Taberî — Câmiü'l-Beyân
فذلك من قولهم، وأمانيهم الباطلة هي الحجة التي كانت لقريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره الذين ظلموا من قريش من سائر الناس غيرهم، إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجههم إليها حجة وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " في قول الله تعالى ذكره {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] قوم محمد صلى الله عليه وسلم «، قال مجاهد، يقول» حجتهم قولهم: قد راجعت قبلتنا " 02P686 حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله؛ إلا أنه قال قولهم: قد رجعت إلى قبلتنا " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: ثنا معمر، عن قتادة، وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] قالا " هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم. قال الله عز وجل: {فلا تخشوهم واخشوني} [البقرة: 150] " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] والذين ظلموا مشركو قريش، يقول: إنهم سيحتجون عليكم بذلك فكانت حجتهم على نبي الله صلى الله عليه وسلم بانصرافه إلى البيت الحرام أنهم قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك كله " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، فيما 02P687 يذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم قالوا " لما صرف نبي الله صلى الله عليه وسلم نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلا، ويوشك أن يدخل في دينكم. فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني} [البقرة: 150] " حدثنا القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء، قوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] " قال: " قالت قريش لما رجع إلى الكعبة وأمر بها: ما كان يستغني عنا قد استقبل قبلتنا. فهي حجتهم، وهم الذين ظلموا " قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا، يقول مثل قول عطاء، فقال مجاهد، " حجتهم: قولهم رجعت إلى قبلتنا " فقد أبان تأويل من ذكرنا تأويله من أهل التأويل قوله: {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] عن صحة ما قلنا في تأويله، وأنه استثناء على معنى الاستثناء المعروف الذي يثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفيا عما قبلهم، كما أن قول القائل: ما سار من الناس أحد إلا أخوك " إثبات للأخ من السير ما هو 02P688 منفي عن كل أحد من الناس، فكذلك قوله: {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] نفي عن أن يكون لأحد خصومة وجدل قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوى باطلة عليه وعلى أصحابه بسبب توجههم في صلاتهم قبل الكعبة، إلا الذين ظلموا أنفسهم من قريش، فإن لهم قبلهم خصومة ودعوى باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلينا وإلى قبلتنا؛ لأنا كنا أهدى منكم سبيلا، وأنكم كنتم بتوجهكم نحو بيت المقدس على ضلال وباطل.
وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل، فبين خطأ قول من زعم أن معنى قوله: {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] ولا الذين ظلموا منهم، وأن «إلا» بمعنى الواو؛ لأن ذلك لو كان معناه لكان النفي الأول عن جميع الناس أن يكون لهم حجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تحولهم نحو الكعبة بوجوههم مبينا عن المعنى المراد، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك: {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] إلا التلبيس الذي يتعالى عن أن يضاف إليه، أو يوصف به. هذا مع خروج معنى الكلام إذا وجهت «إلا» إلى معنى الواو، ومعنى العطف من كلام العرب، وذلك أنه غير موجودة إلا في شيء من كلامها بمعنى الواو إلا مع استثناء سابق قد تقدمها، كقول القائل: سار القوم إلا عمرا إلا أخاك، بمعنى: إلا عمرا وأخاك، فتكون «إلا» حينئذ مؤدية عما تؤدي عنه الواو لتعلق «إلا» 02P689 الثانية ب «إلا» الأولى، ويجمع فيها أيضا بين «إلا» والواو، فيقال: سار القوم إلا عمرا وإلا أخاك، فتحذف إحداهما فتنوب الأخرى عنها، فيقال: سار القوم إلا عمرا وأخاك، أو إلا عمرا إلا أخاك، لما وصفنا قبل. وإذ كان ذلك كذلك فغير جائز لمدع من الناس أن يدعي أن «إلا» في هذا الموضع بمعنى الواو التي تأتي بمعنى العطف. وواضح فساد قول من زعم أن معنى ذلك: إلا الذين ظلموا منهم فإنهم لا حجة لهم فلا تخشوهم، كقول القائل في كلامه: الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم المعتدي عليك، فإن ذلك لا يعتد بعداوته ولا بتركه الحمد لموضع العداوة. وكذلك الظالم لا حجة له، وقد سمي ظالما؛ لإجماع جميع أهل التأويل على تخطئة ما ادعى من التأويل في ذلك. وكفى شاهدا على خطأ مقالته إجماعهم على تخطئتها. وظاهر بطلان قول من زعم أن الذين ظلموا ها هنا ناس من العرب كانوا يهودا، ونصارى، فكانوا يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم، فأما سائر العرب فلم تكن لهم حجة، وكانت حجة من يحتج منكسرة؛ لأنك تقول لمن تريد أن تكسر عليه حجته: إن لك 02P690 علي حجة، ولكنها منكسرة، وإنك لتحتج بلا حجة، وحجتك ضعيفة. ووجه معنى: {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] إلى معنى: إلا الذين ظلموا منهم من أهل الكتاب ، فإن لهم عليكم حجة واهية أو حجة ضعيفة. وهي قول من قال: «إلا» في هذا الموضع بمعنى «لكن» ، وضعف قول من زعم أنه ابتداء بمعنى: إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم؛ لأن تأويل أهل التأويل جاء في ذلك بأن ذلك من الله عز وجل خبر عن الذين ظلموا منهم أنهم يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما قد ذكرنا، ولم يقصد في ذلك إلى الخبر عن صفة حجتهم بالضعف ولا بالقوة وإن كانت ضعيفة؛ لأنها باطلة، وإنما قصد فيه الإثبات للذين ظلموا ما قد نفي عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال: قال الربيع، «إن يهوديا خاصم أبا العالية فقال» إن موسى عليه السلام كان يصلي إلى صخرة بيت المقدس، فقال أبو العالية: كان يصلي عند الصخرة إلى البيت الحرام. قال: قال: فبيني وبينك مسجد صالح فإنه نحته من الجبل. قال أبو العالية: قد صليت فيه وقبلته إلى البيت الحرام " قال الربيع، وأخبرني أبو العالية، «أنه مر على مسجد ذي القرنين وقبلته إلى الكعبة» وأما قوله: {فلا تخشوهم واخشوني} [البقرة: 150] يعني فلا تخشوا هؤلاء الذين وصفت لكم أمرهم من الظلمة في حجتهم وجدالهم، وقولهم ما يقولون من أن محمدا صلى الله عليه وسلم 02P691 قد رجع إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا أو أن يقدروا لكم على ضر في دينكم أو صدكم عما هداكم الله تعالى ذكره له من الحق؛ ولكن اخشوني، فخافوا عقابي في خلافكم أمري إن خالفتموه.
