Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bagian V04/P491–V04/P492

فإن ظن ذو غفلة أنه غير جائز أن يكون جاوز النهر مع طالوت إلا أهل الإيمان الذين ثبتوا معه على إيمانهم، ومن لم يشرب من النهر إلا الغرفة؛ لأن الله تعالى ذكره قال: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه} [البقرة: 249] فكان معلوما أنه لم يجاوز معه إلا أهل الإيمان، على ما روي به الخبر عن البراء بن عازب، ولأن أهل الكفر لو كانوا جاوزوا النهر كما جاوزه أهل الإيمان لما خص الله بالذكر في ذلك أهل الإيمان؛ فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن. وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الفريقان، أعني فريق الإيمان وفريق الكفر جاوزوا النهر، وأخبر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، عن المؤمنين بالمجاوزة، لأنهم كانوا من الذين جاوزوه مع ملكهم وترك ذكر أهل الكفر، وإن كانوا قد جاوزوا النهر مع المؤمنين. والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك قول الله تعالى ذكره: {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} [البقرة: 249] فأوجب الله تعالى ذكره أن الذين يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا عند مجاوزة النهر: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} [البقرة: 249] دون غيرهم الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله، وأن الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} [البقرة: 249] وغير جائز أن يضاف الإيمان إلى من جحد أنه ملاقي الله أو شك فيه 04P493

Bagian V04/P492–V04/P495

[البقرة: 249] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] اختلف أهل التأويل في أمر هذين الفريقين، أعني القائلين: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} [البقرة: 249] " والقائلين: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} [البقرة: 249] من هما فقال بعضهم: " الفريق الذين قالوا: " {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} [البقرة: 249] هم أهل كفر بالله، ونفاق، وليسوا ممن شهد قتال جالوت وجنوده، لأنهم انصرفوا عن طالوت، ومن ثبت معه لقتال عدو الله جالوت ومن معه، وهم الذين عصوا أمر الله لشربهم من النهر " ذكر من قال ذلك حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، بذلك؛ وهو 04P494 قول ابن عباس، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه آنفا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله} [البقرة: 249] الذين اغترفوا وأطاعوا الذين مضوا مع طالوت المؤمنون، وجلس الذين شكوا " وقال آخرون: كلا الفريقين كان أهل إيمان، ولم يكن منهم أحد شرب من الماء إلا غرفة، بل كانوا جميعا أهل طاعة، ولكن بعضهم كان أصح يقينا من بعض، وهم الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} [البقرة: 249] والآخرون كانوا أضعف يقينا، وهم الذين قالوا: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} [البقرة: 249] ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] ويكون المؤمنون بعضهم أفضل جدا، وعزما من بعض، وهم مؤمنون كلهم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 04P495 قتادة، في قوله: " {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} [البقرة: 249] أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: «أنتم بعدة أصحاب طالوت ثلثمائة» قال قتادة: وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " الذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوا، وهم الذين قالوا: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] " ويجب على القول الذي روي، عن البراء بن عازب، «أنه لم يجاوز النهر مع طالوت إلا عدة أصحاب بدر أن يكون كلا الفريقين اللذين وصفهما الله بما وصفهما به أمرهما» على نحو ما قال فيهما قتادة، وابن زيد وأولى القولين في تأويل الآية ما قاله ابن عباس، والسدي، وابن جريج، وقد ذكرنا الحجة في ذلك فيما مضى قبل آنفا. وأما تأويل قوله: {قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله} [البقرة: 249] فإنه يعني: قال الذين يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو الله حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله} [البقرة: 249] الذين يستيقنون " فتأويل الكلام: قال الذين يوقنون بالمعاد، ويصدقون بالمرجع إلى الله للذين قالوا: {لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} [البقرة: 249] : {كم من فئة قليلة} [البقرة: 249] يعني بكم: كثيرا غلبت فئة قليلة فئة كثيرة بإذن الله، يعني: بقضاء الله وقدره {والله مع الصابرين} [البقرة: 249] يقول: مع الحابسين أنفسهم على رضاه وطاعته. وقد أتينا على البيان عن وجوه الظن وأن أحد معانيه العلم اليقين بما يدل على صحة ذلك فيما مضى، فكرهنا إعادته.

Bagian V04/P495–V04/P496

وأما الفئة فإنهم الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه، وهو مثل الرهط، والنفر جمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في النصب والخفض بفتح نونها في كل حال، وفئين بالرفع بإعراب نونها بالرفع وترك الياء فيها، وفي النصب فئينا، وفي الخفض فئين، فيكون الإعراب في الخفض والنصب في نونها، وفي كل ذلك مقرة فيها الياء على حالها، فإن أضيفت، قيل: هؤلاء فئينك بإقرار النون وحذف التنوين، كما قال الذين لغتهم هذه سنين في جمع السنة هذه سنينك بإثبات النون وإعرابها، وحذف التنوين منها للإضافة، وكذلك العمل في كل منقوص، مثل مائة وثبة، وقلة، وعزة، فأما ما كان نقصه من أوله؛ فإن جمعه بالتاء مثل عدة وعدات وصلة وصلات وأما قوله: {والله مع الصابرين} [البقرة: 249] فإنه يعني: والله معين الصابرين على الجهاد في سبيله وغير ذلك من طاعته، وظهورهم ونصرهم على أعدائه 04P497 الصادين عن سبيله، المخالفين منهاج دينه. وكذلك يقال لكل معين رجلا على غيره هو معه بمعنى هو معه بالعون له والنصرة 04P496

Bagian V04/P496–V04/P497

[البقرة: 250] القول في تأويل قوله تعالى: {ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 250] يعني تعالى ذكره بقوله: {ولما برزوا لجالوت وجنوده} [البقرة: 250] ولما برز طالوت وجنوده لجالوت وجنوده. ومعنى قوله: {برزوا} [البقرة: 250] صاروا بالبراز من الأرض، وهو ما ظهر منها واستوى، ولذلك قيل للرجل القاضي حاجته: تبرز؛ لأن الناس قديما في الجاهلية إنما كانوا يقضون حاجتهم في البراز من الأرض، فقيل: قد تبرز فلان: إذا خرج إلى البراز من الأرض لذلك، كما قيل تغوط لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في الغائط من الأرض وهو المطمئن منها، فقيل للرجال: تغوط، أي صار إلى الغائط من الأرض. وأما قوله: {ربنا أفرغ علينا صبرا} [البقرة: 250] فإنه يعني أن طالوت وأصحابه قالوا: {ربنا أفرغ علينا صبرا} [البقرة: 250] يعني أنزل علينا صبرا وقوله: {وثبت أقدامنا} [البقرة: 250] يعني: وقو قلوبنا على جهادهم لتثبت أقدامنا فلا نهزم عنهم {وانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 250] الذين كفروا بك فجحدوك إلها وعبدوا غيرك واتخذوا الأوثان أربابا 04P497

