Taberî — Câmiü'l-Beyân
الآية، قال: " صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته، وكان أشد حبا لنا منك، وألين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته، حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرأه الله من ذلك فانطلقوا به فدفنوه، فلم يطلع على قبره أحد من خلق الله إلا الرخم، فجعله الله أصم أبكم " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن بني إسرائيل آذوا نبي الله ببعض 19P195 ما كان يكره أن يؤذى به، فبرأه الله مما آذوه به وجائز أن يكون ذلك كان قيلهم إنه أبرص، وجائز أن يكون كان ادعاءهم عليه قتل أخيه هارون وجائز أن يكون كل ذلك، لأنه قد ذكر كل ذلك أنهم قد آذوه به، ولا قول في ذلك أولى بالحق مما قال الله إنهم آذوا موسى، فبرأه الله مما قالوا 19P194
[الأحزاب: 70_71] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70_71] يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، اتقوا الله أن تعصوه، فتستحقوا بذلك عقوبته وقوله: {وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] يقول: قولوا في رسول الله والمؤمنين قولا قاصدا غير جائز، حقا غير باطل كما: حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] يقول: سدادا " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عنبسة، عن الكلبي {وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] قال: «صدقا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] «أي عدلا» ، قال قتادة: " يعني به في منطقه وفي عمله كله، والسديد: الصدق " حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، في قول الله: {وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] " قولوا: لا إله إلا الله " وقوله: {يصلح لكم أعمالكم} [الأحزاب: 71] يقول تعالى ذكره للمؤمنين: اتقوا الله وقولوا السداد من القول يوفقكم لصالح الأعمال، فيصلح أعمالكم {ويغفر لكم ذنوبكم} [آل عمران: 31] يقول: ويعف لكم عن ذنوبكم، فلا يعاقبكم عليها {ومن يطع الله ورسوله} [النساء: 13] فيعمل بما أمره به، وينتهي عما نهاه، ويقل السديد {فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 71] يقول: فقد ظفر بالكرامة العظمى من الله 19P196
[الأحزاب: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: إن الله عرض طاعته وفرائضه على السموات والأرض والجبال على أنها إن أحسنت أثيبت وجوزيت، وإن ضيعت عوقبت، فأبت حملها شفقا منها أن لا تقوم بالواجب عليها، وحملها آدم {إنه كان ظلوما} [الأحزاب: 72] لنفسه {جهولا} [الأحزاب: 72] بالذي فيه الحظ له ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قال: " الأمانة: الفرائض التي افترضها الله على العباد " قال: ثنا هشيم، عن العوام، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، في قوله: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها} قال: " الأمانة: الفرائض التي افترضها الله على عباده " قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، وجويبر، كلاهما عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله {إنا عرضنا الأمانة} [الأحزاب: 72] . . . إلى قوله {جهولا} [الأحزاب: 72] قال: " الأمانة: الفرائض " قال جويبر في حديثه: فلما عرضت على آدم، قال: أي رب وما الأمانة؟ قال: قيل: إن أديتها جزيت، وإن ضيعتها عوقبت، قال: أي رب حملتها بما فيها، قال: فما مكث في الجنة إلا قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس حتى عمل بالمعصية، فأخرج منها " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية {إنا عرضنا الأمانة} [الأحزاب: 72] قال: " عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال: قد قبلت، فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة " حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} " إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم، فقبلها بما فيها، وهو قوله: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] غرا بأمر الله " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إنا عرضنا الأمانة} [الأحزاب: 72] " الطاعة عرضها عليها قبل أن يعرضها على آدم، فلم تطقها، فقال لآدم: يا آدم إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال، فلم تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ فقال: يا رب: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فتحملها، فذلك قوله: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} " قال آدم: قيل له: خذها بحقها، قال: وما حقها؟ قيل: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فما لبث ما بين الظهر والعصر حتى أخرج منها " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} " فلم يطقن حملها، فهل أنت يا آدم آخذها بما فيها، قال آدم: وما فيها يا رب؟
قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فقال : تحملتها، فقال الله تبارك وتعالى: قد حملتكها؛ فما مكث آدم إلا مقدار ما بين الأولى إلى العصر حتى أخرجه إبليس لعنه الله من الجنة؛ والأمانة: الطاعة " حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية، قال: ثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمرو، وكان، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول نزل القرآن وهو كلام الله، ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله شيئا من أمره مما يأتون ومما يجتنبون، وهي الحجج عليهم، إلا بينة لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن من القبيح ثم الأمانة أول شيء يرفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم، وتبقى الكتب، فعالم يعمل، وجاهل يعرفها وينكرها حتى وصل إلي وإلى أمتي، فلا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، والحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، وإنما يبلوكم أيكم أحسن عملا " حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا عبد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: ثنا العوام العطار، قال: ثنا قتادة، وأبان بن أبي عياش، عن خليد العصري، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس، على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها " وكان يقول: «وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا، وأدى الأمانة» قالوا: يا أبا الدرداء: وما الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن أبي بن كعب، قال: «من الأمانة أن المرأة، اؤتمنت على فرجها» حدثني يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {إنا 19P201 عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قال: إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين، ويجعل لهن ثوابا وعقابا، ويستأمنهن على الدين، فقلن: لا، نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابا ولا عقابا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وعرضها الله على آدم، فقال: بين أذني وعاتقي "؛ قال ابن زيد، فقال الله له: أما إذ تحملت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك، فأرخ عليه حجابه، واجعل للسانك بابا وغلقا، فإذا خشيت فأغلق، واجعل لفرجك لباسا، فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} " يعني به: الدين والفرائض والحدود {فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} [الأحزاب: 72] قيل لهن: احملنها تؤدين حقها، فقلن: لا نطيق ذلك {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] قيل له: أتحملها؟ قال: نعم، قيل: أتؤدي حقها؟
