Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Bagian V04/P585–V04/P587

[البقرة: 259] القول في تأويل قوله تعالى: {قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام} [البقرة: 259] ومعنى ذلك فيما ذكرت: أن قائله لما مر ببيت المقدس، أو بالموضع الذي ذكر الله أنه مر به خرابا بعد ما عهده عامرا، قال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] ؟ فقال بعضهم: كان قيله ما قال من ذلك شكا في قدرة الله على إحيائه، فأراه الله قدرته على ذلك بضربه المثل له في نفسه، ثم أراه الموضع الذي أنكر قدرته على عمارته وإحيائه، أحيا ما رآه قبل خرابه، وأعمر ما كان قبل خرابه، وذلك أن قائل ذلك كان فيما ذكر لنا عهده عامرا بأهله وسكانه، ثم رآه خاويا على عروشه، قد باد أهله وشتتهم القتل والسباء، فلم يبق منهم بذلك المكان أحد، وخربت منازلهم ودورهم، فلم يبق إلا الأثر، فلما رآه كذلك بعد الحال التي عهده عليها، قال: على أي وجه يحيي هذه الله بعد خرابها فيعمرها استنكارا فيما قاله بعض أهل التأويل، فأراه كيفية إحيائه ذلك بما ضربه له في نفسه، وفيما كان من شرابه وطعامه، ثم عرفه قدرته على ذلك وعلى غيره بإظهاره إحياء ما كان عجبا عنده في قدرة الله إحياؤه لرأي عينه حتى أبصره ببصره، فلما رأى ذلك قال: {أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] وكان سبب قيله ذلك كالذي: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، أنه كان يقول: " قال الله لإرميا حين بعثه نبيا إلى بني إسرائيل: يا إرميا من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك، ومن قبل أن أخرجك من بطنها طهرتك، ومن قبل أن تبلغ السعي نبأتك، ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك، ولأمر عظيم اجتبيتك، فبعث الله تعالى ذكره إرميا إلى ملك بني إسرائيل يسدده ويرشده ، ويأتيه بالبر من الله فيما بينه وبينه قال: ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي، واستحلوا المحارم، ونسوا ما كان الله صنع بهم، وما نجاهم من عدوهم سنحاريب فأوحى الله إلى إرميا: أن ائت قومك من بني إسرائيل، فاقصص عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم أحداثهم، 04P588 ثم ذكر ما أرسل الله به إرميا إلى قومه من بني إسرائيل، قال: ثم أوحى الله إلى إرميا أني مهلك بني إسرائيل بيافث، ويافث أهل بابل، وهم من ولد يافث بن نوح فلما سمع إرميا وحي ربه، صاح وبكى وشق ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه، فقال: ملعون يوم ولدت فيه، ويوم لقيت التوراة، ومن شر أيامى يوم ولدت فيه، فما أبقيت آخر الأنبياء إلا لما هو شر علي، لو أراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل، فمن أجلي تصيبهم الشقوة والهلاك؛ فلما سمع الله تضرع الخضر وبكاءه وكيف يقول: ناداه: إرميا أشق عليك ما أوحيت إليك؟

Bagian V04/P587

قال: نعم يا رب أهلكني في بني إسرائيل ما لا أسر به، فقال الله: وعزتي العزيزة لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك، ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه، وطابت نفسه، وقال: لا والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق، لا آمر ربي بهلاك بني إسرائيل أبدا، ثم أتى ملك بني إسرائيل، وأخبره بما أوحى الله إليه، ففرح واستبشر، وقال: إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لأنفسنا وإن عفا عنا فبقدرته ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية، وتمادوا في الشر، وذلك حين اقترب هلاكهم، فقل الوحي حتى لم يكونوا يتذكرون الآخرة وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها، فقال ملكهم: يا بني 04P589 إسرائيل انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس من الله، وقبل أن يبعث عليكم ملوك لا رحمة لهم بكم، فإن ربكم قريب التوبة، مبسوط اليدين بالخير، رحيم من تاب إليه، فأبوا عليه أن ينزعوا عن شيء مما هم عليه، وإن الله ألقى في قلب بختنصر بن نعون بن زادان أن يسير إلى بيت المقدس، ثم يفعل فيه ما كان جده سنحاريب أراد أن يفعله، فخرج في ست مائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس فلما فصل سائرا أتى ملك بني إسرائيل الخبر أن بختنصر أقبل هو وجنوده يريدكم، فأرسل الملك إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا أين ما زعمت لنا أن ربنا أوحى إليك أن لا يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر في ذلك، فقال إرميا للملك: إن ربي لا يخلف الميعاد، وأنا به واثق فلما اقترب الأجل، ودنا انقطاع ملكهم، وعزم الله على هلاكهم، بعث الله ملكا من عنده، فقال له: اذهب إلى إرميا فاستفته، وأمره بالذي يستفتيه فيه، فأقبل الملك إلى إرميا، وقد تمثل له رجلا من بني إسرائيل، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري، فأذن له، فقال الملك: يا نبي الله أتيتك أستفتيك في أهل رحمي، وصلت أرحامهم بما أمرني الله به، لم آت إليهم إلا حسنا، ولم آلهم كرامة، فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطا لي، فأفتني فيهم يا نبي الله، فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله، وصل ما أمرك الله به أن تصل، وأبشر بخير، 04P590 فانصرف عنه الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الذي جاءه، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: أنا الرجل الذي أتيتك في شأن أهلي، فقال له نبي الله، أو ما طهرت لك أخلاقهم بعد ولم تر منهم الذي تحب؟ فقال: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمه إلا وقد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم، اسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم، وأن يجمعكم على مرضاته، ويجنبكم سخطه، فقال الملك من عنده، فلبث أياما، وقد نزل بختنصر بجنوده حول بيت المقدس أكثر من الجراد، ففزع بنو إسرائيل فزعا شديدا، وشق ذلك على ملك بني إسرائيل، فدعا إرميا، فقال: يا نبي الله، أين ما وعدك الله؟ إني بربي واثق، ثم إن الملك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: أنا الذي كنت استفتيتك في شأن أهلي مرتين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أو لم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟ فقال الملك: يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، وأعلم أنما قصدهم في ذلك سخطي، فلما أتيتهم اليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله، ولا يحبه الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أي عمل رأيتهم؟