Bagian V04/P497–V04/P498

[البقرة: 251] القول في تأويل قوله تعالى: {فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} [البقرة: 251] يعني تعالى ذكره بقوله: فهزم طالوت وجنوده أصحاب جالوت، وقتل داود جالوت. وفي هذا الكلام متروك ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر منه عليه. وذلك أن معنى الكلام: ولما برزوا لجالوت وجنوده، قالوا: ربنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فاستجاب لهم ربهم، فأفرغ عليهم صبره، وثبت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين، فهزموهم بإذن الله. ولكنه ترك ذكر ذلك اكتفاء بدلالة قوله: {فهزموهم بإذن الله} [البقرة: 251] على أن الله قد أجاب دعاءهم الذي دعوه به. ومعنى قوله: {فهزموهم بإذن الله} [البقرة: 251] قتلوهم بقضاء الله وقدره، يقال منه: هزم القوم الجيش هزيمة وهزيمى {وقتل داود جالوت} وداود هذا هو داود بن إيشا نبي الله صلى الله عليه وسلم. وكان سبب قتله إياه كما: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا بكار بن عبد الله، قال: سمعت وهب بن منبه، يحدث، قال: " لما خرج، أو قال: لما برز طالوت لجالوت، قال جالوت: أبرزوا لي من يقاتلني، فإن قتلني، فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم فأتي بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله. فألبسه طالوت سلاحا، فكره داود أن يقاتله، وقال: إن الله لم ينصرني عليه لم يغن السلاح. فخرج إليه بالمقلاع، وبمخلاة فيها أحجار، ثم برز له، قال له جالوت: أنت تقاتلني؟ قال داود: نعم. 04P499 قال: ويلك أما تخرج إلي إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة؟ لأبددن لحمك، ولأطعمنه اليوم الطير، والسباع فقال له داود: بل أنت عدو الله شر من الكلب. فأخذ داود حجرا ورماه بالمقلاع، فأصابت بين عينيه حتى نفذت في دماغه، فصرع جالوت، وانهزم من معه، واحتز داود رأسه. فلما رجعوا إلى طالوت ادعى الناس قتل جالوت، فمنهم من يأتي بالسيف وبالشيء من سلاحه أو جسده، وخبأ داود رأسه، فقال طالوت: من جاء برأسه فهو الذي قتله. فجاء به داود. ثم قال لطالوت: أعطني ما وعدتني فندم طالوت على ما كان شرط له، وقال: إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق، وأنت رجل جريء شجاع، فاحتمل صداقها ثلثمائة غلفة من أعدائنا وكان يرجو بذلك أن يقتل داود. فغزا داود وأسر منهم ثلثمائة، وقطع غلفهم وجاء بها، فلم يجد طالوت بدا من أن يزوجه. ثم أدركته الندامة، فأراد قتل داود حتى هرب منه إلى الجبل، فنهض إليه طالوت فحاصره. فلما كان ذات ليلة سلط النوم على طالوت وحرسه، فهبط إليهم داود، فأخذ إبريق طالوت الذي كان يشرب منه ويتوضأ، وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه، ثم رجع داود إلى مكانه، فناداه أنى حرسك، فإني لو شئت أقتلك البارحة فعلت، فإنه هذا إبريقك وشيء من شعر لحيتك 04P500 وهدب ثيابك، وبعث إليه. فعلم طالوت أنه لو شاء قتله، فعطفه ذلك عليه فأمنه، وعاهده بالله لا يرى منه بأسا. ثم انصرف. ثم كان في آخر أمر طالوت أنه كان يدس لقتله، وكان طالوت لا يقاتل عدوا إلا هزم، حتى مات " قال بكار: وسئل وهب وأنا أسمع: أنبيا كان طالوت يوحى إليه؟

Bagian V04/P498–V04/P500

فقال: لم يأته وحي، ولكن كان معه نبي يقال له أشمويل يوحى إليه، وهو الذي ملك طالوت " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «كان داود النبي وإخوة له أربعة، معهم أبوهم شيخ كبير، فتخلف أبوهم وتخلف معه داود من بين إخوته في غنم أبيه يرعاها له، وكان من أصغرهم وخرج إخوته الأربعة مع طالوت، فدعاه أبوه وقد تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض» قال ابن إسحاق: " وكان داود فيما ذكر لي بعض أهل العلم عن وهب بن منبه، رجلا قصيرا أزرق قليل شعر الرأس، وكان طاهر القلب نقيه، فقال له أبوه: يا بني إنا قد صنعنا لإخوتك زادا يتقوون به على عدوهم، فاخرج به إليهم، فإذا دفعته إليهم فأقبل إلي سريعا فقال: أفعل. فخرج وأخذ معه ما حمل لإخوته، ومعه مخلاته التي يحمل فيها الحجارة، ومقلاعه الذي كان يرمي به عن غنمه. حتى إذا فصل من عند 04P501 أبيه، فمر بحجر، فقال: يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت، فإني حجر يعقوب فأخذه فجعله في مخلاته، ومشى. فبينا هو يمشي إذ مر بحجر آخر، فقال: يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت، فإني حجر إسحاق فأخذه فجعله في مخلاته، ثم مضى. فبينا هو يمشي إذ مر بحجر، فقال: يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت، فإني حجر إبراهيم فأخذه فجعله في مخلاته. ثم مضى بما معه حتى انتهى إلى القوم، فأعطى إخوته ما بعث إليهم معه. وسمع في العسكر خوض الناس بذكر جالوت، وعظم شأنه فيهم، وبهيبة الناس إياه، ومما يعظمون من أمره، فقال لهم: والله إنكم لتعظمون من أمر هذا العدو شيئا ما أدري ما هو، والله إني لو أراه لقتلته، فأدخلوني على الملك فأدخل على الملك طالوت، فقال: أيها الملك إني أراكم تعظمون شأن هذا العدو، والله إني لو أراه لقتلته فقال: يا بني ما عندك من القوة على ذلك؟ وما جربت من نفسك؟ قال: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي، فأدركه فآخذ برأسه، فأفك لحييه عنها، فآخذها من فيه، فادع لي بدرع حتى ألقيها علي فأتي بدرع، فقذفها في عنقه ومثل فيها فملأ عين طالوت ونفسه ومن حضر من بني إسرائيل، فقال طالوت: والله لعسى الله أن يهلكه به فلما أصبحوا رجعوا إلى جالوت، فلما التقى الناس قال داود: أروني جالوت فأروه 04P502 إياه على فرس عليه لأمته؛ فلما رآه جعلت الأحجار الثلاثة تواثب من مخلاته، فيقول هذا: خذني ويقول هذا: خذني ويقول هذا: خذني فأخذ أحدها فجعله في مقذافه، ثم قتله به، ثم أرسله فصك بين عيني جالوت فدمغه، وتنكس عن دابته فقتله. ثم انهزم جنده، وقال الناس: قتل داود جالوت، وخلع طالوت. وأقبل الناس على داود مكانه، حتى لم يسمع لطالوت بذكر؛ إلا أن أهل الكتاب يزعمون أنه لما رأى انصراف بني إسرائيل عنه إلى داود، هم بأن يغتال داود وأراد قتله فصرف الله ذلك عنه، وعن داود وعرف خطيئته، والتمس التوبة منها إلى الله " وقد روي عن وهب بن منبه في أمر طالوت وداود قول خلاف الروايتين اللتين ذكرنا قبل وهو ما: حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، أنه، سمع وهب بن منبه، قال: " لما سلمت بنو إسرائيل الملك لطالوت أوحي إلى نبي بني إسرائيل أن قل لطالوت: فليغز أهل مدين، فلا يترك فيها حيا إلا قتله، فإني سأظهره عليهم فخرج بالناس حتى أتى مدين، فقتل من كان فيها إلا ملكهم، فإنه أسره، وساق مواشيهم. فأوحى الله إلى أشمويل: ألا تعجب من طالوت إذ أمرته فاختان فيه، فجاء بملكهم أسيرا، وساق مواشيهم، فالقه فقل له: لأنزعن الملك من بيته، ثم لا 04P503 يعود فيه إلى يوم القيامة، فإني إنما أكرم من أطاعني، وأهين من هان عليه أمري فلقيه، فقال ما صنعت؟ لم جئت بملكهم أسيرا، ولم سقت مواشيهم؟

