Taberî — Câmiü'l-Beyân
[يس: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} [يس: 30] 19P429 يقول تعالى ذكره: يا حسرة من العباد على أنفسها وتندما وتلهفا في استهزائهم برسل الله {ما يأتيهم من رسول} [يس: 30] من الله {إلا كانوا به يستهزئون} وذكر أن ذلك في بعض القراءات: «يا حسرة العباد على أنفسها» وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يا حسرة على العباد} [يس: 30] «أي يا حسرة العباد على أنفسها على ما ضيعت من أمر الله، وفرطت في جنب الله» قال: وفي بعض القراءات: «يا حسرة العباد على أنفسها» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يا حسرة على العباد} [يس: 30] قال: «كان حسرة عليهم استهزاؤهم بالرسل» حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 19P430 قوله: {يا حسرة على العباد} [يس: 30] يقول: «يا ويلا للعباد» وكان بعض أهل العربية يقول: معنى ذلك: يا لها حسرة على العباد 19P429 [يس: 31_32] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون وإن كل لما جميع لدينا محضرون} [يس: 31_32] يقول تعالى ذكره: ألم ير هؤلاء المشركون بالله من قومك يا محمد كم أهلكنا قبلهم بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بآياتنا من القرون الخالية {أنهم إليهم لا يرجعون} [يس: 31] يقول: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون} [يس: 31] قال: «عاد وثمود، وقرون بين ذلك كثير» وكم من قوله: {كم أهلكنا} [يس: 31] في موضع نصب إن شئت بوقوع يروا عليها وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «ألم يروا من أهلكنا» وإن شئت بوقوع أهلكنا عليها؛ وأما أنهم فإن الألف منها فتحت بوقوع يروا عليها. وذكر عن بعضهم أنه كسر الألف منها على وجه الاستئناف بها، وترك إعمال يروا فيها وقوله: {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} [يس: 32] يقول تعالى ذكره: وإن كل هذه القرون التي أهلكناها والذين لم نهلكهم وغيرهم عندنا يوم القيامة جميعهم محضرون كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وإن كل لما جميع لدينا محضرون} [يس: 32] «أي هم يوم القيامة» واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (وإن كل لما) بالتخفيف توجيها منهم إلى أن ذلك ما أدخلت عليها اللام التي تدخل جوابا لإن وأن معنى الكلام: وإن كل لجميع لدينا محضرون وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: {لما} [يس: 32] بتشديد الميم ولتشديدهم ذلك عندنا وجهان: أحدهما: أن يكون الكلام عندهم كان مرادا به: وإن كل لمما جميع، ثم حذفت إحدى الميمات لما كثرت، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] غداة طفت علماء بكر بن وائل وعجنا صدور الخيل نحو تميم والآخر: أن يكونوا أرادوا أن تكون {لما} [يس: 32] بمعنى إلا، مع إن خاصة فتكون نظيرة إنما إذا وضعت موضع إلا وقد كان بعض نحويي الكوفة يقول: كأنها لم ضمت إليها ما، فصارتا جميعا استثناء، وخرجتا من حد الجحد وكان بعض أهل العربية يقول: لا أعرف وجه لما بالتشديد والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب 19P432
[يس: 33_34] القول في تأويل قوله تعالى: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون} [يس: 33_34] يقول تعالى ذكره: ودلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله على ما يشاء، وعلى إحيائه من مات من خلقه وإعادته بعد فنائه، كهيئته قبل مماته إحياؤه الأرض الميتة، التي لا نبت فيها ولا زرع بالغيث الذي ينزله من السماء حتى يخرج زرعها، ثم إخراجه منها الحب الذي هو قوت لهم وغذاء، فمنه يأكلون وقوله: {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب} [يس: 34] يقول تعالى ذكره: وجعلنا في هذه الأرض التي أحييناها بعد موتها بساتين من نخيل وأعناب {وفجرنا فيها من العيون} [يس: 34] يقول: وأنبعنا فيها من عيون الماء 19P432 [يس: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون} [يس: 35] يقول تعالى ذكره: أنشأنا هذه الجنات في هذه الأرض ليأكل عبادي من ثمره، وما عملت أيديهم يقول: ليأكلوا من ثمر الجنات التي أنشأنا لهم، وما عملت أيديهم مما غرسوا هم وزرعوا وما التي في قوله: {وما عملته أيديهم} [يس: 35] في موضع خفض عطفا على الثمر، بمعنى: ومن الذي عملت؛ وهي في قراءة عبد الله فيما ذكر: «ومما عملته» بالهاء على هذا المعنى؛ فالهاء في قراءتنا مضمرة، لأن العرب تضمرها أحيانا، وتظهرها في صلات: من، وما، والذي ولو قيل: ما بمعنى المصدر كان مذهبا، فيكون معنى الكلام: ومن عمل أيديهم. ولو قيل: إنها بمعنى الجحد ولا موضع لها كان أيضا مذهبا، فيكون معنى الكلام: ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيديهم وقوله: {أفلا يشكرون} [يس: 35] يقول: أفلا يشكر هؤلاء القوم الذين رزقناهم هذا الرزق من هذه الأرض الميتة التي أحييناها لهم من رزقهم ذلك وأنعم عليهم به؟ 19P433 [يس: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 36] يقول تعالى ذكره تنزيها وتبرئة للذي خلق الألوان المختلفة كلها من نبات الأرض، ومن أنفسهم، يقول: وخلق من أولادهم ذكورا وإناثا، ومما لا يعلمون أيضا من الأشياء التي لم يطلعهم عليها، خلق كذلك أزواجا مما يضيف إليه هؤلاء المشركون، ويصفونه به من الشركاء وغير ذلك 19P433 [يس: 37_38] القول في تأويل قوله تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} [يس: 37_38] يقول تعالى ذكره: ودليل لهم أيضا على قدرة الله على فعل كل ما شاء {الليل نسلخ منه النهار} [يس: 37] يقول: ننزع عنه النهار ومعنى منه في هذا الموضع: عنه، كأنه قيل: نسلخ عنه النهار، فنأتي بالظلمة ونذهب بالنهار ومنه قوله: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} [الأعراف: 175] أي خرج منها وتركها، فكذلك انسلاخ الليل من النهار وقوله: {فإذا هم مظلمون} [يس: 37] يقول: فإذا هم قد صاروا في ظلمة بمجيء الليل وقال قتادة في ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون} [يس: 37] قال: «يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل» وهذا الذي قاله قتادة في ذلك عندي من معنى سلخ النهار من الليل بعيد؛ وذلك أن إيلاج الليل في النهار إنما هو زيادة ما نقص من ساعات هذا في ساعات الآخر، وليس السلخ من ذلك في شيء، لأن النهار يسلخ من الليل كله، وكذلك الليل من النهار كله، وليس يولج كل الليل في كل النهار، ولا كل النهار في كل الليل وقوله: {والشمس تجري لمستقر لها} [يس: 38] يقول تعالى ذكره: والشمس تجري لموضع قرارها، بمعنى: إلى موضع قرارها؛ وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الرواية بذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر الغفاري، قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فلما غربت الشمس، قال: «يا أبا ذر هل تدري أين تذهب الشمس؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنها تذهب فتسجد بين يدي ربها، ثم تستأذن بالرجوع فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مكانها، وذلك مستقرها» وقال بعضهم في ذلك بما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والشمس تجري لمستقر لها} [يس: 38] قال: «وقت واحد لا تعدوه» وقال آخرون: معنى ذلك: تجري لمجرى لها إلى مقادير مواضعها، بمعنى: أنها تجري إلى أبعد منازلها في الغروب، ثم ترجع ولا تجاوزه. قالوا: وذلك أنها لا تزال تتقدم كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع وقوله: {ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] يقول: هذا الذي وصفنا من جري الشمس لمستقر لها تقدير العزيز في انتقامه من أعدائه، العليم بمصالح خلقه، وغير ذلك من الأشياء كلها، لا يخفى عليه خافية 19P435