قال: نعم، قال الله: إنه كان ظلوما جهولا عن حقها " وقال آخرون: بل عنى بالأمانة في هذا الموضع: أمانات الناس ذكر من قال ذلك: حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن 19P202 عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها أو قال: يكفر كل شيء إلا الأمانة؛ يؤتى بصاحب الأمانة، فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أي رب وقد ذهبت الدنيا، ثلاثا؛ فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، فيذهب به إليها، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها، فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت، فهوى في أثرها أبد الآبدين " قالوا: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث؛ وأشد ذلك الودائع " فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: «صدق» قال شريك، وثني عياش العامري عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة، وفي كل شيء حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن أبي هلال، عن أبي حازم، قال: " إن الله عرض الأمانة على سماء الدنيا، فأبت؛ ثم التي تليها، حتى فرغ منها، ثم الأرضين ثم الجبال، ثم عرضها على آدم، فقال: نعم، بين أذني وعاتقي فثلاث آمرك بهن، فإنهن لك عون: إني جعلت لك لسانا بين لحيين، فكفه عن كل شيء نهيتك عنه؛ 19P203 وجعلت لك فرجا وواريته، فلا تكشفه إلى ما حرمت عليك " وقال آخرون: بل ذلك إنما عنى به ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده، وخيانة قابيل أباه في قتله أخاه ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له اثنان، يقال لهما قابيل، وهابيل؛ وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوجها، فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى، وإنهما قربا قربانا إلى الله أيهما أحق بالجارية، وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما، أي بمكة ينظر إليها، قال الله لآدم: يا آدم هل تعلم أن لي بيتا في الأرض؟
قال : اللهم لا، قال: إن لي بيتا بمكة فأته، فقال آدم للسماء: احفظي 19P204 ولدي بالأمانة، فأبت؛ وقال للأرض، فأبت؛ فقال للجبال، فأبت؛ فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك؛ فلما انطلق آدم وقربا قربانا، وكان قابيل يفخر عليه فيقول: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي؛ فلما قربا، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها فأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل {إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} [المائدة: 28] إلى قوله: {فطوعت له نفسه قتل أخيه} [المائدة: 30] فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال؛ وأتاه يوما من الأيام، وهو يرعى غنمه في جبل، وهو نائم، فرفع صخرة، فشدخ بها رأسه، فمات، وتركه بالعراء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثا عليه؛ فلما رآه قال: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} فهو قول الله تبارك وتعالى: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه} فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه، فذلك حين يقول: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} . . . إلى آخر الآية " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عنى بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين، وأمانات الناس، وذلك أن الله لم يخص 19P205 بقوله: {عرضنا الأمانة} [الأحزاب: 72] بعض معاني الأمانات لما وصفنا وبنحو قولنا: قال أهل التأويل في معنى قول الله: {إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي {إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] «يعني قابيل حين حمل أمانة آدم لم يحفظ له أهله» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال : ثنا سفيان، عن رجل، عن الضحاك، في قوله: {وحملها الإنسان} [الأحزاب: 72] " قال آدم {إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] قال: ظلوما لنفسه، جهولا فيما احتمل فيما بينه وبين ربه " حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس {إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] «غر بأمر الله» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] قال: «ظلوما لها، يعني للأمانة، جهولا عن حقها» 19P205
[الأحزاب: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 73] يقول تعالى ذكره: وحمل الإنسان الأمانة كيما يعذب الله المنافقين فيها الذين يظهرون أنهم يؤدون فرائض الله، مؤمنين بها، وهم مستسرون الكفر بها، {والمنافقات والمشركين} [الأحزاب: 73] بالله في عبادتهم إياه الآلهة والأوثان، {والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب: 73] يرجع بهم إلى طاعته، وأداء الأمانات التي ألزمهم إياها حتى يؤدوها {وكان الله غفورا} [النساء: 96] لذنوب المؤمنين والمؤمنات، بستره عليها، وتركه عقابهم عليها {رحيما} [النساء: 16] أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: ثني أبي، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الحسن، أنه كان يقرأ هذه الآية: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} حتى ينتهي {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} [الأحزاب: 73] فيقول: " اللذان خاناها، اللذان ظلماها: المنافق والمشرك " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} [الأحزاب: 73] " هذان اللذان خاناها، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات، هذان اللذان أدياها {وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 96] [034] سورة سبأ مكية وآياتها أربع وخمسون بسم الله الرحمن الرحيم 19P207 [سبأ: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير} [سبأ: 1] يقول تعالى ذكره: الشكر الكامل، والحمد التام كله للمعبود الذي هو مالك جميع ما في السموات السبع، وما في الأرضين السبع دون كل ما يعبدونه، ودون كل شيء سواه، لا مالك لشيء من ذلك غيره؛ فالمعنى: الذي هو مالك جميعه {وله الحمد في الآخرة} [سبأ: 1] يقول: وله الشكر الكامل في الآخرة، كالذي هو له ذلك في الدنيا العاجلة، لأن منه النعم كلها على كل من في السموات والأرض في الدنيا، ومنه يكون ذلك في الآخرة، فالحمد لله خالصا دون ما سواه في عاجل الدنيا، وآجل الآخرة، لأن النعم كلها من قبله لا يشركه فيها أحد من دونه، وهو الحكيم في تدبيره خلقه وصرفه إياهم في تقديره، خبير بهم وبما يصلحهم، وبما عملوا، وما هم عاملون، محيط بجميع ذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وهو الحكيم الخبير} [سبأ: 1] «حكيم في أمره، خبير بخلقه» 19P208 [سبأ: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور} [سبأ: 2] يقول تعالى ذكره: يعلم ما يدخل الأرض وما يغيب فيها من شيء؛ من قولهم: ولجت في كذا: إذا دخلت فيه، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] رأيت القوافي يتلجن موالجا تضايق عنها أن تولجها الإبر يعني بقوله: «يتلجن موالجا» : يدخلن مداخل {وما يخرج منها} [سبأ: 2] يقول: وما يخرج من الأرض {وما ينزل من السماء وما يعرج فيها} [سبأ: 2] يعني: وما يصعد في السماء؛ وذلك خبر من الله أنه العالم الذي لا يخفى عليه شيء في السموات والأرض، مما ظهر فيها وما بطن {وهو الرحيم الغفور} [سبأ: 2] وهو الرحيم بأهل التوبة من عباده أن يعذبهم بعد توبتهم، الغفور لذنوبهم إذا تابوا منها 19P208
[سبأ: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} [سبأ: 3] يقول تعالى ذكره: ويستعجلك يا محمد الذين جحدوا قدرة الله على إعادة خلقه بعد فنائهم بهيئتهم التي كانوا بها من قبل فنائهم من قومك بقيام الساعة، استهزاء بوعدك إياهم، وتكذيبا لخبرك، قل لهم: بلى تأتيكم وربي، قسما به لتأتينكم الساعة، ثم عاد جل جلاله بعد ذكره الساعة على نفسه، وتمجيدها، فقال: {عالم الغيب} [الأنعام: 73] واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة: (عالم الغيب) على مثال فاعل، بالرفع على الاستئناف، إذ دخل بين قوله: {وربي} [يونس: 53] ، وبين قوله: {عالم الغيب} [الأنعام: 73] كلام حائل بينه وبينه. وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة والبصرة، عالم على مثال فاعل، غير أنهم خفضوا عالم ردا منهم له على قوله {وربي} [يونس: 53] إذ كان من صفته وقرأ ذلك بقية عامة قراء الكوفة : (علام الغيب) على مثال فعال، وبالخفض ردا لإعرابه على أعراب قوله {وربي} [يونس: 53] إذ كان من نعته والصواب من القول في ذلك عندنا، أن كل هذه القراءات الثلاث، قراءات مشهورات في قراء الأمصار متقاربات المعاني، فبأيتهن قرأ القارئ فمصيب؛ غير أن أعجب القراءات في ذلك إلي أن أقرأ بها: (علام الغيب) على القراءة التي ذكرتها عن عامة قراء أهل الكوفة؛ فأما اختيار علام على عالم، فلأنها أبلغ في المدح وأما الخفض فيها فلأنها من نعت الرب، وهو في موضع الجر وعنى بقوله: علام الغيب: علام ما يغيب عن أبصار الخلق، فلا يراه أحد، إما ما لم يكونه مما سيكونه، أو ما قد كونه فلم يطلع عليه أحدا غيره. وإنما وصف جل ثناؤه في هذا الموضع