأنصار، في أربعين ذراعا، فحفرنا تحت دوبار حتى بلغنا الصرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروه، فكسرت حديدنا، وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان، ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمره، فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، فرقي سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله، بأبينا أنت وأمنا، خرجت صخرة بيضاء من بطن الخندق مروه، فكسرت حديدنا، وشقت علينا، حتى ما يجيء منها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان في الخندق، ورقينا نحن التسعة على شفة 19P041 الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان، فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها، يعني: لابتي المدينة، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون. ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية، فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة، فكسرها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، ثم أخذ بيد سلمان فرقي، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد رأيت شيئا ما رأيته قط، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم، فقال: «هل رأيتم ما يقول سلمان؟ » قالوا: نعم يا رسول الله، بأبينا أنت وأمنا وقد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر فنكبر، ولا نرى شيئا غير ذلك، قال: «صدقتم، ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاء لي منه قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرائيل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم، أضاء لي منه قصور الحمر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة وبرق منها الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور صنعاء، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا، يبلغهم النصر، وأبشروا يبلغهم النصر، وأبشروا يبلغهم النصر» . فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعود صدق، بأن وعدنا النصر بعد الحصر، 19P042 فطبقت الأحزاب، فقال المسلمون {هذا ما وعدنا الله ورسوله} [الأحزاب: 22] . الآية، وقال المنافقون: ألا تعجبون؟ يحدثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل، يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق من الفرق ولا تستطيعون أن تبرزوا؟ وأنزل القرآن {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12] 19P040
[الأحزاب: 13_14] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا} [الأحزاب: 13_14] يعني تعالى ذكره بقوله {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم} [الأحزاب: 13] وإذ قال بعضهم: يا أهل يثرب ويثرب: اسم أرض، فيقال: إن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية من يثرب. وقوله {لا مقام لكم فارجعوا} [الأحزاب: 13] بفتح الميم من مقام. يقول: لا مكان لكم، تقومون فيه، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] فأيي ما وأيك كان شرا فقيد إلى المقامة لا يراها 19P043 قوله {فارجعوا} [النور: 28] يقول: فارجعوا إلى منازلكم أمرهم بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والفرار منه وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن ذلك من قيل أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان " {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب} [الأحزاب: 13] . إلى {فرارا} [الكهف: 18] يقول: أوس بن قيظي، ومن كان على ذلك من رأيه من قومه ". والقراءة على فتح الميم من قوله {لا مقام لكم} [الأحزاب: 13] بمعنى: لا موضع قيام لكم، وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها لإجماع الحجة من القراء عليها. وذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ ذلك {لا مقام لكم} [الأحزاب: 13] بضم الميم، يعني: لا إقامة لكم. وقوله: {ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة} [الأحزاب: 13] يقول تعالى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإذن بالانصراف عنه إلى منزله، ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ويستأذن فريق منهم النبي} [الأحزاب: 13] . إلى قوله {إلا فرارا} [الأحزاب: 13] قال: هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلية، نخشى عليها السرق " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " {إن بيوتنا عورة} [الأحزاب: 13] قال: نخشى عليها السرق " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة} [الأحزاب: 13] وإنها مما يلي العدو، وإنا نخاف عليها السراق، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجد بها عدوا، قال الله {إن يريدون إلا فرارا} [الأحزاب: 13] يقول: إنما كان قولهم ذلك {إن بيوتنا عورة} [الأحزاب: 13] إنما كان يريدون بذلك الفرار " حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا عبيد الله بن حمران، قال: ثنا عبد السلام بن شداد أبو طالوت، عن أبيه، في هذه الآية " {إن بيوتنا عورة وما هي بعورة} [الأحزاب: 13] قال: ضائعة " وقوله {ولو دخلت عليهم من أقطارها} [الأحزاب: 14] يقول: ولو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين {إن بيوتنا عورة} [الأحزاب: 13] من أقطارها، يعني: من جوانبها ونواحيها، وأحدها: قطر، وفيها لغة أخرى: قتر، وأقتار؛ ومنه قول الراجز: [+البحر الرجز] إن شئت أن تدهن أو تمرا فولهن قترك الأشرا وقوله {ثم سئلوا الفتنة} [الأحزاب: 14] يقول: ثم سئلوا الرجوع من الإيمان إلى الشرك {لآتوها} [الأحزاب: 14] يقول: لفعلوا ورجعوا عن الإسلام وأشركوا. وقوله {وما تلبثوا بها إلا يسيرا} [الأحزاب: 14] يقول: وما احتبسوا عن إجابتهم إلى الشرك إلا يسيرا قليلا، ولأسرعوا إلى ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?