Taberî — Câmiü'l-Beyân
» قالت: نعم. وهي ممن جاء من مكة وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أمر الله عز وجل في هذه الآية المؤمنين أن يعطوا من فرت زوجته من المؤمنين إلى أهل الكفر إذا هم كانت لهم على أهل الكفر عقبى، إما بغنيمة يصيبونها منهم، أو بلحاق نساء بعضهم بهم، مثل الذي أنفقوا على الفارة منهم إليهم، ولم يخصص إيتاءهم ذلك من مال دون مال، فعليهم أن يعطوهم ذلك من كل الأموال التي ذكرناها. وقوله: {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} [المائدة: 88] يقول: وخافوا الله الذي أنتم به مصدقون أيها المؤمنون فاتقوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. 22P594
[الممتحنة: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم} [الممتحنة: 12] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات بالله يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن يقول: ولا يأتين بكذب يكذبنه في مولود يوجد بين أيديهن وأرجلهن. وإنما معنى الكلام: ولا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} [الممتحنة: 12] يقول: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم وقوله: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] يقول: ولا يعصينك يا محمد في معروف من أمر الله عز وجل تأمرهن به. وذكر أن ذلك المعروف الذي شرط عليهن 22P595 أن لا يعصين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه هو النياحة. ذكر من قال ذلك حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] يقول: لا ينحن حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] قال: النوح. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سالم، مثله حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا موسى بن عمير، عن أبي صالح، في قوله: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] قال: في نياحة حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] قال: النوح قال ثنا مهران، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] قال: لا يخدشن وجها، ولا يشققن جيبا، ولا يدعون ويلا، ولا ينشدن شعرا حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كانت محنة النساء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: قل لهن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا، وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة رحمة الله عليه متنكرة في النساء، فقالت: إني إن أتكلم يعرفني، وإن عرفني قتلني، وإنما تنكرت فرقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت النسوة اللاتي مع هند، وأبين أن يتكلمن؛ قالت هند وهي متنكرة: كيف يقبل من النساء شيئا لم يقبله من الرجال؟ فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لعمر: «قل لهن ولا يسرقن» . قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنات وما أدري أيحلهن لي أم لا. قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى، أو قد بقي، فهو لك حلال. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها، فدعاها فأتته، فأخذت بيده، فعاذت به، فقال: «أنت هند» . فقالت: عفا الله عما سلف. فصرف عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ولا يزنين» . فقالت: يا رسول الله، وهل تزني الحرة قال: «لا والله ما تزني الحرة» . قال: «ولا يقتلن أولادهن» . قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم أبصر. قال: «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف» .
قال: منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه، ويقطعن الشعور، ويدعون بالثبور والويل حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} [الممتحنة: 12] حتى بلغ {فبايعهن} [الممتحنة: 12] ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ عليهن يومئذ النياحة: «ولا تحدثن الرجال، إلا رجلا منكن محرما» . فقال عبد الرحمن 22P597 بن عوف: يا نبي الله إن لنا أضيافا، وإنا نغيب عن نسائنا. قال: فقال رسول الله: «ليس أولئك عنيت» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] قال: هو النوح، أخذ عليهن لا ينحن، ولا يخلون بحديث الرجال إلا مع ذي محرم. قال: فقال عبد الرحمن بن عوف: إنا نغيب ويكون لنا أضياف؛ قال: «ليس أولئك عنيت» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: أخبرنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة، في قوله: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] قال: لا يحدثن رجلا حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن عياش، عن سليمان بن سليمان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاءت أميمة بنت رقيقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإسلام فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة، قالت: جاءت نسوة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعنه، فقال: «فيما استطعتن وأطقتن» . فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن الليث قال: ثنا خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن ابن المنكدر أن أميمة أخبرته أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة، فقلن: يا رسول الله ابسط يدك نصافحك، فقال: «إني لا أصافح النساء، ولكني سآخذ عليكم» . فأخذ علينا حتى بلغ: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] فقال: «فيما أطقتن واستطعتن» . فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عمرو، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أم عطية الأنصارية، قالت: كان فيما اشترط علينا من المعروف حين بايعنا أن لا ننوح، فقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني، فلا حتى أجزيهم، فانطلقت فأسعدتهم، ثم جاءت فبايعت. قال: فما وفى منهن غيرها وغير أم سليم ابنة ملحان أم أنس بن مالك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عمرو بن فروخ القتات، 22P599 قال: ثنا مصعب بن نوح الأنصاري، قال: أدركت عجوزا لنا كانت فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فأتيته لأبايعه، فأخذ علينا فيما أخذ ولا تنحن، فقالت عجوز: يا نبي الله إن ناسا قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، فأنا أريد أن أسعدهم؛ قال: «فانطلقي فكافئيهم» ثم إنها أتت فبايعته، قال: هو المعروف الذي قال الله: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن يزيد، مولى الصهباء، عن شهر بن حوشب، عن Lأم Lأم سلمة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قوله: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] قال: «النوح» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة التيمية، قالت: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من المسلمين، فقلنا له: جئناك يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فيما استطعتن وأطقتن» فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا. فقلنا: بايعنا يا رسول الله. فقال: «اذهبن فقد بايعتكن، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» . وما صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم منا أحدا. 22P600 حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن عيسى بن عبد الله التيمي، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة خالة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعتها تقول: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ علينا أن لا نشرك بالله شيئا. فذكر مثل حديث محمد بن إسحاق حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة، قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء نبايعه، قالت: فأخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم بما في القرآن {أن لا يشركن بالله شيئا} [الممتحنة: 12] الآية، ثم قال: «فيما استطعتن وأطقتن» . فقلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا؟ فقال: «إني لا أصافح النساء، ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة» . حدثنا ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه حدثت، عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] والمعروف: ما اشترط عليهن في البيعة أن يتبعن أمره حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيه وخيرته من خلقه ثم لم 22P601 يستحل له أمور أمر إلا بشرط؛ لم يقل: ولا يعصينك ويترك حتى قال: في معروف: فكيف ينبغي لأحد أن يطاع في غير معروف وقد اشترط الله هذا على نبيه، قال: فالمعروف كل معروف أمرهن به في الأمور كلها وينبغي لهن أن لا يعصين حدثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا إسحاق بن إدريس، ثنا إسحاق بن عثمان بن يعقوب، قال: ثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية، قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، جمع بين نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم علينا، فرددن، أو فرددنا عليه، ثم قال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن. قالت: فقلنا: مرحبا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبرسول رسول الله، فقال: تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئا، ولا تسرقن، ولا تزنين، قالت: قلنا نعم؛ قال: فمد يده من خارج الباب أو البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: اللهم اشهد. قالت: وأمرنا في العيدين أن نخرج فيه الحيض والعواتق، ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنازة. قال إسماعيل: فسألت جدتي عن قول الله {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] قالت: النياحة حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير، في قول الله: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] قال: لا يخلوا الرجل بامرأة وقوله: {فبايعهن} [الممتحنة: 12] يقول جل ثناؤه: إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على 22P602 هذه الشروط فبايعهن {واستغفر لهن الله} [الممتحنة: 12] يقول: سل لهن الله أن يصفح عن ذنوبهن، ويسترها عليهن بعفوه لهن عنها {إن الله غفور رحيم} [البقرة: 173] يقول: إن الله ذو ستر على ذنوب من تاب إليه من ذنوبه أن يعذبه عليها بعد توبته منها. 22P601
[الممتحنة: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور} [الممتحنة : 13] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم من اليهود. {قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور} [الممتحنة: 13] . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور} [الممتحنة: 13] فقال بعضهم: معنى ذلك: قد يئس هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم من اليهود من ثواب الله في الآخرة، وأن يبعثوا، كما يئس الكفار الأحياء من أمواتهم الذين هم في القبور أن يرجعوا إليهم. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم} [الممتحنة: 13] الآية، يعني من مات من الذين كفروا، فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم، أو يبعثهم الله حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن 22P603 زاذان، عن الحسن، أنه قال في هذه الآية: {قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور} [الممتحنة: 13] قال: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {قد يئسوا من الآخرة} [الممتحنة: 13] يقول: يئسوا أن يبعثوا كما يئس الكفار أن ترجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة} [الممتحنة: 13] الآية، الكافر لا يرجو لقاء ميته ولا أجره حدثت، عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور} [الممتحنة: 13] يقول: من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء منهم أن يرجعوا إليهم، أو يبعثهم الله وقال آخرون: بل معنى ذلك: قد يئسوا من الآخرة أن يرحمهم الله فيها، ويغفر لهم، كما يئس الكفار الذي هم أصحاب قبور قد ماتوا وصاروا إلى القبور من رحمة الله وعفوه عنهم في الآخرة، لأنهم قد أيقنوا بعذاب الله لهم ذكر من قال ذلك حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في هذه الآية: {قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور} [الممتحنة: 13] قال: أصحاب القبور الذين في القبور قد يئسوا من الآخرة حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور} [الممتحنة: 13] قال: من ثواب الآخرة حين تبين لهم عملهم، وعاينوا النار حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، أنه قال في هذه الآية: {قد يئسوا من الآخرة} [الممتحنة: 13] الآية، قال: أصحاب القبور قد يئسوا من الآخرة حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الكلبي: قد يئسوا من الآخرة، يعني اليهود والنصارى، يقول: قد يئسوا من ثواب الآخرة وكرامتها، كما يئس الكفار الذي قد ماتوا فهم في القبور من الجنة حين رأوا مقعدهم من النار حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {لا تتولوا قوما} [الممتحنة: 13] الآية، قال: قد يئس هؤلاء الكفار من أن تكون لهم آخرة، كما يئس الكفار الذين ماتوا الذين في القبور من أن تكون لهم آخرة، لما عاينوا من أمر 22P605 الآخرة، فكما يئس أولئك الكفار، كذلك يئس هؤلاء الكفار.