Bagian V04/P500

قال: إنما سقت المواشي لأقربها قال له أشمويل: إن الله قد نزع من بيتك الملك، ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة. فأوحى الله إلى أشمويل أن انطلق إلى إيشا، فيعرض عليك بنيه، فادهن الذي آمرك بدهن القدس يكن ملكا على بني إسرائيل فانطلق حتى أتى إيشا، فقال: اعرض علي بنيك فدعا إيشا أكبر ولده، فأقبل رجل جسيم حسن المنظر، فلما نظر إليه أشمويل أعجبه، فقال: الحمد لله إن الله لبصير بالعباد فأوحى الله إليه: إن عينيك تبصران ما ظهر، وإني أطلع على ما في القلوب ليس بهذا، اعرض علي غيره، فعرض عليه ستة في كل ذلك يقول: ليس بهذا، فقال: هل لك من ولد غيرهم؟ فقال: بني لي غلام وهو راع في الغنم. فقال: أرسل إليه فلما أن جاء داود جاء غلام أمعر، فدهنه بدهن القدس، وقال لأبيه: اكتم هذا، فإن طالوت لو يطلع عليه قتله؛ فسار جالوت في قومه إلى بني إسرائيل، فعسكر وسار طالوت ببني إسرائيل وعسكر، وتهيئوا للقتال، فأرسل جالوت إلى طالوت: لم تقتل قومي وأقتل قومك؟ أبرز لي أو أبرز لي من شئت، فإن قتلتك كان الملك لي، وإن قتلتني كان الملك لك فأرسل طالوت في عسكره صائحا من يبرز لجالوت، فإن قتله، فإن الملك ينكحه ابنته، ويشركه في 04P504 ملكه. فأرسل إيشا داود إلى إخوته وكانوا في العسكر، فقال: اذهب فرد إخوتك، وأخبرني خبر الناس ماذا صنعوا. فجاء إلى إخوته، وسمع صوتا: إن الملك يقول: من يبرز لجالوت فإن قتله أنكحه الملك ابنته. فقال داود لإخوته: ما منكم رجل يبرز لجالوت فيقتله، وينكح ابنة الملك؟ فقالوا: إنك غلام أحمق، ومن يطيق جالوت وهو من بقية الجبارين؟ فلما لم يرهم رغبوا في ذلك، قال: فأنا أذهب فأقتله فانتهروه وغضبوا عليه. فلما غفلوا عنه، ذهب حتى جاء الصائح، فقال: أنا أبرز لجالوت. فذهب به إلى الملك، فقال له: لم يجبني أحد إلا غلام من بني إسرائيل هو هذا؟ قال: يا بني أنت تبرز لجالوت فتقاتله؟ قال: نعم. قال: وهل آنست من نفسك شيئا؟ قال: نعم، كنت راعيا في الغنم، فأغار علي الأسد، فأخذت بلحييه ففككتهما. فدعا له بقوس، وأداة كاملة، فلبسها وركب الفرس، ثم سار منهم قريبا. ثم صرف فرسه، فرجع إلى الملك، فقال الملك ومن حوله : جبن الغلام فجاء فوقف على الملك، فقال: ما شأنك؟ قال داود: إن لم يقتله الله لي لم يقتله هذا الفرس وهذا السلاح، فدعني فأقاتل كما أريد. فقال: نعم يا بني. فأخذ داود مخلاته، فتقلدها وألقى فيها أحجارا، وأخذ مقلاعه الذي كان يرعى به. ثم مضى نحو جالوت؛ فلما دنا من عسكره، قال: أين جالوت يبرز لي؟ فبرز له على فرس عليه السلاح كله، فلما رآه جالوت قال: إليك أبرز؟ قال: نعم. قال: فأتيتني 04P505 بالمقلاع والحجر كم يؤتى إلى الكلب؟ قال: هو ذاك. قال: لا جرم إني سوف أقسم لحمك بين طير السماء وسباع الأرض. قال داود: أو يقسم الله لحمك. فوضع داود حجرا في مقلاعه، ثم دوره فأرسله نحو جالوت، فأصاب أنف البيضة التي على جالوت حتى خالط دماغه، فوقع من فرسه، فمضى داود إليه، فقطع رأسه بسيفه، فأقبل به في مخلاته، وبسلبه يجره، حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرحوا فرحا شديدا، وانصرف طالوت. فلما كان داخل المدينة، سمع الناس يذكرون داود، فوجد في نفسه، فجاءه داود، فقال: أعطني امرأتي فقال: أتريد ابنة الملك بغير صداق؟ فقال داود: ما اشترطت علي صداقا، وما لي من شيء. قال: لا أكلفك إلا ما تطيق، أنت رجل جريء، وفي جبالنا هذه جراجمة يحتربون الناس وهم غلف، فإذا قتلت منهم مائتي رجل، فأتني بغلفهم. فجعل كلما قتل منهم رجلا نظم غلفته في خيط، حتى نظم مائتي غلفة، ثم جاء بهم إلى طالوت، فألقى إليه، فقال: ادفع لي امرأتي قد جئت بما اشترطت فزوجه ابنته.