وذلك من الله جل ثناؤه تقدم إلى عباده المؤمنين بالحض على لزوم قبلتهم والصلاة إليها، وبالنهي عن التوجه إلى غيرها. يقول جل ثناؤه: واخشوني أيها المؤمنون في ترك طاعتي فيما أمرتكم به من الصلاة شطر المسجد الحرام. وقد حكي عن السدي في ذلك ما حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {فلا تخشوهم واخشوني} [البقرة: 150] يقول: لا تخشوا أن أردكم في دينهم " 02P691
[البقرة: 150] القول في تأويل قوله تعالى: {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} [البقرة: 150] يعني بقوله جل ثناؤه: {ولأتم نعمتي عليكم} [البقرة: 150] ومن حيث خرجت من البلاد والأرض إلى أي بقعة شخصت فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث كنت يا محمد والمؤمنون، فولوا وجوهكم في صلاتكم شطره، واتخذوه قبلة لكم، كيلا يكون لأحد من الناس سوى مشركي قريش حجة، ولأتم بذلك من هدايتي لكم إلى قبلة خليلي إبراهيم عليه السلام الذي جعلته إماما للناس نعمتي فأكمل لكم به فضلي عليكم، وأتمم به شرائع ملتكم الحنيفية المسلمة التي وصيت بها نوحا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى وسائر الأنبياء غيرهم 02P692 وذلك هو نعمته التي أخبر جل ثناؤه أنه متمها على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من أصحابه وقوله: {ولعلكم تهتدون} [البقرة: 150] يعني: وكي ترشدوا للصواب من القبلة. {ولعلكم} [البقرة: 150] عطف على قوله: {ولأتم نعمتي عليكم} [البقرة: 150]، {ولأتم نعمتي عليكم} [البقرة: 150] عطف على قوله {لئلا يكون} [البقرة: 150] 02P692
[البقرة: 151] القول في تأويل قوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 151] يعني بقوله جل ثناؤه: {كما أرسلنا فيكم رسولا} [البقرة: 151] ولأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية، وأهديكم لدين خليلي إبراهيم عليه السلام، وأجعل لكم دعوته التي دعاني بها ومسألته التي سألنيها فقال: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم} [البقرة: 128] كما جعلت لكم دعوته التي دعاني بها ومسألته التي سألنيها، فقال: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} [البقرة: 129] ، فابتعثت منكم رسولي الذي سألني إبراهيم خليلي وابنه إسماعيل أن أبعثه من ذريتهما. ف «كما» إذ كان ذلك معنى الكلام صلة لقول الله عز وجل: {ولأتم نعمتي عليكم} [البقرة: 150] ولا يكون قوله: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم } [البقرة: 151] متعلقا بقوله: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] وقد قال قوم: إن معنى ذلك: فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم. وزعموا أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، فأغرقوا النزع، وبعدوا من الإصابة، وحملوا الكلام على غير معناه المعروف وسوي وجهه المفهوم. وذلك أن الجاري من الكلام على ألسن العرب المفهوم في خطابهم بينهم إذا قال بعضهم لبعض: «كما أحسنت إليك يا فلان فأحسن» أن لا يشترطوا للآخر، لأن الكاف في «كما» شرط معناه: افعل كما فعلت، ففي مجيء جواب: {فاذكروني} [البقرة: 152] بعده وهو قوله: {أذكركم} [البقرة: 152] أوضح دليل على أن قوله: {كما أرسلنا} [البقرة: 151] من صلة الفعل الذي قبله، وأن قوله: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] خبر مبتدأ منقطع عن الأول، وأنه من سبب قوله: {كما أرسلنا فيكم} [البقرة: 151] بمعزل. وقد زعم بعض النحويين أن قوله: {فاذكروني} [البقرة: 152] إذا جعل قوله: {كما أرسلنا فيكم} [البقرة: 151] جوابا له مع قوله: {أذكركم} [البقرة: 152] نظير الجزاء الذي يجاب بجوابين، كقول القائل: إذا أتاك فلان فأته ترضه، فيصير قوله «فأته» و «ترضه» جوابين لقوله: إذا أتاك، وكقوله: إن تأتني أحسن إليك أكرمك. وهذا القول وإن كان مذهبا من المذاهب، فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب. والذي هو أولى بكتاب الله عز وجل أن يوجه إليه من اللغات الأفصح الأعرف من كلام العرب دون الأنكر الأجهل من منطقها هذا مع بعد وجهه من المفهوم في التأويل - ذكر من قال: إن قوله: {كما أرسلنا} [البقرة: 151] جواب قوله: {فاذكروني} [البقرة: 152] حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: سمعت ابن أبي نجيح، «يقول في قول الله عز وجل» {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم} [البقرة: 151] كما فعلت فاذكروني " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله قوله: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم} [البقرة: 151] فإنه يعني بذلك العرب، قال لهم جل ثناؤه: الزموا أيها العرب طاعتي، وتوجهوا إلى القبلة التي أمرتكم بالتوجه إليها، لتنقطع حجة اليهود عنكم، فلا تكون لهم عليكم حجة، ولأتم نعمتي عليكم وتهتدوا، كما ابتدأتكم بنعمتي فأرسلت فيكم رسولا إليكم منكم، وذلك الرسول الذي أرسله إليهم منهم محمد صلى الله عليه وسلم كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم} [البقرة: 151] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم " وأما قوله: {يتلو عليكم آياتنا} [البقرة: 151] فإنه يعني آيات القرآن، وبقوله: {ويزكيكم} [البقرة: 151] ويطهركم من دنس الذنوب، {ويعلمكم الكتاب} [البقرة: 151] وهو 02P695 الفرقان، يعني أنه يعلمهم أحكامه، ويعني بالحكمة: السنن والفقه في الدين.