[يس: 39_40] القول في تأويل قوله تعالى: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 39_40] اختلفت القراء في قراءة قوله: {والقمر قدرناه منازل} [يس: 39] فقرأه بعض المكيين وبعض المدنيين وبعض البصريين: (والقمر) رفعا عطفا بها على الشمس، إذ كانت الشمس معطوفة على الليل، فأتبعوا القمر أيضا الشمس في الإعراب، لأنه أيضا من الآيات، كما الليل والنهار آيتان، فعلى هذه القراءة تأويل الكلام: وآية لهم القمر قدرناه منازل وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض المدنيين وبعض البصريين، وعامة قراء الكوفة نصبا: {والقمر قدرناه} [يس: 39] بمعنى: وقدرنا القمر منازل، كما فعلنا ذلك بالشمس، فردوه على الهاء من الشمس في المعنى، لأن الواو التي فيها للفعل المتأخر والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب فتأويل الكلام: وآية لهم تقديرنا القمر منازل للنقصان بعد تناهيه وتمامه واستوائه، حتى عاد كالعرجون القديم؛ والعرجون: من العذق من الموضع النابت في النخلة إلى موضع الشماريخ؛ وإنما شبهه جل ثناؤه بالعرجون القديم والقديم هو اليابس لأن ذلك من العذق، لا يكاد يوجد إلا متقوسا منحنيا إذا قدم ويبس، ولا يكاد أن يصاب مستويا معتدلا، كأغصان سائر الأشجار وفروعها، فكذلك القمر إذا كان في آخر الشهر قبل استسراره، صار في انحنائه وتقوسه نظير ذلك العرجون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {حتى عاد كالعرجون القديم} [يس: 39] يقول: «أصل العذق العتيق» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {حتى عاد كالعرجون القديم} [يس: 39] " يعني بالعرجون: العذق اليابس " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} [يس: 39] قال: «كعذق النخلة إذا قدم فانحنى» حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا أبو يزيد الخراز يعني خالد بن حيان الرقي، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، في قوله: {حتى عاد كالعرجون القديم} [يس: 39] قال: «عذق النخلة إذا قدم انحنى» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبيد، عن عكرمة، في قوله: {كالعرجون القديم} [يس: 39] قال: «النخلة القديمة» حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا 19P438 إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد {كالعرجون القديم} [يس: 39] قال: «العذق اليابس» حدثني محمد بن عمر بن علي المقدمي، وابن سنان القزاز قالا: ثنا أبو عاصم، والمقدمي، قال: سمعت أبا عاصم، يقول: سمعت سليمان التيمي، في قوله: {حتى عاد كالعرجون القديم} [يس: 39] قال: العذق " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {حتى عاد كالعرجون القديم} [يس: 39] قال: «قدره الله منازل، فجعل ينقص حتى كان مثل عذق النخلة، شبهه بعذق النخلة» وقوله: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} [يس: 40] يقول تعالى ذكره: لا الشمس يصلح لها إدراك القمر، فيذهب ضوءها بضوئه، فتكون الأوقات كلها نهارا لا ليل فيها {ولا الليل سابق النهار} [يس: 40] يقول تعالى ذكره: ولا الليل بفائت النهار حتى تذهب ظلمته بضيائه، فتكون الأوقات كلها ليلا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في ألفاظهم في تأويل ذلك، إلا أن معاني عامتهم الذي قلناه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، 19P439 عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} [يس: 40] قال: «لا يشبه ضوءها ضوء الآخر، لا ينبغي لها ذلك» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} [يس: 40] قال: «لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، ولا ينبغي ذلك لهما» وفي قوله: {ولا الليل سابق النهار} [يس: 40] قال: يتطالبان حثيثين، ينسلخ أحدهما من الآخر حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار} [يس: 40] قال: «لا يدرك هذا ضوء هذا ولا هذا ضوء هذا» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} [يس: 40] " وهذا في ضوء القمر وضوء الشمس، إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر بضوئه لم يكن للشمس ضوء {ولا الليل سابق النهار} [يس: 40] قال: في قضاء الله وعلمه أن لا يفوت الليل النهار حتى يدركه، فيذهب ظلمته، وفي قضاء الله أن لا يفوت النهار الليل حتى يدركه، فيذهب بضوئه " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار} [يس: 40] «ولكل حد وعلم لا يعدوه، ولا يقصر دونه؛ إذا جاء سلطان هذا، ذهب سلطان هذا، وإذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا» وروي عن ابن عباس في ذلك ما: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار} [يس: 40] يقول: «إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر، فإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر» وأن من قوله: {أن تدرك} [يس: 40] في موضع رفع بقوله: ينبغي وقوله: {وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] يقول: وكل ما ذكرنا من الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يجرون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي، قال: ثنا شعبة، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس { 19P441 وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] قال: «في فلك كفلك المغزل» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " مجرى كل واحد منهما يعني الليل والنهار في فلك يسبحون: يجرون " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] «أي في فلك السماء يسبحون» حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] " دورانا، يقول: دورانا يسبحون؛ يقول: يجرون " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وكل في فلك يسبحون} [يس: 40] " يعني: كل في فلك في السموات " 19P441
[يس: 41_42_43_44] القول في تأويل قوله تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين} [يس: 41_42_43_44] يقول تعالى ذكره: ودليل لهم أيضا، وعلامة على قدرتنا على كل ما نشاء، حملنا ذريتهم؛ يعني من نجا من ولد آدم في سفينة نوح، وإياها عنى جل ثناؤه بالفلك المشحون؛ والفلك: هي السفينة، والمشحون: المملوء الموقر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} [يس: 41] يقول: «الممتلئ» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {في الفلك المشحون} [يس: 41] يعني المثقل " حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت ، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد {الفلك المشحون} [يس: 41] قال: الموقر " حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا يونس، عن 19P443 الحسن، في قوله: {المشحون} [يس: 41] قال: «المحمول» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} [يس: 41] " يعني: سفينة نوح عليه السلام " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} [يس: 41] «الموقر، يعني سفينة نوح» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {الفلك المشحون} [يس: 41] قال: " الفلك المشحون: المركب الذي كان فيه نوح، والذرية التي كانت في ذلك المركب؛ قال: والمشحون: الذي قد شحن، الذي قد جعل فيه ليركبه أهله، جعلوا فيه ما يريدون، فربما امتلأ، وربما لم يمتلئ " حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتدرون ما الفلك المشحون؟ قلنا: لا، قال: «هو الموقر» حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا هارون، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {الفلك المشحون} [يس: 41] قال: «الموقر» وقوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] يقول تعالى ذكره: وخلقنا 19P444 لهؤلاء المشركين المكذبيك يا محمد تفضلا منا عليهم من مثل ذلك الفلك الذي كنا حملنا من ذرية آدم من حملنا فيه الذي يركبونه من المراكب ثم اختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله: {ما يركبون} [يس: 42] فقال بعضهم: هي السفن ذكر من قال ذلك: حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تدرون ما {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] قلنا: لا قال: «هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح على مثلها» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، في قوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] قال: «السفن الصغار» قال: ثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، في قوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] قال: «السفن الصغار، ألا ترى أنه قال» : {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم} [يس: 43] حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، في هذه الآية: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] قال: «السفن الصغار» حدثنا حاتم بن بكر الضبي، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن شعبة، عن إسماعيل، عن أبي صالح: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] قال: «السفن الصغار» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] " يعني: «السفن التي اتخذت بعدها، يعني بعد سفينة نوح» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] قال: «هي السفن التي ينتفع بها» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] قال: «وهي هذه الفلك» حدثني يونس، قال: ثنا محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] قال: «نعم من مثل سفينة» وقال آخرون: بل عني بذلك الإبل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال، ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] " يعني: الإبل، خلقها الله كما رأيت، فهي سفن البر، يحملون عليها ويركبونها " حدثنا نصر بن علي، قال: ثنا غندر، عن عثمان بن غياث، عن عكرمة {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] قال: «الإبل» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، قال: قال عبد الله بن شداد: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] هي الإبل " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] قال: «من الأنعام» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن: «هي الإبل» وأشبه القولين بتأويل ذلك قول من قال: عني بذلك السفن، وذلك لدلالة قوله: {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم} [يس: 43] على أن ذلك كذلك، وذلك أن الغرق 19P447 معلوم أن لا يكون إلا في الماء، ولا غرق في البر وقوله: {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم} [يس: 43] يقول تعالى ذكره: وإن نشأ نغرق هؤلاء المشركين إذا ركبوا الفلك في البحر {فلا صريخ لهم} [يس: 43] يقول: فلا مغيث لهم إذا نحن غرقناهم يغيثهم، فينجيهم من الغرق كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم} [يس: 43] «أي لا مغيث» وقوله: {ولا هم ينقذون} [يس: 43] يقول: ولا هو ينقذهم من الغرق شيء إن نحن أغرقناهم في البحر، إلا أن ننقذهم نحن رحمة منا لهم، فننجيهم منه وقوله: {ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] يقول: ولنمتعهم إلى أجل هم بالغوه، فكأنه قال: ولا هم ينقذون، إلا أن نرحمهم فنمتعهم إلى أجل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] «أي إلى الموت» 19P447
[يس: 45_46] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} [يس: 45_46] 19P448 يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المشركين بالله، المكذبين رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: احذروا ما مضى بين أيديكم من نقم الله ومثلاته بمن حل ذلك به من الأمم قبلكم أن يحل مثله بكم بشرككم وتكذيبكم رسوله {وما خلفكم} [يس: 45] يقول: وما بعد هلاككم مما أنتم لا قوة إن هلكتم على كفركم الذي أنتم عليه {لعلكم ترحمون} [آل عمران: 132] يقول: ليرحمكم ربكم إن أنتم حذرتم ذلك، واتقيتموه بالتوبة من شرككم والإيمان به، ولزوم طاعته فيما أوجب عليكم من فرائضه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذا قيل: لهم اتقوا ما بين أيديكم} [يس: 45] «وقائع الله فيمن خلا قبلهم من الأمم وما خلفهم من أمر الساعة» وكان مجاهد يقول في ذلك ما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ما بين أيديكم} [يس: 45] قال: «ما مضى من ذنوبهم» 19P449 وهذا القول قريب المعنى من القول الذي قلنا، لأن معناه: اتقوا عقوبة ما بين أيديكم من ذنوبكم، وما خلفكم مما تعملون من الذنوب ولم تعملوه بعد، فذلك بعد تخويف لهم العقاب على كفرهم وقوله: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} [الأنعام: 4] يقول تعالى ذكره: وما تجيء هؤلاء المشركين من قريش آية، يعني حجة من حجج الله، وعلامة من علاماته على حقيقة توحيده، وتصديق رسوله، إلا كانوا عنها معرضين، لا يتفكرون فيها، ولا يتدبرونها، فيعلموا بها ما احتج الله عليهم بها فإن قال قائل: وأين جواب قوله: {وإذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم} [يس: 45] قيل: جوابه وجواب قوله {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} [الأنعام: 4] قوله: {إلا كانوا عنها معرضين} [الأنعام: 4] لأن الإعراض منهم كان عن كل آية لله، فاكتفى بالجواب عن قوله: {اتقوا ما بين أيديكم} [يس: 45] وعن قوله: {وما تأتيهم من آية} [الأنعام: 4] بالخبر عن إعراضهم عنها لذلك، لأن معنى الكلام: وإذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم اعرضوا، وإذا أتتهم آية اعرضوا 19P449 [يس: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين} [يس: 47] يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المشركين بالله: أنفقوا من رزق الله الذي رزقكم، فأدوا منه ما فرض الله عليكم فيه لأهل حاجتكم ومسكنتكم، قال الذين أنكروا وحدانية الله وعبدوا من دونه للذين آمنوا بالله ورسوله: أنطعم أموالنا وطعامنا من لو يشاء الله أطعمه؟ وفي قوله: {إن أنتم إلا في ضلال مبين} [يس: 47] وجهان: أحدهما أن يكون من قيل الكفار للمؤمنين، فيكون تأويل الكلام حينئذ: ما أنتم أيها القوم في قيلكم لنا: أنفقوا مما رزقكم الله على مساكينكم، إلا في ذهاب عن الحق، وجور عن الرشد مبين لمن تأمله وتدبره، أنه في ضلال؛ وهذا أولى وجهيه بتأويله. والوجه الآخر: أن يكون ذلك من قيل الله للمشركين، فيكون تأويله حينئذ: ما أنتم أيها الكافرون في قيلكم للمؤمنين: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه، إلا في ضلال مبين، عن أن قيلكم ذلك لهم ضلال 19P450 [يس: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [يونس: 48] يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون المكذبون وعيد الله والبعث بعد الممات يستعجلون ربهم بالعذاب: {متى هذا الوعد} [يونس: 48] أي الوعد بقيام الساعة {إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] أيها القوم، وهذا قولهم لأهل الإيمان بالله ورسوله 19P450