Bagian V04/P500

وأكثر الناس ذكر داود، وزاده عند الناس عجبا، فقال طالوت لابنه: لتقتلن داود قال: سبحان الله ليس بأهل ذلك منك قال: إنك غلام أحمق، ما أراه إلا سوف يخرجك وأهل بيتك من الملك. فلما سمع ذلك من أبيه، انطلق إلى أخته، فقال لها: إني قد خفت أباك أن يقتل زوجك داود، فمريه أن يأخذ حذره، ويتغيب منه. فقالت له امرأته ذلك فتغيب. فلما أصبح أرسل طالوت من يدعو له 04P506 داود، وقد صنعت امرأته على فراشه كهيئة النائم ولحفته. فلما جاء رسول طالوت قال: أين داود؟ ليجب الملك فقالت له: بات شاكيا ونام الآن ترونه على الفراش. فرجعوا إلى طالوت فأخبروه ذلك، فمكث ساعة ثم أرسل إليه، فقالت: هو نائم لم يستيقظ بعد. فرجعوا إلى الملك فقال: ائتوني به وإن كان نائما فجاءوا إلى الفراش، فلم يجدوا عليه أحدا. فجاءوا الملك فأخبروه، فأرسل إلى ابنته فقال: ما حملك على أن تكذبيني؟ قالت: هو أمرني بذلك، وخفت إن لم أفعل أمره أن يقتلني. وكان داود فارا في الجبل حتى قتل طالوت، وملك داود بعده " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " كان طالوت أميرا على الجيش، فبعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته، فقال داود لطالوت: ماذا لي فأقتل جالوت؟ قال: لك ثلث مالي، وأنكحك ابنتي. فأخذ مخلاته، فجعل فيها ثلاث مروات، ثم سمى حجارته تلك إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ثم أدخل يده فقال: باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب فخرج على إبراهيم، فجعله في مرجمته، فخرقت ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه، وقتلت ثلاثين ألفا من ورائه " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " عبر يومئذ النهر مع طالوت أبو داود فيمن عبر مع ثلاثة عشر ابنا له، وكان داود أصغر بنيه. فأتاه ذات يوم فقال: يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته. فقال: أبشر يا بني، فإن الله قد جعل رزقك في قذافتك ثم أتاه مرة أخرى قال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال، فوجدت أسدا رابضا، فركبت عليه، فأخذت بأذنيه، فلم يهجني. قال: أبشر يا بني، فإن هذا خير يعطيكه الله ثم أتاه يوما آخر فقال: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال، فأسبح، فما يبقى جبل إلا سبح معي. فقال: أبشر يا بني، فإن هذا خير أعطاكه الله وكان داود راعيا، وكان أبوه خلفه يأتي إليه وإلى إخوته بالطعام. فأتي النبي بقرن فيه دهن وبثوب من حديد، فبعث به إلى طالوت، فقال: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي حتى يدهن منه ولا يسيل على وجهه، يكون على رأسه كهيئة الإكليل، ويدخل في هذا الثوب فيملؤه. فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم، فلم يوافقه منهم أحد. فلما فرغوا، قال طالوت لأبي داود: هل بقي لك من ولد لم يشهدنا؟ قال: نعم، بقي ابني داود، وهو يأتينا بطعامنا. فلما أتاه داود مر في الطريق بثلاثة أحجار، فكلمنه، وقلن له: خذنا يا داود تقتل بنا جالوت قال: فأخذهن فجعلهن في مخلاته. وكان طالوت قال: من قتل جالوت زوجته ابنتي، وأجريت خاتمه في ملكي. فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه، فغلى حتى ادهن منه، ولبس الثوب فملأه، وكان رجلا مسقاما مصفارا، ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه. فلما لبسه داود تضايق 04P508 الثوب عليه حتى تنقض. ثم مشى إلى جالوت، وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم؛ فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه، فقال له: يا فتى ارجع فإني أرحمك أن أقتلك قال داود: لا، بل أنا أقتلك. فأخرج الحجارة فجعلها في القذافة، كلما رفع حجرا سماه، فقال: هذا باسم أبي إبراهيم، والثاني باسم أبي إسحاق، والثالث باسم أبي إسرائيل. ثم أدار القذافة فعادت الأحجار حجرا واحدا، ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت، فنقب رأسه فقتله. ثم لم تزل تقتل كل إنسان تصيبه تنفذ منه، حتى لم يكن بحيالها أحد.

Bagian V04/P500–V04/P509

فهزموهم عند ذلك، وقتل داود جالوت. ورجع طالوت، فأنكح داود ابنته، وأجرى خاتمه في ملكه؛ فمال الناس إلى داود فأحبوه. فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده، فأراد قتله. فعلم به داود أنه يريد به ذلك، فسجى له زق خمر في مضجعه، فدخل طالوت إلى منام داود، وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه، فسالت الخمر منه، فوقعت قطرة من خمر في فيه، فقال: يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم، فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين؛ فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها، فقال: يرحم الله داود هو خير مني، ظفرت به فقتلته، وظفر بي فكف عني. ثم إنه ركب يوما فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس، فقال طالوت: اليوم أقتل داود وكان داود إذا فزع لا يدرك، فركض على أثره طالوت، ففزع داود، فاشتد فدخل غارا، وأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتا؛ فلما انتهى طالوت إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت، 04P509 فقال: لو كان دخل ها هنا لخرق بيت العنكبوت، فخيل إليه فتركه " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " ذكر لنا أن داود، حين أتاهم كان قد جعل معه مخلاة فيها ثلاثة أحجار. وإن جالوت برز لهم، فنادى: ألا رجل لرجل فقال طالوت: من يبرز له، وإلا برزت له. فقام داود فقال: أنا فقام له طالوت فشد عليه درعه، فجعل يراه يشخص فيها ويرتفع. فعجب من ذلك طالوت، فشد عليه أداته كلها. وإن داود رماهم بحجر من تلك الحجارة فأصاب في القوم، ثم رمى الثانية بحجر فأصاب فيهم، ثم رمى الثالثة فقتل جالوت. فآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء، وصار هو الرئيس عليهم، وأعطوه الطاعة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد، في قول الله تعالى ذكره: " {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل} [البقرة: 246] فقرأ حتى بلغ: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين} [البقرة: 246] قال: أوحى الله إلى نبيهم إن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت، ومن علامته هذا القرن تضعه على رأسه، فيفيض ماء. فأتاه فقال: إن الله أوحى إلي أن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت، فقال: نعم يا نبي الله، قال: فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري، وفيهم رجل بارع عليهم، فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا، فيقول لذلك الجسيم: ارجع فيرده عليه، فأوحى الله إليه: إنا لا نأخذ الرجال على صورهم، ولكن نأخذهم على صلاح قلوبهم، قال: يا رب قد زعم أنه ليس له ولد غيره، فقال: كذب، فقال: إن ربي قد كذبك، وقال: إن لك ولدا غيرهم، فقال: صدق يا نبي الله، لي ولد قصير استحييت أن يراه الناس، فجعلته في الغنم، قال: فأين هو؟ قال في شعب كذا وكذا من جبل كذا وكذا، فخرج إليه، فوجد الوادي قد سال بينه وبين التي كان يريح إليها قال: ووجده يحمل شاتين يجيز بهما، ولا يخوض بهما السيل، فلما رآه قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم، قال: فوضع القرن على رأسه ففاض، فقال له: ابن أخي هل رأيت ها هنا من شيء يعجبك؟