وقد بينا جميع ذلك فيما مضى قبل بشواهده وأما قوله: {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 151] فإنه يعني: ويعلمكم من أخبار الأنبياء، وقصص الأمم الخالية، والخبر عما هو حادث وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها فعلموها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرهم جل ثناؤه أن ذلك كله إنما يدركونه برسوله صلى الله عليه وسلم 02P695
[البقرة: 152] القول في تأويل قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 152] يعني تعالى ذكره بذلك: فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] قال: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي " وقد كان بعضهم يتأول ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن 02P696 الربيع، في قوله {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 152] «إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره ومعذب من كفره» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] «قال» ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمة، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب " 02P696 [البقرة: 152] القول في تأويل قوله تعالى: {واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 152] يعني تعالى ذكره بذلك: اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام والهداية للذين الذي شرعته لأنبيائي وأصفيائي {ولا تكفرون} [البقرة: 152] يقول: ولا تجحدوا إحساني إليكم، فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم، ولكن اشكروا لي عليها وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم، وأهديكم لما هديت له من رضيت عنه من عبادي، فإني وعدت خلقي أن من شكر لي زدته، ومن كفرني حرمته وسلبته ما أعطيته. والعرب تقول: نصحت لك وشكرت لك، ولا تكاد تقول نصحتك، وربما قالت شكرتك ونصحتك، من ذلك قول الشاعر: [+البحر ...] هم جمعوا بؤسى ونعمى عليكم فهلا شكرت القوم إن لم تقاتل وقال النابغة في «نصحتك» : [+البحر الطويل] نصحت بني عوف فلم يتقبلوا رسولي ولم تنجح لديهم وسائلي وقد دللنا على أن معنى الشكر: الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة، وأن معنى الكفر تغطية الشيء، فيما مضى قبل فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا 02P697 [البقرة: 153] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153] وهذه الآية حض من الله تعالى ذكره على طاعته واحتمال مكروهها على الأبدان والأموال، فقال: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة على القيام بطاعتي وأداء فرائضي في ناسخ أحكامي والانصراف عما أنسخه منها إلى الذي أحدثه لكم من فرائضي وأنقلكم إليه من أحكامي والتسليم لأمري فيما آمركم به في حين إلزامكم حكمه والتحول عنه بعد تحويلي إياكم عنه، وإن لحقكم في ذلك مكروه من مقالة أعدائكم من الكفار بقذفهم لكم الباطل، أو مشقة على أبدانكم في قيامكم به أو نقص في أموالكم وعلى جهاد أعدائكم وحربهم في سبيلي بالصبر منكم لي على مكروه ذلك ومشقته عليكم، واحتمال عنائه وثقله، ثم بالفزع منكم فيما ينوبكم من مفظعات الأمور إلى الصلاة لي، فإنكم بالصبر على المكاره تدركون مرضاتي، وبالصلاة لي تستنجحون طلباتكم قبلي وتدركون حاجاتكم عندي، فإني مع الصابرين على القيام بأداء فرائضي وترك معاصي أنصرهم وأرعاهم، وأكلؤهم حتى يظفروا بما طلبوا وأملوا قبلي؛ وقد بينت معنى الصبر والصلاة فيما مضى قبل فكرهنا إعادته كما حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] «يقول» استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، واعلموا أنهما من طاعة الله " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 153] اعلموا أنهما عون على طاعة الله " وأما قوله: {إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153] فإن تأويله: فإن الله ناصره وظهيره وراض بفعله، كقول القائل: افعل يا فلان كذا وأنا معك، يعني إني ناصرك على فعلك ذلك ومعينك عليه 02P698
[البقرة: 154] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} [البقرة: 154] يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على طاعتي في جهاد 02P699 عدوكم وترك معاصي وأداء سائر فرائضي عليكم، ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هو ميت، فإن الميت من خلقي من سلبته حياته وأعدمته حواسه، فلا يلتذ لذة ولا يدرك نعيما؛ فإن من قتل منكم ومن سائر خلقي في سبيلي أحياء عندي في حياة ونعيم وعيش هني ورزق سني، فرحين بما آتيتهم من فضلي وحبوتهم به من كرامتي كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله {بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} [البقرة: 154] " كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارف في طير بيض يأكلن من ثمار الجنة، وأن مساكنهم سدرة المنتهى، وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاث خصال من الخير: من قتل في 02P700 سبيل الله منهم صار حيا مرزوقا، ومن غلب آتاه الله أجرا عظيما، ومن مات رزقه الله رزقا حسنا " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} [البقرة: 154] قال: أرواح الشهداء في صور طير بيض " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} [البقرة: 154] «في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا منها يأكلون من حيث شاءوا» حدثني المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عثمان بن غياث، قال: سمعت عكرمة، يقول في قوله {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} [البقرة: 154] «قال» أرواح الشهداء في طير خضر في الجنة " فإن قال لنا قائل: وما في قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله 02P701 أموات بل أحياء} [البقرة: 154] من خصوصية الخبر عن المقتول في سبيل الله الذي لم يعم به غيره؟ وقد علمت تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف حال المؤمنين والكافرين بعد وفاتهم، فأخبر عن المؤمنين أنهم يفتح لهم من قبورهم أبواب إلى الجنة يشمون منها روحها، ويستعجلون الله قيام الساعة ليصيروا إلى مساكنهم منها ويجمع بينهم وبين أهاليهم وأولادهم فيها، وعن الكافرين أنهم يفتح لهم من قبورهم أبواب إلى النار ينظرون إليها ويصيبهم من نتنها ومكروهها، ويسلط عليهم فيها إلى قيام الساعة من يقمعهم فيها ويسألون الله فيها تأخير قيام الساعة حذارا من المصير إلى ما أعد الله لهم فيها مع أشباه ذلك من الأخبار. وإذا كانت الأخبار بذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما الذي خص به القتيل في سبيل الله مما لم يعم به سائر البشر غيره من الحياة وسائر الكفار والمؤمنين غيره أحياء في البرزخ، أما الكفار فمعذبون فيه بالمعيشة الضنك، وأما المؤمنون فمنعمون بالروح والريحان ونسيم الجنان؟ قيل: إن الذي خص الله به الشهداء في ذلك وأفاد المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآكل الجنة ومطاعمها في برزخهم قبل بعثهم، ومنعمون بالذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر من لذيذ مطاعمها الذي لم يطعمها الله أحدا غيرهم في برزخه قبل بعثه.