نفسه بعلمه الغيب، إعلاما منه خلقه أن الساعة لا يعلم وقت مجيئها أحد سواه، وإن كانت جائية، فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل للذين كفروا بربهم: بلى وربكم لتأتينكم الساعة، ولكنه لا يعلم وقت مجيئها أحد سوى علام الغيوب، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة يعني جل ثناؤه بقوله: {لا يعزب عنه} [سبأ: 3] لا يغيب عنه، ولكنه ظاهر له وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {لا يعزب عنه} [سبأ: 3] يقول: «لا يغيب عنه» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {لا يعزب عنه} [سبأ: 3] قال: «لا يغيب» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لا يعزب عنه مثقال ذرة} [سبأ: 3] أي لا يغيب عنه " وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وقوله: {مثقال ذرة} [النساء: 40] يعني: زنة ذرة في السموات ولا في الأرض؛ يقول تعالى ذكره: لا يغيب عنه شيء من زنة ذرة فما فوقها فما دونها، أين كان في السموات ولا في الأرض {ولا أصغر من ذلك} [يونس: 61] يقول: ولا يعزب عنه أصغر من مثقال ذرة {ولا أكبر} [يونس: 61] منه {إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] يقول: هو مثبت في كتاب يبين للناظر فيه أن الله تعالى ذكره قد أثبته وأحصاه وعلمه، فلم يعزب عن علمه 19P211
[سبأ: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا 19P212 الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم} [سبأ: 4] يقول تعالى ذكره: أثبت ذلك في الكتاب المبين، كي يثيب الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله ورسوله به، وانتهوا عما نهاهم عنه على طاعتهم ربهم {أولئك لهم مغفرة} [هود: 11] يقول جل ثناؤه: لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، مغفرة من ربهم لذنوبهم {ورزق كريم} [الأنفال: 4] يقول: وعيش هنيء يوم القيامة في الجنة كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أولئك لهم مغفرة} [هود: 11] لذنوبهم {ورزق كريم} [الأنفال: 4] في الجنة " 19P212 [سبأ: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم} [سبأ: 5] يقول تعالى ذكره: أثبت ذلك في الكتاب، ليجزي المؤمنين ما وصف، وليجزي الذين سعوا في آياتنا معاجزين؛ يقول: وكي يثيب الذين عملوا في إبطال أدلتنا وحججنا معاونين، يحسبون أنهم يسبقوننا بأنفسهم فلا نقدر عليهم {أولئك لهم عذاب} [آل عمران: 91] يقول: هؤلاء لهم عذاب من شديد العذاب الأليم؛ ويعني بالأليم: الموجع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {والذين سعوا في آياتنا معاجزين} [سبأ: 5] أي لا يعجزون {أولئك لهم عذاب من رجز أليم} [سبأ: 5] قال: الرجز: سوء العذاب، الأليم: الموجع " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {والذين سعوا في آياتنا معاجزين} [سبأ: 5] قال: " جاهدين ليهبطوها أو يبطلوها، قال: وهم المشركون، وقرأ: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت: 26] 19P213 [سبأ: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} [سبأ: 6] يقول تعالى ذكره: أثبت ذلك في كتاب مبين؛ ليجزي الذين آمنوا، والذين سعوا في آياتنا ما قد بين لهم، وليرى الذين أوتوا العلم؛ فيرى في موضع نصب عطفا به على قوله: يجزي، في قوله: {ليجزي الذين آمنوا} [يونس: 4] وعنى بالذين أوتوا العلم: مسلمة أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، ونظرائه الذين قد قرؤوا كتب الله التي أنزلت قبل الفرقان، فقال تعالى ذكره: وليرى هؤلاء الذين أوتوا العلم بكتاب الله الذي هو التوراة، الكتاب الذي أنزل إليك يا محمد من ربك هو الحق 19P214 وقيل: عنى بالذين أوتوا العلم: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} [سبأ: 6] قال: «أصحاب محمد» وقوله: {ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} [سبأ: 6] يقول: ويرشد من اتبعه، وعمل بما فيه إلى سبيل الله العزيز في انتقامه من أعدائه، الحميد عند خلقه، فأياديه عندهم، ونعمه لديهم. وإنما يعني أن الكتاب الذي أنزل على محمد يهدي إلى الإسلام 19P214
[سبأ: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} [سبأ: 7] يقول تعالى ذكره: وقال الذين كفروا بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، متعجبين من وعده إياهم البعث بعد الممات بعضهم لبعض: {هل ندلكم} [سبأ: 7] أيها الناس {على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} [سبأ: 7] يقول: يخبركم أنكم بعد تقطيعكم في الأرض بلاء وبعد مصيركم في التراب رفاتا، عائدون كهيئتكم قبل الممات خلقا جديدا كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق} [سبأ: 7] قال: «ذلك مشركو قريش والمشركون من الناس» {ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق} [سبأ: 7] «إذا أكلتكم الأرض، وصرتم رفاتا وعظاما، وقطعتكم السباع والطير» {إنكم لفي خلق جديد} [سبأ: 7] «ستحيون وتبعثون» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {هل ندلكم على رجل} [سبأ: 7] إلى {خلق جديد} [سبأ: 7] قال: يقول: {إذا مزقتم} [سبأ: 7] «وإذا بليتم وكنتم عظاما وترابا ورفاتا» ذلك {كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} [سبأ: 7] " قال: ينبئكم إنكم " فكسر إن ولم يعمل ينبئكم فيها، ولكن ابتدأ بها ابتداء، لأن النبأ خبر وقول، فالكسر في إن لمعنى الحكاية في قوله: {ينبئكم} [الأنعام: 60] دون لفظه، كأنه قيل: يقول لكم: {إنكم لفي خلق جديد} [سبأ: 7] " 19P215 [سبأ: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {أفترى على الله كذبا أم به جنة، بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} [سبأ: 8] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء الذين كفروا 19P216 به، وأنكروا البعث بعد الممات بعضهم لبعض، معجبين من رسول الله صلى الله عليه وسلم في وعده إياهم ذلك: أفترى هذا الذي يعدنا أنا بعد أن نمزق كل ممزق في خلق جديد على الله كذبا، فتخلق عليه بذلك باطلا من القول، وتخرص عليه قول الزور {أم به جنة} [سبأ: 8] يقول: أم هو مجنون فيتكلم بما لا معنى له وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قالوا تكذيبا: {أفترى على الله كذبا} [سبأ: 8] قال: " قالوا: إما أن يكون يكذب على الله، أم به جنة، وإما أن يكون مجنونا {بل الذين لا يؤمنون} [سبأ: 8] الآية " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد؛ " ثم قال بعضهم لبعض: {أفترى على الله كذبا أم به جنة} [سبأ: 8] الرجل مجنون فيتكلم بما لا يعقل، فقال الله: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} [سبأ: 8] وقوله: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} [سبأ: 8] يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما قال هؤلاء المشركون في محمد صلى الله عليه وسلم، وظنوا به من أنه أفترى على الله كذبا، أو أن به جنة، لكن الذين لا يؤمنون بالآخرة من هؤلاء المشركين في عذاب الله في الآخرة، وفي الذهاب البعيد عن طريق الحق، وقصد 19P217 السبيل، فهم من أجل ذلك يقولون فيه ما يقولون حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد؛ " قال الله: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} [سبأ: 8] وأمره أن يحلف لهم ليعتبروا، وقرأ: {قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم} [التغابن: 7] . . . . . . الآية كلها، وقرأ: {قل بلى وربي لتأتينكم} [سبأ: 3] وقطعت الألف من قوله: {أفترى على الله} [سبأ: 8] في القطع والوصل، ففتحت لأنها ألف استفهام فأما الألف التي بعدها، التي هي ألف افتعل، فإنها ذهبت لأنها خفيفة زائدة تسقط في اتصال الكلام، ونظيرها: {سواء عليهم أستغفرت لهم} [المنافقون: 6] ، و {بيدي أستكبرت} [ص: 75] و {أصطفى البنات} [الصافات: 153] وما أشبه ذلك وأما ألف آلآن، وآلذكرين فطولت هذه، ولم تطول تلك، لأن الآن والذكرين كانت مفتوحة، فلو أسقطت لم يكن بين الاستفهام والخبر فرق، فجعل التطويل فيها فرقا بين الاستفهام والخبر، وألف الاستفهام مفتوحة، فكانتا مفترقتين بذلك، فأغنى ذلك دلالة على الفرق من التطويل 19P217
