Taberî — Câmiü'l-Beyân
وذلك الذكر جائز أن يكون هو التكبير الذي أمر به جل ثناؤه بقوله: {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] الذي أوجبه على من قضى نسكه بعد قضائه نسكه، فألزمه حينئذ من ذكره ما لم يكن له لازما قبل ذلك، وحث على المحافظة عليه محافظة الأبناء على ذكر الآباء في الإكثار منه بالاستكانة له والتضرع إليه بالرغبة منهم إليه في حوائجهم كتضرع الولد لوالده والصبي لأمه وأبيه، أو أشد من ذلك؛ إذ كان ما كان بهم وبآبائهم من نعمة فمنه وهو وليه وإنما قلنا: الذكر الذي أمر الله جل ثناؤه به الحاج بعد قضاء مناسكه بقوله: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} [البقرة: 200] جائز أن يكون هو التكبير الذي وصفنا من أجل أنه لا ذكر لله أمر 03P541 العباد به بعد قضاء مناسكهم لم يكن عليهم من فرضه قبل قضائهم مناسكهم، سوى التكبير الذي خص الله به أيام منى. فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلوما أنه جل ثناؤه قد أوجب على خلقه بعد قضائهم مناسكهم من ذكره ما لم يكن واجبا عليهم قبل ذلك، وكان لا شيء من ذكره خص به ذلك الوقت سوى التكبير الذي ذكرناه، كانت بينة صحة ما قلنا من تأويل ذلك على ما وصفنا 03P540
[البقرة: 200] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] يعني بذلك جل ثناؤه: {فإذا قضيتم مناسككم} [البقرة: 200] أيها المؤمنون {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} [البقرة: 200] وارغبوا إليه فيما لديه من خير الدنيا والآخرة بابتهال وتمسكن، واجعلوا أعمالكم لوجهه خالصا، ولطلب مرضاته، وقولوا ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؛ ولا تكونوا كمن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، فكانت أعمالهم للدنيا وزينتها ، فلا يسألون ربهم إلا متاعها، ولا حظ لهم في ثواب الله، ولا نصيب لهم في جناته وكريم ما أعد لأوليائه، كما قال في ذلك أهل التأويل حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل: " {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا} [البقرة: 200] 03P542 هب لنا غنما، هب لنا إبلا، {وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: كانوا في الجاهلية يقولون: هب لنا إبلا، ثم ذكر مثله حدثنا أبو كريب، قال: سمعت أبا بكر بن عياش، في قوله: " {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] قال: كانوا يعني أهل الجاهلية يقفون يعني بعد قضاء مناسكهم فيقولون: اللهم ارزقنا إبلا، اللهم ارزقنا غنما. فأنزل الله هذه الآية: {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] " قال أبو كريب: قلت ليحيى بن آدم: عمن هو؟ قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن القاسم بن عثمان، عن أنس: " {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة فيدعون فيقولون: اللهم اسقنا المطر، وأعطنا على عدونا الظفر، وردنا صالحين إلى صالحين " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى: " {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في 03P543 الدنيا} [البقرة: 200] نصرا ورزقا، ولا يسألون لآخرتهم شيئا " وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قول الله: " {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] فهذا عبد نوى الدنيا لها عمل ولها نصب " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: " {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] قال: كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقامت بمنى لا يذكر الله الرجل منهم، وإنما يذكر أباه، ويسأل أن يعطى في الدنيا " وحدثني يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله. {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} [البقرة: 200] قال كانوا أصنافا ثلاثة في تلك المواطن يومئذ: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل الكفر، وأهل النفاق. فمن الناس من يقول: {ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] إنما حجوا للدنيا والمسألة لا يريدون الآخرة ولا يؤمنون بها، ومنهم من يقول. {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} [البقرة: 201] الآية. قال. والصنف الثالث {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} [البقرة: 204] . . الآية. 03P544 وأما معنى الخلاق فقد بيناه في غير هذا الموضع، وذكرنا اختلاف المختلفين في تأويله، والصحيح لدينا من معناه بالشواهد من الأدلة وأنه النصيب، بما فيه كفاية عن إعادته في هذا الموضع " 03P543
[البقرة: 201] القول في تأويل قوله تعالى: {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] اختلف أهل التأويل في معنى الحسنة التي ذكر الله في هذا الموضع، فقال بعضهم. يعني بذلك: ومن الناس من يقول: ربنا أعطنا عافية في الدنيا وعافية في الآخرة ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} [البقرة: 201] قال: في الدنيا عافية، وفي الآخرة عافية " قال قتادة: وقال رجل: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا؛ فمرض مرضا حتى أضني على فراشه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم شأنه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: إنه دعا بكذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه لا طاقة لأحد بعقوبة الله، ولكن قل: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] فقالها، فما لبث إلا أياما أو يسيرا حتى برأ " حدثني المثنى، قال: ثنا سعيد بن الحكم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: ثني حميد، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: " عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قد صار مثل الفرخ المنتوف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل كنت تدعو الله بشيء، أو تسأل الله شيئا؟ » قال: قلت: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعاقبني به في الدنيا. قال: " سبحان الله هل يستطيع ذلك أحد أن يطيقه فهلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار " وقال آخرون: بل عنى الله عز وجل بالحسنة في هذا الموضع: في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عباد، عن هشام بن حسان، عن الحسن: " {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} [البقرة: 201] قال: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الحسن، في قوله: " {ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] قال: العبادة في الدنيا، والجنة في الآخرة " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن واقد العطار، قال: ثنا عباد بن العوام، عن هشام، عن الحسن، في قوله: " {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} [البقرة: 201] قال: الحسنة في الدنيا: الفهم في كتاب الله، والعلم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت سفيان الثوري، يقول هذه الآية: " {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} [البقرة: 201] قال: الحسنة في الدنيا: العلم، والرزق الطيب، وفي الآخرة حسنة: الجنة " وقال آخرون: الحسنة في الدنيا: المال، وفي الآخرة: الجنة ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] قال: فهؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} [البقرة: 201] هؤلاء المؤمنون؛ أما حسنة الدنيا فالمال، وأما حسنة الآخرة فالجنة " والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن قوم من أهل الإيمان به وبرسوله، ممن حج بيته، يسألون ربهم الحسنة في الدنيا، والحسنة في الآخرة، وأن يقيهم عذاب النار. وقد تجمع الحسنة من الله عز وجل العافية في الجسم، والمعاش، والرزق، وغير ذلك، والعلم، والعبادة. وأما في الآخرة فلا شك أنها الجنة؛ لأن من لم ينلها يومئذ فقد حرم جميع الحسنات وفارق جميع معاني العافية.
وإنما قلنا إن ذلك أولى التأويلات بالآية؛ لأن الله عز وجل لم يخصص بقوله مخبرا عن قائل ذلك من معاني الحسنة شيئا، ولا نصب على خصوصه دلالة دالة على أن المراد من ذلك بعض دون بعض، فالواجب من القول فيه ما قلنا من أنه لا يجوز أن يخص من معاني ذلك شيء، وأن يحكم بعمومه على ما عمه الله. وأما قوله: {وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] فإنه يعني بذلك: اصرف عنا عذاب النار، يقال منه: وقيته كذا أقيه وقاية وواقية ووقاء ممدودا، وربما قالوا: وقاك الله وقيا: إذا دفعت عنه أذى أو مكروها 03P547
[البقرة: 202] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} [البقرة: 202] 03P548 يعني بقوله جل ثناؤه: أولئك الذين يقولون بعد قضاء مناسكهم: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] رغبة منهم إلى الله جل ثناؤه فيما عنده، وعلما منهم بأن الخير كله من عنده، وأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء. فاعلم جل ثناؤه أن لهم نصيبا، وحظا من حجهم، ومناسكهم، وثوابا جزيلا على عملهم الذي كسبوه، وباشروا معاناته بأموالهم، وأنفسهم خاصا ذلك لهم دون الفريق الآخر الذين عانوا ما عانوا من نصب أعمالهم وتعبها، وتكلفوا ما تكلفوا من أسفارهم بغير رغبة منهم فيما عند ربهم من الأجر والثواب، ولكن رجاء خسيس من عرض الدنيا وابتغاء عاجل حطامها كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: " {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] قال: فهذا عبد نوى الدنيا لها عمل ولها نصب {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا} [البقرة: 202] أي حظ من أعمالهم " وحدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في: " {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] إنما حجوا للدنيا، والمسألة، لا يريدون الآخرة ولا يؤمنون بها {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] قال: 03P549 فهؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون {أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب} [البقرة: 202] لهؤلاء الأجر بما عملوا في الدنيا " وأما قوله: {والله سريع الحساب} [البقرة: 202] فإنه يعني جل ثناؤه: أنه محيط بعمل الفريقين كليهما اللذين من مسألة أحدهما: ربنا آتنا في الدنيا؛ ومن مسألة الآخر: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] ؛ فمحص له بأسرع الحساب، ثم إنه مجاز كلا الفريقين على عمله. وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يحصي ما يحصى من أعمال عباده بغير عقد أصابع ولا فكر ولا روية فعل العجزة الضعفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مجاز عباده على كل ذلك؛ فلذلك جل ذكره امتدح بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمثل فيحتاج في حسابه إلى عقد كف أو وعي صدر 03P549