[يس: 50] القول في تأويل قوله تعالى: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون} [يس: 50] يقول تعالى ذكره: ما ينتظر هؤلاء المشركون الذين يستعجلون بوعيد الله إياهم، إلا صيحة واحدة تأخذهم، وذلك نفخة الفزع عند قيام الساعة 19P451 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الآثار ذكر من قال ذلك، وما فيه من الأثر: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا عوف بن أبي جميلة، عن أبي المغيرة القواس، عن عبد الله بن عمرو، قال: " لينفخن في الصور، والناس في طرقهم وأسواقهم ومجالسهم، حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان، فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفخ في الصور، وحتى إن الرجل ليغدو من بيته فلا يرجع حتى ينفخ في الصور، وهي التي قال الله: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية} [يس: 50] . . الآية " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون} [يس: 49] ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «تهيج الساعة بالناس، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يقيم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، وتهيج بهم وهم كذلك، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة} [يس: 49] قال: «النفخة نفخة واحدة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل 19P452 بن رافع، عمن ذكره، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخصا ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر» قال أبو هريرة: يا رسول الله: وما الصور؟ قال: «قرن» ، قال: وكيف هو؟ قال: " قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره الله فيديمها ويطولها، فلا يفتر، وهي التي يقول الله: {ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} [ص: 15] ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فيقول: انفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم خامدون، ثم يميت من بقي، فإذا لم يبق إلا الله الواحد الصمد، بدل الأرض غير الأرض والسموات فيبسطها ويستطحها ويمدها مد الأديم العكاظي، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ثم يزجر الله الخلق زجرة، فإذا هم في هذه المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى ما كان في بطنها كان في بطنها، وما كان على ظهرها كان على ظهرها " واختلفت القراء في قراءة قوله: {وهم يخصمون} [يس: 49] فقرأ ذلك بعض قراء المدينة: (وهم يخصمون) بسكون الخاء وتشديد الصاد، فجمع بين الساكنين، بمعنى: يختصمون، ثم أدغم التاء في الصاد فجعلها صادا مشددة، وترك الخاء على سكونها في الأصل 19P453 وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين: (وهم يخصمون) بفتح الخاء وتشديد الصاد بمعنى: يختصمون، غير أنهم نقلوا حركة التاء وهي الفتحة التي في يفتعلون إلى الخاء منها، فحركوها بتحريكها، وأدغموا التاء في الصاد وشددوها وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة: {يخصمون} [يس: 49] بكسر الخاء وتشديد الصاد، فكسروا الخاء بكسر الصاد وأدغموا التاء في الصاد وشددوها وقرأ ذلك آخرون منهم: (يخصمون) بسكون الخاء وتخفيف الصاد، بمعنى يفعلون من الخصومة، وكأن معنى قارئ ذلك كذلك: كأنهم يتكلمون، أو يكون معناه عنده: كان وهم عند أنفسهم يخصمون من وعدهم مجيء الساعة، وقيام القيامة، ويغلبونه بالجدل في ذلك والصواب من القول في ذلك عندنا أن هذه قراءات مشهورات معروفات في قراء الأمصار، متقاربات المعاني، فبأيتهن قرأ القارئ فمصيب وقوله: {فلا يستطيعون توصية} [يس: 50] يقول تعالى ذكره: فلا يستطيع هؤلاء المشركون عند النفخ في الصور أن يوصوا في أموالهم أحدا {ولا إلى أهلهم يرجعون} [يس: 50] يقول: ولا يستطيع من كان منهم خارجا عن أهله أن يرجع إليهم، لأنهم لا يمهلون بذلك ولكن يعجلون بالهلاك، 19P454 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فلا يستطيعون توصية} [يس: 50] " أي فيما في أيديهم {ولا إلى أهلهم يرجعون} [يس: 50] قال: أعجلوا عن ذلك " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة} [ص: 15] .
. الآية، قال: " هذا مبتدأ يوم القيامة، وقرأ: {فلا يستطيعون توصية} [يس: 50] حتى بلغ {إلى ربهم ينسلون} [يس: 51] " 19P454
[يس: 51_52_53] القول في تأويل قوله تعالى: {ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} [يس: 51_52_53] يقول تعالى ذكره: {ونفخ في الصور} [الكهف: 99] وقد ذكرنا اختلاف المختلفين والصواب من القول فيه بشواهده فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، ويعني بهذه النفخة، نفخة البعث وقوله: {فإذا هم من الأجداث} [يس: 51] يعني من أجداثهم، وهي قبورهم، 19P455 واحدها جدث، وفيها لغتان، فأما أهل العالية، فتقوله بالثاء: جدث، وأما أهل السافلة فتقوله بالفاء جدف وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {من الأجداث إلى ربهم ينسلون} [يس: 51] يقول: «من القبور» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فإذا هم من الأجداث} [يس: 51] «أي من القبور» وقوله: {إلى ربهم ينسلون} [يس: 51] يقول: إلى ربهم يخرجون سراعا، والنسلان: الإسراع في المشي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ينسلون} [الأنبياء: 96] يقول: «يخرجون» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إلى ربهم 19P456 ينسلون} [يس: 51] أي يخرجون " وقوله: {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [يس: 52] يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون لما نفخ في الصور نفخة البعث لموقف القيامة فردت أرواحهم إلى أجسامهم، وذلك بعد نومة ناموها: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} [يس: 52] وقد قيل: إن ذلك نومة بين النفختين وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن خيثمة، عن الحسن، عن أبي بن كعب ، في قوله: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} [يس: 52] قال: «ناموا نومة قبل البعث» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن رجل، يقال له خيثمة في قوله: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} [يس: 52] قال: «ينامون نومة قبل البعث» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} [يس: 52] «هذا قول أهل الضلالة» والرقدة: ما بين النفختين حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا} [يس: 52] قال: «الكافرون يقولونه» ويعني بقوله: {من مرقدنا هذا} [يس: 52] من أيقظنا من منامنا، وهو من قولهم: بعث فلان ناقته فانبعثت، إذا آثارها فثارت وقد ذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: «من أهبنا من مرقدنا هذا» وفي قوله: {هذا} [يس: 52] وجهان: أحدهما: أن تكون إشارة إلى ما، ويكون ذلك كلاما مبتدأ بعد تناهي الخبر الأول بقوله: {من بعثنا من مرقدنا} [يس: 52] فتكون ما حينئذ مرفوعة بهذا، ويكون معنى الكلام: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلون والوجه الآخر: أن تكون من صفة المرقد، وتكون خفضا وردا على المرقد، وعند تمام الخبر عن الأول، فيكون معنى الكلام: من بعثنا من مرقدنا هذا، ثم يبتدئ الكلام فيقال: ما وعد الرحمن، بمعنى: بعثكم وعد الرحمن، فتكون ما حينئذ رفعا على هذا المعنى وقد اختلف أهل التأويل في الذي يقول حينئذ: هذا ما وعد الرحمن، فقال بعضهم: يقول ذلك أهل الإيمان بالله ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن 19P458 مجاهد: {هذا ما وعد الرحمن} [يس: 52] «مما سر المؤمنون يقولون هذا حين البعث» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [يس: 52] قال: " قال أهل الهدى: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون " وقال آخرون: بل كلا القولين، أعني {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [يس: 52] من قول الكفار ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} [يس: 52] «ثم قال بعضهم لبعض» : {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [يس: 52] «كانوا أخبرونا أنا نبعث بعد الموت، ونحاسب ونجازى» والقول الأول أشبه بظاهر التنزيل، وهو أن يكون من كلام المؤمنين، لأن الكفار في قيلهم: {من بعثنا من مرقدنا} [يس: 52] دليل على أنهم كانوا بمن بعثهم من مرقدهم جهالا، ولذلك من جهلهم استثبتوا، ومحال أن يكونوا استثبتوا ذلك إلا من 19P459 غيرهم، ممن خالفت صفته صفتهم في ذلك وقوله: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} [يس: 53] يقول تعالى ذكره: إن كانت إعادتهم أحياء بعد مماتهم إلا صيحة واحدة، وهي النفخة الثالثة في الصور {فإذا هم جميع لدينا محضرون} [يس: 53] يقول: فإذا هم مجتمعون لدينا قد أحضروا، فأشهدوا موقف العرض والحساب، لم يتخلف عنه منهم أحد وقد بينا اختلاف المختلفين في قراءتهم {إلا صيحة} [يس: 29] بالنصب والرفع فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 19P459