[سبأ: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} [سبأ: 9] يقول تعالى ذكره: أفلم ينظر هؤلاء المكذبون بالمعاد، الجاحدون البعث بعد الممات، القائلون لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: {أفترى على الله كذبا أم به جنة} [سبأ: 8] إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، فيعلموا أنهم حيث كانوا، فإن أرضي وسمائي محيطة بهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، فيرتدعوا عن جهلهم، ويتزجروا عن تكذيبهم بآياتنا حذرا أن نأمر الأرض فتخسف بهم، أو السماء فتسقط عليه قطعا، فإنا إن نشأ نفعل ذلك بهم فعلنا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم} [سبأ: 9] قال: " ينظرون عن أيمانهم، وعن شمائلهم، كيف السماء قد أحاطت بهم {إن نشأ نخسف بهم الأرض} [سبأ: 9] كما خسفنا بمن كان قبلهم {أو نسقط عليهم كسفا من السماء} [سبأ: 9] أي قطعا من السماء " وقوله: {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} [سبأ: 9] يقول تعالى ذكره: إن في 19P219 إحاطة السماء والأرض بعباد الله {لآية} [البقرة: 248] يقول: لدلالة {لكل عبد منيب} [سبأ: 9] يقول: لكل عبد أناب إلى ربه بالتوبة، ورجع إلى معرفة توحيده، والإقرار بربوبيته، والاعتراف بوحدانيته، والإذعان لطاعته، على أن فاعل ذلك لا يمتنع عليه فعل شيء أراد فعله، ولا يتعذر عليه فعل شيء شاءه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} [سبأ: 9] " والمنيب: المقبل التائب " 19P219 [سبأ: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير} [سبأ: 10] يقول تعالى ذكره: ولقد أعطينا داود منا فضلا، وقلنا للجبال: {أوبي معه} [سبأ: 10] سبحي معه إذا سبح والتأويب عند العرب: الرجوع، ومبيت الرجل في منزله وأهله؛ ومنه قول الشاعر: [+البحر البسيط] يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأويب أي رجوع. وقد كان بعضهم يقرؤه: أوبي معه من آب يؤوب، بمعنى: تصرفي معه؛ وتلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها قراءة الحجة 19P220 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثني محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة وحدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا الحسن بن الحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {أوبي معه} [سبأ: 10] قال: سبحي معه " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {يا جبال أوبي معه} [سبأ: 10] يقول: «سبحي معه» حدثنا أبو عبد الرحمن العلائي، قال: ثنا مسعر، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن {يا جبال أوبي معه} [سبأ: 10] يقول: سبحي " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة {يا جبال أوبي معه} [سبأ: 10] قال: «سبحي، بلسان الحبشة» حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {يا جبال أوبي معه} [سبأ: 10] قال: سبحي معه " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يا جبال أوبي معه} [سبأ: 10] قال: سبحي " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يا جبال أوبي معه} [سبأ: 10] «أي سبحي معه إذا سبح» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا جبال أوبي معه} [سبأ: 10] قال: " سبحي معه؛ قال: والطير أيضا " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {يا جبال أوبي معه } [سبأ: 10] قال: سبحي " حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: {يا جبال أوبي معه} [سبأ: 10] «سبحي معه» وقوله: {والطير} [الأنبياء: 79] وفي نصب الطير وجهان: أحدهما على ما قاله ابن زيد من أن الطير نوديت كما نوديت الجبال، فتكون منصوبة من أجل أنها معطوفة على مرفوع، بما لا يحسن إعادة رافعه عليه، فيكون كالمصدر عن جهته، 19P222 والآخر: فعل ضمير متروك استغني بدلالة الكلام عليه، فيكون معنى الكلام: فقلنا: يا جبال أوبي معه، وسخرنا له الطير وإن رفع ردا على ما في قوله «سبحي» من ذكر الجبال كان جائزا وقد يجوز رفع الطير وهو معطوف على الجبال، وإن لم يحسن نداؤها بالذي نوديت به الجبال، فيكون ذلك كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] ألا يا عمرو والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق وقوله: {وألنا له الحديد} [سبأ: 10] ذكر أن الحديد كان في يده كالطين المبلول يصرفه في يده كيف يشاء بغير إدخال نار، ولا ضرب بحديد ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وألنا له الحديد} [سبأ: 10] «سخر الله له الحديد بغير نار» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، في قوله: {وألنا له الحديد} [سبأ: 10] «كان يسويها بيده، ولا يدخلها نارا، ولا يضربها بحديدة» 19P222
[سبأ: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {أن اعمل سابغات وقدر في السرد...} [سبأ: 11] وقوله: {أن اعمل سابغات} [سبأ: 11] يقول: وعهدنا إليه أن اعمل سابغات، وهي التوام الكوامل من الدروع 19P223 وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أن اعمل سابغات} [سبأ: 11] ": دروع، وكان أول من صنعها داود، إنما كان قبل ذلك صفائح " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أن اعمل سابغات} [سبأ: 11] قال: " السابغات: دروع الحديد " وقوله: {وقدر في السرد} [سبأ: 11] اختلف أهل التأويل في السرد، فقال بعضهم: السرد: هو مسمار حلق الدرع ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وقدر في السرد} [سبأ: 11] قال: " كان يجعلها بغير نار، ولا يقرعها بحديد، ثم يسردها والسرد: المسامير التي في الحلق " وقال آخرون: هو الحلق بعينها ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله 19P224 : {وقدر في السرد} [سبأ: 11] قال: " السرد: حلقة؛ أي قدر تلك الحلق " قال: وقال الشاعر: أجاد المسدي سردها وأذالها قال: يقول: وسعها، وأجاد حلقها حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {وقدر في السرد} [سبأ: 11] " يعني بالسرد: ثقب الدروع فيسد قتيرها " وقال بعض أهل العلم بكلام العرب: يقال درع مسرودة: إذا كانت مسمورة الحلق؛ واستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر: [+البحر الكامل] وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع وقيل: إنما قال الله لداود: {وقدر في السرد} [سبأ: 11] لأنها كانت قبل صفائح ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن علي، قال: ثنا أبي، قال، ثنا خالد بن قيس، عن قتادة {وقدر في السرد} [سبأ: 11] قال: «كانت صفائح، فأمر أن يسردها حلقا» وعنى بقوله {وقدر في السرد} [سبأ: 11] وقدر المسامير في حلق الدروع حتى يكون 19P225 بمقدار لا تغلظ المسمار، وتضيق الحلقة، فتفصم الحلقة، ولا توسع الحلقة، وتصغر المسامير وتدقها، فتسلس في الحلقة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وقدر في السرد} [سبأ: 11] قال: «قدر المسامير والحلق، لا تدق المسامير فتسلس، ولا تجلها» قال محمد بن عمرو، وقال الحارث: فتفصم " حدثني علي بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: {وقدر في السرد} [سبأ: 11] قال: «لا تصغر المسمار، وتعظم الحلقة فتسلس، ولا تعظم المسمار وتصغر الحلقة فيفصم المسمار» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عيينة، قال: ثنا أبي، عن الحكم، في قوله: {وقدر في السرد} [سبأ: 11] قال: «لا تغلظ المسمار فيفصم الحلقة، ولا تدقه فيفلق» وقوله: {واعملوا صالحا} [المؤمنون: 51] يقول تعالى ذكره: واعمل يا داود أنت وآلك بطاعة الله {إني بما تعملون بصير} [سبأ: 11] يقول جل ثناؤه: إني بما تعمل أنت وأتباعك ذو بصر لا يخفى علي منه شيء، وأنا مجازيك وإياهم على جميع ذلك 19P226