Bagian V04/P587

قال: يا نبي الله رأيتهم على عمل عظيم من سخط الله، ولو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل 04P591 اليوم لم يشتد عليهم غضبي، وصبرت لهم ورجوتهم، ولكن غضبت اليوم لله ولك، فأتيتك لأخبرك خبرهم، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت عليهم ربك أن يهلكهم، فقال إرميا: يا مالك السماوات والأرض، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه، فأهلكهم، فلما خرجت الكلمة من في إرميا أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس، فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها؛ فلما رأى ذلك إرميا صاح وشق ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه، فقال يا مالك السماء، ويا أرحم الراحمين أين ميعادك الذي وعدتني؟ فنودي إرميا إنه لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت بها رسولنا، فاستيقن النبي صلى الله عليه وسلم أنها فتياه التي أفتى بها ثلاث مرات، وأنه رسول ربه، فطار إرميا حتى خالط الوحوش، ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس، فوطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس، فقذفوا فيه التراب حتى ملئوه، ثم انصرف راجعا إلى أرض بابل، واحتمل معه سبايا بني إسرائيل، وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم، فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل، فاختار منهم تسعين ألف صبي؛ فلما خرجت غنائم جنده، وأراد أن يقسمهم 04P592 فيهم، قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك، لك غنائمنا كلها، واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل، ففعل، فأصاب كل واحد منهم أربعة غلمة، وكان من أولئك الغلمان دانيال، وعزاريا، ومسايل، وحنانيا، وجعلهم بختنصر ثلاث فرق فثلثا أقر بالشام، وثلثا سبي، وثلثا قتل، وذهب بأسبية بيت المقدس حتى أقدمها بابل وبالصبيان التسعين الألف حتى أقدمهم بابل، فكانت هذه الواقعة الأولى التي ذكر الله تعالى ذكره نبي الله بأحداثهم وظلمهم، فلما ولى بختنصر عنه راجعا إلى بابل بمن معه من سبايا بني إسرائيل، أقبل إرميا على حمار له معه عصير من عنب في زكرة وسلة تين، حتى أتى إيليا، فلما وقف عليها، ورأى ما بها من الخراب دخله شك، فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام} وحماره وعصيره وسلة تينه عنده حيث أماته الله، ومات حماره معه، فأعمى الله عنه العيون، فلم يره أحد، ثم بعثه الله تعالى، فقال له: {كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض 04P593 يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} يقول: لم يتغير {وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما} [البقرة: 259] فنظر إلى حماره يتصل بعضه إلى بعض، وقد مات معه بالعروق والعصب، ثم كيف كسي ذلك منه اللحم، حتى استوى، ثم جرى فيه الروح، فقام ينهق، ونظر إلى عصيره وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير، فلما عاين من قدرة الله ما عاين قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، ثم عمر الله إرميا بعد ذلك، فهو الذي يرى بفلوات الأرض والبلدان " حدثني محمد بن عسكر، وابن زنجويه، قالا: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه، يقول: " أوحى الله إلى إرميا وهو بأرض مصر أن الحق بأرض إيليا، فإن هذه ليست لك بأرض مقام، فركب حماره، حتى إذا كان ببعض الطريق، ومعه سلة من عنب وتين، وكان معه سقاء جديد، فملأه ماء، فلما بدا له شخص بيت المقدس وما حوله من القرى والمساجد، ونظر إلى خراب لا يوصف، ورأى هدم بيت المقدس كالجبل العظيم، قال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] وسار حتى تبوأ منها منزلا، فربط حماره بحبل جديد، وعلق سقاءه، وألقى الله عليه السبات؛ فلما نام نزع الله روحه مائة عام؛ فلما مرت من المائة سبعون عاما، أرسل الله ملكا إلى ملك من ملوك فارس عظيم 04P594 يقال له يوسك، فقال: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء وأرضها، حتى تعود أعمر ما كانت، فقال الملك: أنظرني ثلاثة أيام حتى أتأهب لهذا العمل ولما يصلحه من أداء العمل، فأنظره ثلاثة أيام، فانتدب ثلاثمائة قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل، وما يصلحه من أداة العمل، فسار إليها قهارمته، ومعهم ثلاثمائة ألف عامل فلما وقعوا في العمل رد الله روح الحياة في عين إرميا، وأخر جسده ميتا، فنظر إلى إيليا وما حولها من القرى والمساجد والأنهار والحروث تعمل وتعمر وتجدد، حتى صارت كما كانت وبعد ثلاثين سنة تمام المائة، رد إليه الروح، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه، ونظر إلى حماره واقفا كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، ونظر إلى الرمة في عنق الحمار لم تتغير جديدة، وقد أتى على ذلك ريح مائة عام وبرد مائة عام وحر مائة عام، لم تتغير ولم تنتقض شيئا، وقد نحل جسم إرميا من البلى، فأنبت الله له لحما جديدا، ونشز عظامه وهو ينظر، فقال له الله: {انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آيه للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه، يقول في قوله: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] «إن إرميا لما خرب بيت المقدس وحرقت الكتب، وقف في ناحية الجبل» ، فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام} «ثم رد الله من رد من بني إسرائيل على رأس سبعين سنة من حين أماته يعمرونها ثلاثين سنة تمام المائة؛ فلما ذهبت المائة رد الله روحه وقد عمرت على حالها الأولى، فجعل ينظر إلى العظام كيف تلتام بعضها إلى بعض، ثم نظر إلى العظام كيف تكسى عصبا ولحما» {فلما تبين} [البقرة: 259] له ذلك { «قال أعلم أن الله على كل شيء قدير» } [البقرة: 259] فقال الله تعالى ذكره: {انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} قال: «فكان طعامه تينا في مكتل، وقلة فيها ماء» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] " وذلك أن عزيرا مر جائيا من الشام على حمار له معه عصير وعنب وتين فلما مر بالقرية فرآها، وقف عليها 04P596 وقلب يده وقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟

Bagian V04/P587

ليس تكذيبا منه وشكا، فأماته الله وأمات حماره، فهلكا ومر عليهما مائة سنة، ثم إن الله أحيا عزيرا فقال له: كم لبثت؟ قال له: لبثت يوما أو بعض يوم قيل له: بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك من التين والعنب، وشرابك من العصير " {لم يتسنه} [البقرة: 259] ، الآية 04P595