Bagian V04/P509–V04/P512

قال: نعم إذا سبحت، سبحت معي الجبال، وإذا أتى النمر أو الذئب أو السبع أخذ شاة قمت إليه، فأفتح لحييه عنها فلا يهيجني، وألفى معه صفنه، قال: فمر بثلاثة أحجار يأثر بعضها على بعض: كل واحد منها يقول: أنا الذي يأخذ، ويقول هذا: لا بل إياي يأخذ، ويقول الآخر مثل ذلك، قال: فأخذهن جميعا، فطرحهن في صفنه؛ فلما جاء مع النبي صلى الله عليه وسلم وخرجوا قال لهم نبيهم: {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} [البقرة: 247] فكان من قصة نبيهم وقصتهم ما ذكر الله في كتابه، وقرأ حتى بلغ: {والله مع الصابرين} [البقرة: 249] قال: واجتمع أمرهم وكانوا جميعا، وقرأ: {وانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة: 250] وبرز جالوت على برذون له أبلق، في يده قوس، ونشاب، فقال: من يبرز؟ أبرزوا إلي رأسكم، قال: ففظع به طالوت، قال: فالتفت إلى أصحابه فقال: من رجل يكفيني اليوم جالوت، فقال داود أنا، فقال تعال، قال: فنزع درعا له، فألبسه إياها، قال: ونفخ الله من روحه فيه حتى ملأه، قال: فرمي بنشابة، فوضعها في الدرع، قال: فكسرها داود ولم تضره شيئا ثلاث مرات، ثم قال له: خذ الآن، فقال داود: اللهم اجعله حجرا واحدا، قال : وسمى واحدا إبراهيم، وآخر إسحاق، وآخر يعقوب، قال: فجمعهن جميعا فكن حجرا واحدا، قال: فأخذهن وأخذ مقلاعا، فأدارها ليرمي بها، فقال: أترميني كما ترمي السبع والذئب، ارمني بالقوس، قال: لا أرميك اليوم إلا بها، فقال له مثل ذلك أيضا، فقال: نعم، وأنت أهون علي من الذئب، فأدارها وفيها أمر الله وسلطان الله، قال: فخلى سبيلها مأمورة، قال: فجاءت مظلة فضربت بين عينيه حتى خرجت من قفاه، ثم قتلت من أصحابه وراءه كذا وكذا، وهزمهم الله " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " لما قطعوا ذلك يعني النهر الذي قال الله فيه مخبرا عن قيل طالوت لجنوده: {إن الله مبتليكم بنهر} [البقرة: 249] وجاء جالوت وشق على طالوت قتاله، فقال طالوت للناس: لو أن جالوت قتل أعطيت الذي يقتله نصف ملكي، وناصفته كل شيء أملكه، فبعث الله داود، وداود يومئذ في الجبل راعي غنم، وقد غزا مع طالوت تسعة إخوة لداود، وهم أند منه، وأعتى منه، وأعرف في الناس منه، وأوجه عند طالوت منه، فغزا وتركوه في غنمهم، فقال داود حين ألقى الله في نفسه ما ألقى وأكرمه: لأستودعن ربي غنمي اليوم، ولآتين الناس فلأنظرن ما الذي بلغني من قول الملك لمن قتل جالوت، فأتى داود إخوته، فلاموه حين أتاهم، فقالوا: لم جئت؟ قال: لأقتل جالوت، فإن الله قادر أن أقتله، فسخروا منه " قال ابن جريج: قال مجاهد: كان بعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته، فأخذ مخلاة فجعل فيها ثلاث مروات، ثم سماهن إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب " قال ابن جريج: قالوا: وهو ضعيف رث الحال، فمر بثلاثة أحجار، فقلن له: خذنا يا داود فقاتل بنا جالوت. فأخذهن داود وألقاهن في مخلاته، فلما ألقاهن سمع حجرا منهن يقول لصاحبه: أنا حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا وكذا؛ وقال الثاني: أنا حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا وكذا؛ وقال الثالث: أنا حجر داود الذي أقتل جالوت، فقال الحجران: يا حجر داود نحن أعوان لك، فصرن حجرا واحدا؛ وقال الحجر: يا داود اقذف بي فإني سأستعين بالريح، وكانت بيضته فيما يقولون والله أعلم فيها ستمائة رطل، فأقع في رأس جالوت فأقتله. قال ابن جريج: وقال مجاهد: سمى واحدا إبراهيم، والآخر إسحاق، والآخر يعقوب، وقال: باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وجعلهن في مرجمته قال ابن جريج: فانطلق حتى نفذ إلى طالوت، فقال: إنك قد جعلت لمن قتل جالوت نصف ملكك ونصف كل شيء تملك. أفلي ذلك إن قتلته؟

Bagian V04/P512

قال: نعم، والناس يستهزئون بداود، وإخوة داود أشد من هنالك عليه، وكان طالوت لا ينتدب إليه أحد زعم أنه يقتل جالوت إلا ألبسه درعا عنده، فإذا لم تكن قدرا عليه نزعها عنها، وكانت درعا سابغة من دروع طالوت، فألبسها داود؛ فلما رأى قدرها عليه أمره أن يتقدم، فتقدم داود، فقام مقاما لا يقوم فيه أحد وعليه الدرع، فقال له جالوت: ويحك من أنت إني أرحمك، ليتقدم إلي غيرك من هذه الملوك، أنت إنسان ضعيف مسكين، فارجع، فقال داود: أنا الذي أقتلك بإذن الله، ولن أرجع حتى أقتلك، فلما أبى داود إلا قتاله، تقدم جالوت إليه ليأخذه بيده مقتدرا عليه، فأخرج الحجر من المخلاة، فدعا ربه، ورماه بالحجر، فألقت الريح بيضته عن رأسه، فوقع الحجر في رأس جالوت حتى دخل في جوفه، فقتله. قال ابن جريج: وقال مجاهد: لما رمي جالوت بالحجر خرق ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه، وقتلت من ورائه ثلاثين ألفا، قال الله تعالى: {وقتل داود جالوت} فقال داود لطالوت: وف بما جعلت، فأبى طالوت أن يعطيه ذلك، فانطلق داود، فسكن مدينة من مدائن بني إسرائيل، حتى مات طالوت؛ فلما مات عمد بنو إسرائيل إلى داود، فجاءوا به، فملكوه، وأعطوه خزائن طالوت، وقالوا: لم يقتل جالوت إلا نبي، قال الله: {وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء} " 04P513

Bagian V04/P512–V04/P513

[البقرة: 251] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء} [البقرة: 251] يعني تعالى ذكره بذلك: وأعطى الله داود الملك والحكمة وعلمه مما يشاء. والهاء في قوله: {وآتاه الله} [البقرة: 251] عائدة على داود والملك السلطان والحكمة النبوة. 04P514 وقوله: {وعلمه مما يشاء} [البقرة: 251] يعني علمه صنعة الدروع، والتقدير في السرد، كما قال الله تعالى ذكره: {وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم} [الأنبياء: 80] وقد قيل: إن معنى قوله: {وآتاه الله الملك والحكمة} [البقرة: 251] أن الله آتى داود ملك طالوت ونبوة أشمويل ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " ملك داود بعدما قتل طالوت، وجعله الله نبيا، وذلك قوله: {وآتاه الله الملك والحكمة} [البقرة: 251] قال: الحكمة: هي النبوة، آتاه نبوة شمعون، وملك طالوت " 04P514