[البقرة: 203] القول في تأويل قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون} [البقرة: 203] يعني جل ذكره: اذكروا الله بالتوحيد، والتعظيم في أيام محصنات، وهي أيام رمي الجمار، أمر عباده يومئذ بالتكبير أدبار الصلوات، وعند الرمي مع كل حصاة من حصى الجمار يرمي بها جمرة من الجمار وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: " {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] قال: أيام 03P550 التشريق " وحدثني محمد بن نافع البصري، قال: ثنا غندر، قال: ثنا شعبة، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله وحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] يعني الأيام المعدودات: أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر " وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس "، قوله: " {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] يعني أيام التشريق " وحدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا مخلد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: " سمعه يوم الصدر، يقول بعدما صدر يكبر في المسجد ويتأول: {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] " حدثنا علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن 03P551 علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] يعني أيام التشريق " وحدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، في قول الله عز وجل: " {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] قال: هي أيام التشريق " حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، مثله وحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: " {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] قال: أيام التشريق بمنى " حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد، وعطاء، قالا: «هي أيام التشريق» وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن 03P552 إبراهيم، قال: " الأيام المعدودات: أيام التشريق " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، قال: " الأيام المعدودات: الأيام بعد النحر " وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: " سألت إسماعيل بن أبي خالد عن الأيام المعدودات، فقال: أيام التشريق " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] كنا نحدث أنها أيام التشريق " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] قال: هي أيام التشريق " وحدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " أما الأيام المعدودات: فهي أيام التشريق " وحدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن مالك، قال: " الأيام المعدودات: 03P553 ثلاثة أيام بعد يوم النحر " وحدثت عن حسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {في أيام معدودات} [البقرة: 203] قال: أيام التشريق الثلاثة " وحدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: " سألت ابن زيد عن الأيام المعدودات، والأيام المعلومات،؟
فقال: " الأيام المعدودات: أيام التشريق، والأيام المعلومات: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق " وإنما قلنا: إن الأيام المعدودات هي: أيام منى وأيام رمي الجمار لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فيها: إنها أيام ذكر الله عز وجل ذكر الأخبار التي رويت بذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، وخلاد بن أسلم، قال: ثنا هشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيام التشريق أيام طعم، وذكر» وحدثنا خلاد، قال: ثنا روح، قال: ثنا صالح، قال: ثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة، يطوف في منى: «لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل، وشرب، وذكر الله عز وجل» وحدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قالا جميعا: ثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله» وحدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة، قالت: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق وقال: هي أيام أكل وشرب وذكر الله " وحدثني يعقوب، قال: ثني هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشر بن سحيم، فنادى في أيام التشريق، فقال: «إن هذه الأيام أيام أكل، وشرب، وذكر الله» وحدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس، فنادى في أيام التشريق فقال : «إن هذه الأيام أيام أكل، وشرب، وذكر الله، إلا من كان عليه صوم من هدي» وحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أمه، قالت: لكأني أنظر إلى علي، رضي الله عنه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء حين وقف على شعب الأنصار وهو يقول: «أيها الناس إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل، وشرب، وذكر» فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال في أيام منى: «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله» لم يخبر أمته أنها الأيام المعدودات التي ذكرها الله في كتابه، فما تنكر أن 03P556 يكون النبي صلى الله عليه وسلم عنى بقوله: «وذكر الله» : الأيام المعلومات؟ قيل: غير جائز أن يكون عنى ذلك؛ لأن الله لم يكن يوجب في الأيام المعلومات من ذكره فيها ما أوجب في الأيام المعدودات، وإنما وصف المعلومات جل ذكره بأنها أيام يذكر فيها اسم الله على بهائم الأنعام، فقال: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 28] فلم يوجب في الأيام المعلومات من ذكره كالذي أوجبه في الأيام المعدودات من ذكره، بل أخبر أنها أيام ذكره على بهائم الأنعام. فكان معلوما إذ قال صلى الله عليه وسلم لأيام التشريق: «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله» فأخرج قوله: «وذكر الله» مطلقا بغير شرط، ولا إضافة، إلى أنه الذكر على بهائم الأنعام، أنه عنى بذلك الذكر الذي ذكره الله في كتابه، فأوجبه على عباده مطلقا بغير شرط ولا إضافة إلى معنى في الأيام المعدودات.