قال: والقوم الذين غضب الله عليهم، يهودهم الذين يئسوا من أن تكون لهم آخرة، كما يئس الكفار قبلهم من أصحاب القبور، لأنهم قد علموا كتاب الله وأقاموا على الكفر به، وما صنعوا وقد علموا حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، في قوله: {يئسوا من الآخرة} [الممتحنة: 13] الآية ، قال: قد يئسوا أن يكون لهم ثواب الآخرة، كما يئس من في القبور من الكفار من الخير، حين عاينوا العذاب والهوان وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: قد يئس هؤلاء الذين غضب الله عليهم من اليهود من ثواب الله لهم في الآخرة، وكرامته لكفرهم وتكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم على علم منهم بأنه لله نبي، كما يئس الكفار منهم الذين مضوا قبلهم فهلكوا، فصاروا أصحاب القبور، وهم على مثل الذي هؤلاء عليه من تكذيبهم عيسى صلوات الله عليه وغيره من الرسل، من ثواب الله وكرامته إياهم. وإنما قلنا: ذلك أولى القولين بتأويل الآية، لأن الأموات قد يئسوا من رجوعهم إلى الدنيا، أو أن يبعثوا قبل قيام الساعة المؤمنون والكفار، فلا وجه لأن يخص بذلك الخبر عن الكفار، وقد شركهم في الإياس من ذلك المؤمنون
[061] سورة الصف مدنية وآياتها أربع عشرة بسم الله الرحمن الرحيم 22P606
[الصف: 1_2_3] القول في تأويل قوله تعالى: {سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 1_2_3] يقول جل ثناؤه: {سبح لله ما في السموات} السبع {وما في الأرض} [البقرة: 255] من الخلق، مذعنين له بالألوهة والربوبية {وهو العزيز} [إبراهيم: 4] في نقمته ممن عصاه منهم فكفر به، وخالف أمره {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره إياهم. وقوله: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، لم تقولون القول الذي لا تصدقونه بالعمل، فأعمالكم مخالفة أقوالكم {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3] يقول: عظم مقتا عند ربكم قولكم ما لا تفعلون. واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية، فقال بعضهم: أنزلت توبيخا من الله لقوم من المؤمنين، تمنوا معرفة أفضل الأعمال. فعرفهم الله إياه، فلما عرفوا قصروا، فعوتبوا بهذه الآية. ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه 22P607 فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إليه إيمان بالله لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به؛ فلما نزل الجهاد، كره ذلك أناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فقال الله: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3] قال: كان قوم يقولون: والله لو أنا نعلم ما أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا} [الصف: 2] إلى قوله: {بنيان مرصوص} [الصف: 4] فدلهم على أحب الأعمال إليه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن محمد بن جحادة، عن أبي صالح، قال: قالوا: لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله وأفضل.
فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} [الصف: 10] فكرهوا، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله {لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] إلى قوله: {مرصوص} [الصف: 4] فيما بين 22P608 ذلك في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة، قالوا في مجلس: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا بها حتى نموت، فأنزل الله هذا فيهم، فقال عبد الله بن رواحة: لا أزال حبيسا في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيدا وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في توبيخ قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أحدهم يفتخر بالفعل من أفعال الخير التي لم يفعلها، فيقول فعلت كذا وكذا، فعذلهم الله على افتخارهم بما لم يفعلوا كذبا ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] قال: بلغني أنها كانت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت، ولم يكن فعل، فوعظهم الله في ذلك أشد الموعظة حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] يؤذنهم ويعلمهم كما تسمعون {كبر مقتا عند الله} [غافر: 35] وكانت رجال تخبر في القتال بشيء لم يفعلوه ولم يبلغوه، فوعظهم الله في ذلك موعظة بليغة، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] إلى قوله: {كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4] حدثت، عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: 22P609 سمعت الضحاك، يقول في قوله: {لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] أنزل الله هذا في الرجل يقول في القتال ما لم يفعله من الضرب والطعن والقتل؛ قال الله: {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3] وقال آخرون: بل هذا توبيخ من الله لقوم من المنافقين، كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون ذكر من قال ذلك حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3] يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: لو خرجتم خرجنا معكم، وكنا في نصركم، وفي، وفي، فأخبرهم أنه {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3] وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بها الذين قالوا: لو عرفنا أحب الأعمال إلى الله لعملنا به، ثم قصروا في العمل بعدما عرفوا. وإنما قلنا: هذا القول أولى بها، لأن الله جل ثناؤه خاطب بها المؤمنين، فقال: يا أيها الذين آمنوا؛ ولو كانت نزلت في المنافقين لم يسموا، ولم يوصفوا بالإيمان، ولو كانوا وصفوا أنفسهم بفعل ما لم يكونوا فعلوه، كانوا قد تعمدوا قيل الكذب، ولم يكن ذلك صفة القوم، ولكنهم عندي أملوا بقولهم: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله عملناه أنهم لو علموا بذلك عملوه؛ فلما علموا ضعفت قوى قوم منهم، عن القيام بما أملوا القيام به قبل العلم، وقوي آخرون فقاموا به، وكان لهم الفضل والشرف. واختلفت أهل العربية في معنى ذلك، وفي وجه نصب قوله: {كبر مقتا} [غافر: 35] فقال بعض نحوي البصرة: قال: {كبر مقتا عند الله} [غافر: 35] أي: كبر مقتكم مقتا. ثم قال: {أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3] أذى قولكم.
وقال بعض نحوي الكوفة: قوله: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] كان المسلمون يقولون: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لأتيناه، ولو ذهبت فيه أنفسنا وأموالنا؛ فلما كان يوم أحد، نزلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى شج، وكسرت رباعيته، فقال: {لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] ثم قال: {كبر مقتا عند الله} [غافر: 35] كبر ذلك مقتا. أي: فأن في موضع رفع، لأن كبر كقوله: بئس رجلا أخوك وقوله: {كبر مقتا عند الله} [غافر: 35] وعند الذين آمنوا، أضمر في كبر اسم يكون مرفوعا. والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله {مقتا} [فاطر: 39] منصوب على التفسير، كقول القائل: كبر قولا هذا القول. 22P610
[الصف: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4] يقول تعالى ذكره للقائلين: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه حتى نموت: {إن الله} [البقرة: 20] أيها القوم {يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم} [الصف: 4] ، يعني في طريقه ودينه الذي دعا إليه {صفا} [الكهف: 48] يعني بذلك أنهم يقاتلون أعداء 22P611 الله مصطفين. وقوله: {كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4] يقول: يقاتلون في سبيل الله صفا مصطفا، كأنهم في اصطفافهم هنالك حيطان مبنية قد رص، فأحكم وأتقن، فلا يغادر منه شيئا. وكان بعضهم يقول: بني بالرصاص. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4] ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه، كذلك تبارك وتعالى لا يختلف أمره، وإن الله وصف المؤمنين في قتالهم وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4] قال: والذين صدقوا قولهم بأعمالهم هؤلاء؛ قال: وهؤلاء لم يصدقوا قولهم بالأعمال لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا عنه وتخلفوا وكان بعض أهل العلم يقول: إنما قال الله {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} [الصف: 4] ليدل على أن القتال راجلا أحب إليه من القتال فارسا، لأن الفرسان لا يصطفون، وإنما تصطف الرجالة ذكر من قال ذلك حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن يحيى بن جابر الطائي، عن أبي بحرية، قال: كانوا يكرهون القتال على الخيل، ويستحبون القتال على الأرض، لقول الله: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4] . قال: وكان أبو بحرية يقول: إذا رأيتموني التفت في الصف، فجئوا في لحيي 22P612 [الصف: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين} [الصف: 5] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد إذ قال موسى بن عمران لقومه: {يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون} [الصف: 5] حقا {أني رسول الله إليكم} [الصف: 5] . وقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف : 5] يقول: فلما عدلوا وجاروا عن قصد السبيل {أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] : يقول: أمال الله قلوبهم عنه. وقد: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام، قال: ثنا أبو غالب، عن أبي أمامة، في قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] قال: هم الخوارج {والله لا يهدي القوم الفاسقين} [المائدة: 108] يقول: والله لا يوفق لإصابة الحق القوم الذين اختاروا الكفر على الإيمان. 22P613
[الصف: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} [الصف: 6] يقول تعالى ذكره: واذكر أيضا يا محمد إذ قال عيسى ابن مريم لقومه من بني إسرائيل: {يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة} [الصف: 6] التي أنزلت على موسى {ومبشرا} [الأحزاب: 45] أبشركم {برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} [الصف: 6] . حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إني عند الله مكتوب لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، والرؤيا التي رأت أمي، وكذلك أمهات النبيين، يرين أنها رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام " {فلما جاءهم بالبينات} [الصف: 6] يقول: فلما جاءهم أحمد بالبينات، وهي الدلالات التي آتاه الله حججا على نبوته {قالوا هذا سحر مبين} [النمل: 13] يقول: ما أتى به 22P614 غير أنني ساحر. 22P613 [الصف: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين} [الصف: 7] يقول تعالى ذكره: ومن أشد ظلما وعدوانا ممن اختلق على الله الكذب، وهو قول قائلهم للنبي صلى الله عليه وسلم: هو ساحر ولما جاء به سحر، فكذلك افتراؤه على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام يقول: إذا دعي إلى الدخول في الإسلام، قال على الله الكذب، وافترى عليه الباطل {والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] يقول: والله لا يوفق القوم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به لإصابة الحق. 22P614 [الصف: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} [الصف: 8] يقول تعالى ذكره: يريد هؤلاء القائلون لمحمد صلى الله عليه وسلم: هذا ساحر مبين {ليطفئوا نور الله بأفواههم} يقول: يريدون ليبطلوا الحق الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم {بأفواههم} [آل عمران: 167] يعني بقولهم إنه ساحر، وما جاء به سحر {والله متم نوره} [الصف: 8] يقول: الله معلن الحق، ومظهر دينه، وناصر محمدا عليه الصلاة والسلام على من عاداه، فذلك إتمام نوره، وعني بالنور في هذا الموضع الإسلام. وكان ابن زيد يقول: عني به القرآن. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ليطفئوا نور الله بأفواههم} قال: نور القرآن 22P615 واختلفت القراء في قراءة قوله تعالى: {والله متم نوره} [الصف: 8] فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (متم نوره) بالنصب. وقرأه بعض قراء مكة وعامة قراء الكوفة: {متم} [آل عمران: 157] بغير تنوين {نوره} [الصف: 8] خفضا، وهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا وقوله: {ولو كره الكافرون} [التوبة: 32] يقول: والله مظهر دينه، ناصر رسوله، ولو كره الكافرون بالله. 22P615
[الصف: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [الصف: 9] يقول تعالى ذكره: الله الذي أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق، يعني ببيان الحق ودين الحق يعني: وبدين الله، وهو الإسلام. وقوله: {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] يقول: ليظهر دينه الحق الذي أرسل به رسوله على كل دين سواه، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم، وحين تصير الملة واحدة، فلا يكون دين غير الإسلام. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي المقدام ثابت بن هرمز، عن أبي هريرة، {ليظهره على الدين كله} [الصف: 9] قال: خروج عيسى ابن مريم وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في معنى قوله: {ليظهره على الدين كله} [الصف: 9] والصواب عندنا من القول في ذلك بعلله فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا 22P616 الموضع وقد: حدثني عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» . فقالت عائشة: والله يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} [الصف: 9] الآية، أن ذلك سيكون تاما، فقال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم» 22P616 [الصف: 10_11] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [الصف: 10_11] يقول تعالى ذكره: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} [الصف: 10] موجع، وذلك عذاب جهنم؛ ثم بين لنا جل ثناؤه ما تلك التجارة التي تنجينا من العذاب الأليم، فقال: {تؤمنون بالله ورسوله} [الصف: 11] محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قال قائل: وكيف قيل: تؤمنون بالله ورسوله وقد قيل لهم: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] بوصفهم بالإيمان؟ فإن الجواب في ذلك نظير جوابنا في قوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله} [النساء: 136] وقد مضى البيان عن ذلك، في موضعه بما أغنى عن إعادته. وقوله: {وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} [الصف: 11] يقول تعالى ذكره: وتجاهدون في دين الله، وطريقه الذي شرعه لكم بأموالكم وأنفسكم {ذلكم خير لكم} [البقرة: 54] يقول: إيمانكم بالله ورسوله، وجهادكم في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم خير لكم من تضييع ذلك والتفريط {إن كنتم تعلمون} [البقرة: 184] مضار الأشياء ومنافعها. وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «آمنوا بالله» على وجه الأمر، وبينت التجارة من قوله: {هل أدلكم على تجارة تنجيكم} [الصف: 10] وفسرت بقوله: {تؤمنون بالله} [النساء: 59] ولم يقل: أن تؤمنوا، لأن العرب إذا فسرت الاسم بفعل تثبت في تفسيره أن أحيانا، وتطرحها أحيانا، فتقول للرجل: هل لك في خير تقوم بنا إلى فلان فنعوده؟ هل لك في خير أن تقوم إلى فلان فنعوده؟ بأن وبطرحها. ومما جاء في الوجهين على الوجهين جميعا قوله: {فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا} [عبس: 25] وإنا؛ فالفتح في أنا لغة من أدخل في يقوم أن من قولهم: هل لك في خير أن تقوم، والكسر فيها لغة من يلقي أن من تقوم؛ ومنه قوله: {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم} [النمل: 51] وإنا دمرناهم، على ما بينا. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيها الذين آمنوا 22P618 هل أدلكم على تجارة تنجيكم} [الصف: 10] الآية، فلولا أن الله بينها، ودل عليها المؤمنين، لتلهف عليها رجال أن يكونوا يعلمونها، حتى يضنوا بها وقد دلكم الله عليها، وأعلمكم إياها فقال: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [الصف: 11] حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: تلا قتادة: {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله} [الصف: 11] قال: الحمد لله الذي بينها 22P618
[الصف: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} [الصف: 12] يقول تعالى ذكره: يستر عليكم ربكم ذنوبكم إذا أنتم فعلتم ذلك فيصفح عنكم ويعفو {ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} [الصف: 12] يقول: ويدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار {ومساكن طيبة} [التوبة: 72] يقول: ويدخلكم أيضا مساكن طيبة. {في جنات عدن} [التوبة: 72] يعني في بساتين إقامة، لا ظعن عنها. وقوله: {ذلك الفوز العظيم } [المائدة: 119] يقول: ذلك النجاء العظيم من نكال الآخرة وأهوالها. 22P618
[الصف: 13_14] القول في تأويل قوله تعالى: {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 13_14] اختلف أهل العربية فيما نعتت به قوله: {وأخرى} [آل عمران: 13] فقال بعض نحوي البصرة: معنى ذلك: وتجارة أخرى، فعلى هذا القول يجب أن يكون أخرى في موضع خفض عطفا به على قوله: {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} [الصف: 10] وقد يحتمل أن يكون رفعا على الابتداء. وكان بعض نحوي الكوفة يقول: هي في موضع رفع. أي: ولكم أخرى في العاجل مع ثواب الآخرة، ثم قال: {نصر من الله} [الصف: 13] مفسرا للأخرى. والصواب من القول في ذلك عندي القول الثاني، وهو أنه معني به: ولكم أخرى تحبونها، لأن قوله {نصر من الله وفتح قريب} [الصف: 13] مبين عن أن قوله {وأخرى} [آل عمران: 13] في موضع رفع، ولو كان جاء ذلك خفضا حسن أن يجعل قوله وأخرى عطفا على قوله: {تجارة} [البقرة: 282] فيكون تأويل الكلام حينئذ لو قرئ ذلك خفضا، وعلى خلة أخرى تحبونها، فمعنى الكلام إذا كان الأمر كما وصفت: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله يغفر لكم ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ولكم خلة أخرى سوى ذلك في الدنيا تحبونها: {نصر من الله} [الصف: 13] لكم على أعدائكم، {وفتح قريب} [الصف: 13] يعجله لكم. {وبشر المؤمنين} [البقرة: 223] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر الله إياهم على عدوهم، وفتح عاجل لهم. وقوله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله} [الصف: 14] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: كونوا أنصارا لله بتنوين الأنصار. وقرأ 22P620 ذلك عامة قراء الكوفة بإضافة الأنصار إلى الله. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ومعنى الكلام: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله} [الصف: 14] يعني من أنصاري منكم إلى نصرة الله لي. وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثني به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله} [الصف: 14] قال: قد كانت لله أنصار من هذه الأمة تجاهد على كتابه وحقه. وذكر لنا أنه بايعه ليلة العقبة اثنان وسبعون رجلا من الأنصار، ذكر لنا أن بعضهم قال: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعون على محاربة العرب كلها أو يسلموا. وذكر لنا أن رجلا قال: يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: «أشترط لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما منعتم منه أنفسكم وأبناءكم» . قالوا: فإذا فعلنا ذلك، فما لنا يا نبي الله؟ قال: «لكم النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة» .