Bagian V04/P513–V04/P515

[البقرة: 251] القول في تأويل قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} [البقرة: 251] يعني تعالى ذكره بذلك: ولولا أن الله يدفع ببعض الناس، وهم أهل الطاعة له والإيمان به، بعضا وهم أهل المعصية لله، والشرك به، كما دفع عن المتخلفين عن طالوت يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداء من بعثة ملك عليهم ليجاهدوا معه في سبيله بمن جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر، جالوت وجنوده، لفسدت الأرض، يعني لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم، ففسدت بذلك الأرض، ولكن الله ذو من على خلقه، وتطول عليهم بدفعه بالبر من خلقه عن الفاجر، وبالمطيع عن العاصي منهم، وبالمؤمن عن الكافر. وهذه الآية إعلام من الله تعالى ذكره أهل النفاق الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخلفين عن مشاهده والجهاد معه للشك الذي في نفوسهم ومرض قلوبهم والمشركين وأهل الكفر منهم، وأنه إنما يدفع عنهم معاجلتهم العقوبة، على كفرهم ونفاقهم بإيمان المؤمنين به وبرسوله، الذين هم أهل البصائر والجد في أمر الله، وذوو اليقين بإنجاز الله إياهم وعده على جهاد أعدائه، وأعداء رسوله من النصر في العاجل، والفوز بجناته في الآخرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة: 251] يقول: ولولا دفع الله بالبار عن الفاجر، ودفعه ببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض لفسدت الأرض بهلاك أهلها " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 04P516 مجاهد: " {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة: 251] يقول: ولولا دفاع الله بالبر عن الفاجر، وببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض لهلك أهلها " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن حنظلة، عن أبي مسلم، قال: سمعت عليا، يقول: «لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة: 251] يقول: لهلك من في الأرض " حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا حفص بن سليمان، عن محمد بن سوقة، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء» ثم قرأ ابن عمر: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة: 251] " حدثني أحمد أبو حميد الحمصي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول 04P517 الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم» وقد دللنا على قوله العالمين، وذكرنا الرواية فيه وأما القراء فإنها اختلفت في قراءة قوله: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} [البقرة: 251] فقرأته جماعة من القراء: {ولولا دفع الله} [البقرة: 251] على وجه المصدر من قول القائل: دفع الله عن خلقه، فهو يدفع دفعا. واحتجت لاختيارها ذلك بأن الله تعالى ذكره، هو المتفرد بالدفع عن خلقه، ولا أحد يدافعه فيغالبه. وقرأت ذلك جماعة أخرى من القراء: (ولولا دفاع الله الناس) على وجه المصدر من قول القائل: دافع الله عن خلقه، فهو يدافع مدافعة ودفاعا. واحتجت لاختيارها ذلك بأن كثيرا من خلقه يعادون أهل دين الله، وولايته والمؤمنين به، فهو بمحاربتهم إياهم ومعادتهم لهم لله مدافعون بباطلهم، ومغالبون بجهلهم، والله مدافعهم عن أوليائه وأهل طاعته والإيمان به.

Bagian V04/P515

والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأت بهما القراء وجاءت بهما جماعة الأمة، وليس في القراءة بأحد الحرفين إحالة معنى الآخر. وذلك أن من دافع 04P518 غيره عن شيء، فمدافعه عنه دافع، ومتى امتنع المدفوع عن الاندفاع، فهو لمدافعه مدافع؛ ولا شك أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم طالوت وجنوده، محاولين مغالبة حزب الله وجنده، وكان في محاولتهم ذلك محاولة مغالبة الله ودفاعه عما قد تضمن لهم من النصرة، وذلك هو معنى مدافعة الله عن الذين دافع الله عنهم بمن قاتل جالوت وجنوده من أوليائه. فتبين إذا أن سواء قراءة من قرأ: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} [البقرة: 251] وقراءة من قرأ: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض) في التأويل والمعنى 04P516

Bagian V04/P515–V04/P519

[البقرة: 252] القول في تأويل قوله تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين} [البقرة: 252] يعني تعالى ذكره بقوله: {تلك آيات الله} [البقرة: 252] هذه الآيات التي اقتص الله فيها أمر الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وأمر الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى الذين سألوا نبيهم أن يبعث لهم طالوت ملكا وما بعدها من الآيات إلى قوله: {ولكن الله ذو فضل على العالمين} [البقرة: 251] ويعني بقوله: {آيات الله} [البقرة: 231] حججه وأعلامه وأدلته. يقول الله تعالى ذكره: فهذه الحجج التي أخبرتك بها يا محمد، وأعلمتك من قدرتي على إماتة من هرب من الموت في ساعة واحدة وهم ألوف، وإحيائي إياهم بعد ذلك، وتمليكي طالوت أمر بني إسرائيل، بعد إذ كان سقاء، أو دباغا من غير أهل بيت المملكة، وسلبي ذلك إياه بمعصيته أمري، وصرفي ملكه إلى داود لطاعته إياي، ونصرتي أصحاب طالوت، مع قلة عددهم، وضعف شوكتهم على جالوت وجنوده، مع كثرة عددهم، وشدة بطشهم؛ حجج على من جحد نعمتي، وخالف أمري، وكفر برسولي من أهل الكتابين التوراة، والإنجيل، العالمين بما اقتصصت عليك من الأنباء الخفية، التي يعلمون أنها من عندي لم تتخرصها ولم تتقولها أنت يا محمد، لأنك أمي، ولست ممن قرأ الكتب، فيلتبس عليهم أمرك، ويدعوا أنك قرأت ذلك فعلمته من بعض أسفارهم، ولكنها حججي عليهم أتلوها عليك يا محمد بالحق اليقين كما كان، لا زيادة فيه، ولا تحريف، ولا تغيير شيء منه عما كان. {وإنك} [البقرة: 252] يا محمد {لمن المرسلين} [البقرة: 252] يقول: إنك لمرسل متبع في طاعتي، وإيثار مرضاتي على هواك، فسالك في ذلك من أمرك سبيل من قبلك من رسلي الذين أقاموا على أمري، وآثروا رضاي على هواهم، ولم تغيرهم الأهواء، ومطامع الدنيا كما غير طالوت هواه، وإيثاره ملكه، على ما عندي لأهل ولايتي، ولكنك مؤثر أمري كما آثره المرسلون الذين قبلك 04P519 [البقرة: 253] القول في تأويل قوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} [البقرة: 253] يعني تعالى ذكره بقوله: {تلك الرسل} [البقرة: 253] الذين قص الله قصصهم في هذه السورة كموسى بن عمران وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب 04P520 وشمويل وداود، وسائر من ذكر نبأهم في هذه السورة، يقول تعالى ذكره: هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض، فكلمت بعضهم والذي كلمته منهم موسى صلى الله عليه وسلم ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} [البقرة: 253] قال: " يقول : منهم من كلم الله ورفع بعضهم على بعض درجات يقول: كلم الله موسى، وأرسل محمدا إلى الناس كافة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه ومما يدل على صحة ما قلنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب، فإن العدو ليرعب مني على مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، وقيل لي: سل تعطه، فاختبأتها شفاعة لأمتي، فهي نائلة منكم إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا " 04P520

