Taberî — Câmiü'l-Beyân
وإنما أخبر الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن الذين كفروا به من أحبار اليهود، أنه قد ختم على قلوبهم وطبع عليها فلا يعقلون لله تبارك وتعالى موعظة وعظهم بها فيما آتاهم من علم ما عندهم من كتبه، وفيما حدد في كتابه الذي أوحاه وأنزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى سمعهم فلا يسمعون من محمد صلى الله عليه وسلم نبي الله تحذيرا ولا تذكيرا ولا حجة أقامها عليهم بنبوته، فيتذكروا ويحذروا عقاب الله عز وجل في تكذيبهم إياه، مع علمهم بصدقه وصحة أمره؛ وأعلمه مع ذلك أن على أبصارهم غشاوة عن أن يبصروا سبيل الهدى فيعلموا قبح ما هم عليه من الضلالة والردى. وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن جماعة من أهل التأويل حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} [البقرة: 7] أي عن الهدى أن يصيبوه أبدا بغير ما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك، حتى يؤمنوا 01P273 به، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك " حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} [البقرة: 7] يقول فلا يعقلون، ولا يسمعون ويقول: وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فلا يبصرون " وأما آخرون فإنهم كانوا يتأولون أن الذين أخبر الله عنهم من الكفار أنه فعل ذلك بهم هم قادة الأحزاب الذين قتلوا يوم بدر حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: " هاتان الآيتان إلى: {ولهم عذاب عظيم} [البقرة: 7] هم: {الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] وهم الذين قتلوا يوم بدر فلم يدخل من القادة أحد في الإسلام إلا رجلان: أبو سفيان بن حرب، والحكم بن أبي العاص " وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع 01P274 بن أنس، عن الحسن، قال: «أما القادة فليس فيهم مجيب، ولا ناج، ولا مهتد. وقد دللنا فيما مضى على أولى هذين التأويلين بالصواب فكرهنا إعادته» 01P273
[البقرة: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {ولهم عذاب عظيم} [البقرة: 7] وتأويل ذلك عندي كما قاله ابن عباس وتأوله حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " ولهم بما هم عليه من خلافك عذاب عظيم، قال: فهذا في الأحبار من يهود فيما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك بعد معرفتهم " 01P274
[البقرة: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] قال أبو جعفر: أما قوله: {ومن الناس} [البقرة: 8] فإن في الناس وجهين: أحدهما أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه، وإنما واحده إنسان وواحدته إنسانة. والوجه الآخر: أن يكون أصله أناس أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثم دخلتها الألف واللام المعرفتان، فأدغمت اللام التي دخلت مع الألف فيها للتعريف في النون، كما قيل في: {لكنا هو الله ربي} [الكهف: 38] على ما قد بينا في اسم الله الذي هو الله. وقد زعم بعضهم أن الناس لغة غير أناس، وأنه سمع العرب تصغره نويس من الناس، وأن الأصل لو كان أناس لقيل في التصغير: أنيس، فرد إلى أصله. وأجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه الصفة صفتهم. ذكر بعض من قال ذلك من أهل التأويل بأسمائهم حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] يعني المنافقين من الأوس والخزرج، ومن كان على أمرهم " وقد سمي في حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أبي بن كعب، غير أني تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم حدثنا الحسين بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، 01P276 في قوله: " {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] حتى بلغ: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] قال: هذه في المنافقين " حدثنا محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «هذه الآية إلى ثلاث عشرة في نعت المنافقين» حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد مثله حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن إسماعيل السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، وعن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] هم المنافقون " حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: " {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} [البقرة: 8] إلى 01P277 : {فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم} [البقرة: 10] قال: هؤلاء أهل النفاق " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: " {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] قال: هذا المنافق يخالف قوله فعله وسره علانيته ومدخله مخرجه ومشهده مغيبه " وتأويل ذلك أن الله جل ثناؤه لما جمع لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أمره في دار هجرته واستقر بها قراره وأظهر الله بها كلمته، وفشا في دور أهلها الإسلام، وقهر بها المسلمون من فيها من أهل الشرك من عبدة الأوثان، وذل بها من فيها من أهل الكتاب؛ أظهر أحبار يهودها لرسول الله صلى الله عليه وسلم الضغائن وأبدوا له العداوة والشنآن حسدا وبغيا إلا نفرا منهم، هداهم الله للإسلام فأسلموا، كما قال الله جل ثناؤه: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة : 109] وطابقهم سرا على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبغيهم الغوائل قوم من أراهط الأنصار الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه وكانوا قد عتوا في شركهم وجاهليتهم قد سموا لنا بأسمائهم، كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم.