وأنه لو كان أراد بذلك صلى الله عليه وسلم وصف الأيام المعلومات به، لوصل قوله: «وذكر» إلى أنه ذكر الله على ما رزقهم من بهائم الأنعام، كالذي وصف الله به ذلك؛ ولكنه أطلق ذلك باسم الذكر من غير وصله بشيء، كالذي أطلقه تبارك وتعالى باسم الذكر، فقال: {واذكروا الله في أيام معدودات } [البقرة: 203] فكان ذلك من أوضح الدليل على أنه عنى بذلك ما ذكره الله في كتابه وأوجبه في الأيام المعدودات 03P555
[البقرة: 203] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى} [البقرة: 203] 03P557 اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق للنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه في نفره. وتعجله في النفر، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره. ذكر من قال ذلك حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا هشيم، عن عطاء، قال: «لا إثم عليه في تعجيله، ولا إثم عليه في تأخيره» حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال. ثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، مثله حدثنا أحمد، قال. ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن عكرمة، مثله حدثني محمد بن عمرو، قال. ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله. " {فمن تعجل في يومين} [البقرة: 203] يوم النفر {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] لا حرج عليه {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] " حدثني موسى بن هارون، قال. ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن 03P558 السدي: «أما من تعجل في يومين فلا إثم عليه، يقول. من نفر في يومين فلا جناح عليه، ومن تأخر فنفر في الثالث فلا جناح عليه» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فمن تعجل في يومين} [البقرة: 203] يقول. فمن تعجل في يومين. أي من أيام التشريق فلا إثم عليه، ومن أدركه الليل بمنى من اليوم الثاني من قبل أن ينفر فلا نفر له حتى تزول الشمس من الغد. {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] يقول: من تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه " حدثنا الحسن بن يحيى، قال. أخبرنا عبد الرزاق، قال. أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله. " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال. رخص الله في أن ينفروا في يومين منها إن شاءوا، ومن تأخر في اليوم الثالث فلا إثم عليه " حدثني محمد بن المثنى، قال. ثنا محمد بن جعفر، قال. ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، أنه قال في هذه الآية. " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال في تعجيله " وحدثنا هناد بن السري، قال: ثنا ابن أبى زائدة، قال: ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم قال: " لا إثم عليه: لا إثم على من تعجل، ولا إثم على من تأخر " وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، قال: «هذا في التعجيل» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، وإسرائيل، عن زيد بن جبير، قال: سمعت ابن عمر، يقول: «حل النفر في يومين لمن اتقى» وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] في تعجله {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] في تأخره " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: " أللمكي أن ينفر في النفر الأول؟
قال: نعم، قال الله عز وجل {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] فهي للناس أجمعين " حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: ليس عليه إثم " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {فمن تعجل في يومين} [البقرة: 203] بعد يوم النحر {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] يقول: من نفر من منى في يومين بعد النحر فلا إثم عليه، ومن تأخر 03P560 فلا إثم عليه في تأخره، فلا حرج عليه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] في تعجله {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] في تأخره " وقال آخرون: بل معناه: فمن تعجل في يومين فهو مغفور له لا إثم عليه، ومن تأخر كذلك ذكر من قال ذلك حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن ثوير، عن أبيه، عن عبد الله: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: ليس عليه إثم " وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] أي غفر له {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: غفر له " حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مسعر، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] أي غفر له " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد جميعا عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله، في قوله: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: قد غفر له " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، في قوله: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قد غفر له " وحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال في هذه الآية: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: برئ من الإثم " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن ابن عمر: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: رجع مغفورا له " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: 03P562 قد غفر له " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن جابر، عن أبي عبد الله، عن ابن عباس: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: قد غفر له، إنهم يتأولونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفر ما معها من الذنوب فكيف بالحج؟
" حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن إبراهيم، وعامر: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قالا: غفر له " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: ثني من أصدقه، عن ابن مسعود، قوله: " {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] قال: خرج من الإثم كله {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: برئ من الإثم كله، وذلك في الصدر عن الحج " قال ابن جريج: وسمعت رجلا، يحدث، عن عطاء بن أبي رباح، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: " {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] ، قال. غفر له، {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] ، قال: غفر له " حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال. ثنا أسود بن سوادة 03P563 القطان، قال: سمعت معاوية بن قرة، قال: «يخرج من ذنوبه» وقال آخرون: معنى ذلك: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه فيما بينه وبين السنة التي بعدها ذكر من قال ذلك حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة، قال: سألت مجاهدا، عن قول الله، عز وجل: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: لمن في الحج، ليس عليه إثم حتى الحج من عام قابل " وقال آخرون: بل معناه. فلا إثم عليه إن اتقى الله فيما بقي من عمره ذكر من قال ذلك حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله. وحدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي 03P564 العالية، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] قال: لمن اتقى بشرط " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] «لا جناح عليه، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلا جناح عليه لمن اتقى» وكان ابن عباس، يقول: «وددت أني من هؤلاء ممن يصيبه اسم التقوى» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " هي في مصحف عبد الله: لمن اتقى الله " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] فلا حرج عليه، يقول اتقى معاصي الله عز وجل " وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق فلا إثم عليه، أي فلا حرج عليه في تعجيله النفر إن هو اتقى قتل الصيد حتى ينقضي اليوم 03P565 الثالث، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلم ينفر فلا حرج عليه ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا محمد بن أبي صالح: «لمن اتقى أن يصيب، شيئا من الصيد حتى يمضي اليوم الثالث» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] ولا يحل له أن يقتل صيدا حتى تخلو أيام التشريق " وقال آخرون : بل معناه: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق فنفر فلا إثم عليه، أي مغفور له.