Bagian V04/P587–V04/P597

[البقرة: 259] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام} [البقرة: 259] يعني تعالى ذكره بقوله: {ثم بعثه} [البقرة: 259] ثم آثاره حيا من بعد مماته. وقد دللنا على معنى البعث فيما مضى قبل. وأما معنى قوله: {كم لبثت} [البقرة: 259] فإن كم استفهام في كلام العرب عن مبلغ العدد، وهو في هذا الموضع نصب ب «لبثت» ، وتأويله: قال الله له: كم قدر الزمان الذي لبثت ميتا قبل أن أبعثك من مماتك حيا؟ قال المبعوث بعد مماته: لبثت ميتا إلى أن بعثتني حيا يوما واحدا أو بعض يوم، وذكر أن المبعوث هو إرميا أو عزير، أو من كان ممن أخبر الله عنه هذا الخبر، وإنما قال: {لبثت يوما أو بعض يوم} [البقرة: 259] لأن الله تعالى ذكره كان قبض روحه أول النهار، ثم رد روحه آخر النهار بعد المائة عام فقيل له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد غربت فكان ذلك عنده يوما لأنه ذكر أنه قبض روحه أول النهار، وسئل عن مقدار لبثه ميتا آخر النهار وهو يرى أن الشمس قد غربت، فقال: لبثت يوما، ثم رأى بقية من الشمس قد بقيت لم تغرب، فقال: أو بعض يوم، بمعنى: بل بعض يوم، كما قال تعالى ذكره: وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون بمعنى: بل يزيدون، فكان قوله: {أو بعض يوم} [البقرة: 259] رجوعا منه عن قوله: لبثت يوما وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم} [البقرة: 259] قال: " ذكر لنا أنه مات ضحى، ثم بعثه قبل غيبوبة الشمس، فقال: لبثت يوما، ثم التفت فرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم، فقال: بل لبثت مائة عام " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] قال: مر على قرية فتعجب، 04P598 فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله أول النهار، فلبث مائة عام، ثم بعثه في آخر النهار، فقال: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال: قال الربيع: " أماته الله مائة عام، ثم بعثه، قال: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال، ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " لما وقف على بيت المقدس وقد خربه بختنصر، قال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] ؟ كيف يعيدها كما كانت؟ فأماته الله، قال: وذكر لنا أنه مات ضحى، وبعث قبل غروب الشمس بعد مائة عام، فقال: كم لبثت؟ قال: يوما، فلما رأى الشمس، قال: أو بعض يوم " 04P598

Bagian V04/P597–V04/P601

[البقرة: 259] القول في تأويل قوله تعالى: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} [البقرة: 259] يعني تعالى ذكره بقوله: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} [البقرة: 259] لم تغيره السنون التي أتت عليه وكان طعامه فيما ذكر بعضهم سلة تين وعنب وشرابه قلة ماء، وقال بعضهم: بل كان طعامه سلة عنب وسلة تين وشرابه زقا من عصير، وقال آخرون: بل كان طعامه سلة تين، وشرابه دن خمر أو زكرة خمر، وقد ذكرنا فيما مضى قول بعضهم في ذلك ونذكر ما فيه فيما يستقبل إن شاء الله. وأما قوله {لم يتسنه} [البقرة: 259] ففيه وجهان من القراءة: أحدهما: «لم يتسن» بحذف الهاء في الوصل وإثباتها في الوقف، ومن قرأه كذلك فإنه يجعل الهاء في {يتسنه} [البقرة: 259] زائدة صلة كقوله: {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] وجعل فعلت منه: تسنيت تسنيا، واعتل في ذلك بأن السنة تجمع سنوات، فيكون تفعلت على نهجه، ومن قال في السنة سنينة فجائز على ذلك وإن كان قليلا أن يكون تسننت تفعلت، أبدلت النون ياء لما كثرت النونات كما قالوا: تظنيت وأصله الظن؛ وقد قال قوم، هو مأخوذ من قوله: {من حمإ مسنون} [الحجر: 26] وهو المتغير، وذلك أيضا إذا كان كذلك، فهو أيضا مما بدلت نونه ياء، وهو قراءة عامة قراء الكوفة. والآخر منهما: إثبات الهاء في الوصل والوقف، ومن قرأه كذلك فإنه يجعل الهاء في {يتسنه} [البقرة: 259] لام الفعل ويجعلها مجزومة بلم، ويجعل فعلت منه تسنهت، ويفعل: أتسنه تسنها ، وقال في تصغير السنة: سنيهة، ومنه: أسنهت عند القوم، وتسنهت عندهم: إذا أقمت سنة، هذه قراءة عامة قراء أهل المدينة والحجاز والصواب من القراءة عندي في ذلك، إثبات الهاء في الوصل والوقف؛ لأنها مثبتة في مصحف المسلمين، ولإثباتها وجه صحيح في كلتا الحالتين في ذلك. ومعنى قوله: {لم يتسنه} [البقرة: 259] لم يأت عليه السنون فيتغير على لغة من قال: أسنهت عندكم أسنه: إذا أقام سنة، وكما قال الشاعر: [+البحر الطويل] وليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح فجعل الهاء في السنة أصلا، وهي اللغة الفصحى، وغير جائز حذف حرف من كتاب الله في حال وقف أو وصل لإثباته وجه معروف في كلامها، فإن اعتل معتل بأن المصحف قد ألحقت فيه حروف هن زوائد على نية الوقف، والوجه في الأصل عند القراءة حذفهن، وذلك كقوله: {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] وقوله: {يا ليتني لم أوت كتابيه} [الحاقة: 25] فإن ذلك هو مما لم يكن فيه شك أنه من الزوائد، وأنه ألحق على نية الوقف، فأما ما كان محتملا أن يكون أصلا للحرف غير زائد فغير جائز، وهو في مصحف المسلمين مثبت، صرفه إلى أنه من الزوائد والصلات على أن ذلك وإن كان زائدا فيما لا شك أنه من الزوائد، فإن العرب قد تصل الكلام بزائد، فتنطق به على نحو منطقها به في حال القطع، فيكون وصلها إياه وقطعها سواء، وذلك من فعلها دلالة على صحة قراءة من قرأ جميع ذلك بإثبات الهاء في الوصل والوقف، غير أن ذلك وإن كان كذلك فلقوله: {لم يتسنه} [البقرة: 259] حكم مفارق حكم ما كان هاؤه زائدا لا شك في زيادته فيه ومما يدل على صحة ما قلنا، من أن الهاء في {يتسنه} [البقرة: 259] من لغة من قال: قد أسنهت، والمسانهة ما: حدثت به، عن القاسم بن سلام، قال: ثنا ابن مهدي، عن أبي الجراح، عن سليمان بن عمير، قال: ثني هانئ مولى عثمان، قال: كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت، فقال زيد: سله عن قوله : لم يتسن، أو 04P602 لم يتسنه؟