[يس: 54_55] القول في تأويل قوله تعالى: {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} [يس: 54_55] يقول تعالى ذكره: {فاليوم} [الأعراف: 51] يعني يوم القيامة {لا تظلم نفس شيئا} [يس: 54] كذلك ربنا لا يظلم نفسا شيئا، فلا يوفيها جزاء عملها الصالح، ولا يحمل عليها وزر غيرها، ولكنه يوفي كل نفس أجر ما عملت من صالح، ولا يعاقبها إلا بما اجترمت واكتسبت من شيء {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} [يس: 54] يقول: ولا تكافؤون إلا مكافأة أعمالكم التي كنتم تعملونها في الدنيا وقوله: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} [يس: 55] اختلف أهل التأويل في معنى الشغل الذي وصف الله جل ثناؤه أصحاب الجنة أنهم فيه يوم القيامة، فقال بعضهم : ذلك افتضاض العذارى ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود، في قوله: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} [يس: 55] قال: «شغلهم افتضاض العذارى» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} [يس: 55] قال: «افتضاض الأبكار» حدثني عبيد بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} [يس: 55] قال: «افتضاض الأبكار» حدثني الحسن بن زريق الطهوي، قال: ثنا أسباط بن محمد، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله حدثني الحسين بن علي الصدائي، قال: ثنا أبو النضر، عن الأشجعي، عن وائل بن داود، عن سعيد بن المسيب، في قوله: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} [يس: 55] قال: «في افتضاض العذارى» 19P461 وقال آخرون: بل عني بذلك: أنهم في نعمة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل} [يس: 55] قال: «في نعمة» حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان، عن جويبر، عن أبي سهل، عن الحسن، في قول الله: {إن أصحاب الجنة} [يس: 55] . . الآية، قال: «شغلهم النعيم عما فيه أهل النار من العذاب» وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم في شغل عما فيه أهل النار ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن أبان بن تغلب، عن إسماعيل بن أبي خالد {إن أصحاب الجنة} [يس: 55] الآية، قال: «في شغل عما يلقى أهل النار» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله جل ثناؤه {إن أصحاب الجنة} [يس: 55] وهم أهلها {في شغل فاكهون } [يس: 55] بنعم تأتيهم في شغل، وذلك الشغل الذي هم فيه نعمة، وافتضاض أبكار، ولهو ولذة، وشغل عما يلقى أهل النار وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: {في شغل} [يس: 55] فقرأت ذلك عامة قراء المدينة وبعض البصريين على اختلاف عنه: (في شغل) بضم الشين وتسكين الغين. وقد روي عن أبي عمرو الضم في الشين والتسكين في الغين، والفتح في الشين والغين جميعا في شغل.
وقرأ ذلك بعض أهل المدينة والبصرة وعامة قراء أهل الكوفة {في شغل} [يس: 55] بضم الشين والغين، والصواب في ذلك عندي قراءته بضم الشين والغين، أو بضم الشين وسكون الغين، بأي ذلك قرأه القارئ فهو مصيب، لأن ذلك هو القراءة المعروفة في قراء الأمصار مع تقارب معنييهما وأما قراءته بفتح الشين والغين، فغير جائزة عندي، لإجماع الحجة من القراء على خلافها واختلفوا أيضا في قراءة قوله: {فاكهون} [يس: 55] فقرأت ذلك عامة قراء الأمصار {فاكهون} [يس: 55] بالألف وذكر عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤه: (فكهون) بغير ألف والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه بالألف، لأن ذلك هو القراءة المعروفة واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فرحون ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {في شغل فاكهون} [يس: 55] يقول: «فرحون» وقال آخرون: معناه: عجبون ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فاكهون} [يس: 55] قال: «عجبون» حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {فاكهون} [يس: 55] قال: «عجبون» واختلف أهل العلم بكلام العرب في ذلك، فقال بعض البصريين: منهم الفكه الذي يتفكه وقال: تقول العرب للرجل الذي يتفكه بالطعام أو بالفاكهة، أو بأعراض الناس: إن فلانا لفكه بأعراض الناس، قال: ومن قرأها {فاكهون} [يس: 55] جعله كثير الفواكه صاحب فاكهة، واستشهد لقوله ذلك ببيت الحطيئة: [+البحر الكامل] 19P464 ودعوتني وزعمت أن ك لابن بالصيف تامر أي عنده لبن كثير، وتمر كثير، وكذلك عاسل، ولاحم، وشاحم. وقال بعض الكوفيين: ذلك بمنزلة حاذرون وحذرون، وهذا القول الثاني أشبه بالكلمة 19P463
[يس: 56_57_58] القول في تأويل قوله تعالى: {هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم} [يس: 56_57_58] يعني تعالى بقوله: {هم} [البقرة: 4] أصحاب الجنة {وأزواجهم} [الرعد: 23] من أهل الجنة في الجنة كما: حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {هم وأزواجهم في ظلال} [يس: 56] قال: «حلائلهم في ظلل» واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: (في ظلل) بمعنى: جمع ظلة، كما تجمع الحلة حللا. وقرأه آخرون: {في ظلال} [يس: 56] ؛ وإذا قرئ ذلك كذلك كان له وجهان: أحدهما أن يكون مرادا به جمع الظلل الذي هو بمعنى الكن، فيكون معنى الكلمة حينئذ: هم وأزواجهم في كن لا يضحون لشمس كما يضحي لها أهل 19P465 الدنيا، لأنه لا شمس فيها والآخر: أن يكون مرادا به جمع ظلة، فيكون وجه جمعها كذلك نظير جمعهم الخلة في الكثرة: الخلال، والقلة: قلال وقوله: {على الأرائك متكئون} والأرائك: هي الحجال فيها السرر والفرش: واحدتها أريكة، وكان بعضهم يزعم أن كل فراش أريكة، ويستشهد لقوله ذلك بقول ذي الرمة: كأنما يباشرن بالمعزاء مس الأرائك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: {على الأرائك متكئون} قال: «هي السرر في الحجال» حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن مجاهد، في قول الله: {على الأرائك متكئون} قال: " الأرائك: السرر عليها الحجال " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا حصين، عن مجاهد، في قوله: {متكئين فيها على الأرائك} [الكهف: 31] قال: " الأرائك: السرر في الحجال " حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن مجاهد، في قوله: {على الأرائك} [يس: 56] قال: «سرر عليها الحجال » حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: زعم محمد أن عكرمة قال: " الأرائك: السرر في الحجال " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن وسأله رجل عن الأرائك قال: " هي الحجال أهل اليمن يقولون: أريكة فلان " وسمعت عكرمة وسئل عنها فقال: «هي الحجال على السرر» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {على الأرائك متكئون} قال: «هي الحجال فيها السرر» وقوله: {لهم فيها فاكهة} [يس: 57] يقول لهؤلاء الذين ذكرهم تبارك وتعالى من أهل الجنة في الجنة فاكهة {ولهم ما يدعون} [يس: 57] يقول: ولهم فيها ما يتمنون وذكر عن العرب أنها تقول: دع علي ما شئت: أي تمن علي ما شئت وقوله: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] في رفع سلام وجهان في قول بعض نحويي الكوفة: أحدهما: أن يكون خبرا لما يدعون، فيكون معنى الكلام: ولهم ما يدعون مسلم لهم خالص وإذا وجه معنى الكلام إلى ذلك كان القول حينئذ منصوبا توكيدا خارجا من السلام، كأنه قيل: ولهم فيها ما يدعون مسلم خالص حقا، كأنه قيل: قاله قولا والوجه الثاني: أن يكون قوله: {سلام} [الأنعام: 54] مرفوعا على المدح، بمعنى: هو سلام لهم قولا من الله.
وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله: سلاما قولا على أن الخبر متناه عند قوله: {ولهم ما يدعون} [يس: 57] ثم نصب سلاما على التوكيد، بمعنى: مسلما قولا، وكان بعض نحويي البصرة يقول: انتصب قولا على البدل من اللفظ بالفعل، كأنه قال: أقول ذلك قولا قال: ومن نصبها نصبها على خبر المعرفة على قوله: {ولهم} [البقرة: 7] فيها {ما يدعون} [الحج: 62] والذي هو أولى بالصواب على ما جاء به الخبر عن محمد بن كعب القرظي، أن يكون {سلام} [الأنعام: 54] خبرا لقوله: {ولهم ما يدعون} [يس: 57] فيكون معنى ذلك: ولهم فيها ما يدعون، وذلك هو سلام من الله عليهم، بمعنى: تسليم من الله، ويكون سلام ترجمة ما يدعون، ويكون القول خارجا من قوله: سلام وإنما قلت ذلك أولى بالصواب لما: حدثنا به، إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن حرملة، عن سليمان بن حميد، قال: سمعت محمد بن كعب، يحدث عمر بن عبد العزيز قال: " إذا فرغ الله من أهل الجنة وأهل النار، أقبل يمشي في ظلل من الغمام والملائكة، فيقف على أول أهل درجة، فيسلم عليهم، فيردون عليه السلام، وهو في القرآن: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] فيقول: سلوا، فيقولون: ما نسألك وعزتك وجلالك، لو أنك قسمت بيننا أرزاق الثقلين لأطعمناهم وسقيناهم وكسوناهم، فيقول: سلوا، فيقولون: نسألك رضاك، فيقول: رضائي أحلكم دار كرامتي، فيفعل ذلك بأهل كل درجة حتى ينتهي، قال: ولو أن امرأة من الحور العين طلعت لأطفأ ضوء سواريها الشمس والقمر، فكيف بالمسورة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا حرملة، عن سليمان بن حميد، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عمر بن عبد العزيز، قال: إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار، أقبل في ظلل من الغمام والملائكة، قال: فيسلم على أهل الجنة، فيردون عليه السلام، قال القرظي: وهذا في كتاب الله: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] فيقول: سلوني، فيقولون: ماذا نسألك، أي رب؟ قال: بل سلوني، قالوا: نسألك أي رب رضاك، قال: رضائي أحلكم دار كرامتي، قالوا: يا رب وما الذي نسألك فوعزتك وجلالك وارتفاع مكانك، لو قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم، ولأسقيناهم، ولألبسناهم ولأخدمناهم، لا ينقصنا ذلك شيئا، قال: إن لدي مزيدا، قال: فيفعل الله ذلك بهم في درجهم حتى يستوي في مجلسه، قال: ثم تأتيهم التحف من الله تحملها إليهم الملائكة. ثم ذكر نحوه. حدثنا ابن سنان القزاز، قال: ثنا أبو عبد الرحمن، قال: ثنا حرملة، قال: ثنا سليمان بن حميد، أنه سمع محمد بن كعب القرظي يحدث عمر بن عبد العزيز، قال: إذا فرغ الله من أهل الجنة وأهل النار، أقبل يمشي في ظلل من الغمام ويقف، قال: ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: فيقولون: فماذا نسألك يا رب، فوعزتك وجلالك وارتفاع مكانك، لو أنك قسمت علينا أرزاق الثقلين، الجن والإنس، لأطعمناهم، ولسقيناهم، ولأخدمناهم من غير أن ينتقص ذلك شيئا مما عندنا، قال: بلى فسلوني، قالوا: نسألك رضاك، قال: رضائي أحلكم دار كرامتي، فيفعل هذا بأهل كل درجة، حتى ينتهي إلى مجلسه. وسائر الحديث مثله فهذا القول الذي قاله محمد بن كعب، ينبئ عن أن «سلام» بيان عن قوله: {ما يدعون} [الحج: 62] وأن القول خارج من السلام. وقوله: {من رب رحيم} [يس: 58] يعني: رحيم بهم إذ لم يعاقبهم بما سلف لهم من جرم في الدنيا 19P469
[يس: 59_60_61] القول في تأويل قوله تعالى: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} [يس: 59_60_61] يعني بقوله: {وامتازوا} [يس: 59] تميزوا؛ وهي افتعلوا، من ماز يميز، فعل يفعل منه: امتاز يمتاز امتيازا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 59] قال: «عزلوا عن كل خير» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع، عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان يوم القيامة أمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم، ثم يقول: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} [يس: 60] . . الآية، إلى قوله: {هذه جهنم التي كنتم توعدون} [يس: 63] {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 59] . فيتميز الناس ويجثون، وهي قول الله: {وترى كل أمة} [الجاثية: 28] الآية فتأويل الكلام إذن: وتميزوا من المؤمنين اليوم أيها الكافرون بالله، فإنكم واردون غير موردهم، داخلون غير مدخلهم وقوله: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} [يس: 60] وفي الكلام متروك استغنى بدلالة الكلام عليه منه، وهو: ثم يقال: ألم أعهد إليكم يا بني آدم، يقول: ألم أوصكم وآمركم في الدنيا أن لا تعبدوا الشيطان فتطيعوه في معصية الله {إنه لكم عدو مبين} [البقرة: 168] يقول: وأقول لكم: إن الشيطان لكم عدو مبين، قد أبان لكم عداوته بامتناعه من السجود، لأبيكم آدم، حسدا منه له، على ما كان الله أعطاه من الكرامة، وغروره إياه، حتى أخرجه وزوجته من الجنة وقوله: {وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} [يس: 61] يقول: وألم أعهد إليكم أن اعبدوني دون كل ما سواي من الآلهة والأنداد، وإياي فأطيعوا، فإن إخلاص 19P471 عبادتي، وإفراد طاعتي، ومعصية الشيطان، هو الدين الصحيح، والطريق المستقيم 19P470 [يس: 62_63_64] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} [يس: 62_63_64] يعني تعالى ذكره بقوله: {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا} [يس: 62] ولقد صد الشيطان منكم خلقا كثيرا عن طاعتي، وإفرادي بالألوهة حتى عبدوه، واتخذوا من دوني آلهة يعبدونها كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {ولقد أضل منكم جبلا} [يس: 62] قال: «خلقا» واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين {جبلا} [يس: 62] بكسر الجيم وتشديد اللام، وكان بعض المكيين وعامة قراء الكوفة يقرؤونه: (جبلا) بضم الجيم والباء وتخفيف اللام وكان بعض قراء البصرة يقرؤه: (جبلا) بضم الجيم وتسكين الباء، وكل هذه لغات معروفات، غير أني لا أحب القراءة في ذلك إلا بإحدى القراءتين اللتين إحداهما بكسر الجيم وتشديد اللام، والأخرى بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، لأن ذلك هو القراءة التي عليها عامة 19P472 قراء الأمصار وقوله: {أفلم تكونوا تعقلون} [يس: 62] يقول: أفلم تكونوا تعقلون أيها المشركون، إذا أطعتم الشيطان في عبادة غير الله، أنه لا ينبغي لكم أن تطيعوا عدوكم وعدو الله، وتعبدوا غير الله وقوله: {هذه جهنم التي كنتم توعدون} [يس: 63] يقول: هذه جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا على كفركم بالله، وتكذيبكم رسله، فكنتم بها تكذبون وقيل: إن جهنم أول باب من أبواب النار وقوله: {اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} [يس: 64] يقول: احترقوا بها اليوم وردوها؛ يعني باليوم: يوم القيامة {بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] يقول: بما كنتم تجحدونها في الدنيا، وتكذبون بها 19P472