فذلك هو 02P702 الفضيلة التي فضلهم بها وخصهم بها من غيرهم، والفائدة التي أفاد المؤمنين بالخبر عنهم، فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله} [آل عمران: 170] وبمثل الذي قلنا جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، وعبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهداء على بارق - نهر بباب الجنة - في قبة خضراء» وقال عبدة: «في روضة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن الإفريقي، عن ابن بشار السلمي أو أبي بشار، شك أبو جعفر قال «أرواح الشهداء في قباب بيض من قباب الجنة في كل قبة زوجتان، رزقهم في كل يوم طلعت فيه الشمس ثور، وحوت، فأما الثور ففيه طعم كل ثمرة في الجنة، وأما الحوت ففيه طعم كل شراب في الجنة» فإن قال قائل: فإن الخبر عما ذكرت أن الله تعالى ذكره أفاد المؤمنين بخبره عن الشهداء من النعمة التي خصهم بها في البرزخ غير موجود في قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} [البقرة: 154] وإنما فيه الخبر عن حالهم أموات هم أم أحياء. قيل: إن المقصود بذكر الخبر عن حياتهم إنما هو الخبر عما هم فيه من النعمة، ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عباده عما قد خص به الشهداء في قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] وعلموا حالهم بخبره ذلك، ثم كان المراد من الله تعالى ذكره في قوله: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} [البقرة: 154] نهى خلقه عن أن يقولوا للشهداء أنهم موتى، ترك إعادة ذكر ما قد بين لهم من خبرهم. وأما قوله: {ولكن لا تشعرون} [البقرة: 154] فإنه يعنى به: ولكنكم لا ترونهم فتعلموا أنهم أحياء، وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به. وإنما رفع قوله: «أموات» بإضمار مكني عن أسماء من يقتل في سبيل الله. ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات. ولا يجوز النصب في الأموات؛ لأن القول لا يعمل فيهم. وكذلك قوله: «بل أحياء» رفع بمعنى أنهم أحياء 02P703
[البقرة: 155] القول في تأويل قوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} [البقرة: 155] وهذا إخبار من الله تعالى ذكره أتباع رسوله صلى الله عليه وسلم أنه مبتليهم، وممتحنهم بشدائد من الأمور ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، كما ابتلاهم فامتحنهم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وكما امتحن أصفياءه قبلهم، ووعدهم 02P704 ذلك في آية أخرى فقال لهم: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس وغيره يقول حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} [البقرة: 155] «ونحو هذا، قال» أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشرهم، فقال: {وبشر الصابرين} [البقرة: 155] ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصفوته لتطيب أنفسهم، فقال: {مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} [البقرة: 214] ومعنى قوله: {ولنبلونكم} [البقرة: 155] ولنختبرنكم " وقد أتينا على البيان عن أن معنى الابتلاء الاختبار فيما مضى قبل وقوله: {بشيء من الخوف} [البقرة: 155] يعني من الخوف من العدو وبالجوع، وهو القحط. يقول: لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وبسنة تصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة وتعذر المطالب عليكم فتنقص لذلك أموالكم، وحروب تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار، فينقص لها عددكم، وموت ذراريكم، وأولادكم، وجدوب تحدث، فتنقص لها ثماركم. كل ذلك امتحان مني لكم واختبار مني لكم، فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه، ويعرف أهل البصائر في دينهم منكم من أهل النفاق فيه والشك والارتياب. 02P705 كل ذلك خطاب منه لأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما حدثني هارون بن إدريس الكوفي الأصم، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الملك، عن عطاء، في قوله " {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} [البقرة: 155] قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم " وإنما قال تعالى ذكره: {بشيء من الخوف} [البقرة: 155] ولم يقل «بأشياء» لاختلاف أنواع ما أعلم عباده أنه ممتحنهم به. فلما كان ذلك مختلفا وكانت «من» تدل على أن كل نوع منها مضمر في شيء وأن معنى ذلك: ولنبلونكم بشيء من الخوف وبشيء من الجوع وبشيء من نقص الأموال. اكتفى بدلالة ذكر الشيء في أوله من إعادته مع كل نوع منها. ففعل تعالى ذكره كل ذلك بهم وامتحنهم بضروب المحن كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات} [البقرة: 155] قال: قد كان ذلك، وسيكون ما هو أشد من ذلك. قال الله عند ذلك: {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة: 156] " ثم قال تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد بشر الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم به، والحافظين أنفسهم عن التقدم على نهيي عما أنهاهم عنه، والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضي مع ابتلائي إياهم بما ابتليتهم به القائلين إذا أصابتهم مصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون. فأمره الله تعالى ذكره بأن يخص بالبشارة على ما يمتحنهم به من الشدائد أهل الصبر الذين وصف الله صفتهم. وأصل التبشير: إخبار الرجل الرجل الخبر يسره أو يسوءه لم يسبقه به إليه غيره 02P706