وظاهروهم على ذلك في خفاء غير جهار حذار القتل على أنفسهم والسباء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وركونا إلى اليهود، لما هم عليه من الشرك وسوء البصيرة بالإسلام. فكانوا إذا لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به من أصحابه، قالوا لهم حذارا على أنفسهم: إنا مؤمنون بالله وبرسوله وبالبعث، وأعطوهم بألسنتهم كلمة الحق ليدرءوا عن أنفسهم حكم الله فيمن اعتقد ما هم عليه مقيمون من الشرك لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم، وإذا لقوا إخوانهم من اليهود وأهل الشرك والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به فخلوا بهم، قالوا: {إنا معكم إنما نحن مستهزئون} فإياهم عنى جل ذكره بقوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] يعني بقوله تعالى خبرا عنهم: {آمنا بالله} [البقرة: 8] : صدقنا بالله. وقد دللنا على أن معنى الإيمان التصديق فيما مضى قبل من كتابنا هذا. وقوله: {وباليوم الآخر} [البقرة: 8] يعني بالبعث يوم القيامة. وإنما سمي يوم القيامة اليوم الآخر: لأنه آخر يوم، لا يوم بعده سواه. فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاع للآخرة، ولا فناء، ولا زوال؟ قيل: إن اليوم عند العرب إنما سمي يوما بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهار ليل لم يسم يوما، فيوم القيامة يوم لا ليل له بعده سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة، فذلك اليوم هو آخر الأيام، ولذلك سماه الله جل ثناؤه: اليوم الآخر، ونعته بالعقيم، ووصفه بأنه يوم عقيم لأنه لا ليل بعده. وأما تأويل قوله: {وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] ونفيه عنهم جل ذكره اسم الإيمان، وقد أخبر عنهم أنهم قد قالوا بألسنتهم آمنا بالله وباليوم الآخر ؛ فإن ذلك من الله جل وعز تكذيب لهم فيما أخبروا عن اعتقادهم من الإيمان والإقرار بالبعث، وإعلام منه نبيه صلى الله عليه وسلم أن الذي يبدونه له بأفواههم خلاف ما في ضمائر قلوبهم، وضد ما في عزائم نفوسهم. وفي هذه الآية دلالة واضحة على بطول ما زعمته الجهمية من أن الإيمان هو التصديق بالقول دون سائر المعاني غيره. وقد أخبر الله جل ثناؤه عن الذين ذكرهم في كتابه من أهل النفاق أنهم قالوا بألسنتهم: {آمنا بالله وباليوم الآخر} [البقرة: 8] ثم نفى عنهم أن يكونوا مؤمنين، إذ كان اعتقادهم غير مصدق قيلهم ذلك. وقوله: {وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] يعني بمصدقين فيما يزعمون أنهم به مصدقون.
[البقرة: 9] القول في تأويل قوله تعالى. {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} [البقرة: 9] قال أبو جعفر: وخداع المنافق ربه والمؤمنين إظهاره بلسانه من القول والتصديق خلاف الذي في قلبه من الشك والتكذيب ليدرأ عن نفسه بما أظهر بلسانه حكم الله عز وجل، اللازم من كان بمثل حاله من التكذيب لو لم يظهر بلسانه ما أظهر من التصديق والإقرار، من القتل والسباء، فذلك خداعه ربه وأهل الإيمان بالله. فإن قال قائل: وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟ قيل: لا تمتنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي هو في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف، فنجا بذلك مما خافه مخادعا لمن تخلص منه بالذي أظهر له من التقية، فكذلك المنافق سمي مخادعا لله وللمؤمنين بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية مما تخلص به من القتل والسباء والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهر مستبطن، وذلك من فعله وإن كان خداعا للمؤمنين في عاجل الدنيا فهو لنفسه بذلك من فعله خادع؛ لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها ويسقيها كأس سرورها، وهو موردها به حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، ومذيقها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به. فذلك خديعته نفسه ظنا منه مع إساءته إليها في أمر معادها أنه إليها محسن، كما قال جل ثناؤه: {وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} [البقرة: 9] إعلاما منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك كان ابن زيد يقول حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت عبد الرحمن بن زيد، عن قول الله، جل ذكره: {يخادعون الله والذين آمنوا} [البقرة: 9] إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المنافقون يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بما أظهروا " وهذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جل ثناؤه قول الزاعمين: إن الله لا يعذب من عباده إلا من كفر به عنادا، بعد علمه بوحدانيته، وبعد تقرر صحة ما عاند ربه تبارك وتعالى عليه من توحيده والإقرار بكتبه ورسله عنده؛ لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عن الذين وصفهم بما وصفهم به من النفاق وخداعهم إياه والمؤمنين أنهم لا يشعرون أنهم مبطلون فيما هم عليه من الباطل مقيمون، وأنهم بخداعهم الذي يحسبون أنهم به يخادعون ربهم وأهل الإيمان به مخدوعون. ثم أخبر تعالى ذكره أن لهم عذابا أليما بتكذيبهم بما كانوا يكذبونه من نبوة نبيه واعتقاد الكفر به، وبما كانوا يكذبون في زعمهم أنهم مؤمنون، وهم على الكفر مصرون. فإن قال لنا قائل: قد علمت أن المفاعلة لا تكون إلا من فاعلين، كقولك: ضاربت أخاك، وجالست أباك؛ إذا كان كل واحد مجالس صاحبه ومضاربه. فأما إذا كان الفعل من أحدهما فإنما يقال: ضربت أخاك وجلست إلى أبيك، فمن خادع المنافق فجاز أن يقال فيه: خادع الله والمؤمنون. قيل: قد قال بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب: إن ذلك حرف جاء بهذه الصورة، أعني يخادع بصورة يفاعل وهو بمعنى يفعل في حروف أمثالها شاذة من منطق العرب، نظير قولهم: قاتلك الله، بمعنى قتلك الله.