Bagian V04/P601–V04/P605

فقال عثمان: «اجعلوا فيها هاء» حدثت عن القاسم، وحدثنا محمد بن محمد العطار، عن القاسم، وحدثنا أحمد، والعط‍ار، جميعا، عن القاسم، قال: ثنا ابن مهدي، عن ابن المبارك، قال: ثني أبو وائل شيخ من أهل اليمن، عن هانئ البربري، قال: " كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها: لم يتسن وفأمهل الكافرين، ولا تبديل للخلق، قال: فدعا بالدواة، فمحا إحدى اللامين وكتب: {لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] ومحا فأمهل وكتب: {فمهل الكافرين} [الطارق: 17] وكتب: {لم يتسنه} [البقرة: 259] ألحق فيها الهاء «ولو كان ذلك من» يتسنى «أو» يتسنن " لما ألحق فيه أبي هاء لا موضع لها فيه، ولا أمر عثمان بإلحاقها فيها وقد روي عن زيد بن ثابت في ذلك نحو الذي روي فيه عن أبي بن كعب 04P603 واختلف أهل التأويل في تأويل قوله {لم يتسنه} [البقرة: 259] فقال بعضهم بمثل الذي قلنا فيه من أن معناه لم يتغير ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن المفضل، عن محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه: {لم يتسنه} [البقرة: 259] «لم يتغير» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لم يتسنه} [البقرة: 259] «لم يتغير» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} [البقرة: 259] يقول: " فانظر إلى طعامك من التين والعنب، وشرابك من العصير لم يتسنه، يقول: لم يتغير فيحمض التين والعنب، ولم يختمر العصير هما حلوان كما هما وذلك أنه مر جائيا من الشام على حمار له معه عصير وعنب وتين، فأماته الله، وأمات حماره، ومر عليهما مائة سنة " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } [البقرة: 259] يقول: «لم يتغير، وقد أتى عليه مائة عام» حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، بنحوه حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {لم يتسنه} [البقرة: 259] «لم يتغير» حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن النضر، عن عكرمة: {لم يتسنه} [البقرة: 259] «لم يتغير» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {لم يتسنه} [البقرة: 259] «لم يتغير في مائة سنة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني بكر بن مضر، قال: " يزعمون في بعض الكتب أن إرميا كان بإيليا حين خربها بختنصر، فخرج منها إلى مصر فكان بها، فأوحى الله إليه أن اخرج منها إلى بيت المقدس، فأتاها فإذا هي خربة، فنظر إليها فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه} ، فإذا 04P605 حماره حي قائم على رباطه، وإذا طعامه سل عنب وسل تين لم يتغير عن حاله " قال يونس: قال لنا سلم الخواص: كان طعامه وشرابه سل عنب وسل تين وزق عصير وقال آخرون: معنى ذلك: لم ينتن ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {لم يتسنه} [البقرة: 259] «لم ينتن» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: قوله: {إلى طعامك} [البقرة: 259] قال: «سل تين» ، {وشرابك} [البقرة: 259] «دن خمر» ، {لم يتسنه} [البقرة: 259] يقول: «لم ينتن» وأحسب أن مجاهدا والربيع ومن قال في ذلك بقولهما رأوا أن قوله: {لم يتسنه} [البقرة: 259] من قول الله تعالى ذكره: {من حمإ مسنون} [الحجر: 26] بمعنى المتغير الريح بالنتن من قول القائل: تسنن، وقد بينت الدلالة فيما مضى على أن ذلك ليس كذلك.

Bagian V04/P605

فإن ظن ظان أنه من الآسن من قول القائل: أسن هذا الماء يأسن أسنا، كما قال الله تعالى ذكره: {فيها أنهار من ماء غير آسن} [محمد: 15] فإنه ذلك لو كان كذلك لكان الكلام: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتأسن، ولم يكن يتسنه، فإنه منه، غير أنه ترك همزه، قيل: فإنه وإن ترك همزه فغير جائز تشديد نونه؛ لأن النون غير مشددة، وهي في يتسنه مشددة، ولو نطق من يتأسن بترك الهمزة لقيل يتسن بتخفيف نونه بغير هاء تلحق فيه، ففي ذلك بيان واضح أنه غير جائز أن يكون من الأسن 04P606

Bagian V04/P605–V04/P607

[البقرة: 259] القول في تأويل قوله تعالى: {وانظر إلى حمارك} [البقرة: 259] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وانظر إلى حمارك} [البقرة: 259] فقال بعضهم: معنى ذلك: وانظر إلى إحيائي حمارك، وإلى عظامه كيف أنشزها ثم أكسوها لحما ثم اختلف متأولو ذلك في هذا التأويل، فقال بعضهم: قال الله تعالى ذكره ذلك له 04P607 بعد أن أحياه خلقا سويا، ثم أراد أن يحيي حماره؛ تعريفا منه تعالى ذكره له كيفية إحيائه القرية التي رآها خاوية على عروشها، فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] مستنكرا إحياء الله إياها ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: «بعثه الله فقال» : {كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم} [البقرة: 259] إلى قوله: {ثم نكسوها لحما} [البقرة: 259] قال: «فنظر إلى حماره يتصل بعض إلى بعض، وقد كان مات معه بالعروق والعصب، ثم كسا ذلك منه اللحم حتى استوى ثم جرى فيه الروح، فقام ينهق، ونظر إلى عصيره وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير، فلما عاين من قدرة الله ما عاين» ، قال: {أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " ثم إن الله أحيا عزيرا، فقال: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، وانظر إلى عظامه كيف ننشزها ثم نكسوها لحما، فبعث الله ريحا، فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع، فاجتمعت، فركب بعضها في بعض وهو ينظر، فصار حمارا من 04P608 عظام ليس له لحم ولا دم، ثم إن الله كسا العظام لحما ودما، فقام حمارا من لحم ودم وليس فيه روح، ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار، فنفخ فيه فنهق الحمار، فقال: أعلم أن الله على كل شيء قدير " فتأويل الكلام على ما تأوله قائل هذا القول: وانظر إلى إحيائنا حمارك، وإلى عظامه كيف ننشزها ثم نكسوها لحما، ولنجعلك آية للناس، فيكون في قوله: {وانظر إلى حمارك} [البقرة: 259] متروك من الكلام، استغنى بدلالة ظاهرة عليه من ذكره، وتكون الألف واللام في قوله: {وانظر إلى العظام} [البقرة: 259] بدلا من الهاء المرادة في المعنى؛ لأن معناه: وانظر إلى عظامه: يعني إلى عظام الحمار. وقال آخرون منهم: بل قال الله تعالى ذكره ذلك له بعد أن نفخ فيه الروح في عينه، قالوا: وهي أول عضو من أعضائه نفخ الله فيه الروح، وذلك بعد أن سواه خلقا سويا، وقبل أن يحيى حماره ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «كان هذا رجلا من بني إسرائيل نفخ الروح في عينيه، فنظر إلى خلقه كله حين يحييه الله، وإلى حماره حين يحييه الله» 04P609 حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " بدأ بعينيه فنفخ فيهما الروح، ثم بعظامه فأنشزها، ثم وصل بعضها إلى بعض، ثم كساها العصب، ثم العروق، ثم اللحم.