ومن تأخر فنفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه، أي مغفور له إن اتقى على حجه أن يصيب فيه شيئا نهاه الله عنه ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {لمن اتقى} [البقرة: 203] قال: يقول لمن اتقى على حجه " قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: «من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه، أو ما سلف من ذنبه» وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: فمن تعجل في يومين من أيام منى الثلاثة فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه، لحط الله ذنوبه، إن كان قد اتقى الله في حجه فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه وفعل فيه ما أمره الله بفعله وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده. ومن تأخر إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غد النفر الأول، فلا إثم عليه لتكفير الله له ما سلف من آثامه وأجرامه، وإن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده. وإنما قلنا أن ذلك أولى تأويلاته لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» وأنه قال صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضة» حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن عاصم، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج، والعمرة فإنهما ينفيان الفقر، والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه حدثنا الفضل بن الصباح، قال:. ثنا ابن عيينة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تابعوا بين 03P567 الحج، والعمرة، فإن متابعة ما بينهما تنفي الفقر، والذنوب كما ينفي الكير الخبث، أو خبث الحديد» حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: ثنا سعد بن عبد الحميد، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح، مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قضيت حجك فأنت مثل ما ولدتك أمك» وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب، مما ينبئ عنه أن من حج فقضاه بحدوده على ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه: {فلا إثم عليه لمن اتقى} [البقرة: 203] الله في حجه. فكان في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوضح عن أن معنى قوله جل وعز: {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] أنه خارج من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورة له أجرامه. وأنه لا معنى لقول من تأول قوله: {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] فلا حرج عليه في نفره في اليوم الثاني، ولا حرج عليه في مقامه إلى اليوم الثالث؛ لأن الحرج إنما يوضع عن العامل فيما كان عليه ترك عمله فيرخص له في عمله بوضع الحرج عنه في عمله، أو فيما كان عليه عمله، فيرخص له في تركه بوضع الحرج عنه في تركه. فأما ما على العامل عمله فلا وجه لوضع الحرج عنه فيه إن هو عمله، وفرضه عمله، لأنه محال أن يكون المؤدي فرضا عليه حرجا بأدائه، فيجوز أن يقال: قد وضعنا عنك فيه الحرج.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان الحاج لا يخلو عند من تأول قوله: {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] فلا حرج عليه، أو فلا جناح عليه من أن يكون فرضه النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، فوضع عنه الحرج في المقام، أو أن يكون فرضه المقام إلى اليوم الثالث، فوضع عنه الحرج في النفر في اليوم الثاني، فإن يكن فرضه في اليوم الثاني من أيام التشريق المقام إلى اليوم الثالث منها، فوضع عنه الحرج في نفره في اليوم الثاني منها، وذلك هو التعجيل الذي قيل: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] فلا معنى لقوله على تأويل من تأول ذلك: {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] فلا جناح عليه {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] لأن المتأخر إلى اليوم الثالث إنما هو متأخر عن أداء فرض عليه تارك قبول رخصة النفر، فلا وجه لأن يقال: لا حرج عليك في مقامك على أداء الواجب عليك، لما وصفنا قبل، أو يكون فرضه في اليوم الثاني النفر، فرخص له في المقام إلى اليوم الثالث؛ فلا معنى أن يقال: لا حرج عليك في تعجلك النفر الذي هو فرضك وعليك فعله للذي قدمنا من العلة وكذلك لا معنى لقول من قال: معناه: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] ولا حرج عليه في نفره ذلك، إن اتقى قتل الصيد إلى انقضاء اليوم الثالث؛ لأن ذلك لو كان تأويلا مسلما لقائله لكان في قوله: {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] ما يبطل دعواه، لأنه لا خلاف بين الأمة في أن الصيد للحاج بعد نفره من منى في اليوم الثالث حلال، فما الذي من أجله وضع عنه الحرج في قوله : {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] إذا هو تأخر إلى اليوم الثالث ثم نفر؟ هذا مع إجماع الحجة على أن المحرم إذا رمى، وذبح، وحلق، وطاف بالبيت فقد حل له كل شيء، وتصريح الرواية المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك، التي حدثنا بها هناد بن السري الحنظلي، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، قالت: سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها متى يحل المحرم؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رميتم، وذبحتم، وحلقتم حل لكم كل شيء إلا النساء» قال: وذكر الزهري، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله وأما الذي تأول ذلك أنه بمعنى: لا إثم عليه إلى عام قابل فلا وجه لتحديد ذلك بوقت، وإسقاطه الإثم عن الحاج سنة مستقبلة دون آثامه السالفة، لأن الله جل ثناؤه لم يحصر ذلك على نفي إثم وقت مستقبل بظاهر التنزيل، ولا على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، بل دلالة ظاهر التنزيل تبين عن أن المتعجل في اليومين والمتأخر لا إثم على كل واحد منهما في حاله التي هو بها دون غيرها من الأحوال، والخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم يصرح بأنه بانقضاء حجه على ما أمر به خارج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. ففي ذلك من دلالة ظاهر التنزيل، وصريح قول الرسول صلى الله عليه وسلم دلالة واضحة على فساد قول من قال: معنى قوله: {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] فلا إثم عليه من وقت انقضاء حجه " إلى عام قابل. 03P570 فإن قال لنا قائل: ما الجالب اللام في قوله: {لمن اتقى} [البقرة: 203] وما معناها؟ قيل: الجالب لها معنى قوله. {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] لأن في قوله: {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] معنى حططنا ذنوبه، وكفرنا آثامه، فكان في ذلك معنى: جعلنا تكفير الذنوب لمن اتقى الله في حجه، فترك ذكر جعلنا تكفير الذنوب اكتفاء بدلالة قوله: {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] وقد زعم بعض نحويي البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة فقد أخبر عن أمر، فقال: {لمن اتقى} [البقرة: 203] أي هذا لمن اتقى.
وأنكر بعضهم ذلك من قوله، وزعم أن الصفة لا بد لها من شيء تتعلق به؛ لأنها لا تقوم بنفسها، ولكنها فيما زعم من صلة «قول» متروك، فكان معنى الكلام عنده «قلنا» : {ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى} [البقرة: 203] ، وقام قوله: {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] مقام القول. وزعم بعض أهل العربية أن موضع طرح الإثم في المتعجل ، فجعل في المتأخر، وهو الذي أدى ولم يقصر مثل ما جعل على المقصر، كما يقال في الكلام: إن تصدقت سرا فحسن، وإن أظهرت فحسن. وهما مختلفان، لأن المتصدق علانية إذا لم يقصد الرياء فحسن، وإن كان الإسرار أحسن وليس في وصف حالتي المتصدقين بالحسن وصف إحداهما بالإثم؛ وقد أخبر الله عز وجل عن النافرين بنفي الإثم عنهما، ومحال أن ينفي عنهما إلا ما كان في تركه الإثم على ما تأوله قائلو هذه المقالة. وفي إجماع الجميع على أنهما جميعا لو تركا النفر، وأقاما بمنى لم يكونا 03P571 آثمين ما يدل على فساد التأويل الذي تأوله من حكينا عنه هذا القول. وقال أيضا: فيه وجه آخر، وهو معنى نهي الفريقين عن أن يؤثم أحد الفريقين الآخر، كأنه أراد بقوله: {فلا إثم عليه} [البقرة: 173] لا يقل المتعجل للمتأخر: أنت آثم، ولا المتأخر للمتعجل: أنت آثم بمعنى: فلا يؤثمن أحدهما الآخر. وهذا أيضا تأويل لقول جميع أهل التأويل مخالف، وكفى بذلك شاهدا على خطئه 03P569
[البقرة: 203] القول في تأويل قوله تعالى: {واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون} [البقرة: 203] يعني بذلك جل ثناؤه: واتقوا الله أيها المؤمنون فيما فرض عليكما من فرائضه، فخافوه في تضييعها، والتفريط فيها، وفيما نهاكم عنه في حجكم، ومناسككما أن ترتكبوه أو تأتوه وفيما كلفكم في إحرامكم لحجكم أن تقصروا في أدائه والقيام به، واعلموا أنكم إليه تحشرون، فمجازيكم هو بأعمالكم، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته، وموف كل نفس منكم ما عملت وأنتم لا تظلمون 03P571
[البقرة: 204] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] وهذا نعت من الله تبارك وتعالى للمنافقين، يقول جل ثناؤه: ومن الناس من يعجبك يا محمد ظاهر قوله وعلانيته، ويستشهد الله على ما في قلبه، وهو ألد الخصام، جدل بالباطل. ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية، قال بعضهم. نزلت في الأخنس بن شريق، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزعم أنه يريد الإسلام، وحلف أنه ما قدم 03P572 إلا لذلك، ثم خرج فأفسد أموالا من أموال المسلمين ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي " {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] قال: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، وهو حليف لبني زهرة. وأقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأظهر له الإسلام، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أني صادق. وذلك قوله: {ويشهد الله على ما في قلبه} [البقرة: 204] ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمر بزرع لقوم من المسلمين، وحمر، فأحرق الزرع، وعقر الحمر، فأنزل الله عز وجل: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل} [البقرة: 205] " وأما ألد الخصام: فأعوج الخصام، وفيه نزل: {ويل لكل همزة لمزة} [الهمزة: 1] ونزلت فيه: {ولا تطع كل حلاف مهين} [القلم: 10] إلى {عتل بعد ذلك زنيم} [القلم: 13] ، وقال آخرون: بل نزل ذلك في قوم من أهل النفاق تكلموا في السرية التي أصيبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجيع ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال " لما أصيبت هذه السرية أصحاب خبيب بالرجيع بين مكة، والمدينة، فقال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم فأنزل الله عز وجل في ذلك من قول المنافقين، وما أصاب أولئك النفر في الشهادة والخير من الله: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} [البقرة: 204] أي ما يظهر بلسانه من الإسلام {ويشهد الله على ما في قلبه} [البقرة: 204] أي من النفاق {وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك {وإذا تولى} [البقرة: 205] أي خرج من عندك {سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] أي لا يحب عمله ولا يرضاه {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} [البقرة: 206] الذين شروا أنفسهم لله بالجهاد في سبيل الله، والقيام بحقه حتى هلكوا على ذلك يعني هذه السرية " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «لما أصيبت السرية التي كان فيها عاصم، ومرثد، 03P574 بالرجيع، قال رجال من المنافقين، ثم ذكر نحو حديث أبي كريب» وقال آخرون: بل عنى بذلك جميع المنافقين، وعنى بقوله: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه} [البقرة: 204] اختلاف سريرته، وعلانيته ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن أبي معشر، قال: أخبرني أبي أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدا المقبري يذاكر محمد بن كعب، فقال سعيد: " إن في بعض الكتب: " إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، قلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أعلي يجترئون، وبي يغترون؟
وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران " فقال محمد بن كعب: «هذا في كتاب الله جل ثناؤه» . فقال سعيد، وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله عز وجل: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: «إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد» حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف، وكان، يقرأ الكتب، قال: " إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: «قوم يجتالون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس لباس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، فعلي يجترئون، وبي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيهم حيران» قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون، فوجدتها: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] ، {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به} [الحج: 11] " وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: " {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه} [البقرة: 204] قال: هو المنافق " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ومن الناس من يعجبك قوله} [البقرة: 204] قال: علانيته في الدنيا، {ويشهد الله} [البقرة: 204] في الخصومة أنما يريد الحق " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] قال: هذا عبد كان حسن القول سيئ العمل، يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحسن له القول {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها} [البقرة: 205] " وحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: " {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه} [البقرة: 204] قال. يقول قولا، في قلبه غيره، والله يعلم ذلك " وفي قوله {ويشهد الله على ما في قلبه} [البقرة: 204] وجهان من القراءة: فقرأته عامة القراء: {ويشهد الله على ما في قلبه} [البقرة: 204] بمعنى أن المنافق الذي يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، يستشهد الله على ما في قلبه، أن قوله موافق اعتقاده، وأنه مؤمن بالله ورسوله؛ وهو كاذب كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} [البقرة: 204] إلى {والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] كان رجل يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أي رسول الله، أشهد أنك جئت بالحق، والصدق من عند الله. قال: حتى يعجب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله. ثم يقول: أما والله يا رسول الله إن الله ليعلم ما في قلبي مثل ما نطق به لساني.