وليس القول في ذلك عندي كالذي قال ، بل ذلك من التفاعل الذي لا يكون إلا من اثنين كسائر ما يعرف من معنى يفاعل ومفاعل في كل كلام العرب، وذلك أن المنافق يخادع الله جل ثناؤه بكذبه بلسانه على ما قد تقدم وصفه، والله تبارك اسمه خادعه بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاة نفسه في آجل معاده، كالذي أخبر في قوله: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178] وبالمعنى الذي أخبر أنه، فاعل به في الآخرة بقوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد: 13] الآية، فذلك نظير سائر ما يأتي من معاني الكلام بفاعل ومفاعل. وقد كان بعض أهل النحو من أهل البصرة يقول: لا تكون المفاعلة إلا من شيئين، ولكنه إنما قيل: يخادعون الله عند أنفسهم بظنهم أن لا يعاقبوا، فقد علموا خلاف ذلك في أنفسهم بحجة الله تبارك اسمه الواقعة على خلقه بمعرفته {وما يخدعون إلا أنفسهم} [البقرة: 9] قال: وقد قال بعضهم: {وما يخدعون} [البقرة: 9] يقول: يخدعون أنفسهم بالتخلية بها. وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة
[البقرة: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {وما يخدعون إلا أنفسهم} [البقرة: 9] إن قال لنا قائل: أوليس المنافقون قد خدعوا المؤمنين بما أظهروا بألسنتهم من قيل الحق عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم حتى سلمت لهم دنياهم وإن كانوا قد كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم؟ قيل: خطأ أن يقال إنهم خدعوا المؤمنين؛ لأنا إذا قلنا ذلك أوجبنا لهم حقيقة خدعة جازت لهم على المؤمنين، كما أنا لو قلنا: قتل فلان فلانا، أوجبنا له حقيقة قتل كان منه لفلان. ولكنا نقول: خادع المنافقون ربهم والمؤمنين، ولم يخدعوهم بل خدعوا أنفسهم، كما قال جل ثناؤه دون غيرها، نظير ما تقول في رجل قاتل آخر فقتل نفسه ولم يقتل صاحبه: قاتل فلان فلانا ولم يقتل إلا نفسه، فتوجب له مقاتلة صاحبه، وتنفي عنه قتله صاحبه، وتوجب له قتل نفسه. فكذلك تقول: خادع المنافق ربه والمؤمنين، ولم يخدع إلا نفسه، فتثبت منه مخادعة ربه والمؤمنين، وتنفي عنه أن يكون خدع غير نفسه؛ لأن الخادع هو الذي قد صحت له الخديعة ووقع منه فعلها. فالمنافقون لم يخدعوا غير أنفسهم، لأن ما كان لهم من مال وأهل فلم يكن المسلمون ملكوه عليهم في حال خداعهم إياه عنه بنفاقهم ولا قبلها فيستنقذوه بخداعهم منهم، وإنما دافعوا عنه بكذبهم وإظهارهم بألسنتهم غير الذي في ضمائرهم، ويحكم الله لهم في أموالهم وأنفسهم وذراريهم في ظاهر أمورهم بحكم ما انتسبوا إليه من الملة، والله بما يخفون من أمورهم عالم. وإنما الخادع من ختل غيره عن شيئه، والمخدوع غير عالم بموضع خديعة خادعه. فأما والمخادع عارف بخداع صاحبه إياه، وغير لاحقه من خداعه إياه مكروه، بل إنما يتجافى للظان به أنه له مخادع استدراجا ليبلغ غاية يتكامل له عليه الحجة للعقوبة التي هو بها موقع عند بلوغه إياها. والمستدرج غير عالم بحال نفسه عند مستدرجه، ولا عارف باطلاعه على ضميره، وأن إمهال مستدرجيه إياه تركه معاقبته على جرمه ليبلغ المخاتل المخادع من استحقاقه عقوبة مستدرجه بكثرة إساءته وطول عصيانه إياه وكثرة صفح المستدرج وطول عفوه عنه أقصى غاية، فإنما هو خادع نفسه لا شك دون من حدثته نفسه أنه له مخادع. ولذلك نفى الله جل ثناؤه عن المنافق أن يكون خدع غير نفسه، إذ كانت الصفة التي وصفنا صفته. وإذ كان الأمر على ما وصفنا من خداع المنافق ربه وأهل الإيمان به، وأنه غير سائر بخداعه ذلك إلى خديعة صحيحة إلا لنفسه دون غيرها لما يورطها بفعله من الهلاك والعطب، فالواجب إذا أن يكون الصحيح من القراءة: {وما يخدعون إلا أنفسهم} [البقرة: 9] دون: وما يخادعون، لأن لفظ المخادع غير موجب تثبيت خديعة على صحة، ولفظ خادع موجب تثبيت خديعة على صحة. ولا شك أن المنافق قد أوجب خديعة الله عز وجل لنفسه بما ركب من خداعه ربه ورسوله والمؤمنين بنفاقه، فلذلك وجبت الصحة لقراءة من قرأ: {وما يخدعون إلا أنفسهم} [البقرة: 9] ومن الدلالة أيضا على أن قراءة من قرأ : {وما يخدعون} [البقرة: 9] أولى بالصحة من قراءة من قرأ: (وما يخادعون) أن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يخادعون الله والمؤمنين في أول الآية، فمحال أن ينفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه، لأن ذلك تضاد في المعنى، وذلك غير جائز من الله جل وعز 01P285
[البقرة: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {وما يشعرون} [البقرة: 9] يعني بقوله جل ثناؤه: {وما يشعرون} [البقرة: 9] وما يدرون، يقال: ما شعر فلان بهذا الأمر، وهو لا يشعر به إذا لم يدر ولم يعلم شعرا وشعورا، كما قال الشاعر 01P286 [+البحر البسيط] عقوا بسهم ولم يشعر به أحد ثم استفاءوا وقالوا حبذا الوضح يعني بقوله: لم يشعر به: لم يدر به أحد ولم يعلم. فأخبر الله تعالى ذكره عن المنافقين، أنهم لا يشعرون بأن الله خادعهم بإملائه لهم واستدراجه إياهم الذي هو من الله جل ثناؤه إبلاغ إليهم في الحجة والمعذرة، ومنهم لأنفسهم خديعة، ولها في الآجل مضرة. كالذي حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قوله: {وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} [البقرة: 9] قال: «ما يشعرون أنهم ضروا أنفسهم بما أسروا من الكفر والنفاق» وقرأ قول الله: {يوم يبعثهم الله جميعا} [المجادلة: 6] قال: «هم المنافقون» حتى بلغ {ويحسبون أنهم على شيء} [المجادلة: 18] قد كان الإيمان ينفعهم عندكم " 01P286 [البقرة: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} [البقرة: 10] أصل المرض: السقم، ثم يقال ذلك في الأجساد والأديان فأخبر الله جل ثناؤه أن في قلوب المنافقين مرضا. وإنما عنى تبارك وتعالى بخبره عن مرض قلوبهم الخبر عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد، ولكن لما كان معلوما بالخبر عن مرض القلب أنه معني به مرض ما هم معتقدوه من الاعتقاد استغنى بالخبر عن القلب بذلك، والكناية عن تصريح الخبر عن ضمائرهم واعتقاداتهم؛ كما قال عمر بن لجأ: [+البحر الكامل] وسبحت المدينة لا تلمها رأت قمرا بسوقهم نهارا يريد وسبح أهل المدينة . فاستغنى بمعرفة السامعين خبره بالخبر عن المدينة عن الخبر عن أهلها. ومثله قول عنترة العبسي: [+البحر الكامل] هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي يريد: هلا سألت أصحاب الخيل؟ ومنه قولهم: يا خيل الله اركبي، يراد: يا أصحاب خيل الله اركبوا. والشواهد على ذلك أكثر من أن يحصيها كتاب، وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق لفهمه. فكذلك معنى قول الله جل ثناؤه: {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] إنما يعني في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله مرض وسقم. فاجتزأ بدلالة الخبر عن قلوبهم على معناه عن تصريح الخبر عن اعتقادهم. والمرض الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه في اعتقاد قلوبهم الذي وصفناه هو شكهم في أمر محمد، وما جاء به من عند الله وتحيرهم فيه، فلا هم به موقنون إيقان إيمان، ولا هم له منكرون إنكار إشراك؛ ولكنهم كما وصفهم الله عز وجل مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما يقال: فلان تمرض في هذا الأمر، أي يضعف العزم ولا يصحح الروية فيه. وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك تظاهر القول في تفسيره من المفسرين ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] أي شك " وحدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " المرض: النفاق " حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] يقول: في قلوبهم شك " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال 01P289 عبد الرحمن بن زيد في قوله: " {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] قال: هذا مرض في الدين وليس مرضا في الأجساد. قال: هم المنافقون " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك قراءة عن سعيد، عن قتادة، في قوله: " {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] قال: في قلوبهم ريبة وشك في أمر الله جل ثناؤه " وحدثت عن عمار بن الحسن، قال حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] قال: هؤلاء أهل النفاق، والمرض الذي في قلوبهم الشك في أمر الله تعالى ذكره " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد: " {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} [البقرة: 8] حتى بلغ: {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] قال: المرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام " 01P289
[البقرة: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {فزادهم الله مرضا} [البقرة: 10] قد دللنا آنفا على أن تأويل المرض الذي وصف الله جل ثناؤه أنه في قلوب المنافقين: هو الشك في اعتقادات قلوبهم وأديانهم وما هم عليه، في أمر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر نبوته وما جاء به، مقيمون. فالمرض الذي أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنه زادهم على مرضهم هو نظير ما كان في قلوبهم من الشك والحيرة قبل الزيادة، فزادهم الله بما أحدث من حدوده وفرائضه التي لم يكن فرضها قبل الزيادة التي زادها المنافقين، من الشك والحيرة إذ شكوا وارتابوا في الذي أحدث لهم من ذلك، إلى المرض والشك الذي كان في قلوبهم في السالف من حدوده وفرائضه التي كان فرضها قبل ذلك، كما زاد المؤمنين به إلى إيمانهم الذي كانوا عليه قبل ذلك بالذي أحدث لهم من الفرائض والحدود إذ آمنوا به، إلى إيمانهم بالسالف من حدوده وفرائضه إيمانا. كالذي قال جل ثناؤه في تنزيله: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [التوبة: 125] فالزيادة التي زيدها المنافقون من الرجاسة إلى رجاستهم هو ما وصفنا، والزيادة التي زيدها المؤمنون إلى إيمانهم هو ما بينا، وذلك هو التأويل المجمع عليه ذكر بعض من قال ذلك من أهل التأويل حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {فزادهم الله مرضا} [البقرة: 10] قال: شكا " حدثني موسى بن هارون، قال: أخبرنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة 01P291 الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {فزادهم الله مرضا} [البقرة: 10] يقول: فزادهم الله ريبة وشكا " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، قراءة عن سعيد، عن قتادة: " {فزادهم الله مرضا} [البقرة: 10] يقول: فزادهم الله ريبة وشكا في أمر الله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: " {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} [البقرة: 10] قال: زادهم رجسا. وقرأ قول الله عز وجل: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} [التوبة: 124] {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 125] قال: شرا إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم " وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {فزادهم الله مرضا} [البقرة: 10] قال زادهم الله شكا " 01P291 [البقرة: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {ولهم عذاب أليم} [البقرة: 10] قال أبو جعفر: والأليم: هو الموجع، ومعناه: ولهم عذاب مؤلم، فصرف مؤلم إلى أليم كما يقال: ضرب وجيع بمعنى موجع، والله بديع السموات والأرض بمعنى مبدع. ومنه قول عمرو بن معدي كرب الزبيدي 01P292 [+البحر الوافر] أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع بمعنى المسمع. ومنه قول ذي الرمة: [+البحر الوافر] ويرفع من صدور شمردلات يصد وجوهها وهج أليم ويروى يصك، وإنما الأليم صفة للعذاب، كأنه قال: ولهم عذاب مؤلم. وهو مأخوذ من الألم، والألم: الوجع كما حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " الأليم: الموجع " حدثنا يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: «الأليم، الموجع» وحدثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، " في قوله {أليم} [البقرة: 10] قال: هو العذاب الموجع وكل شيء في القرآن من الأليم فهو الموجع " 01P293
[البقرة: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {بما كانوا يكذبون} [البقرة: 10] اختلفت القراءة في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {بما كانوا يكذبون} [البقرة: 10] مخففة الذال مفتوحة الياء، وهي قراءة معظم أهل الكوفة. وقرأه آخرون: (يكذبون) بضم الياء وتشديد الذال، وهي قراءة معظم أهل المدينة والحجاز والبصرة وكأن الذين قرءوا ذلك بتشديد الذال وضم الياء رأوا أن الله جل ثناؤه إنما أوجب للمنافقين العذاب الأليم بتكذيبهم نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وأن الكذب لولا التكذيب لا يوجب لأحد اليسير من العذاب، فكيف بالأليم منه؟ وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالوا؛ وذلك أن الله عز وجل أنبأ عن المنافقين في أول النبأ عنهم في هذه السورة بأنهم يكذبون بدعواهم الإيمان وإظهارهم ذلك بألسنتهم خداعا لله عز وجل ولرسوله وللمؤمنين، فقال: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا} [البقرة: 9] بذلك من قيلهم مع استسرارهم الشك والريبة {وما يخدعون} [البقرة: 9] بصنيعهم ذلك {إلا أنفسهم} [البقرة: 9] دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {وما يشعرون} [البقرة: 9] بموضع خديعتهم أنفسهم واستدراج الله عز وجل إياهم بإملائه لهم {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] أي نفاق وريبة، والله زائدهم شكا وريبة بما كانوا يكذبون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم بألسنتهم: {آمنا بالله وباليوم الآخر} [البقرة: 8] وهم في قيلهم ذلك كذبة لاستسرارهم الشك والمرض في اعتقادات قلوبهم. في أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فأولى في حكمة الله جل جلاله أن يكون الوعيد منه لهم على ما افتتح به الخبر عنهم من قبيح أفعالهم وذميم أخلاقهم، دون ما لم يجر له ذكر من أفعالهم؛ إذ كان سائر آيات تنزيله بذلك نزل. وهو أن يفتتح ذكر محاسن أفعال قوم ثم يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذكره من أفعالهم، ويفتتح ذكر مساوئ أفعال آخرين ثم يختم ذلك بالوعيد على ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم. فكذلك الصحيح من القول في الآيات التي افتتح فيها ذكر بعض مساوئ أفعال المنافقين أن يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذكره من قبائح أفعالهم، فهذا مع دلالة الآية الأخرى على صحة ما قلنا وشهادتها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا، وأن الصواب من التأويل ما تأولنا من أن وعيد الله المنافقين في هذه الآية العذاب الأليم على الكذب الجامع معنى الشك والتكذيب، وذلك قول الله تبارك وتعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون} [المنافقون: 1] والآية الأخرى في المجادلة: {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين} [المجادلة: 16] فأخبر جل ثناؤه أن المنافقين، بقيلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقادهم فيه ما هم معتقدون، كاذبون. ثم أخبر تعالى ذكره أن العذاب المهين لهم على ذلك من كذبهم. ولو كان الصحيح من القراءة على ما قرأه القارئون في سورة البقرة: {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} [البقرة: 10] لكانت القراءة في السورة الأخرى: والله يشهد إن المنافقين لمكذبون، ليكون الوعيد لهم الذي هو عقيب ذلك وعيدا على التكذيب، لا على الكذب. وفي إجماع المسلمين على أن الصواب من القراءة في قوله: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] بمعنى الكذب، وأن إيعاد الله تبارك وتعالى فيه المنافقين العذاب الأليم على ذلك من كذبهم، أوضح الدلالة على أن الصحيح من القراءة في سورة البقرة: {بما كانوا يكذبون } [البقرة: 10] بمعنى الكذب، وأن الوعيد من الله تعالى ذكره للمنافقين فيها على الكذب حق، لا على التكذيب الذي لم يجز له ذكر نظير الذي في سورة المنافقين سواء. وقد زعم بعض نحويي البصرة أن ما من قول الله تبارك اسمه: {بما كانوا يكذبون} [البقرة: 10] اسم للمصدر، كما أن أن والفعل اسمان للمصدر في قولك: أحب أن تأتيني، وأن المعنى إنما هو بكذبهم وتكذيبهم.
قال: وأدخل كان ليخبر أنه كان فيما مضى، كما يقال: ما أحسن ما كان عبد الله. فأنت تعجب من عبد الله لا من كونه، وإنما وقع التعجب في اللفظ على كونه. وكان بعض نحويي الكوفة ينكر ذلك من قوله ويستخطئه ويقول: إنما ألغيت كان في التعجب لأن الفعل قد تقدمها، فكأنه قال: حسنا كان زيد، وحسن كان زيد يبطل كان، ويعمل مع الأسماء والصفات التي بألفاظ الأسماء إذا جاءت قبل كان ووقعت كان بينها وبين الأسماء. وأما العلة في إبطالها إذا أبطلت في هذه الحال فشبه الصفات والأسماء بفعل ويفعل اللتين لا يظهر عمل كان فيهما، ألا ترى أنك تقول: يقوم كان زيد، ولا يظهر عمل كان في يقوم، وكذلك قام كان زيد. فلذلك أبطل عملها مع فاعل تمثيلا بفعل ويفعل، وأعملت مع فاعل أحيانا لأنه اسم كما تعمل في الأسماء. فأما إذا تقدمت كان الأسماء والأفعال وكان الاسم والفعل بعدها، فخطأ عنده أن تكون كان مبطلة؛ فلذلك أحال قول البصري الذي حكيناه، وتأول قول الله عز وجل: {بما كانوا يكذبون} [البقرة: 10] أنه بمعنى: الذي يكذبونه 01P296
[البقرة: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11] اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، فروي عن سلمان الفارسي أنه كان يقول: لم يجئ هؤلاء بعد حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثام بن علي، قال: حدثنا الأعمش، قال: سمعت المنهال بن عمرو، يحدث عن عباد بن عبد الله، عن سلمان، قال: " ما جاء هؤلاء بعد الذين {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11] " حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: حدثني أبي، قال حدثني الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلمان " أنه قال في هذه الآية: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11] قال: ما جاء هؤلاء بعد " وقال آخرون بما حدثني به، موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11] هم المنافقون. أما {لا تفسدوا في الأرض} [البقرة: 11] فإن الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية " وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} [البقرة: 11] يقول: لا تعصوا في الأرض. قال: فكان فسادهم على أنفسهم ذلك معصية الله جل ثناؤه، لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته فقد أفسد في الأرض، لأن إصلاح الأرض والسماء بالطاعة " وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال: إن قول الله تبارك اسمه: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11] نزلت في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان معنيا بها كل من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدهم إلى يوم القيامة. وقد يحتمل قول سلمان عند تلاوة هذه الآية: ما جاء هؤلاء بعد، أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرا منه عمن جاء منهم بعدهم ولما يجئ بعد، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن هذه صفته أحد. وإنما قلنا أولى التأويلين بالآية ما ذكرنا، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك صفة من كان بين ظهراني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين، وأن هذه الآيات فيهم نزلت. والتأويل المجمع عليه أولى بتأويل القرآن من قول لا دلالة على صحته من أصل ولا نظير. والإفساد في الأرض: العمل فيها بما نهى الله جل ثناؤه عنه، وتضييع ما أمر الله بحفظه. فذلك جملة الإفساد، كما قال جل ثناؤه في كتابه مخبرا عن قيل ملائكته: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} [البقرة: 30] يعنون بذلك: أتجعل في الأرض من يعصيك ويخالف أمرك؟ فكذلك صفة أهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه وشكهم في دين الله الذي لا يقبل من أحد عملا إلا بالتصديق به والإيقان بحقيته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب وبمظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا فذلك إفساد المنافقين في أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها.