[البقرة: 156] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 156] يعني تعالى ذكره: وبشر يا محمد الصابرين، الذين يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة فمني، فيقرون بعبوديتي، ويوحدونني بالربوبية، ويصدقون بالمعاد والرجوع إلي فيستسلمون لقضائي، ويرجون ثوابي ويخافون عقابي، ويقولون عند امتحاني إياهم ببعض محني، وابتلائي إياهم بما وعدتهم أن أبتليهم به من الخوف، والجوع ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات، وغير ذلك من المصائب التي أنا ممتحنهم بها: إنا مماليك ربنا ومعبودنا أحياء ونحن عبيده، وإنا إليه بعد مماتنا صائرون؛ تسليما لقضائي ورضا بأحكامي 02P706 [البقرة: 157] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة: 157] يعني تعالى ذكره بقوله: {أولئك} [البقرة: 5] هؤلاء الصابرون الذين وصفهم ونعتهم عليهم، يعني لهم صلوات يعني مغفرة. وصلوات الله على عباده: 02P707 غفرانه لعباده، كالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» يعني اغفر لهم. وقد بينا الصلاة وما أصلها في غير هذا الموضع وقوله: {ورحمة} [البقرة: 157] يعني ولهم مع المغفرة التي بها صفح عن ذنوبهم وتغمدها رحمة من الله ورأفة، ثم أخبر تعالى ذكره مع الذي ذكر أنه معطيهم على اصطبارهم على محنه تسليما منهم لقضائه من المغفرة والرحمة أنهم هم المهتدون المصيبون طريق الحق والقائلون ما يرضى عنهم والفاعلون ما استوجبوا به من الله الجزيل من الثواب. وقد بينا معنى الاهتداء فيما مضى فإنه بمعنى الرشد بالصواب. وبمعنى ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم 02P708 المهتدون } [البقرة: 157] " قال: أخبر الله أن المؤمن إذا سلم الأمر إلى الله ورجع واسترجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} [البقرة: 157] يقول «الصلوات والرحمة على الذين صبروا، واسترجعوا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان العصفري، عن سعيد بن جبير، قال " ما أعطي أحد ما أعطيت هذه الأمة: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} [البقرة: 157] ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب عليه السلام، ألم تسمع إلى قوله: {يا أسفى على يوسف} [يوسف: 84] 02P708
[البقرة: 158] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم} [البقرة: 158] والصفا: جمع صفاة، وهي الصخرة الملساء، ومنه قول الطرماح: [+البحر الوافر] أبى لي ذو القوى والطول ألا يؤبس حافر أبدا صفاتي وقد قالوا إن الصفا واحد، وأنه يثنى صفوان، ويجمع أصفاء، وصفيا، وصفيا؛ واستشهدوا على ذلك بقول الراجز: [+البحر الرجز] كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفي وقالوا: هو نظير عصا وعصي ورحا ورحي وأرحاء. وأما المروة فإنها الحصاة الصغيرة يجمع قليلها مروات، وكثيرها المرو مثل تمرة وتمرات وتمر. قال الأعشى ميمون بن قيس: [+البحر الرمل] وترى بالأرض خفا زائلا فإذا ما صادف المرو رضح يعني بالمرو: الصخر الصغار ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي: [+البحر الكامل] حتى كأني للحوادث مروة بصفا المشرق كل يوم تقرع ويقال «المشقر» . وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله: {إن الصفا والمروة} [البقرة: 158] في هذا الموضع: الجبلين المسميين بهذين الاسمين اللذين في حرمه دون سائر الصفا والمرو؛ ولذلك أدخل فيهما الألف واللام، ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين دون سائر الأصفاء والمرو وأما قوله: {من شعائر الله} [البقرة: 158] فإنه يعني من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلما ومشعرا يعبدونه عندها، إما بالدعاء، وإما بالذكر وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها؛ ومنه قول الكميت: [+البحر الطويل] نقتلهم جيلا فجيلا تراهم شعائر قربان بهم يتقرب وكان مجاهد يقول في الشعائر بما حدثني به، محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] قال: من الخبر الذي أخبركم عنه " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله فكأن مجاهدا كان يرى أن الشعائر إنما هو جمع شعيرة من إشعار الله عباده أمر الصفا، والمروة وما عليهم في الطواف بهما، فمعناه إعلامهم ذلك؛ وذلك تأويل من المفهوم بعيد. وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها لهم، وأمر بها خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم، إذ سأله أن يريه مناسك الحج. وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر، فإنه مراد به الأمر؛ لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام فقال له: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} [النحل: 123] وجعل تعالى ذكره إبراهيم إماما لمن بعده. فإذا كان صحيحا أن الطواف والسعي بين الصفا، والمروة من شعائر الله ومن مناسك الحج، فمعلوم أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد عمل به وسنه لمن بعده، وقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أمته باتباعه فعليهم العمل بذلك على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم 02P711
[البقرة: 158] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن حج البيت أو اعتمر} [البقرة: 158] يعني تعالى ذكره: {فمن حج البيت} [البقرة: 158] فمن أتاه عائدا إليه بعد بدء، وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج إليه؛ ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] وأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون بيت الزبرقان المزعفرا يعني بقوله يحجون: يكثرون التردد إليه لسؤدده ورياسته. وإنما قيل للحاج حاج؛ لأنه يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه لطواف يوم النحر بعد التعريف، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصدر، فلتكراره العود إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج. وأما المعتمر فإنما قيل له معتمر لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه. وإنما يعني تعالى ذكره بقوله: {أو اعتمر} [البقرة: 158] أو اعتمر البيت، ويعني بالاعتمار الزيارة، فكل قاصد لشيء فهو له معتمر ومنه قول العجاج: [+البحر الرجز] لقد سما ابن معمر حين اعتمر مغزى بعيدا من بعيد وضبر يعني بقوله «حين اعتمر» : حين قصده وأمه 02P712