Bagian V04/P519–V04/P522

[البقرة: 253] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} [البقرة: 253] يعني تعالى ذكره بذلك: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} [البقرة: 87] وآتينا عيسى ابن مريم الحجج والأدلة على نبوته من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وما أشبه ذلك، مع الإنجيل الذي أنزلته إليه، فبينت فيه ما فرضت عليه ويعني تعالى ذكره بقوله: {وأيدناه} [البقرة: 87] وقويناه وأعناه {بروح القدس} [البقرة: 87] يعني بروح الله وهو جبريل. وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم في معنى روح القدس والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع 04P521 [البقرة: 253] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات} [البقرة: 253] يعني تعالى ذكره بذلك: ولو أراد الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، يعني من بعد الرسل الذين وصفهم بأنه فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم درجات، وبعد عيسى ابن مريم، وقد جاءهم من الآيات بما فيه مزدجر لمن هداه الله ووفقه ويعني بقوله: {من بعد ما جاءتهم البينات} [البقرة: 213] يعني من بعد ما جاءهم من 04P522 آيات الله ما أبان لهم الحق، وأوضح لهم السبيل. وقد قيل: إن الهاء والميم في قوله: {من بعدهم} [البقرة: 253] من ذكر موسى وعيسى ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات} [البقرة: 253] يقول: «من بعد موسى وعيسى» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات} [البقرة: 253] يقول: «من بعد موسى وعيسى» 04P522 [البقرة: 253] القول في تأويل قوله تعالى: {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} [البقرة: 253] يعني تعالى ذكره بذلك: ولكن اختلف هؤلاء الذين من بعد الرسل لما لم يشأ الله منهم تعالى ذكره أن لا يقتتلوا، فاقتتلوا من بعد ما جاءتهم البينات من عند ربهم بتحريم الاقتتال والاختلاف، وبعد ثبوت الحجة عليهم بوحدانية الله ورسالة رسله ووحي كتابه، فكفر بالله وبآياته بعضهم، وآمن بذلك بعضهم، فأخبر تعالى ذكره أنهم أتوا ما أتوا من الكفر والمعاصي بعد علمهم بقيام الحجة عليهم بأنهم على خطأ تعمدا منهم للكفر بالله وآياته، ثم قال تعالى ذكره لعباده: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} [البقرة: 253] يقول: ولو أراد الله أن يحجزهم بعصمته وتوفيقه إياهم عن معصيته فلا يقتتلوا ما اقتتلوا ولا اختلفوا {ولكن الله يفعل ما يريد} [البقرة: 253] بأن يوفق هذا لطاعته والإيمان به فيؤمن به ويطيعه ويخذل هذا فيكفر به ويعصيه 04P523

Bagian V04/P522–V04/P525

[البقرة: 254] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254] يعني تعالى ذكره بذلك: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا في سبيل الله مما رزقناكم من أموالكم، وتصدقوا منها، وآتوا منها الحقوق التي فرضناها عليكم. وكذلك كان ابن جريج يقول فيما بلغنا عنه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} [البقرة: 254] قال: " من الزكاة والتطوع {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} [البقرة: 254] يقول: ادخروا لأنفسكم عند الله في دنياكم من أموالكم بالنفقة منها في سبيل الله، والصدقة على أهل المسكنة والحاجة، وإيتاء ما فرض الله عليكم فيها، وابتاعوا بها ما عنده مما أعده لأوليائه من الكرامة، بتقديم ذلك لأنفسكم ما دام لكم السبيل إلى ابتياعه بما ندبتكم إليه، وأمرتكم به من النفقة من أموالكم. {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} [البقرة: 254] يعني من قبل مجيء يوم لا بيع فيه، يقول: لا تقدرون فيه على ابتياع ما كنتم على ابتياعه بالنفقة من أموالكم التي أمرتكم به، أو ندبتكم إليه في الدنيا قادرين، لأنه يوم جزاء وثواب وعقاب، لا يوم عمل واكتساب وطاعة ومعصية، فيكون لكم إلى ابتياع منازل أهل الكرامة بالنفقة حينئذ، أو بالعمل بطاعة الله سبيل، ثم أعلمهم تعالى ذكره أن ذلك اليوم مع ارتفاع العمل الذي ينال به رضا الله، أو الوصول إلى كرامته بالنفقة من الأموال، إذ كان لا مال هنالك يمكن إدراك ذلك به يوم لا مخالة فيه نافعة كما كانت في الدنيا، فإن خليل الرجل في الدنيا قد كان ينفعه فيها بالنصرة له على من حاوله بمكروه وأراده بسوء، والمظاهرة له على ذلك، فآيسهم تعالى ذكره أيضا من ذلك؛ لأنه لا أحد يوم القيامة ينصر أحدا من الله، بل الأخلاء بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، كما قال الله تعالى ذكره، وأخبرهم أيضا أنهم يومئذ مع فقدهم السبيل إلى ابتياع ما كان لهم إلى ابتياعه سبيل في الدنيا بالنفقة من أموالهم، والعمل بأبدانهم، وعدمهم النصراء من الخلان، والظهراء من الإخوان، لا شافع لهم يشفع عند الله كما كان ذلك لهم في الدنيا، فقد كان بعضهم يشفع في الدنيا لبعض بالقرابة والجوار والخلة، وغير ذلك من الأسباب، فبطل ذلك كله يومئذ، كما أخبر تعالى ذكره عن قيل أعدائه من أهل الجحيم في الآخرة إذا صاروا فيها: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} [الشعراء: 101] " وهذه الآية مخرجها في الشفاعة عام والمراد بها خاص، وإنما معناه: من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة لأهل الكفر بالله؛ لأن أهل ولاية الله والإيمان به يشفع بعضهم لبعض، وقد بينا صحة ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وكان قتادة يقول في ذلك بما حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} [البقرة: 254] «قد علم الله أن ناسا يتحابون في الدنيا، ويشفع بعضهم لبعض، فأما يوم القيامة فلا خلة إلا خلة المتقين» وأما قوله: {والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254] فإنه يعني تعالى ذكره بذلك: والجاحدون لله المكذبون به وبرسله هم الظالمون، يقول: هم الواضعون جحودهم في غير موضعه، والفاعلون غير ما لهم فعله والقائلون ما ليس لهم قوله، وقد دللنا على معنى الظلم بشواهده فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته.

Bagian V04/P525–V04/P526

وفي قوله تعالى ذكره في هذا الموضع: {والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254] دلالة واضحة على صحة ما قلناه، وأن قوله: {ولا خلة ولا شفاعة} [البقرة: 254] إنما هو مراد به أهل الكفر؛ فلذلك أتبع قوله ذلك: {والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254] فدل بذلك على أن معنى ذلك: حرمنا الكفار النصرة من الأخلاء، والشفاعة من الأولياء والأقرباء، ولم نكن لهم في فعلنا ذلك بهم ظالمين، إذ كان ذلك جزاء منا لما سلف منهم من الكفر بالله في الدنيا، بل الكافرون هم الظالمون أنفسهم بما أتوا من الأفعال التي أوجبوا لها العقوبة من ربهم فإن قال قائل: وكيف صرف الوعيد إلى الكفار والآية مبتدأة بذكر أهل الإيمان؟ قيل له: إن الآية قد تقدمها ذكر صنفين من الناس: أحدهما أهل كفر، والآخر أهل إيمان، وذلك قوله: {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} [البقرة: 253] ثم عقب الله تعالى ذكره الصنفين بما ذكرهم به، فحض أهل الإيمان به على ما يقربهم إليه من النفقة في طاعته وفي جهاد أعدائه من أهل الكفر به قبل مجيء اليوم الذي وصف صفته وأخبر فيه عن حال أعدائه من أهل الكفر به، إذ كان قتال أهل الكفر به في معصيته ونفقتهم في الصد عن سبيله، فقال تعالى ذكره: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا} [البقرة: 254] أنتم {مما رزقناكم} [البقرة: 254] في طاعتي، إذ كان أهل الكفر بي ينفقون في معصيتي {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} [البقرة: 254] فيدرك أهل الكفر فيه ابتياع ما فرطوا في ابتياعه في دنياهم، {ولا خلة} [البقرة: 254] لهم يومئذ تنصرهم مني، ولا شافع لهم يشفع عندي فتنجيهم شفاعته لهم من عقابي؛ وهذا يومئذ فعلي بهم؛ جزاء لهم على كفرهم، وهم الظالمون أنفسهم دوني؛ لأني غير ظلام لعبيدي وقد: حدثني محمد بن عبد الرحيم، قال: ثني عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت عمر بن سليمان، يحدث عن عطاء بن دينار، أنه قال: " الحمد لله الذي قال: {والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254] ولم يقل: الظالمون هم الكافرون " 04P526