Bagian V04/P607–V04/P609

ثم نظر إلى حماره، فإذا حماره قد بلي وابيضت عظامه في المكان الذي ربطه فيه، فنودي: يا عظام اجتمعي، فإن الله منزل عليك روحا، فسعى كل عظم إلى صاحبه، فوصل العظام، ثم العصب، ثم العروق، ثم اللحم، ثم الجلد، ثم الشعر، وكان حماره جذعا، فأحياه الله كبيرا قد تشنن، فلم يبق منه إلا الجلد من طول الزمن، وكان طعامه سل عنب وشرابه دن خمر " قال ابن جريج عن مجاهد: " نفخ الروح في عينيه، ثم نظر بهما إلى خلقه كله حين نشره الله، وإلى حماره حين يحييه الله وقال آخرون: بل جعل الله الروح في رأسه وبصره وجسده ميتا، فرأى حماره قائما كهيئته يوم ربطه وطعامه وشرابه كهيئته يوم حل البقعة، ثم قال الله له: انظر إلى عظام نفسك كيف ننشزها ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه، يقول: «رد الله روح الحياة في عين إرميا وآخر جسده ميت، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه، ونظر إلى حماره واقفا كهيئته يوم ربطه، لم يطعم ولم يشرب، ونظر إلى الرمة في عنق الحمار لم تتغير جديدة» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فأماته الله مائة عام ثم بعثه} " فنظر إلى حماره قائما قد مكث مائة عام، وإلى طعامه لم يتغير قد أتى عليه مائة عام، {وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما} [البقرة: 259] فكان أول شيء أحيا الله منه رأسه، فجعل ينظر إلى سائر خلقه يخلق " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: {فأماته الله مائة عام ثم بعثه} «فنظر إلى حماره قائما، وإلى طعامه وشرابه لم يتغير، فكان أول شيء خلق منه رأسه، فجعل ينظر إلى كل شيء منه يوصل بعضه إلى بعض» ، {فلما تبين له، قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " 04P611 ذكر لنا أنه أول ما خلق الله منه رأسه، ثم ركبت فيه عيناه، ثم قيل له: انظر، فجعل ينظر ، فجعلت عظامه تواصل بعضها إلى بعض، وبعين نبي الله عليه السلام كان ذلك "، فقال: «أعلم أن الله على كل شيء قدير» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك} [البقرة: 259] «وكان حماره عنده كما هو» ، {ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها} [البقرة: 259] قال الربيع: " ذكر لنا والله أعلم أنه أول ما خلق منه عيناه، ثم قيل: انظر، فجعل ينظر إلى العظام يتواصل بعضها إلى بعض وذلك بعينيه، فقيل: أعلم أن الله على كل شيء قدير " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن زيد، قال قوله: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك} [البقرة: 259] «واقفا عليك منذ مائة سنة» ، {ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام} [البقرة: 259] يقول: " وانظر إلى عظامك كيف نحييها حين سألتنا كيف نحيي هذه الأرض بعد موتها؟

Bagian V04/P609

قال: فجعل الله الروح في بصره وفي لسانه، ثم قال: ادع الآن بلسانك الذي جعل الله فيه الروح، وانظر ببصرك، قال: فكان ينظر إلى الجمجمة، قال: فنادى: ليلحق كل عظم بأليفه، قال: فجاء كل عظم إلى صاحبه، حتى اتصلت وهو يراها، حتى إن 04P612 الكسرة من العظم لتأتي إلى الموضع الذي انكسرت منه، فتلصق به حتى وصل إلى جمجمته، وهو يرى ذلك، فلما اتصلت شدها بالعصب والعروق، وأجرى عليها اللحم والجلد، ثم نفخ فيها الروح، ثم قال: {انظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له} [البقرة: 259] ذلك {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] قال: «ثم أمر فنادى تلك العظام التي» قال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] «كما نادى عظام نفسه، ثم أحياها الله كما أحياه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني بكر بن مضر، قال: " يزعمون في بعض الكتب أن الله أمات إرميا مائة عام، ثم بعثه، فإذا حماره حي قائم على رباطه، قال: ورد الله إليه بصره وجعل الروح فيه قبل أن يبعث بثلاثين سنة، ثم نظر إلى بيت المقدس وكيف عمر وما حوله، قال: فيقولون والله أعلم: إنه الذي قال الله تعالى ذكره: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية} [البقرة: 259] الآية " ومعنى الآية على تأويل هؤلاء: وانظر إلى حمارك، ولنجعلك آية للناس، وانظر إلى عظامك كيف ننشزها بعد بلاها، ثم نكسوها لحما، فنحييها بحياتك، فتعلم كيف يحيي الله القرى وأهلها بعد مماتها. 04P613 وأولى الأقوال في هذه الآية بالصواب قول من قال: إن الله تعالى ذكره بعث قائل {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] من مماته، ثم أراه نظير ما استنكر من إحياء الله القرية التي مر بها بعد مماتها عيانا من نفسه وطعامه وحماره، فحمل تعالى ذكره ما أراه من إحيائه نفسه وحماره مثلا لما استنكر من إحيائه أهل القرية التي مر بها خاوية على عروشها، وجعل ما أراه من العبرة في طعامه وشرابه عبرة له وحجة عليه في كيفية إحيائه منازل القرية وجنانها، وذلك هو معنى قول مجاهد الذي ذكرناه قبل. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأن قوله: {وانظر إلى العظام} [البقرة: 259] إنما هو بمعنى: وانظر إلى العظام التي تراها ببصرك كيف ننشزها، ثم نكسوها لحما، وقد كان حماره أدركه من البلى في قول أهل التأويل جميعا نظير الذي لحق عظام من خوطب بهذا الخطاب، فلم يمكن صرف معنى قوله: {وانظر إلى العظام} [البقرة: 259] إلى أنه أمر له بالنظر إلى عظام الحمار دون عظام المأمور بالنظر إليها، ولا إلى أنه أمر له بالنطر إلى عظام نفسه دون عظام الحمار، وإذا كان ذلك كذلك، وكان البلى قد لحق عظامه وعظام حماره، كان الأولى بالتأويل أن يكون الأمر بالنظر إلى كل ما أدركه طرفه مما قد كان البلى لحقه؛ لأن الله تعالى ذكره جعل جميع ذلك عليه حجة وله عبرة وعظة 04P612