[سبأ: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير} [سبأ: 12] اختلفت القراء في قراءة قوله: {ولسليمان الريح} [الأنبياء: 81] فقرأته عامة قراء الأمصار {ولسليمان الريح} [الأنبياء: 81] بنصب الريح، بمعنى: ولقد آتينا داود منا فضلا، وسخرنا لسليمان الريح وقرأ ذلك عاصم: (ولسليمان الريح) رفعا بحرف الصفة، إذ لم يظهر الناصب 19P227 والصواب من القراءة في ذلك عندنا النصب لإجماع الحجة من القراء عليه وقوله: {غدوها شهر} [سبأ: 12] يقول تعالى ذكره: وسخرنا لسليمان الريح، غدوها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر} [سبأ: 12] قال: " تغدو مسيرة شهر، وتروح مسيرة شهر، قال: مسيرة شهرين في يوم " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر} [سبأ: 12] قال: " ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض صحابة سليمان، إما من الجن، وإما من الإنس: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنيا وجدناه، غدونا من إصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر} [سبأ: 12] قال: «كان له مركب من خشب، وكان فيه ألف ركن، في كل ركن ألف بيت تركب فيه الجن 19P228 والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان، يرفعون ذلك المركب هم والعصار؛ فإذا ارتفع أتت الريح رخاء، فسارت به، وساروا معه، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر، ويمسي عند قوم بينه وبينهم شهر، ولا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش والجنود» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الحسن، في قوله {غدوها شهر ورواحها شهر} [سبأ: 12] قال: «كان يغدو فيقيل في إصطخر، ثم يروح منها، فيكون رواحها بكابل» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد، قال: ثنا قرة، عن الحسن بمثله وقوله: {وأسلنا له عين القطر} [سبأ: 12] يقول: وأذبنا له عين النحاس، وأجريناها له وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وأسلنا له عين القطر} [سبأ: 12] «عين النحاس، كانت بأرض اليمن، وإنما ينتفع اليوم بما أخرج الله لسليمان» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأسلنا له عين القطر} [سبأ: 12] قال: «الصفر سال كما يسيل الماء، يعمل به كما كان يعمل العجين في اللبن» حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وأسلنا له عين القطر} [سبأ: 12] يقول: «النحاس» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {وأسلنا له عين القطر} [سبأ: 12] يعني: «عين النحاس أسيلت» وقوله: {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} [سبأ: 12] يقول تعالى ذكره: ومن الجن من يطيعه، ويأتمر بأمره، وينتهي لنهيه، فيعمل بين يديه ما يأمره طاعة له {بإذن ربه} [الأعراف: 58] يقول: بأمر الله بذلك، وتسخيره إياه له {ومن يزغ منهم عن أمرنا} [سبأ: 12] يقول: ومن يزل ويعدل من الجن عن أمرنا الذي أمرناه من طاعة سليمان {نذقه من عذاب السعير} [سبأ: 12] في الآخرة، وذلك عذاب نار جهنم الموقدة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن يزغ منهم عن أمرنا} [سبأ: 12] " أي يعدل منهم عن أمرنا عما أمره به سليمان {نذقه من عذاب 19P230 السعير} [سبأ: 12] 19P229
[سبأ: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] يعني تعالى ذكره: يعمل الجن لسليمان ما يشاء من محاريب، وهي جمع محراب، والمحراب: مقدم كل مسجد وبيت ومصلى، ومنه قول عدي بن زيد: [+البحر الخفيف] كدمى العاج في المحاريب أو كال بيض في الروض زهره مستنير وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ما يشاء من محاريب} [سبأ: 13] قال: «بنيان دون القصور» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يعملون له ما يشاء من محاريب} [سبأ: 13] وقصور ومساجد " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يعملون له ما يشاء من محاريب} [سبأ: 13] قال: " المحاريب: المساكن وقرأ قول الله: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب} [آل عمران: 39] حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: {يعملون له ما يشاء من محاريب} [سبأ: 13] قال: " المحاريب: المساجد " وقوله: {وتماثيل} [سبأ: 13] يعني أنهم يعملون له تماثيل من نحاس وزجاج كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {وتماثيل} [سبأ: 13] قال: «من نحاس» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وتماثيل} [سبأ: 13] قال: «من زجاج وشبه» حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان، عن جويبر، عن الضحاك ، في قول الله {وتماثيل} [سبأ: 13] قال: «الصور» وقوله: {وجفان كالجواب} [سبأ: 13] يقول: وينحتون له ما يشاء من جفان كالجواب؛ وهي جمع جابية، والجابية: الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس: [+البحر . ] تروح على نادي المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق وكما قال الآخر: [+البحر الرجز] فصبحت جابية صهارجا كأنها جلد السماء خارجا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وجفان كالجواب} [سبأ: 13] يقول: «كالجوبة من الأرض» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {وجفان كالجواب} [سبأ: 13] " يعني بالجواب: الحياض " وحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن {وجفان كالجواب} [سبأ: 13] قال: «كالحياض» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وجفان كالجواب} [سبأ: 13] قال: «حياض الإبل» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وجفان كالجواب} [سبأ: 13] قال: " جفان كجوبة الأرض من العظم، والجوبة من الأرض: يستنقع فيها الماء " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: 19P234 سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وجفان كالجواب} [سبأ: 13] «كالحياض» حدثنا عمرو، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك: وجفان كالجواب قال: «كحياض الإبل من العظم» وقوله: {وقدور راسيات} [سبأ: 13] يقول: وقدور ثابتات لا يحركن عن أماكنهن، ولا تحول لعظمهن وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وقدور راسيات} [سبأ: 13] قال: «عظام» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وقدور راسيات } [سبأ: 13] قال: «عظام ثابتات 19P235 الأرض لا يزلن عن أمكنتهن» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وقدور راسيات} [سبأ: 13] قال: " مثال الجبال من عظمها، يعمل فيها الطعام من الكبر والعظم، لا تحرك، ولا تنقل، كما قال للجبال: راسيات " وقوله: {اعملوا آل داود شكرا} يقول تعالى ذكره: وقلنا لهم اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكرا له على ما أنعم عليكم من النعم التي خصكم بها عن سائر خلقه مع الشكر له على سائر نعمه التي عمكم بها مع سائر خلقه؛ وترك ذكر وقلنا لهم اكتفاء بدلالة الكلام على ما ترك منه، وأخرج قوله {شكرا} [سبأ: 13] مصدرا من قوله {اعملوا آل داود} لأن معنى قوله {اعملوا} [الأنعام: 135] اشكروا ربكم بطاعتكم إياه، وأن العمل بالذي رضي الله، لله شكر وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا موسى بن عبيدة عن 19P236 محمد بن كعب، قوله: {اعملوا آل داود شكرا} قال: " الشكر: تقوى الله، والعمل بطاعته " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أخبرني حيوة، عن زهرة بن معبد، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي، يقول: {اعملوا آل داود شكرا} «وأفضل الشكر الحمد» قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {اعملوا آل داود شكرا} قال: " أعطاكم وعلمكم وسخر لكم ما لم يسخر لغيركم، وعلمكم منطق الطير، اشكروا له يا آل داود، قال: الحمد طرف من الشكر " وقوله: {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] يقول تعالى ذكره: وقليل من عبادي المخلصو توحيدي، والمفردو طاعتي وشكري على نعمتي عليهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 19P237 قوله: {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] يقول: «قليل من عبادي الموحدون توحيدهم» 19P236
[سبأ: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} [سبأ: 14] يقول تعالى ذكره: فلما أمضينا قضاءنا على سليمان بالموت فمات {ما دلهم على موته} [سبأ: 14] يقول: لم يدل الجن على موت سليمان {إلا دابة الأرض} [سبأ: 14] وهي الأرضة وقعت في عصاه، التي كان متكئا عليها فأكلتها، فذلك قول الله عز وجل {تأكل منسأته} [سبأ: 14] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني ابن المثنى، وعلي، قالا: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {إلا دابة الأرض تأكل منسأته} [سبأ: 14] يقول: «الأرضة تأكل عصاه» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {تأكل منسأته} [سبأ: 14] قال: «عصاه» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 19P238 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إلا دابة الأرض} [سبأ: 14] قال: «الأرضة» {تأكل منسأته} [سبأ: 14] قال: «عصاه» حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد {تأكل منسأته} [سبأ: 14] قال: «عصاه» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، في قوله: {تأكل منسأته} [سبأ: 14] «أكلت عصاه حتى خر» حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " المنسأة: «العصا بلسان الحبشة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " المنسأة: «العصا» واختلفت القراء في قراءة قوله: {منسأته} [سبأ: 14] فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة: (منساته) غير مهموزة؛ وزعم من اعتل لقارئ ذلك كذلك من أهل البصرة أن المنساة: العصا، وأن أصلها من نسأت بها الغنم، قال: وهي من الهمز الذي تركته العرب، كما تركوا همز النبي والبرية والخابية، وأنشد لترك الهمز في ذلك بيتا لبعض الشعراء : [+البحر البسيط] إذا دببت على المنساة من هرم فقد تباعد عنك اللهو والغزل وذكر الفراء عن أبي جعفر الرواسي، أنه سأل عنها أبا عمرو، فقال: منسأته بغير همز وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: {منسأته} [سبأ: 14] بالهمز، وكأنهم وجهوا ذلك إلى أنها مفعلة، من نسأت البعير: إذا زجرته ليزداد سيره، كما يقال: نسأت اللبن: إذا صببت عليه الماء، وهو النسيء. وكما يقال: نسأ الله في أجلك أي أدام الله في أيام حياتك قال أبو جعفر: وهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كنت أختار الهمز فيها لأنه الأصل وقوله: {فلما خر تبينت الجن} [سبأ: 14] يقول عز وجل: فلما خر سليمان ساقطا بانكسار منسأته تبينت الجن {أن لو كانوا يعلمون الغيب} [سبأ: 14] الذي يدعون علمه 19P240 {ما لبثوا في العذاب المهين} [سبأ: 14] المذل حولا كاملا بعد موت سليمان، وهم يحسبون أن سليمان حي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن منصور، قال: ثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وكان سليمان نبي الله إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت تغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلي ذات يوم، إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟
قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا ميتا، والجن تعمل، فأكلتها الأرضة، فسقط، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين " قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة، فكانت تأتيها " حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال : ثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان سليمان يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فدخله في المرة التي مات فيها، وذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه، إلا تنبت فيه شجرة، فيسألها ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فيقول لها: لأي شيء نبت؟ فتقول: نبت لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع، فإن كانت نبتت لغرس غرسها، وإن كانت نبتت لدواء، قالت: نبت دواء لكذا وكذا، فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ فقالت له: أنا الخروبة، فقال: لأي شيء نبت؟ قالت: لخراب هذا المسجد؛ قال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب، فقام يصلي متكئا على عصاه، فمات ولا تعلم به الشياطين في ذلك، وهم يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم؛ وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، وكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جلدا إن دخلت فخرجت من الجانب الآخر؛ فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن 19P242 شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان عليه السلام، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت فلم يحترق، ونظر إلى سليمان قد سقط فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته، وهي العصا بلسان الحبشة، قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوما وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة " وهي في قراءة ابن مسعود: فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا كاملا فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} [سبأ: 14] يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين، فالذي يكون في جوف الخشب، فهو ما تأتيها به الشياطين شكرا لها حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " كانت الجن تخبر الإنس أنهم كانوا يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غد، فابتلوا بموت 19P243 سليمان، فمات، فلبث سنة على عصاه وهم لا يشعرون بموته، وهم مسخرون تلك السنة يعملون دائبين {فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} [سبأ: 14] ولقد لبثوا يدأبون، ويعملون له حولا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته} [سبأ: 14] قال: " قال سليمان لملك الموت: يا ملك الموت، إذا أمرت بي فأعلمني؛ قال: فأتاه فقال: يا سليمان، قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير، ليس له باب، فقام يصلي، واتكأ على عصاه؛ قال: فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكئ على عصاه؛ ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت، قال: والجن تعمل بين يديه، وينظرون إليه، يحسبون أنه حي، قال: فبعث الله دابة الأرض، قال: دابة تأكل العيدان يقال لها القادح، فدخلت فيها فأكلتها، حتى إذا أكلت جوف العصا، ضعفت وثقل عليها، فخر ميتا، قال: فلما رأت الجن ذلك، انفضوا وذهبوا، قال: فذلك قوله: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته} [سبأ: 14] قال: والمنسأة: «العصا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، قال: «كان سليمان بن داود يصلي، فمات وهو قائم يصلي والجن يعملون لا يعلمون بموته، حتى أكلت الأرضة عصاه، فخر» 19P244 وأن في قوله: {أن لو كانوا} [سبأ: 14] في موضع رفع بتبين، لأن معنى الكلام: فلما خر تبين وانكشف أن لو كان الجن يعلمون الغيب، ما لبثوا في العذاب المهين وأما على التأويل الذي تأوله ابن عباس من أن معناه: تبينت الإنس الجن، فإنه ينبغي أن يكون في موضع نصب بتكريرها على الجن، وكذلك يجب على هذه القراءة أن تكون الجن منصوبة، غير أني لا أعلم أحدا من قراء الأمصار يقرأ ذلك بنصب الجن، ولو نصب كان في قوله {تبينت} [سبأ: 14] ضمير من ذكر الإنس 19P243
[سبأ: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور} [سبأ: 15] يقول تعالى ذكره: لقد كان لولد سبإ في مسكنهم علامة بينة، وحجة واضحة، على أنه لا رب لهم إلا الذي أنعم عليهم النعم التي كانوا فيها وسبأ عن رسول الله اسم أبي اليمن ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن أبي حيان الكلبي، عن يحيى بن 19P245 هانئ، عن عروة المرادي، عن رجل منهم يقال له: فروة بن مسيك، قال: قلت: يا رسول الله أخبرني عن سبإ، ما كان؟ رجلا كان أو امرأة، أو جبلا، أو دواب؟ فقال: " لا، كان رجلا من العرب وله عشرة أولاد، فتيمن منهم ستة، وتشاءم أربعة، فأما الذين تيمنوا منهم فكندة، وحمير، والأزد، والأشعريون، ومذحج، وأنمار الذين منها خثعم وبجيلة وأما الذين تشاءموا: فعاملة، وجذام، ولخم، وغسان " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثني الحسن بن الحكم، قال: ثنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مسيك القطيعي، قال: قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبإ ما هو؟ أرض أو امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكن رجل ولد عشرة من الولد، فتيامن ستة، وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان؛ وأما الذين تيامنوا: فكندة ، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وحمير، وأنمار "؛ فقال رجل: ما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثعم وبجيلة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا العنقزي، قال: أخبرني أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن أبيه، أو عن عمه أسباط شك قال: قدم فروة بن مسيك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرني عن سبإ، أجبلا كان أو أرضا؟ 19P246 فقال: «لم يكن جبلا ولا أرضا، ولكنه كان رجلا من العرب ولد عشرة قبائل» ، ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: «وأنمار الذين يقولون منهم بجيلة وخثعم» فإن كان الأمر كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن سبأ رجل، كان الإجراء فيه وغير الإجراء معتدلين أما الإجراء فعلى أنه اسم رجل معروف، وأما ترك الإجراء فعلى أنه اسم قبيلة أو أرض. وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء واختلفت القراء في قراءة قوله: «في مساكنهم» فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (في مساكنهم) على الجماع بمعنى منازل آل سبأ.
وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين في مسكنهم على التوحيد وبكسر الكاف، وهي لغة لأهل اليمن فيما ذكر لي وقرأ حمزة: {مسكنهم} [سبأ: 15] على التوحيد وفتح الكاف والصواب من القول في ذلك عندنا: أن كل ذلك قراءات متقاربات المعنى، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب وقوله: {آية} [البقرة: 106] قد بينا معناها قبل 19P247 وأما قوله: {جنتان عن يمين وشمال} [سبأ: 15] فإنه يعني: بستانان كانا بين جبلين، عن يمين من أتاهما وشماله وكان من صنفهما فيما ذكر لنا ما: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: سمعت قتادة، في قوله: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال} [سبأ: 15] قال: «كانت جنتان بين جبلين، فكانت المرأة تخرج، مكتلها على رأسها، فتمشي بين جبلين، فيمتلئ مكتلها، وما مست بيدها، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة، يقال لها» جرذ «، فنقبت عليهم، فغرقتهم، فما بقي لهم إلا أثل، وشيء من سدر قليل» حدثنا يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال} [سبأ: 15] إلى قوله: {فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم} [سبأ: 16] قال: " ولم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية، وإن كان الركب ليأتون وفي ثيابهم القمل والدواب، فما هم إلا أن ينظروا إلى بيوتهم، فتموت الدواب، قال: وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين، فيمسك القفة على رأسه، فيخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة ولم يتناول منها شيئا بيده؛ قال: والسد يسقيها " ورفعت الجنتان في قوله: {جنتان عن يمين وشمال} [سبأ: 15] ترجمة عن الآية، لأن معنى الكلام: لقد كان لسبأ في مسكنهم آية هي جنتان عن أيمانهم وشمائلهم وقوله: {كلوا من رزق ربكم} [سبأ: 15] الذي يرزقكم من هاتين الجنتين من زروعهما وأثمارهما، {واشكروا له} [العنكبوت: 17] على ما أنعم به عليكم من رزقه ذلك؛ والى هذا منتهى الخبر، ثم ابتدأ الخبر عن البلدة، فقيل: هذه بلدة طيبة: أي ليست بسبخة، ولكنها كما ذكرنا من صفتها عن عبد الرحمن بن زيد أن كانت كما وصفها به ابن زيد، من أنه لم يكن فيها شيء مؤذ، الهمج والدبيب والهوام {ورب غفور} [سبأ: 15] يقول: ورب غفور لذنوبكم إن أنتم أطعتموه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {بلدة طيبة ورب غفور} [سبأ: 15] «وربكم غفور لذنوبكم، قوم أعطاهم الله نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته» 19P248
[سبأ: 16_17] القول في تأويل قوله تعالى: {فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل 19P249 ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور} [سبأ: 16_17] يقول تعالى ذكره: فأعرضت سبأ عن طاعة ربها وصدت عن اتباع ما دعتها إليه رسلها من أنه خالقها كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه اليماني، قال : " لقد بعث الله إلى سبإ، ثلاثة عشر نبيا، فكذبوهم {فأرسلنا عليهم سيل العرم} [سبأ: 16] يقول تعالى ذكره: «فثقبنا عليهم حين اعرضوا عن تصديق رسلنا سدهم الذي كان يحبس عنهم السيول» والعرم: المسناة التي تحبس الماء، واحدها: عرمة، وإياه عنى الأعشى بقوله: [+البحر المتقارب] ففي ذاك للمؤتسي أسوة ومأرب عفى عليه العرم رجام بنته لهم حمير إذا جاء ماؤهم لم يرم وكان العرم فيما ذكر مما بنته بلقيس ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت المغيرة بن حكيم، قال: " لما ملكت بلقيس، جعل قومها يقتتلون على ماء واديهم؛ قال: فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها فتركت ملكها، وانطلقت إلى قصر لها، وتركتهم؛ فلما كثر الشر بينهم، وندموا أتوها، فأرادوها على أن ترجع إلى ملكها، فأبت، فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك، فقالت: إنكم لا تطيعونني، وليست لكم عقول، ولا تطيعوني، قالوا: فإنا نطيعك، وإنا لم نجد فينا خيرا بعدك، فجاءت فأمرت بواديهم، فسد بالعرم " قال أحمد، قال وهب، قال أبي: فسألت المغيرة بن حكيم عن العرم، فقال: هو بكلام حمير المسناة؛ فسدت ما بين الجبلين، فحبست الماء من وراء السد، وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة ضخمة، فجعلت فيها أثنى عشر مخرجا على عدة أنهارهم؛ فلما جاء المطر احتبس السيل من وراء السد، فأمرت بالباب الأعلى ففتح، فجرى ماؤه في البركة، وأمرت بالبعر فألقي فيها، فجعل بعض البعر يخرج أسرع من بعض، فلم تزل تضيق تلك الأنهار، وترسل البعر في الماء، حتى خرج جميعا معا، فكانت تقسمه بينهم على ذلك، حتى كان من شأنها وشأن سليمان ما كان حدثنا أحمد بن عمر البصري، قال: ثنا أبو صالح بن زريق، قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، في قوله {فأرسلنا عليهم سيل العرم} [سبأ: 16] 19P251 قال: «المسناة بلحن اليمن» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {سيل العرم} [سبأ: 16] قال: «شديد» وقيل: إن العرم اسم واد كان لهؤلاء القوم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فأرسلنا عليهم سيل العرم} [سبأ: 16] قال: «واد كان باليمن، كان يسيل إلى مكة، وكانوا يسقون وينتهي سيلهم إليه» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فأرسلنا عليهم سيل العرم} [سبأ: 16] «ذكر لنا أن سيل العرم واد كانت تجتمع إليه مسايل من أودية شتى، فعمدوا فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة، وجعلوا عليه أبوابا، وكانوا يأخذون من مائه ما احتاجوا إليه، ويسدون عنهم ما لم يعنوا به من مائه شيئا» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: {فأرسلنا عليهم سيل العرم} [سبأ: 16] " واد 19P252 يدعى العرم، وكان إذا مطر سالت أودية اليمن إلى العرم، واجتمع إليه الماء، فعمدت سبأ إلى العرم، فسدوا ما بين الجبلين، فحجزوه بالصخر والقار، فانسد زمانا من الدهر، لا يرجون الماء، يقول: لا يخافون " وقال آخرون: العرم: صفة للمسناة التي كانت لهم وليس باسم لها ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {سيل العرم} [سبأ: 16] يقول: «الشديد، وكان السبب الذي سبب الله لإرسال ذلك السيل عليهم فيما ذكر لي جرذا ابتعثه الله على سدهم، فثقب فيه ثقبا» ثم اختلف أهل العلم في صفة ما حدث عن ذلك الثقب مما كان فيه خراب جنتيهم فقال بعضهم: كان صفة ذلك أن السيل لما وجد عملا في السد عمل فيه، ثم فاض الماء على جناتهم، فغرقها وخرب أرضهم وديارهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه اليماني، قال: " كان لهم، يعني لسبأ سد، قد كانوا بنوه بنيانا أبدا ، وهو الذي كان يرد عنهم السيل إذا جاء أن يغشي أموالهم وكان فيما يزعمون في علمهم من كهانتهم، أنه إنما يخرب عليهم سدهم ذلك فأرة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين، إلا ربطوا عندها هرة؛ فلما جاء زمانه، وما أراد الله بهم من التغريق، أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرر، فساورتها، حتى استأخرت عنها أي الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، فغلغلت في