Bagian V04/P526–V04/P528

[البقرة: 255] القول في تأويل قوله تعالى: {الله لا إله إلا هوالحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم} [البقرة: 255] 04P526 قد دللنا فيما مضى على تأويل قوله: «الله» وأما تأويل قوله: {لا إله إلا هو} [البقرة: 163] فإن معناه: النهي عن أن يعبد شيء غير الله الحي القيوم الذي صفته ما وصف به نفسه تعالى ذكره في هذه الآية. يقول: {الله} [الفاتحة: 1] الذي له عبادة الخلق {الحي القيوم} [البقرة: 255] لا إله سواه، لا معبود سواه، يعني: ولا تعبدوا شيئا سوى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنه ولا نوم، والذي صفته ما وصف في هذه الآية وهذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله عما جاءت به أقوال المختلفين في البينات من بعد الرسل الذين أخبرنا تعالى ذكره أنه فضل بعضهم على بعض، واختلفوا فيه، فاقتتلوا فيه كفرا به من بعض، وإيمانا به من بعض، فالحمد لله الذي هدانا للتصديق به ووفقنا للإقرار به وأما قوله: {الحي} [البقرة: 255] فإنه يعني: الذي له الحياة الدائمة والبقاء الذي لا أول له يحد، ولا آخر له يؤمد، إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلحياته أول محدود وآخر ممدود، ينقطع بانقطاع أمدها وينقضي بانقضاء غايتها. وبما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {الحي} [البقرة: 255] «حي لا يموت» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله وقد اختلف أهل البحث في تأويل ذلك، فقال بعضهم: إنما سمى الله نفسه حيا لصرفه الأمور مصارفها وتقديره الأشياء مقاديرها، فهو حي بالتدبير لا بحياة. وقال آخرون: بل هو حي بحياة هي له صفة. وقال آخرون: بل ذلك اسم من الأسماء تسمى به، فقلناه تسليما لأمره. وأما قوله: {القيوم} [البقرة: 255] فإنه «الفيعول» من القيام، وأصله «القيووم» سبق عين الفعل وهي واو ياء ساكنة فأدغمتا فصارتا ياء مشددة؛ وكذلك تفعل العرب في كل واو كانت للفعل عينا سبقتها ياء ساكنة. ومعنى قوله: {القيوم} [البقرة: 255] القائم برزق ما خلق وحفظه، كما قال أمية: [+البحر الرجز] لم يخلق السماء والنجوم والشمس معها قمر يقوم 04P529 قدره المهيمن القيوم والحشر والجنة والجحيم إلا لأمر شأنه عظيم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل - ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {القيوم} [البقرة: 255] قال: «القائم على كل شيء» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {القيوم} [البقرة: 255] «قيم كل شيء، يكلؤه ويرزقه ويحفظه» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال ثنا أسباط، عن السدي: {القيوم} [البقرة: 255] «وهو القائم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن 04P530 الضحاك: {الحي القيوم} [البقرة: 255] قال: «القائم الدائم» 04P529

Bagian V04/P528–V04/P533

[البقرة: 255] القول في تأويل قوله تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] يعني تعالى ذكره بقوله {لا تأخذه سنة} [البقرة: 255] لا يأخذه نعاس فينعس، ولا نوم فيستثقل نوما، والوسن: خثوره النوم، ومنه قول عدي بن الرقاع: [+البحر الكامل] وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم ومن الدليل على ما قلنا من أنها خثورة النوم في عين الإنسان، قول الأعشى ميمون بن قيس: [+البحر المتقارب] تعاطي الضجيع إذا أقبلت بعيد النعاس وقبل الوسن وقال آخر: [+البحر الخفيف] باكرتها الأغراب في سنة النو م فتجري خلال شوك السيال 04P531 يعني عند هبوبها من النوم ووسن النوم في عينها، يقال منه: وسن فلان فهو يوسن وسنا وسنة وهو وسنان، إذا كان كذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله تعالى: {لا تأخذه سنة} [البقرة: 255] قال: " السنة: النعاس، والنوم: هو النوم " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {لا تأخذه سنة} [البقرة: 255] " السنة: النعاس " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، والحسن، في قوله: {لا تأخذه سنة} [البقرة: 255] قالا: «نعسة» حدثني المثنى، قال ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] قال: " السنة: الوسنة، وهو دون النوم، والنوم: الاستثقال " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن 04P532 الضحاك: {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] " السنة: النعاس، والنوم: الاستثقال حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله سواء حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] أما سنة : «فهو ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] قال: " السنة: الوسنان بين النائم واليقظان " حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا منجاب بن الحارث، قال: ثنا علي بن مسهر، عن إسماعيل، عن يحيى بن رافع: {لا تأخذه سنة} [البقرة: 255] قال: «النعاس» حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] قال: " الوسنان: الذي يقوم من النوم لا يعقل، حتى ربما أخذ السيف على أهله " وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] لا تحله الآفات، ولا تناله العاهات، وذلك أن السنة والنوم معنيان يغمران فهم ذي الفهم، ويزيلان من أصاباه عن الحال التي كان عليها قبل أن يصيباه. فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: الله لا إله إلا هو الحي الذي لا يموت، القيوم على كل ما هو دونه بالرزق والكلاءة والتدبير والتصريف من حال إلى حال، لا تأخذه سنة ولا نوم، لا يغيره ما يغير غيره، ولا يزيله عما لم يزل عليه تنقل الأحوال وتصريف الليالي والأيام، بل هو الدائم على حال، والقيوم على جميع الأنام، لو نام كان مغلوبا مقهورا؛ لأن النوم غالب النائم قاهره، ولو وسن لكانت السماوات والأرض وما فيهما دكا؛ لأن قيام جميع ذلك بتدبيره وقدرته، والنوم شاغل المدبر عن التدبير، والنعاس مانع المقدر عن التقدير بوسنه كما: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: وأخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة، مولى ابن عباس في قوله: " {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] أن موسى سأل الملائكة: هل ينام الله؟

Pertanyaan