Bagian V04/P609–V04/P614

[البقرة: 259] القول في تأويل قوله تعالى: {ولنجعلك آية للناس} [البقرة: 259] يعني تعالى ذكره بذلك: {ولنجعلك آية للناس} [البقرة: 259] أمتناك مائة عام ثم بعثناك، وإنما أدخلت الواو مع اللام التي في قوله: {ولنجعلك آية للناس} [البقرة: 259] وهو بمعنى «كي» ؛ لأن في دخولها في كي وأخواتها دلالة على أنها شرط لفعل بعدها، بمعنى: ولنجعلك كذا وكذا فعلنا ذلك، ولو لم تكن قبل اللام أعني لام «كي» واو كانت اللام شرطا للفعل الذي قبلها، وكان يكون معناه: وانظر إلى حمارك، لنجعلك آية للناس، وإنما عنى بقوله: {ولنجعلك آية} [البقرة: 259] ولنجعلك حجة على من جهل قدرتي، وشك في عظمتي، وأنا القادر على فعل ما أشاء من إماتة وإحياء، وإفناء، وإنشاء، وإنعام، وإذلال، وإقتار، وإغناء، بيدي ذلك كله، لا يملكه أحد دوني، ولا يقدر عليه غيري وكان بعض أهل التأويل يقول: كان آية للناس بأنه جاء بعد مائة عام إلى ولده وولد ولده شابا وهم شيوخ ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، عن سفيان، قال: سمعت الأعمش، يقول: {ولنجعلك آية للناس} [البقرة: 259] قال: «جاء شابا وولده شيوخ» وقال آخرون: معنى ذلك أنه جاء وقد هلك من يعرفه، فكان آية لمن قدم عليه من قومه ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال، ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " رجع إلى أهله، فوجد داره قد بيعت وبنيت، وهلك من كان يعرفه، فقال: اخرجوا من داري، قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عزير، قالوا: أليس قد هلك عزير منذ كذا وكذا؟ قال: فإن عزيرا أنا هو، كان من حالي وكان، فلما عرفوا ذلك، خرجوا له من الدار ودفعوها إليه " والذي هو أولى بتأويل الآية من القول، أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه جعل الذي وصف صفته في هذه الآية حجة للناس، فكان ذلك حجة على من عرفه من ولده وقومه ممن علم موته، وإحياء الله إياه بعد مماته، وعلى من بعث إليه منهم 04P615

Bagian V04/P614–V04/P616

[البقرة: 259] القول في تأويل قوله تعالى: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} [البقرة: 259] قد دللنا فيما مضى قبل على أن العظام التي أمر بالنظر إليها هي عظام نفسه وحماره، وذكرنا اختلاف المختلفين في تأويل ذلك وما يعني كل قائل بما قاله في ذلك بما أغنى عن إعادته وأما قوله: {كيف ننشزها} [البقرة: 259] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأ بعضهم: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} [البقرة: 259] بضم النون وبالزاي، وذلك قراءة عامة قراءة الكوفيين، بمعنى: وانظر كيف نركب بعضها على بعض، وننقل ذلك إلى مواضع من الجسم، وأصل النشز الارتفاع، ومنه قيل: قد نشز الغلام إذا ارتفع طوله وشب، ومنه نشوز المرأة على زوجها، ومن ذلك قيل للمكان المرتفع من الأرض: نشز ونشز ونشاز، فإذا أردت أنك رفعته، قلت: أنشزته إنشازا، ونشز هو: إذا ارتفع فمعنى قوله: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} [البقرة: 259] في قراءة من قرأ ذلك بالزاي: كيف نرفعها من أماكنها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسم وممن تأول ذلك هذا التأويل جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {كيف ننشزها} [البقرة: 259] «كيف نخرجها» ؟ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {كيف ننشزها} [البقرة: 259] قال: «نحركها» وقرأ ذلك آخرون: (وانظر إلى العظام كيف ننشرها) بضم النون، 04P617 قالوا من قول القائل: أنشر الله الموتى فهو ينشرهم إنشارا، وذلك قراءة عامة قراء أهل المدينة، بمعنى: وانظر إلى العظام كيف نحييها ثم نكسوها لحما ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (كيف ننشرها) قال: «انظر إليها حين يحييها الله» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (وانظر إلى العظام كيف ننشرها) قال: «كيف نحييها» ؟ واحتج بعض قراء ذلك بالراء وضم نون أوله بقوله: {ثم إذا شاء أنشره} [عبس: 22] فرأى أن من الصواب إلحاق قوله: (وانظر إلى العظام كيف ننشرها) به، وقرأ ذلك بعضهم: (وانظر إلى العظام كيف ننشرها) بفتح النون من أوله 04P618 وبالراء كأنه وجه ذلك إلى مثل معنى نشر الشيء وطيه، وذلك قراءة غير محمودة، لأن العرب لا تقول: نشر الموتى، وإنما تقول: أنشر الله الموتى، فنشروا هم بمعنى: أحياهم فحيوا هم، ويدل على ذلك قوله: {ثم إذا شاء أنشره} [عبس: 22] وقوله: {آلهة من الأرض هم ينشرون} [الأنبياء: 21] ، وعلى أنه إذا أريد به حيي الميت وعاش بعد مماته، قيل: نشر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة: [+البحر السريع] حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر وروي سماعا من العرب: كان به جرب فنشر، إذا عاد وحيي.