[يس: 65] القول في تأويل قوله تعالى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} [يس: 65] يعني تعالى ذكره بقوله: {اليوم نختم على أفواههم} [يس: 65] اليوم نطبع على أفواه المشركين، وذلك يوم القيامة {وتكلمنا أيديهم} [يس: 65] بما عملوا في الدنيا من معاصي الله {وتشهد أرجلهم} [يس: 65] قيل: إن الذي ينطق من أرجلهم: أفخاذهم من الرجل اليسرى {بما كانوا يكسبون} [الأنعام: 129] في الدنيا من الآثام وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى: " يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه، فيعترف فيقول: نعم أي رب عملت عملت عملت، قال: فيغفر الله له ذنوبه، ويستره منها، فما على الأرض من خليقة ترى من تلك الذنوب شيئا، وتبدو حسناته، فود أن الناس كلهم يرونها؛ ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه عمله فيجحده، ويقول: أي رب، وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك أي رب، ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم على فيه قال الأشعري: فإني أحسب أول ما ينطق منه لفخذه اليمنى، ثم تلا: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} [يس: 65] حدثنا أبو كريب، قال: ثنى يحيى، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن الشعبي، قال: " يقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا، فيقول: ما عملت، فيختم على فيه، وتنطق جوارحه، فيقول لجوارحه: أبعدكن الله، ما خاصمت إلا فيكن " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {اليوم نختم على أفواههم} [يس: 65] . . الآية، قال: «قد كانت خصومات وكلام، فكان هذا آخره، وختم على أفواههم» حدثني محمد بن عوف الطائي، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن عياش، عن 19P474 ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن عقبة بن عامر، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أول شيء يتكلم من الإنسان يوم يختم الله على الأفواه فخذه من رجله اليسرى» 19P473
[يس: 66_67] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون} [يس: 66_67] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط} [يس: 66] فقال بعضهم: معنى ذلك: ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى، وأضللناهم عن قصد المحجة ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم} [يس: 66] يقول: «أضللتهم وأعميتهم عن الهدى» وقال آخرون: معنى ذلك: ولو نشاء لتركناهم عميا ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون} [يس: 66] قال: «لو يشاء لطمس على أعينهم فتركهم عميا يترددون» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون} [يس: 66] يقول: «لو شئنا لتركناهم عميا يترددون» وهذا القول الذي ذكرناه عن الحسن وقتادة أشبه بتأويل الكلام، لأن الله إنما تهدد به قوما كفارا، فلا وجه لأن يقال: وهم كفار، لو نشاء لأضللناهم وقد أضلهم، ولكنه قال: لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم، فطمسنا على أعينهم فصيرناهم عميا لا يبصرون طريقا، ولا يهتدون له؛ والطمس على العين: هو أن لا يكون بين جفني العين غر، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين، كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى مطموس وطميس وقوله: {فاستبقوا الصراط} [يس: 66] يقول: فابتدروا الطريق كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 19P476 قوله: {فاستبقوا الصراط} [يس: 66] قال: «الطريق» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فاستبقوا الصراط} [يس: 66] أي الطريق " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فاستبقوا الصراط} [يس: 66] قال: «الصراط الطريق» وقوله: {فأنى يبصرون} [يس: 66] يقول: فأي وجه يبصرون أن يسلكوه من الطرق، وقد طمسنا على أعينهم كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فأنى يبصرون} [يس: 66] «وقد طمسنا على أعينهم» وقال الذين وجهوا تأويل قوله: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم} [يس: 66] إلى أنه معني به العمى عن الهدى تأويل قوله: {فأنى يبصرون} [يس: 66] فأنى يهتدون للحق ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس {فأنى يبصرون} [يس: 66] يقول: «فكيف يهتدون» حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {فأنى يبصرون} [يس: 66] يقول: «لا يبصرون الحق» وقوله: {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم} [يس: 67] يقول تعالى ذكره: ولو نشاء لأقعدنا هؤلاء المشركين من أرجلهم في منازلهم {فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون} [يس: 67] يقول: فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم، ولا أن يرجعوا وراءهم وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم نحو الذي قلنا في ذلك ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم} [يس: 67] قال: «لو نشاء لأقعدناهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، ثنا سعيد، عن قتادة {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم} [يس: 67] «أي لأقعدناهم على أرجلهم» {فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون} [يس: 67] «فلم يستطيعوا أن يتقدموا ولا يتأخروا» وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولو نشاء لأهلكناهم في منازلهم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 19P478 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون} [يس: 67] يقول: «ولو نشاء أهلكناهم في مساكنهم» والمكانة والمكان بمعنى واحد.