فلم يسقط الله جل ثناؤه عنهم عقوبته، ولا خفف عنهم أليم ما أعد من عقابه لأهل معصيته بحسبانهم أنهم فيما أتوا من معاصي الله مصلحون، بل أوجب لهم الدرك الأسفل من ناره والأليم من عذابه والعار العاجل بسب الله إياهم وشتمه لهم، فقال تعالى: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 12] وذلك من حكم الله جل ثناؤه فيهم أدل الدليل على تكذيبه تعالى قول القائلين: إن عقوبات الله لا يستحقها إلا المعاند ربه فيما لزمه من حقوقه وفروضه بعد علمه وثبوت الحجة عليه بمعرفته بلزوم ذلك إياه 01P299
[البقرة: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11] وتأويل ذلك كالذي قاله ابن عباس، الذي حدثنا به، محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن 01P300 ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، " قوله: {إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11] أي قالوا : إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب " وخالفه في ذلك غيره حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} [البقرة: 11] قال: إذا ركبوا معصية الله، فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن على الهدى مصلحون " قال أبو جعفر: وأي الأمرين كان منهم في ذلك، أعني في دعواهم أنهم مصلحون، فهم لا شك أنهم كانوا يحسبون أنهم فيما أتوا من ذلك مصلحون. فسواء بين اليهود والمسلمين كانت دعواهم الإصلاح أو في أديانهم، وفيما ركبوا من معصية الله، وكذبهم المؤمنين فيما أظهروا لهم من القول وهم لغير ما أظهروا مستبطنون، لأنهم كانوا في جميع ذلك من أمرهم عند أنفسهم محسنين، وهم عند الله مسيئون، ولأمر الله مخالفون؛ لأن الله جل ثناؤه قد كان فرض عليهم عداوة اليهود وحربهم مع المسلمين، وألزمهم التصديق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله كالذي ألزم من ذلك المؤمنين، فكان لقاؤهم اليهود على وجه الولاية منهم لهم، وشكهم في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما جاء به أنه من عند الله أعظم الفساد، وإن كان ذلك كان عندهم إصلاحا وهدى: في أديانهم، أو فيما بين المؤمنين واليهود، فقال جل ثناؤه فيهم: {ألا إنهم هم المفسدون } [البقرة: 12] دون الذين ينهونهم من المؤمنين عن الإفساد في الأرض {ولكن لا يشعرون} [البقرة: 12] 01P301 [البقرة: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 12] وهذا القول من الله جل ثناؤه تكذيب للمنافقين في دعواهم إذا أمروا بطاعة الله فيما أمرهم الله به، ونهوا عن معصية الله فيما نهاهم الله عنه. قالوا: إنما نحن مصلحون لا مفسدون، ونحن على رشد وهدى فيما أنكرتموه علينا دونكم لا ضالون. فكذبهم الله عز وجل في ذلك من قيلهم، فقال: {ألا إنهم هم المفسدون} [البقرة: 12] المخالفون أمر الله عز وجل، المتعدون حدوده الراكبون معصيته، التاركون فروضه وهم لا يشعرون ولا يدرون أنهم كذلك، لا الذين يأمرونهم بالقسط من المؤمنين وينهونهم عن معاصي الله في أرضه من المسلمين 01P301
[البقرة: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} [البقرة: 13] قال أبو جعفر: وتأويل قوله: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس} [البقرة: 13] يعني: وإذا قيل لهؤلاء الذين وصفهم الله ونعتهم بأنهم يقولون {آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] صدقوا بمحمد وبما جاء به من عند الله كما صدق به الناس. ويعني بالناس المؤمنين الذين آمنوا بمحمد ونبوته وما جاء به من عند الله كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمار، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: " {وإذا قيل لهم آمنوا كما 01P302 آمن الناس} [البقرة: 13] يقول: وإذا قيل لهم صدقوا كما صدق أصحاب محمد، قولوا: إنه نبي ورسول، وإن ما أنزل عليه حق، وصدقوا بالآخرة، وأنكم مبعوثون من بعد الموت " وإنما أدخلت الألف واللام في الناس وهم بعض الناس لا جميعهم؛ لأنهم كانوا معروفين عند الذين خوطبوا بهذه الآية بأعيانهم. وإنما معناه: آمنوا كما آمن الناس الذين تعرفونهم من أهل اليقين والتصديق بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر، فلذلك أدخلت الألف واللام فيه كما أدخلتا في قوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} [آل عمران: 173] لأنه أشير بدخولها إلى ناس معروفين عند من خوطب بذلك 01P301 [البقرة: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} [البقرة: 13] قال أبو جعفر: والسفهاء جمع سفيه، كالعلماء جمع عليم، والحكماء جمع حكيم والسفيه: الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار ولذلك سمى الله عز وجل النساء والصبيان سفهاء، فقال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} [النساء: 5] فقال عامة أهل التأويل: هم النساء والصبيان لضعف آرائهم، وقلة معرفتهم بمواضع المصالح والمضار التي تصرف إليها الأموال. وإنما عنى المنافقون بقيلهم أنؤمن كما آمن السفهاء، إذ دعوا إلى التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله، والإقرار بالبعث، فقال لهم: آمنوا كما آمن أصحاب محمد وأتباعه من المؤمنين المصدقين به أهل الإيمان واليقين والتصديق بالله وبما افترض عليهم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وفي كتابه وباليوم الآخر، فقالوا إجابة لقائل ذلك لهم: أنؤمن كما آمن أهل الجهل ونصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم كما صدق به هؤلاء الذين لا عقول لهم ولا أفهام كالذي حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: " {أنؤمن كما آمن السفهاء} [البقرة: 13] يعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} [البقرة: 13] يعنون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، " في قوله: {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} [البقرة: 13] قال: هذا قول المنافقين، يريدون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمار، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} [البقرة: 13] يقولون: أنقول كما تقول السفهاء؟ يعنون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، لخلافهم لدينهم " 01P304