[البقرة: 158] القول في تأويل قوله تعالى: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] يعني تعالى ذكره بقوله: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] يقول: فلا حرج عليه ولا مأثم في طوافه بهما فإن قال قائل: وما وجه هذا الكلام، وقد قلت لنا: إن قوله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] وإن كان ظاهره ظاهر الخبر فإنه في معنى الأمر بالطواف بهما؟ فكيف يكون أمرا بالطواف، ثم يقال: لا جناح على من حج البيت أو اعتمر في الطواف بهما؟ وإنما يوضع الجناح عمن أتى ما عليه بإتيانه الجناح والحرج، والأمر بالطواف بهما، والترخيص في الطواف بهما غير جائز اجتماعهما في حال واحدة؟ قيل: إن ذلك بخلاف ما إليه ذهب، وإنما معنى ذلك عند أقوام أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر عمرة القضية تخوف أقوام كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيما منهم لهما فقالوا: وكيف نطوف بهما وقد علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كان يعبد من ذلك من دون الله شرك؟ ففي طوافنا بهذين الحجرين أحد ذلك؛ لأن الطواف بهما في الجاهلية إنما كان للصنمين اللذين كانا عليهما، وقد جاء الله بالإسلام اليوم ولا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله بمعنى العبادة له. فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك من أمرهم: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] يعني أن الطواف بهما، فترك ذكر الطواف بهما اكتفاء بذكرهما عنه. وإذ كان معلوما عند المخاطبين به أن معناه: من معالم الله التي جعلها علما لعباده يعبدونه عندهما بالطواف بينهما ويذكرونه عليهما وعندهما بما هو له أهل من الذكر، فمن حج البيت أو اعتمر فلا يتخوفن الطواف بهما من أجل ما كان أهل الجاهلية يطوفون بهما من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما، فإن أهل الشرك كانوا يطوفون بهما كفرا، وأنتم تطوفون بهما إيمانا وتصديقا لرسولي وطاعة لأمري، فلا جناح عليكم في الطواف بهما. والجناح: الإثم كما حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن 02P714 السدي، {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] يقول: ليس عليه إثم ولكن له أجر " وبمثل الذي قلنا في ذلك تظاهرت الرواية عن السلف من الصحابة والتابعين ذكر الأخبار التي رويت بذلك حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا داود، عن الشعبي " أن وثنا كان، في الجاهلية على الصفا يسمى إسافا، ووثنا على المروة يسمى نائلة؛ فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين؛ فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان، قال المسلمون: إن الصفا، والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر. قال: فأنزل الله: إنهما من الشعائر {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: كان صنم بالصفا يدعى إسافا، ووثن بالمروة يدعى نائلة. ثم ذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب، وزاد فيه قال: فذكر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه، وأنث المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثا حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي وذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب، عن يزيد، وزاد فيه: قال: فجعله الله تطوع خير حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرني عاصم الأحول، قال: 02P715 قلت لأنس بن مالك، «أكنتم تكرهون الطواف بين الصفا، والمروة حتى نزلت هذه الآية؟
فقال» نعم كنا نكره الطواف بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] " حدثني علي بن سهل الرملي، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، قال: سألت أنسا " عن الصفا والمروة، فقال: " كانتا من مشاعر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكوا عنهما، فنزلت: {إن الصفا والمروة من شعائر} [البقرة: 158] الله " حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبو الحسين المعلم، قال: ثنا سنان أبو معاوية، عن جابر الجعفي، عن عمرو بن حبشي، قال: قلت لابن عمر، {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] قال: انطلق إلى ابن عباس، فاسأله، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فأتيته فسألته، فقال: " إنه كان عندهما أصنام، فلما حرمن أمسكوا عن الطواف بينهما حتى أنزلت: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله " {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] وذلك أن ناسا كانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فأخبر الله أنهما من شعائره، والطواف بينهما أحب إليه، فمضت السنة بالطواف بينهما " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] قال: زعم أبو مالك، عن ابن عباس، " أنه كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا، والمروة، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام وظهر قال المسلمون: يا رسول الله لا نطوف بين الصفا، والمروة؛ فإنه شرك كنا نفعله في الجاهلية فأنزل الله: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] قال " قالت الأنصار: إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. فأنزل الله تعالى ذكره: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] " 02P717 حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] قال " كان أهل الجاهلية قد وضعوا على كل واحد منهما صنما يعظمونهما؛ فلما أسلم المسلمون كرهوا الطواف بالصفا والمروة لمكان الصنمين، فقال الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر} [البقرة: 158] الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما وقرأ: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عاصم، قال: قلت لأنس «الصفا، والمروة أكنتم تكرهون أن تطوفوا بهما مع الأصنام التي نهيتم عنها؟ قال» نعم حتى نزلت: {إن الصفا والمروة من شعائر} [البقرة: 158] الله " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، قال: أخبرنا عاصم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول «إن الصفا، والمروة من مشاعر قريش في الجاهلية، فلما كان الإسلام تركناهما» وقال آخرون: بل أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية في سبب قوم كانوا في الجاهلية لا يسعون بينهما فلما جاء الإسلام تخوفوا السعي بينهما كما 02P718 كانوا يتخوفونه في الجاهلية.
ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الصفا والمروة، من شعائر الله} [البقرة: 158] الآية، فكان حي من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما، فأخبرهم الله أن الصفا، والمروة من شعائر الله، وكان من سنة إبراهيم، وإسماعيل الطواف بينهما " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال " كان ناس من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا، والمروة، فأنزل الله: {إن الصفا والمروة من شعائر} [البقرة: 158] الله " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير، قال: سألت عائشة، فقلت لها: أرأيت قول الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] وقلت لعائشة: والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة فقالت عائشة، " بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت كما أولتها كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون بالمشلل وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا، والمروة، فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا: يا رسول الله إذا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا، والمروة؛ 02P719 أنزل الله تعالى ذكره: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] قالت عائشة، ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت " كان رجال من الأنصار ممن يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم بين مكة، والمدينة، قالوا: يا نبي الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا، والمروة تعظيما لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى ذكره: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] " قال عروة: فقلت لعائشة: ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة، قال الله: {فلا جناح عليه} [البقرة: 158] قالت: يا ابن أختي ألا ترى أنه يقول: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] ؟ قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال: هذا العلم قال أبو بكر: ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: لما أنزل الله الطواف بالبيت ولم ينزل الطواف بين الصفا، والمروة، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة، وإن الله قد ذكر الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بين الصفا، والمروة فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى ذكره: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] الآية كلها. قال أبو بكر: فأسمع أن هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما فيمن طاف وفيمن لم يطف " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال " كان ناس من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا، والمروة، فأنزل الله: {إن الصفا، والمروة من شعائر} [البقرة: 158] الله " والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره قد جعل الطواف بين الصفا، والمروة من شعائر الله، كما جعل الطواف بالبيت من شعائره. فأما قوله: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] فجائز أن يكون قيل لكلا الفريقين اللذين تخوف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما الشعبي، وبعضهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما في الجاهلية على ما روي عن عائشة.
وأي الأمرين كان من ذلك فليس في قول الله تعالى ذكره: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] الآية، دلالة على أنه عنى به وضع الحرج عمن طاف بهما، من أجل أن الطواف بهما كان غير جائز بحظر الله ذلك ثم جعل الطواف بهما رخصة لإجماع الجميع، على أن الله تعالى ذكره لم يحظر ذلك في وقت، ثم رخص فيه بقوله: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] وإنما الاختلاف في ذلك بين أهل العلم على أوجه؛ فرأى بعضهم أن تارك الطواف بينهما تارك من مناسك حجه ما لا يجزيه منه غير قضائه بعينه، كما لا 02P721 يجزي تارك الطواف الذي هو طواف الإفاضة إلا قضاؤه بعينه، وقالوا: هما طوافان أمر الله بأحدهما بالبيت، والآخر بين الصفا، والمروة ورأى بعضهم أن تارك الطواف بهما يجزيه من تركه فدية، ورأوا أن حكم الطواف بهما حكم رمي بعض الجمرات، والوقوف بالمشعر، وطواف الصدر، وما أشبه ذلك مما يجزي تاركه من تركه فدية، ولا يلزمه العود لقضائه بعينه. ورأى آخرون أن الطواف بهما تطوع، إن فعله صاحبه كان محسنا، وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء. والله تعالى أعلم. ذكر من قال: إن السعي بين الصفا، والمروة واجب ولا يجزي منه فدية، ومن تركه فعليه العودة حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت " لعمري ما حج من لم يسع بين الصفا والمروة؛ لأن الله قال: {إن الصفا، والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال مالك بن أنس، «من نسي السعي بين الصفا، والمروة حتى يستبعد من مكة فليرجع فليسع، وإن كان قد أصاب النساء فعليه العمرة والهدي» وكان الشافعي، يقول «على من ترك السعي بين الصفا، والمروة حتى رجع إلى بلده العود إلى مكة حتى يطوف بينهما لا يجزيه غير ذلك» حدثنا بذلك عنه الربيع ذكر من قال: يجزي منه دم وليس عليه عود لقضائه قال الثوري بما حدثني به، علي بن سهل، عن زيد بن أبي الزرقاء، عنه. وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: «إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن، وإن لم يعد فعليه دم» - ذكر من قال: الطواف بينهما تطوع ولا شيء على من تركه، ومن كان يقرأ: «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال عطاء، " لو أن حاجا أفاض بعدما رمى جمرة العقبة فطاف بالبيت ولم يسع فأصابها يعني امرأته لم يكن عليه شيء، لا حج، ولا عمرة من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود: «فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما» فعاودته بعد ذلك " فقلت: إنه قد ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ألا تسمعه يقول: فمن تطوع خيرا فأبى أن يجعل عليه شيئا؟