Bagian V04/P616

والقول في ذلك عندي أن معنى الإنشار ومعنى الإنشاز متقاربان، لأن معنى الإنشاز التركيب والإثبات ورد العظام من العظام وإعادتها لا شك أنه ردها إلى أماكنها ومواضعها من الجسد بعد مفارقتها إياها، فهما وإن اختلفا في اللفظ فمتقاربا المعنى، وقد جاءت بالقراءة بهما الأمة مجيئا يقطع العذر ويوجب الحجة، فبأيهما قرأ القارئ فمصيب لانقياد معنييهما، ولا حجة توجب لإحداهما من القضاء بالصواب على الأخرى، فإن ظن ظان أن الإنشار إذا كان إحياء فهو بالصواب أولى؛ لأن المأمور بالنظر 04P619 إلى العظام وهي تنشر إنما أمر به ليرى عيانا ما أنكره بقوله: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] فإن إحياء العظام لا شك في هذا الموضع إنما عنى به ردها إلى أماكنها من جسد المنظور إليه، وهو يحيا، لا إعادة الروح التي كانت فارقتها عند الممات، والذي يدل على ذلك قوله: {ثم نكسوها لحما} [البقرة: 259] ولا شك أن الروح إنما نفخت في العظام التي أنشرت بعد أن كسيت اللحم، وإذا كان ذلك كذلك، وكان معنى الإنشاز تركيب العظام وردها إلى أماكنها من الجسد، وكان ذلك معنى الإنشار، وكان معلوما استواء معنييهما، وأنهما متفقا المعنى لا مختلفاه، ففي ذلك إبانة عن صحة ما قلنا فيه، وأما القراءة الثالثة فغير جائزة القراءة بها عندي، وهي قراءة من قرأ : (كيف ننشرها) بفتح النون وبالراء، لشذوذها عن قراءة المسلمين وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب 04P617

Bagian V04/P616

[البقرة: 259] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم نكسوها لحما} [البقرة: 259] يعني تعالى ذكره بذلك: {ثم نكسوها} [البقرة: 259] أي العظام لحما، والهاء التي في قوله: {ثم نكسوها لحما} [البقرة: 259] من ذكر العظام، ومعنى نكسوها: نلبسها ونواريها به كما يواري جسد الإنسان كسوته التي يلبسها، وكذلك تفعل العرب، تجعل كل شيء غطى شيئا وواراه لباسا له وكسوة، ومنه قول النابغة الجعدي: [+البحر البسيط] 04P620 فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا فجعل الإسلام إذ غطى الذي كان عليه فواراه وأذهبه كسوة له وسربالا 04P619

Bagian V04/P616–V04/P622

[البقرة: 259] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] يعني تعالى ذكره بقوله: {فلما تبين له} [البقرة: 259] فلما اتضح له عيانا ما كان مستنكرا من قدرة الله وعظمته عنده قبل عيانه ذلك، قال: أعلم الآن بعد المعاينة والإيضاح والبيان أن الله على كل شيء قدير. ثم اختلفت القراءة في قراءة قوله: {قال أعلم أن الله} [البقرة: 259] فقرأه بعضهم: {قال أعلم} [البقرة: 259] على معنى الأمر بوصل الألف من «أعلم» ، وجزم الميم منها. وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة، ويذكرون أنها في قراءة عبد الله: (قيل اعلم) على وجه الأمر من الله للذي أحيي بعد مماته، فأمر بالنظر إلى ما يحييه الله بعد مماته وكذلك روي عن ابن عباس حدثني أحمد بن يوسف التغلبي، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثني حجاج، عن هارون، قال: " هي في قراءة عبد الله: (قيل اعلم أن الله) على وجه الأمر " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 04P621 ابن طاوس، عن أبيه - أحسبه، شك أبو جعفر الطبري - سمعت ابن عباس، يقرأ: (فلما تبين له قال اعلم) قال: «إنما قيل ذلك له» حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " ذكر لنا والله أعلم أنه قيل له: انظر ، فجعل ينظر إلى العظام كيف يتواصل بعضها إلى بعض، وذلك بعينيه، فقيل: اعلم أن الله على كل شيء قدير " فعلى هذا القول تأويل ذلك: فلما تبين من أمر الله وقدرته، قال الله له: اعلم الآن أن الله على كل شيء قدير، ولو صرف متأول قوله: قال اعلم، وقد قرأه على وجه الأمر إلى أنه من قبل المخبر عنه بما اقتص في هذه الآية من قصته كان وجها صحيحا، وكان ذلك كما يقول القائل: اعلم أن قد كان كذا وكذا، على وجه الأمر منه لغيره وهو يعني به نفسه، وقرأ ذلك آخرون: {قال أعلم} [البقرة: 259] على وجه الخبر عن نفسه للمتكلم به بهمز ألف {أعلم} [البقرة: 259] وقطعها ورفع الميم، بمعنى: فلما تبين له من قدرة الله وعظيم سلطانه بمعاينته ما عاينه، قال: أليس ذلك، أعلم الآن أنا أن الله على كل شيء قدير؟ وبذلك قرأ عامة أهل المدينة وبعض قراء أهل العراق، وبذلك من التأويل تأوله جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: " لما عاين من قدرة الله ما عاين، قال: {أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه، يقول: {فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " يعني نبي الله عليه السلام، يعني إنشاز العظام، فقال: {أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " قال عزير عند ذلك يعني عند معاينة إحياء الله حماره {أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «جعل ينظر إلى كل شيء منه يوصل بعضه إلى بعض» ، {فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 259] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، نحوه وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: (اعلم) بوصل الألف وجزم الميم على وجه الأمر من الله تعالى ذكره للذي قد أحياه بعد مماته بالأمر بأن يعلم أن الله الذي أراه بعينيه ما أراه من عظيم قدرته وسلطانه من إحيائه إياه وحماره بعد موت مائة عام وبلائه حتى عادا كهيئتهما يوم قبض أرواحهما، وحفظ عليه طعامه وشرابه مائة عام حتى رده عليه كهيئته يوم وضعه غير متغير على كل شيء قادر كذلك.

Bagian V04/P622

وإنما اخترنا قراءة ذلك كذلك وحكمنا له بالصواب دون غيره؛ لأن ما قبله من الكلام أمر من الله تعالى ذكره قولا للذي أحياه الله بعد مماته وخطابا له به، وذلك قوله: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك} [البقرة: 259] ، {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} [البقرة: 259] فلما تبين له ذلك جوابا عن مسألته ربه: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] ؟ قال الله له: اعلم أن الله الذي فعل هذه الأشياء على ما رأيت على غير ذلك من الأشياء قدير كقدرته على ما رأيت وأمثاله، كما قال تعالى ذكره لخليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم، بعد أن أجابه عن مسألته إياه في قوله: {رب أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: 260] {واعلم أن الله عزيز حكيم} [البقرة: 260] فأمر إبراهيم بأن يعلم بعد أن أراه كيفية إحيائه الموتى أنه عزيز حكيم، فكذلك أمر الذي سأل فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} [البقرة: 259] بعد أن أراه كيفية إحيائه إياها أن يعلم أن الله على كل شيء قدير 04P623