[البقرة: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} [البقرة: 13] قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى عن المنافقين الذين تقدم نعته لهم ووصفه إياهم بما وصفهم به من الشك والتكذيب، أنهم هم الجهال في أديانهم، الضعفاء الآراء في اعتقاداتهم واختياراتهم التي اختاروها لأنفسهم من الشك والريب في أمر الله وأمر رسوله وأمر نبوته، وفيما جاء به من عند الله، وأمر البعث، لإساءتهم إلى أنفسهم بما أتوا من ذلك، وهم يحسبون أنهم إليها يحسنون. وذلك هو عين السفه، لأن السفيه إنما يفسد من حيث يرى أنه يصلح ويضيع من حيث يرى أنه يحفظ. فكذلك المنافق يعصي ربه من حيث يرى أنه يطيعه، ويكفر به من حيث يرى أنه يؤمن به، ويسيء إلى نفسه من حيث يحسب أنه يحسن إليها، كما وصفهم به ربنا جل ذكره فقال: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 12] وقال: ألا إنهم هم السفهاء دون المؤمنين المصدقين بالله وبكتابه وبرسوله وثوابه وعقابه، ولكن لا يعلمون. وكذلك كان ابن عباس يتأول هذه الآية حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمار، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، " يقول الله جل ثناؤه: {ألا إنهم هم السفهاء} [البقرة: 13] يقول: الجهال {ولكن لا يعلمون} [البقرة: 13] يقول: ولكن لا يعقلون " وأما وجه دخول الألف واللام في السفهاء فشبيه بوجه دخولهما في الناس في قوله: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس} [البقرة: 13] وقد بينا العلة في دخولهما هنالك، والعلة في دخولهما في السفهاء نظيرتها في دخولهما في الناس هنالك سواء. والدلالة التي تدل عليه هذه الآية من خطأ قول من زعم أن العقوبة من الله لا يستحقها إلا المعاند ربه مع علمه بصحة ما عانده فيه نظير دلالة الآيات الأخر التي قد تقدم ذكرنا تأويلها في قوله: {ولكن لا يشعرون} [البقرة: 12] ونظائر ذلك 01P305
[البقرة: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14] قال أبو جعفر: وهذه الآية نظير الآية الأخرى التي أخبر الله جل ثناؤه فيها عن المنافقين بخداعهم الله ورسوله والمؤمنين، فقال: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} [البقرة: 8] ثم أكذبهم تعالى ذكره بقوله: {وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] وأنهم بقيلهم ذلك يخادعون الله والذين آمنوا. وكذلك أخبر عنهم في هذه الآية أنهم يقولون للمؤمنين المصدقين بالله وكتابه ورسوله بألسنتهم: آمنا وصدقنا بمحمد وبما جاء به من عند الله، خداعا عن دمائهم وأموالهم وذراريهم، ودرءا لهم عنها، وأنهم إذا خلوا إلى مردتهم وأهل العتو والشر والخبث منهم ومن سائر أهل الشرك الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكفر بالله وبكتابه ورسوله وهم شياطينهم. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا على أن شياطين كل شيء مردته، قالوا لهم: {إنا معكم} [البقرة: 14] أي إنا معكم على دينكم، وظهراؤكم على من خالفكم فيه، وأولياؤكم دون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، إنما نحن مستهزئون بالله وبكتابه ورسوله وأصحابه كالذي حدثنا محمد بن العلاء: قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال حدثنا بشر بن عمار، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: " {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 14] قال: كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم 01P307 أو بعضهم، قالوا: إنا على دينكم، وإذا خلوا إلى أصحابهم وهم شياطينهم {قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] قال: إذا خلوا إلى شياطينهم من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب، وخلاف ما جاء به الرسول {قالوا إنا معكم} [البقرة: 14] أي إنا على مثل ما أنتم عليه {إنما نحن مستهزئون} " حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " {وإذا خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] أما شياطينهم، فهم رءوسهم في الكفر " حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله: " {وإذا خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] أي رؤسائهم وقادتهم في الشر، قالوا 01P308 : {إنما نحن مستهزئون} " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، " في قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] قال المشركون " حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد " في قول الله عز وجل: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] قال: إذا خلا المنافقون إلى أصحابهم من الكفار " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، عن شبل بن عباد، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وإذا خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] قال: أصحابهم من المنافقين والمشركين " حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " {وإذا خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] قال إخوانهم من المشركين، {قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} " حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج " في قوله: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 14] قال: إذا أصاب المؤمنين رخاء، قالوا إنا نحن معكم إنما نحن إخوانكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم استهزءوا 01P309 بالمؤمنين " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: " {شياطينهم} [البقرة: 14] : أصحابهم من المنافقين والمشركين " فإن قال لنا قائل: أرأيت قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] فكيف قيل {: خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] ؟