وقد بينا ذلك فيما مضى قبل 19P477
[يس: 68_69_70] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين} [يس: 68_69_70] يقول تعالى ذكره: {ومن نعمره} [يس: 68] فنمد له في العمر {ننكسه في الخلق} [يس: 68] نرده إلى مثل حاله في الصبا من الهرم والكبر، وذلك هو النكس في الخلق، فيصير لا يعلم شيئا بعد العلم الذي كان يعلمه وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن نعمره ننكسه في الخلق} [يس: 68] يقول: «من نمد له في العمر ننكسه في الخلق، لكي لا يعلم بعد علم شيئا، يعني الهرم» واختلفت القراء في قراءة قوله: {ننكسه} [يس: 68] فقرأه عامة قراء المدينة 19P479 والبصرة وبعض الكوفيين: «ننكسه» بفتح النون الأولى وتسكين الثانية، وقرأته عامة قراء الكوفة: {ننكسه} [يس: 68] بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الكاف، والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن التي عليها عامة قراء الكوفيين أعجب إلي، لأن التنكيس من الله في الخلق إنما هو حال بعد حال، وشيء بعد شيء، فذلك تأييد للتشديد وكذلك اختلفوا في قراءة قوله: {أفلا يعقلون} [يس: 68] فقرأته قراء المدينة: (أفلا تعقلون) بالتاء على وجه الخطاب وقرأته قراء الكوفة بالياء على الخبر، وقراءة ذلك بالياء أشبه بظاهر التنزيل، لأنه احتجاج من الله على المشركين الذين قال فيهم {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم} [يس: 66] فإخراج ذلك خبرا على نحو ما خرج قوله: {لطمسنا على أعينهم} [يس: 66] أعجب إلي ، وإن كان الآخر غير مدفوع ويعني تعالى ذكره بقوله: {أفلا يعقلون} [يس: 68] أفلا يعقل هؤلاء المشركون قدرة الله على ما يشاء بمعاينتهم ما يعاينون من تصريفه خلقه فيما شاء وأحب من 19P480 صغر إلى كبر، ومن تنكيس بعد كبر في هرم وقوله: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} [يس: 69] يقول تعالى ذكره: وما علمنا محمدا الشعر، وما ينبغي له أن يكون شاعرا كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} [يس: 69] قال: " قيل لعائشة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟
قالت: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل آخره أوله، وأوله آخره، فقال له أبو بكر: إنه ليس هكذا، فقال نبي الله: «إني والله ما أنا بشاعر، ولا ينبغي لي» وقوله: {إن هو إلا ذكر} [يوسف: 104] يقول تعالى ذكره: ما هو إلا ذكر يعني بقوله: {إن هو} [الأنعام: 90] أي محمد إلا ذكر لكم أيها الناس، ذكركم الله بإرساله إياه إليكم، ونبهكم به على حظكم {وقرآن مبين} [الحجر: 1] يقول: وهذا الذي جاءكم به محمد قرآن مبين، يقول: يبين لمن تدبره بعقل ولب، أنه تنزيل من الله أنزله إلى محمد، وأنه ليس بشعر ولا مع كاهن كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وقرآن مبين} [الحجر: 1] قال: «هذا القرآن» وقوله: {لينذر من كان حيا} [يس: 70] يقول: إن محمد إلا ذكر لكم لينذر منكم أيها الناس من كان حي القلب، يعقل ما يقال له، ويفهم ما يبين له، غير ميت الفؤاد بليد وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن رجل، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله: {لينذر من كان حيا} [يس: 70] قال: «من كان عاقلا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {لينذر من كان حيا} [يس: 70] «حي القلب، حي البصر» قوله: {ويحق القول على الكافرين} [يس: 70] يقول: ويحق العذاب على أهل الكفر بالله، المولين عن اتباعه، المعرضين عما أتاهم به من عند الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ويحق القول على 19P482 الكافرين} [يس: 70] «بأعمالهم» 19P481
[يس: 71_72] القول في تأويل قوله تعالى: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} [يس: 71_72] يقول تعالى ذكره: {أولم يروا} [الرعد: 41] هؤلاء المشركون بالله الآلهة والأوثان {أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا} [يس: 71] يقول: مما خلقنا من الخلق {أنعاما} [الفرقان: 49] وهي المواشي التي خلقها الله لبني آدم، فسخرها لهم من الإبل والبقر والغنم {فهم لها مالكون} [يس: 71] يقول: فهم لها مصرفون كيف شاءوا بالقهر منهم لها والضبط كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فهم لها مالكون} [يس: 71] «أي ضابطون» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون} [يس: 71] فقيل له: " أهي الإبل؟ فقال: نعم " قال: " والبقر من الأنعام، وليست بداخلة في هذه الآية، قال: والإبل والبقر والغنم من الأنعام، وقرأ: {ثمانية أزواج} [الأنعام: 143] قال: والبقر والإبل هي النعم، وليست تدخل الشاء في النعم " وقوله: {وذللناها لهم} [يس: 72] يقول: وذللنا لهم هذه الأنعام {فمنها ركوبهم} [يس: 72] يقول: فمنها ما يركبون كالإبل يسافرون عليها؛ يقال: هذه دابة ركوب، والركوب بالضم: هو الفعل {ومنها يأكلون} [يس: 72] لحومها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وذللناها لهم فمنها ركوبهم} [يس: 72] " يركبونها يسافرون عليها {ومنها يأكلون} [يس: 72] لحومها " 19P483 [يس: 73_74] القول في تأويل قوله تعالى: {ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون} [يس: 73_74] يقول تعالى ذكره: ولهم في هذه الأنعام منافع، وذلك منافع في أصوافها وأوبارها وأشعارها باتخاذهم من ذلك أثاثا ومتاعا، ومن جلودها أكنانا، ومشارب يشربون ألبانها كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ولهم فيها منافع} [يس: 73] «يلبسون أصوافها» {ومشارب} [يس: 73] «يشربون ألبانها» وقوله: {أفلا يشكرون} [يس: 35] يقول: أفلا يشكرون نعمتي هذه، وإحساني إليهم بطاعتي، وإفراد الألوهية والعبادة، وترك طاعة الشيطان وعبادة الأصنام قوله: {واتخذوا من دون الله آلهة} [مريم: 81] يقول: واتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة يعبدونها {لعلهم ينصرون} [يس: 74] يقول: طمعا أن تنصرهم تلك الآلهة من عقاب الله وعذابه 19P484
[يس: 75_76] القول في تأويل قوله تعالى: {لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} [يس: 75_76] يقول تعالى ذكره: لا تستطيع هذه الآلهة نصرهم من الله إن أراد بهم سوءا، ولا تدفع عنهم ضرا وقوله: {وهم لهم جند محضرون} [يس: 75] يقول: وهؤلاء المشركون لآلهتهم جند محضرون واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {محضرون} [الروم: 16] وأين حضورهم إياهم، فقال بعضهم: عني بذلك: وهم لهم جند محضرون عند الحساب ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وهم لهم جند محضرون} [يس: 75] قال: «عند الحساب» وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهم لهم جند محضرون في الدنيا يغضبون لهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {لا يستطيعون نصرهم} [يس: 75] «الآلهة» {وهم لهم جند محضرون} [يس: 75] «والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرا، ولا تدفع عنهم سوءا، إنما هي أصنام» وهذا الذي قاله قتادة أولى القولين عندنا بالصواب في تأويل ذلك، لأن المشركين عند الحساب تتبرأ منهم الأصنام، وما كانوا يعبدونه، فكيف يكونون لها جندا حينئذ، ولكنهم في الدنيا لهم جند يغضبون لهم، ويقاتلون دونهم وقوله تعالى: {فلا يحزنك قولهم} [يس: 76] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلا يحزنك يا محمد قول هؤلاء المشركين بالله من قومك لك: إنك شاعر، وما جئتنا به شعر، ولا تكذيبهم بآيات الله وجحودهم نبوتك وقوله: {إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} [يس: 76] يقول تعالى ذكره: إنا نعلم أن الذي يدعوهم إلى قيل ذلك الحسد، وهم يعلمون أن الذي جئتهم به ليس بشعر، ولا يشبه الشعر، وأنك لست بكذاب، فنعلم ما يسرون من معرفتهم بحقيقة ما تدعوهم إليه، وما يعلنون من جحودهم ذلك بألسنتهم علانية 19P485
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?