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس " أنه كان يقرأ: {إن الصفا، والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] الآية «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما» حدثني علي بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، قال سمعت أنسا، يقول «الطواف بينهما تطوع» حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أخبرنا عاصم الأحول، قال: قال أنس بن مالك: «هما تطوع» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {إن الصفا، والمروة من شعائر الله فمن حج البيت، أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] قال: فلم يحرج من لم يطف بهما " حدثنا المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أحمد، عن عيسى بن قيس، عن عطاء، عن عبد الله بن الزبير، قال «هما تطوع» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عاصم، قال: قلت لأنس بن مالك، " السعي بين الصفا، والمروة تطوع؟ قال: تطوع " والصواب من القول في ذلك عندنا أن الطواف بهما فرض واجب، وأن على من تركه العود لقضائه ناسيا كان أو عامدا؛ لأنه لا يجزيه غير ذلك، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حج بالناس فكان مما علمهم من مناسك حجهم الطواف بهما. ذكر الرواية عنه بذلك حدثني يوسف بن سلمان، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال " لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفا في حجه، قال: {إن الصفا، والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] ابدءوا بما بدأ الله بذكره «فبدأ بالصفا فرقي عليه» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمود بن ميمون أبو الحسن، عن أبي بكر بن عياش، عن ابن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] ، فأتى الصفا فبدأ بها، فقام عليها ثم أتى المروة فقام عليها وطاف وسعى « 02P725 فإذا كان صحيحا بإجماع الجميع من الأمة أن الطواف بهما على تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في مناسكهم وعمله في حجه وعمرته، وكان بيانه صلى الله عليه وسلم لأمته جمل ما نص الله في كتابه، وفرضه في تنزيله، وأمر به مما لم يدرك علمه إلا ببيانه لازما العمل به أمته كما قد بينا في كتابنا» كتاب البيان عن أصول الأحكام " إذا اختلفت الأمة في وجوبه، ثم كان مختلفا في الطواف بينهما هل هو واجب أو غير واجب؟ كان بينا وجوب فرضه على من حج أو اعتمر لما وصفنا، وكذلك وجوب العود لقضاء الطواف بين الصفا، والمروة، لما كان مختلفا فيما على من تركه مع إجماع جميعهم، على أن ذلك مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه أمته في حجهم وعمرتهم إذ علمهم مناسك حجهم، كما طاف بالبيت وعلمه أمته في حجهم وعمرتهم، إذ علمهم مناسك حجهم، وعمرتهم، وأجمع الجميع على أن الطواف بالبيت لا تجزي منه فدية، ولا بدل، ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه؛ كان نظيرا له الطواف بالصفا والمروة، ولا تجزي منه فدية ولا جزاء، ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه، إذ كانا كلاهما طوافين: أحدهما بالبيت والآخر بالصفا، والمروة. ومن فرق بين حكمهما عكس عليه القول فيه، ثم سئل البرهان على التفرقة بينهما، فإن اعتل بقراءة من قرأ: «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما» قيل: ذلك خلاف ما في مصاحف المسلمين غير جائز لأحد أن يزيد في مصاحفهم 02P726 ما ليس فيها. وسواء قرأ ذلك كذلك قارئ، أو قرأ قارئ: {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] فلا جناح عليهم أن لا يطوفوا به.
فإن جاءت إحدى الزيادتين اللتين ليستا في المصحف كانت الأخرى نظيرتها، وإلا كان مجيز إحداهما إذا منع الأخرى متحكما، والتحكم لا يعجز عنه أحد. وقد روي إنكار هذه القراءة، وأن يكون التنزيل بها عن عائشة حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال قلت لعائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حديث السن: " أرأيت قول الله عز وجل: {إن الصفا والمروة من شعائر} [البقرة: 158] الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما فما نرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة، «كلا لو كانت كما تقول كانت، فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما» ، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا، والمروة؛ فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] " وقد يحتمل قراءة من قرأ: {فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما} أن تكون «لا» التي مع «أن» صلة في الكلام، 02P727 إذ كان قد تقدمها جحد في الكلام قبلها، وهو قوله: {فلا جناح عليه} [البقرة: 158] فيكون نظير قول الله تعالى ذكره: {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] بمعنى ما منعك أن تسجد؟ وكما قال الشاعر: [+البحر البسيط] ما كان يرضى رسول الله فعلهما والطيبان أبو بكر ولا عمر ولو كان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه لمحتج حجة مع احتمال الكلام ما وصفنا لما بينا أن ذلك مما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في مناسكهم على ما ذكرنا، ولدلالة القياس على صحته، فكيف وهو خلاف رسوم مصاحف المسلمين، ومما لو قرأه اليوم قارئ كان مستحقا العقوبة لزيادته في كتاب الله عز وجل ما ليس منه؟ 02P726
[البقرة: 158] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم} [البقرة: 158] اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة " {ومن تطوع خيرا} [البقرة: 158] " على لفظ المضي بالتاء وفتح العين. وقرأته عامة قراء الكوفيين: (ومن يطوع خيرا) بالياء وجزم العين وتشديد الطاء، بمعنى: ومن يتطوع. وذكر أنها في قراءة عبد الله: «ومن يتطوع» . فقرأ ذلك قراء أهل الكوفة على ما وصفنا اعتبارا بالذي ذكرنا من قراءة عبد الله سوى عاصم فإنه وافق المدنيين، فشددوا الطاء طلبا لإدغام التاء في الطاء. وكلتا القراءتين معروفة صحيحة متفق معنياهما غير مختلفين؛ لأن الماضي من الفعل مع حروف الجزاء بمعنى المستقبل، فبأي القراءتين قرأ ذلك قارئ فمصيب. ومعنى ذلك: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه، فإن الله شاكر له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاء وجهه فمجازيه به، عليم بما قصد وأراد بتطوعه بما تطوع به وإنما قلنا: إن الصواب في معنى قوله: {فمن تطوع خيرا} [البقرة: 184] هو ما وصفنا دون قول من زعم أنه معني به: فمن تطوع بالسعي والطواف بين الصفا، والمروة؛ لأن الساعي بينهما لا يكون متطوعا بالسعي بينهما إلا في حج تطوع أو عمرة تطوع لما وصفنا قبل؛ وإذ كان ذلك كذلك كان معلوما أنه إنما عنى بالتطوع بذلك التطوع بما يعمل ذلك فيه من حج أو عمرة. وأما الذين زعموا أن الطواف بهما تطوع لا واجب، فإن الصواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم: فمن تطوع بالطواف بهما فإن الله شاكر؛ لأن للحاج والمعتمر على قولهم الطواف بهما إن شاء وترك الطواف، فيكون معنى الكلام على تأويلهم: فمن تطوع بالطواف بالصفا، والمروة، فإن الله شاكر تطوعه ذلك عليم بما أراد ونوى الطائف بهما كذلك كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر " عليم} [البقرة: 158] قال «من تطوع خيرا فهو خير له، تطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت من السنن» 02P729 وقال آخرون: معنى ذلك: ومن تطوع خيرا فاعتمر ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم} [البقرة: 158] " من تطوع خيرا فاعتمر فإن الله شاكر عليم؛ قال: فالحج فريضة، والعمرة تطوع، ليست العمرة واجبة على أحد من الناس " 02P729
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?