Bagian V04/P622–V04/P625

[البقرة: 260] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم} [البقرة: 260] يعني تعالى ذكره بذلك: ألم تر إذ قال إبراهيم: رب أرني، وإنما صلح أن يعطف بقوله: {وإذ قال إبراهيم} [البقرة: 126] على قوله: {أو كالذي مر على قرية} [البقرة: 259] وقوله: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} [البقرة: 258] لأن قوله: {ألم تر} [البقرة: 243] ليس معناه: ألم تر بعينيك، وإنما معناه: ألم تر بقلبك، فمعناه: ألم تعلم فتذكر، فهو وإن كان لفظه لفظ الرؤية فيعطف عليه أحيانا بما يوافق لفظه من الكلام، وأحيانا بما يوافق معناه. واختلف أهل التأويل في سبب مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى؟ فقال بعضهم: كانت مسألته ذلك ربه أنه رأى دابة قد تقسمتها السباع والطير، فسأل ربه أن يريه كيفية إحيائه إياها مع تفرق لحومها في بطون طير الهواء وسباع الأرض ليرى ذلك عيانا، فيزداد يقينا برؤيته ذلك عيانا إلى علمه به خبرا، فأراه الله ذلك مثلا بما أخبر أنه أمره به ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: 260] " ذكر لنا أن خليل الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع، فقال: {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] " حدثت عن الحسن، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {رب أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: 260] قال: " مر إبراهيم على دابة ميت قد بلي وتقسمته الرياح والسباع، فقام ينظر، فقال: سبحان الله، كيف يحيي الله هذا؟ وقد علم أن الله قادر على ذلك، فذلك قوله: {رب أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: 260] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " بلغني أن إبراهيم، بينا هو يسير على الطريق، إذا هو بجيفة حمار عليها السباع والطير قد تمزعت لحمها وبقي عظامها. فلما ذهبت السباع، وطارت الطير على الجبال والآكام، فوقف وتعجب ثم قال: رب قد علمت لتجمعنها من بطون هذه السباع والطير {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى} [البقرة: 260] " ولكن ليس الخبر كالمعاينة حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " مر إبراهيم بحوت نصفه في البر، ونصفه في البحر، فما كان منه في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان منه في البر فالسباع ودواب البر تأكله، فقال له الخبيث: يا إبراهيم، متى 04P626 يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال: «يا رب أرني كيف تحيي الموتى» ، قال: {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] " وقال آخرون: بل كان سبب مسألته ربه ذلك، المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين نمروذ في ذلك ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، قال: " لما جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى مما قصه الله في سورة الأنبياء، قال نمروذ فيما يذكرون لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو؟ قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت، قال نمروذ: أنا أحيي وأميت، فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟

Bagian V04/P625–V04/P628

ثم ذكر ما قص الله من محاجته إياه، قال: فقال إبراهيم عند ذلك: {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] من غير شك في الله تعالى ذكره ولا في قدرته، ولكنه أحب أن يعلم ذلك وتاق إليه قلبه، فقال: ليطمئن قلبي، أي ما تاق إليه إذا هو علمه " وهذان القولان، أعني الأول وهذا الآخر متقاربا المعنى في أن مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، كانت ليرى عيانا ما كان عنده من علم ذلك خبرا وقال آخرون: بل كانت مسألته ذلك ربه عند البشارة التي أتته من الله بأنه اتخذه خليلا، فسأل ربه أن يريه عاجلا من العلامة له على ذلك ليطمئن قلبه بأنه قد اصطفاه لنفسه خليلا، ويكون ذلك لما عنده من اليقين مؤيدا ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه أن يأذن له أن يبشر إبراهيم بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس في البيت فدخل داره، وكان إبراهيم أغير الناس، إن خرج أغلق الباب؛ فلما جاء وجد في داره رجلا، فثار إليه ليأخذه، قال: من أذن لك أن تدخل داري؟ قال ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار، قال إبراهيم: صدقت وعرف أنه ملك الموت، قال: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت جئتك أبشرك بأن الله قد اتخذك خليلا، فحمد الله وقال: يا ملك الموت أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار، قال: يا إبراهيم لا تطيق ذلك، قال: بلى. قال: فأعرض، فأعرض إبراهيم ثم نظر إليه، فإذا هو برجل أسود تنال رأسه السماء يخرج من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده إلا في صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار، فغشي على إبراهيم، ثم أفاق وقد تحول ملك الموت في الصورة الأولى، فقال: يا ملك الموت لو لم يلق الكافر عند الموت من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه، فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين، قال: فأعرض، فأعرض إبراهيم ثم التفت، فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجها وأطيبه ريحا، في ثياب بيض، فقال: يا ملك الموت، لو لم يكن للمؤمن عند ربه من قرة العين 04P628 والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه، فانطلق ملك الموت، وقام إبراهيم يدعو ربه يقول: {رب أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: 260] حتى أعلم أني خليلك {قال أولم تؤمن} [البقرة: 260] بأني خليلك، يقول تصدق، {قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] بخلولتك " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير: {ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: «بالخلة» وقال آخرون: قال ذلك لربه؛ لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أيوب، في قوله: {ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: قال ابن عباس: «ما في القرآن آية أرجى عندي منها» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت زيد بن علي، يحدث عن رجل، عن سعيد بن المسيب، قال: " اتعد عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو أن يجتمعا، قال: ونحن يومئذ شببة، فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى لهذه الأمة؟

Bagian V04/P628–V04/P629

فقال عبد الله بن عمرو {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] حتى ختم الآية، فقال ابن 04P629 عباس: أما إن كنت تقول إنها، وإن أرجى منها لهذه الأمة قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] " حدثنا القاسم، قال: ثني الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء بن أبي رباح، عن قوله: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] قال: " دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس، فقال: {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى} [البقرة: 260] ، {قال فخذ أربعة من الطير} [البقرة: 260] ليريه " حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، قالا: ثنا سعيد بن تليد، قال: ثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: ثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " نحن أحق بالشك من إبراهيم، قال: {رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن 04P630 شهاب، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر نحوه وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال، وهو قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم، قال رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن» وأن تكون مسألته ربه ما سأله أن يريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرض في قلبه كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفا " من أن إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ليعاين ذلك عيانا، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقي في قلبه مثل الذي ألقى فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك، فقال له ربه: {أولم تؤمن} [البقرة: 260] يقول: أولم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر؟

Pertanyaan