ولم يقل خلوا بشياطينهم "؟ فقد علمت أن الجاري بين الناس في كلامهم خلوت بفلان أكثر وأفشى من خلوت إلى فلان، ومن قولك: إن القرآن أفصح البيان قيل: قد اختلف في ذلك أهل العلم بلغة العرب، فكان بعض نحويي البصرة يقول: يقال خلوت إلى فلان، إذا أريد به: خلوت إليه في حاجة خاصة؛ لا يحتمل إذا قيل كذلك إلا الخلاء إليه في قضاء الحاجة. فأما إذا قيل: خلوت به احتمل معنيين: أحدهما الخلاء به في الحاجة، والآخر: في السخرية به، فعلى هذا القول {وإذا خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] لا شك أفصح منه لو قيل: وإذا خلوا بشياطينهم لما في قول القائل: إذا خلوا بشياطينهم من التباس المعنى على سامعيه الذي هو منتف عن قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم} [البقرة: 14] فهذا أحد الأقوال. والقول الآخر أن توجه معنى قوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم 01P310 } [البقرة: 14] أي إذا خلوا مع شياطينهم، إذ كانت حروف الصفات يعاقب بعضها بعضا كما قال الله مخبرا عن عيسى ابن مريم أنه قال للحواريين: {من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52] يريد مع الله، وكما توضع على في موضع من وفي وعن والباء، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] إذا رضيت علي بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها بمعنى عني. وأما بعض نحويي أهل الكوفة فإنه كان يتأول أن ذلك بمعنى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 14] وإذا صرفوا خلاءهم إلى شياطينهم؛ فيزعم أن الجالب إلى المعنى الذي دل عليه الكلام: من انصراف المنافقين عن لقاء المؤمنين إلى شياطينهم خالين بهم، لا قوله خلوا. وعلى هذا التأويل لا يصلح في موضع إلى غيرها لتغير الكلام بدخول غيرها من الحروف مكانها. وهذا القول عندي أولى بالصواب، لأن لكل حرف من حروف المعاني وجها هو به أولى من غيره، فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم 01P311 لها. ولإلى في كل موضع دخلت من الكلام حكم وغير جائز سلبها معانيها في أماكنها 01P309
[البقرة: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14] أجمع أهل التأويل جميعا لا خلاف بينهم، على أن معنى قوله: {إنما نحن مستهزئون} إنما نحن ساخرون. فمعنى الكلام إذا: وإذا انصرف المنافقون خالين إلى مردتهم من المنافقين والمشركين قالوا: إنا معكم عن ما أنتم عليه من التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به ومعاداته ومعاداة أتباعه، إنما نحن ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في قيلنا لهم إذا لقيناهم {آمنا بالله وباليوم الآخر} [البقرة: 8] كما حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمار، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " قالوا: {إنما نحن مستهزئون} ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: « {إنما نحن مستهزئون} أي إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم» حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، 01P312 عن قتادة: « {إنما نحن مستهزئون} إنما نستهزئ بهؤلاء القوم ونسخر بهم» حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « {إنما نحن مستهزئون} أي نستهزئ بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم» 01P312
[البقرة: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} [البقرة: 15] قال أبو جعفر: اختلف في صفة استهزاء الله جل جلاله الذي ذكر أنه فاعله بالمنافقين الذين وصف صفتهم. فقال بعضهم: استهزاؤه بهم كالذي أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعل بهم يوم القيامة في قوله تعالى: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى} [الحديد: 14] الآية، وكالذي أخبرنا أنه فعل بالكفار بقوله: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178] فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جل وعز وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به، عند قائلي هذا القول ومتأولي هذا التأويل. وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم: توبيخه إياهم ولومه لهم على ما ركبوا من معاصي الله والكفر به، كما يقال: إن فلانا ليهزأ منه اليوم ويسخر منه؛ يراد به توبيخ الناس إياه ولومهم له، أو إهلاكه إياهم وتدميره بهم، كما قال عبيد بن الأبرص: [+البحر الكامل] سائل بنا حجر ابن أم قطام إذ ظلت به السمر النواهل تلعب فزعموا أن السمر وهي القنا لا لعب منها، ولكنها لما قتلتهم وشردتهم جعل ذلك من فعلها لعبا بمن فعلت ذلك به؛ قالوا: فكذلك استهزاء الله جل ثناؤه بمن استهزأ به من أهل النفاق والكفر به، إما إهلاكه إياهم وتدميره بهم وإما إملاؤه لهم ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتة، أو توبيخه لهم ولأئمته إياهم قالوا: وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسخرية. وقال آخرون: قوله: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم} [البقرة: 9] على الجواب، كقول الرجل لمن كان يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك ولم تكن منه خديعة ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه. قالوا: وكذلك قوله: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [آل عمران: 54] والله يستهزئ بهم على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء. والمعنى: أن المكر والهزء حاق بهم. وقال آخرون: قوله: {إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم} وقوله: {يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] وقوله: {فيسخرون منهم سخر الله منهم} [التوبة: 79] و {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] وما أشبه ذلك، إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع. فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ وإن اختلف المعنيان، كما قال جل ثناؤه: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] ومعلوم أن الأولى من صاحبها سيئة إذ كانت منه لله تبارك وتعالى معصية، وأن الأخرى عدل لأنها من الله جزاء للعاصي على المعصية. فهما وإن اتفق لفظاهما مختلفا المعنى. وكذلك قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} [البقرة: 194] فالعدوان الأول ظلم، والثاني جزاء لا ظلم، بل هو عدل؛ لأنه عقوبة للظالم على ظلمه وإن وافق لفظه لفظ الأول. وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك مما هو خبر عن مكر الله جل وعز بقوم، وما أشبه ذلك. وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله جل وعز أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم صدقنا بمحمد عليه الصلاة والسلام وما جاء به مستهزئون. يعنون: إنا نظهر لهم ما هو عندنا باطل لا حق ولا هدى. قالوا: وذلك هو معنى من معاني الاستهزاء. فأخبر الله أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلاف الذي لهم عنده في الآخرة، كما أظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في الدين ما هم على خلافه في سرائرهم.
Pertanyaan
- Apa yang diajarkan Islam tentang kehidupan setelah kematian?
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Bagaimana cara melaksanakan salat lima waktu?
- Apa saja aturan puasa di bulan Ramadan?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?