فذلك قوله: {ويشهد الله على ما في قلبه} [البقرة: 204] قال: هؤلاء المنافقون، وقرأ قول الله تبارك وتعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} [المنافقون: 1] حتى بلغ 03P577 : {إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] بما يشهدون أنك رسول الله " وقال السدي: " {ويشهد الله على ما في قلبه} [البقرة: 204] يقول: الله يعلم أني صادق، أني أريد الإسلام " حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، عن أسباط، وقال مجاهد: «ويشهد الله في الخصومة، إنما يريد الحق» حدثني بذلك محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عنه وقرأ ذلك آخرون: «ويشهد الله على ما في قلبه» بمعنى: والله يشهد على الذي في قلبه من النفاق، وأنه مضمر في قلبه غير الذي يبديه بلسانه وعلى كذبه في قلبه. وهي قراءة ابن محيصن، وعلى ذلك المعنى تأوله ابن عباس،. وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك فيما مضى في حديث أبي كريب، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، الذي ذكرناه آنفا. 03P578 والذي نختار في ذلك من قول القراء قراءة من قرأ: {ويشهد الله على ما في قلبه} [البقرة: 204] بمعنى يستشهد الله على ما في قلبه، لإجماع الحجة من القراء عليه 03P577
[البقرة: 204] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] الألد من الرجال: الشديد الخصومة، يقال في «فعلت» منه: قد لددت يا هذا ولم تكن ألد، فأنت تلد لددا ولدادة؛ فأما إذا غلب من خاصمه، فإنما يقال فيه: لددت يا فلان فلانا فأنت تلده لدا، ومنه قول الشاعر: [+البحر الرجز] ثم أردي بهم من تردي تلد أقران الخصوم اللد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: أنه ذو جدال ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " {وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] يقول: شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل، وإذا شئت رأيته 03P579 عالم اللسان جاهل العمل يتكلم بالحكمة، ويعمل بالخطيئة " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] قال: جدل بالباطل " وقال آخرون: معنى ذلك أنه غير مستقيم الخصومة، ولكنه معوجها ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] قال: ظالم لا يستقيم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: " الألد الخصام: الذي لا يستقيم على خصومة " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " ألد الخصام: أعوج الخصام " قال، أبو جعفر: وكلا هذين القولين متقارب المعنى، لأن الاعوجاج في الخصومة من الجدال، واللدد، 03P580 وقال آخرون: معنى ذلك: وهو كاذب قوله ذكر من قال ذلك القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا وكيع، عن بعض أصحابه، عن الحسن، قال: " الألد الخصام: الكاذب القول " وهذا القول يحتمل أن يكون معناه معنى القولين الأولين إن كان أراد به قائله أنه يخاصم بالباطل من القول، والكذب منه جدلا، واعوجاجا عن الحق. وأما الخصام: فهو مصدر من قول القائل: خاصمت فلانا خصاما، ومخاصمة. وهذا خبر من الله تبارك وتعالى عن المنافق الذي أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنه يعجبه إذا تكلم قيله، ومنطقه، ويستشهد الله على أنه محق في قيله ذلك لشدة خصومته، وجداله بالباطل، والزور من القول 03P580
[البقرة: 205] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] يعني بقوله جل ثناؤه: {وإذا تولى} [البقرة: 205] وإذا أدبر هذا المنافق من عندك يا محمد منصرفا عنك كما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " {وإذا تولى} [البقرة: 205] قال: يعني: وإذا خرج من عندك سعى " وقال بعضهم: وإذا غضب ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج، في قوله: " {وإذا تولى} [البقرة: 205] قال: إذا غضب " فمعنى الآية: وإذا خرج هذا المنافق من عندك يا محمد غضبان عمل في الأرض بما حرم الله عليه، وحاول فيها معصية الله، وقطع الطريق، وإفساد السبيل على عباد الله، كما قد ذكرنا آنفا من فعل الأخنس بن شريق الثقفي الذي ذكر السدي أن فيه نزلت هذه الآية من إحراقه زرع المسلمين وقتله حمرهم، والسعي في كلام العرب العمل، يقال منه: فلان يسعى على أهله، يعني به يعمل فيما يعود عليهم نفعه؛ ومنه قول الأعشى: [+البحر الكامل] وسعى لكندة سعي غير مواكل قيس فضر عدوها وبنى لها يعني بذلك: عمل لهم في المكارم. وكالذي قلنا في ذلك كان مجاهد يقول حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله " {وإذا تولى سعى} [البقرة: 205] قال: عمل " واختلف أهل التأويل في معنى الإفساد الذي أضافه الله عز وجل إلى هذا المنافق، فقال بعضهم: تأويله ما قلنا فيه من قطعه الطريق، وإخافته السبيل، كما قد ذكرنا 03P582 قبل من فعل الأخنس بن شريق. وقال بعضهم: بل معنى ذلك قطع الرحم، وسفك دماء المسلمين ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: " {سعى في الأرض ليفسد فيها} [البقرة: 205] قطع الرحم، وسفك الدماء، دماء المسلمين، فإذا قيل: لم تفعل كذا وكذا؟ قال أتقرب به إلى الله عز وجل " والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وصف هذا المنافق بأنه إذا تولى مدبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل في أرض الله بالفساد. وقد يدخل في الإفساد جميع المعاصي، وذلك أن العمل بالمعاصي إفساد في الأرض، فلم يخصص الله وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض. وجائز أن يكون ذلك الإفساد منه كان بمعنى قطع الطريق، وجائز أن يكون غير ذلك، وأي ذلك كان " منه فقد كان إفسادا في الأرض، لأن ذلك منه لله عز وجل معصية. غير أن الأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريق، ويخيف السبيل، لأن الله تعالى ذكره وصفه في سياق الآية بأنه سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث، والنسل، وذلك بفعل مخيف السبيل أشبه منه بفعل قطاع الرحم 03P582
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?