السد، فحفرت فيه حتى وهنته للسيل وهم لا يدرون؛ فلما جاء السيل وجد خللا، فدخل فيه حتى قلع السد، وفاض على الأموال، فاحتملها فلم يبق منها إلا ما ذكره الله؛ فلما تفرقوا نزلوا على كهانة عمران بن عامر " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «لما ترك القوم أمر الله، بعث الله عليهم جرذا يسمى الخلد، فثقبه من أسفله حتى غرق به جناتهم، وخرب به أرضهم عقوبة بأعمالهم» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول: «لما طغوا وبغوا، يعني سبأ، بعث الله عليهم جرذا، فخرق عليهم السد، فأغرقهم الله» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: «بعث الله عليه 19P254 جرذا، وسلطه على الذي كان يحبس الماء الذي يسقيها، فأخرب في أفواه تلك الحجارة، وكل شيء منها من رصاص وغيره، حتى تركها حجارة، ثم بعث الله سيل العرم، فاقتلع ذلك السد، وما كان يحبس، واقتلع تلك الجنتين، فذهب بهما» وقرأ: {فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين} [سبأ: 16] قال: ذهب بتلك القرى والجنتين وقال آخرون: كانت صفة ذلك أن الماء الذي كانوا يعمرون به جناتهم سال إلى موضع غير الموضع الذي كانوا ينتفعون به، فبذلك خربت جناتهم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: «بعث الله عليهم يعني على العرم دابة من الأرض، فثقبت فيه ثقبا، فسال ذلك الماء إلى موضع غير الموضع الذي كانوا ينتفعون به، وأبدلهم الله مكان جنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط، وذلك حين عصوا، وبطروا المعيشة» والقول الأول أشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه أرسل عليهم سيل العرم، ولا يكون إرسال ذلك عليهم إلا بإسالته عليهم، أو على جناتهم وأرضهم، لا بصرفه عنهم وقوله: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط} يقول تعالى ذكره: وجعلنا لهم مكان بساتينهم من الفواكه والثمار، بساتين من جنى ثمر الأراك، والأراك: هو الخمط وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: " أبدلهم الله مكان جنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط، والخمط: الأراك " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن، يقول في قوله: {ذواتي أكل خمط} قال: " أراه قال: الخمط: الأراك " حدثني محمد بن عمارة، قال: ثني عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، {أكل خمط} [سبأ: 16] قال: " الخمط: الأراك " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {ذواتي أكل خمط} قال: «الأراك» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ذواتي أكل خمط} " والخمط: الأراك، وأكله: بريره " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط} قال: «بدلهم الله بجنان الفواكه والأعناب، إذ أصبحت جناتهم خمطا، وهو الأراك» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} [سبأ: 16] قال: " أذهب تلك القرى والجنتين، وأبدلهم الذي أخبرك ذواتي أكل خمط؛ قال: فالخمط: الأراك، قال: جعل مكان العنب أراكا، والفاكهة أثلا، وشيء من سدر قليل " واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار بتنوين أكل غير أبي عمرو، فإنه يضيفها إلى الخمط، بمعنى: ذواتي ثمر خمط وأما الذين لم يضيفوا ذلك إلى الخمط، وينونون الأكل، فإنهم جعلوا الخمط هو الأكل، فردوه عليه في إعرابه وبضم الألف والكاف من الأكل قرأت قراء الأمصار، غير نافع، فإنه كان يخفف منها والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه: {ذواتي أكل} بضم الألف والكاف لإجماع الحجة من القراء عليه، وبتنوين أكل لاستفاضة القراءة بذلك في قراء الأمصار، من غير أن أرى خطأ قراءة من قرأ ذلك بإضافته إلى الخمط؛ وذلك في إضافته وترك إضافته، نظير قول العرب: في بستان فلان أعناب كرم وأعناب كرم، فتضيف أحيانا الأعناب إلى الكرم، لأنها منه، وتنون أحيانا، ثم تترجم بالكرم عنها، إذ كانت الأعناب ثمر الكرم وأما الأثل فإنه يقال له الطرفاء؛ وقيل: شجر شبيه بالطرفاء، غير أنه أعظم منها وقيل: إنها السمر ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس {وأثل} [سبأ: 16] ، قال: " الأثل: الطرفاء " وقوله: {وشيء من سدر قليل} [سبأ: 16] يقول: ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثني سعيد، عن قتادة {ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل} قال: «بينما شجر القوم خير الشجر، إذ صيره الله من شر الشجر بأعمالهم» وقوله: {ذلك جزيناهم بما كفروا} [سبأ: 17] يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلنا بهؤلاء القوم من سبأ من إرسالنا عليهم سيل العرم، حتى هلكت أموالهم، وخربت جناتهم، جزاء منا على كفرهم بنا، وتكذيبهم رسلنا وذلك من قوله: {ذلك جزيناهم} [الأنعام: 146] في موضع نصب بوقوع جزيناهم عليه؛ ومعنى الكلام: جزيناهم ذلك بما كفروا وقوله: {وهل نجازي إلا الكفور} [سبأ: 17] اختلفت القراء في قراءته، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة: (وهل يجازى) بالياء وبفتح الزاي على وجه ما لم يسم فاعله إلا الكفور، رفعا، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: {وهل نجازي} [سبأ: 17] بالنون وبكسر الزاي {إلا الكفور} [سبأ : 17] بالنصب والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ومعنى الكلام: كذلك كافأناهم على كفرهم بالله، وهل يجازى إلا الكفور لنعمة الله؟
فإن قال قائل: أوما يجزي الله أهل الإيمان به على أعمالهم الصالحة، فيخص أهل الكفر بالجزاء؟ فيقال: وهل يجازى إلا الكفور؟ قيل: إن المجازاة في هذا الموضع: المكافأة، والله تعالى ذكره وعد أهل الإيمان به التفضل عليهم، وأن يجعل لهم بالواحدة من أعمالهم الصالحة عشر أمثالها إلى ما لا نهاية له من التضعيف، ووعد المسيء من عباده أن يجعل بالواحدة من سيئاته مثلها مكافأة له على جرمه، والمكافأة لأهل الكبائر والكفر، والجزاء لأهل الإيمان مع التفضل، فلذلك قال جل ثناؤه في هذا الموضع: وهل يجازى إلا الكفور؟ كأنه قال جل ثناؤه: لا يجازى: لا يكافأ على عمله إلا الكفور، إذا كانت المكافأة مثل المكافأ عليه، والله لا يغفر له من ذنوبه شيئا، ولا يمحص شيء منها في الدنيا. وأما المؤمن فإنه يتفضل عليه على ما وصفت وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وهل نجازي} [سبأ: 17] «نعاقب» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور} [سبأ: 17] " إن الله تعالى إذا أراد بعبده كرامة تقبل حسناته، وإذا أراد بعبده هوانا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافى به يوم القيامة. قال: وذكر لنا أن رجلا بينما هو في طريق من طريق المدينة، إذا مرت به امرأة، فأتبعها بصره، حتى أتى على حائط، فشج وجهه، فأتى نبي الله ووجهه يسيل دما، فقال: يا نبي الله فعلت كذا وكذا، فقال له نبي الله: «إن الله إذا أراد بعبد كرامة، عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد هوانا أمسك عليه ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة، كأنه عبر أبتر» 19P260
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?