ففعلوا، ففعل الله حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: تلا قتادة {كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله} [الصف: 14] قال: قد كان ذلك 22P621 بحمد الله، جاءه سبعون رجلا، فبايعوه عند العقبة، فنصروه وآووه حتى أظهر الله دينه؛ قالوا: ولم يسم حي من السماء اسما لم يكن لهم قبل ذلك غيرهم حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: إن الحواريين كلهم من قريش: أبو بكر، وعمر، وعلي، وحمزة، وجعفر، وأبو عبيدة، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52] قال: من يتبعني إلى الله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن الحواريين، قال: سموا لبياض ثيابهم كانوا صيادي السمك حدثت، عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {الحواريون} [الصف: 14] هم الغسالون بالنبطية؛ يقال للغسال: حواري 22P622 وقد تقدم بياننا في معنى الحواري بشواهده واختلاف المختلفين فيه قبل فيما مضى، فأغنى عن إعادته وقوله: {قال الحواريون نحن أنصار الله} [آل عمران: 52] يقول: قالوا: نحن أنصار الله على ما بعث به أنبياءه من الحق. وقوله: {فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة} [الصف: 14] يقول جل ثناؤه: فآمنت طائفة من بني إسرائيل بعيسى، وكفرت طائفة منهم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وهم في بيت اثنا عشر رجلا من عين في البيت ورأسه يقطر ماء؛ قال: فقال: إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي؛ قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب من أحدثهم سنا، قال: فقال أنا، فقال له: اجلس؛ ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال أنا؛ قال: نعم أنت ذاك؛ فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء؛ قال: وجاء الطلب من اليهود، وأخذوا شبهه. فقتلوه وصلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، فتفرقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية. 22P623 وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله، ثم رفعه إليه، وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة. كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الطائفتان الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. {فآمنت طائفة} [الصف: 14] من بني إسرائيل، {وكفرت طائفة} [الصف: 14] يعني الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى، والطائفة التي آمنت في زمن عيسى، {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم، فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 14] في إظهار محمد على دينهم دين الكفار، فأصبحوا ظاهرين وقوله: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم} [الصف: 14] يقول: فقوينا الذين آمنوا من الطائفتين من بني إسرائيل على عدوهم، الذي كفروا منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم لتصديقه إياهم، أن عيسى عبد الله ورسوله، وتكذيبه من قال هو إله، ومن قال: هو ابن الله تعالى ذكره، {فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 14] ، فأصبحت الطائفة المؤمنون ظاهرين على عدوهم الكافرين منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عبد الله الهلالي، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم} [الصف: 14] قال: قوينا حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، عن إبراهيم 22P624 ، {فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة} [الصف: 14] قال: لما بعث الله محمدا، ونزل تصديق من آمن بعيسى، أصبحت حجة من آمن به ظاهرة قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، عن إبراهيم، في قوله: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 14] قال: أيدوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فصدقهم، وأخبر بحجتهم حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: {فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 14] قال: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم كلمة الله وروحه حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {فأصبحوا ظاهرين} [الصف : 14] من آمن مع عيسى صلى الله عليه وسلم
[062] سورة الجمعة مدنية وآياتها إحدى عشرة بسم الله الرحمن الرحيم 22P625 [الجمعة: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم} [الجمعة: 1] يقول تعالى ذكره: يسبح لله كل ما في السموات السبع، وكل ما في الأرضين من خلقه، ويعظمه طوعا وكرها {الملك القدوس} [الحشر: 23] الذي له ملك الدنيا والآخرة وسلطانهما، النافذ أمره في السموات والأرض وما فيهما، {القدوس} [الحشر: 23] : وهو الطاهر من كل ما يضيف إليه المشركون به، ويصفونه به مما ليس من صفاته المبارك {العزيز} [البقرة: 129] يعني الشديد في انتقامه من أعدائه {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره خلقه، وتصريفه إياهم فيما هو أعلم به من مصالحهم. 22P625 [الجمعة: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [الجمعة: 2] يقول تعالى ذكره: الله الذي بعث في الأميين رسولا منهم، فقوله هو كناية من اسم الله، والأميون هم العرب. وقد بينا فيما مضى المعنى الذي من أجله قيل للأمي أمي. وبنحو الذي قلنا في الأميين في هذا الموضع قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} [الجمعة: 2] قال: العرب حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت سفيان الثوري، يحدث لا أعلمه إلا عن مجاهد، أنه قال: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته} [الجمعة: 2] العرب حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} [الجمعة: 2] قال: كان هذا الحي من العرب أمة أمية ليس فيها كتاب يقرءونه، فبعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة وهدى يهديهم به حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} [الجمعة: 2] قال: كانت هذه الأمة أمية لا يقرءون كتابا حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} [الجمعة: 2] قال: إنما سميت أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأميين، لأنه لم ينزل عليهم كتابا وقال جل ثناؤه {رسولا منهم} [البقرة: 129] يعني من الأميين وإنما قال: {منهم} [البقرة: 75] ، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أميا، وظهر من العرب. وقوله: {يتلو عليهم آياته} [آل عمران: 164] يقول جل ثناؤه: يقرأ على هؤلاء الأميين آيات الله التي أنزلها عليه {ويزكيهم} [البقرة: 129] يقول: ويطهرهم من دنس الكفر. وقوله: {ويعلمهم الكتاب} [البقرة: 129] يقول: ويعلمهم كتاب الله، وما فيه من أمر الله ونهيه، وشرائع دينه {والحكمة} [البقرة: 129] يعني بالحكمة: السنن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ويعلمهم الكتاب والحكمة} [الجمعة: 2] أي: السنة حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: {ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [الجمعة: 2] أيضا كما علم هؤلاء يزكيهم بالكتاب والأعمال الصالحة، ويعلمهم الكتاب والحكمة كما صنع بالأولين، وقرأ قول الله عز وجل: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} [التوبة: 100] ممن بقي من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة، قال: وقد جعل الله فيهم سابقين، وقرأ قول الله عز وجل: {والسابقون السابقون أولئك المقربون} [الواقعة: 11] وقال: {ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} [الواقعة: 13] فثلة من الأولين سابقون، وقليل السابقون من الآخرين، وقرأ: {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين} [الواقعة: 27] حتى بلغ {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة: 39] أيضا، قال: والسابقون من الأولين أكثروهم من الآخرين قليل، وقرأ {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} الآية، قال: هؤلاء من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة وقوله: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] يقول تعالى ذكره: وقد كان هؤلاء الأميون من قبل أن يبعث الله فيهم رسولا منهم في جور عن قصد السبيل، وأخذ على غير هدى {مبين} [البقرة: 168] يقول: يبين لمن تأمله أنه ضلال وجور عن الحق وطريق الرشد. 22P628
[الجمعة: 3_4] القول في تأويل قوله تعالى: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الجمعة: 3_4] يقول تعالى ذكره: وهو الذي بعث في الأميين رسولا منهم، وفي آخرين منهم لما يلحقوا بهم؛ فآخرون في موضع خفض عطفا على الأميين. وقد اختلف في الذين عنوا بقوله: {وآخرين منهم} [الجمعة: 3] فقال بعضهم: عني بذلك العجم. ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثني ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: { 22P629 وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] قال: هم الأعاجم حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن طلحة، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] قال: هم الأعاجم حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] قال: الأعاجم حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] قال: الأعاجم حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت سفيان الثوري، لا أعلمه إلا عن مجاهد {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] قال: العجم حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا هشام بن يوسف، عن عبد الرحمن بن عمر بن عبد الرحمن بن العاص، عن أبيه، عن جده، عن ابن عمر، أنه قال له: أما إن سورة الجمعة أنزلت فينا وفيكم في قتلكم الكذاب، ثم قرأ: {يسبح لله ما في السموات وما في الأرض} حتى بلغ {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] قال: فأنتم هم حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد { 22P630 وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] قال: الأعاجم حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا عبد العزيز، وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: أخبرني سليمان بن بلال، جميعا عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا، قال: وفينا سلمان الفارسي، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان فقال: «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء» .
حدثني أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: ثنا سليمان بن بلال المدني، عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه وقال آخرون: إنما عني بذلك جميع من دخل في الإسلام من بعد النبي صلى الله عليه وسلم كائنا من كان إلى يوم القيامة ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] قال: من ردف الإسلام من الناس كلهم حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله عز وجل: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] قال: هؤلاء كل من كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، كل من دخل في الإسلام من العرب والعجم وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عني بذلك كل لاحق لحق بالذين كانوا صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم في إسلامهم من أي الأجناس؛ لأن الله عز وجل عم بقوله: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] كل لاحق بهم من آخرين، ولم يخصص منهم نوعا دون نوع، فكل لاحق بهم فهو من الآخرين الذي لم يكونوا في عداد الأولين الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم آيات الله وقوله: {لما يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] يقول: لم يجيئوا بعد وسيجيئون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لما 22P632 يلحقوا بهم} [الجمعة: 3] يقول: لم يأتوا بعد وقوله: {وهو العزيز الحكيم} [إبراهيم: 4] يقول: والله العزيز في انتقامه ممن كفر به منهم، الحكيم في تدبيره خلقه. وقوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} [المائدة: 54] يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعل تعالى ذكره من بعثته في الأميين من العرب، وفي آخرين رسولا منهم يتلو عليهم آياته، ويفعل سائر ما وصف، فضل الله تفضل به على هؤلاء دون غيرهم {يؤتيه من يشاء} [آل عمران: 73] يقول: يؤتي فضله ذلك من يشاء من خلقه، لا يستحق الذم ممن حرمه الله إياه، لأنه لم يمنعه حقا كان له قبله ولا ظلمه في صرفه عنه إلى غيره، ولكنه علم من هو له أهل، فأودعه إياه، وجعله عنده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن سنان القزاز، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، في: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} [المائدة: 54] قال: الفضل: الدين {والله ذو الفضل العظيم} [البقرة: 105] يقول: الله ذو الفضل على عباده، المحسن منهم والمسيء، والذين بعث فيهم الرسول منهم وغيرهم، {العظيم} [البقرة: 105] الذي يقل فضل كل ذي فضل عنده. 22P632
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?